Ibn 'AdilAl‑Kahf · 18:18–22

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:18–22

18:18Page 295

وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا ١٨

And you would think them awake, while they were asleep. And We turned them to the right and to the left, while their dog stretched his forelegs at the entrance. If you had looked at them, you would have turned from them in flight and been filled by them with terror.

قوله: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً﴾ أي: لو رأيتهم، لحسبتهم.

وقال شهبا الدِّين: لا حاجة إلى هذا التقدير.

﴿أَيْقَاظاً﴾ : جمع «يَقُظٍ» بضم القاف، وبجمع على يقاظٍ، ويقظ وأيقاظ، كعضدٍ وأعضادٍ، ويقظ ويقاظ، كرجلٍ ورجالٍ، وظاهرُ كلام الزمخشريِّ أنه يقال: «يقظٌ» بالكسر؛ لأنه قال: وأيقاظٌ جمع «يقظٍ» كأنكاد في «نكدٍ» .

وقال الخفش، وأبو عبيدة، والزجاج: أيقاظٌ جمع يقظٍ ويقظان.

وأنشدوا [لرؤبة] : [الرجز]

3499 - ووَجدُوا إخْوانَهُم أيْقَاظا..... ... ... ... . .

وقال البغوي: أيقاظاً جمع يقيظ ويقظ، واليقظة: الانتباه عند النَّوم.

قال الواحديُّ: وإنما يحسبون أيقاظاً؛ لأنَّ أعينهم مفتحةٌ، وهم نيامٌ.

وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم يظنُّ أنهم أيقاظٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال﴾ والرقود جمع راقدٍ، كقاعدٍ وقعود.

فصل في مدة تقليبهم

اختلفوا في مقدار مدَّة التَّقليب:

فعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «أنَّ لهم في كلِّ عام تَقْليبَتَيْنِ» وعن مجاهدٍ: يمكثون رقوداً على أيمانهم تسع سنينَ، ثم ينقلبون على شمائلهم، فيمكثون رقوداً تسع سنين.

وقيل: لهم تقليبة واحدة في يوم عاشوراء.

وقال ابن الخطيب: وهذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها، والقرآن لا يدل عليها، وما جاء فيه خبر صحيح، فكيف يعرف؟ وقال ابن عباس: فائدة تقليبهم؛ لئلا تأكل الأرض لحومهم وتبليهم.

قال ابن الخطيب: عجبت من ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قدر على أن يمسك حياتهم ثلاثمائة سنة وأكثر، فلم لا يقدر على حفظ أجسامهم من غير تقليب؟! .

قوله: «ونُقلِّبهُم» قرأ العامة «نُقلِّبهُم» مضارعاً مسنداً للمعظِّم نفسه.

وقرئ أيضاً بالياء من تحت، أي: الله أو الملك، وقرأ الحسن: «يُقلِبُهمْ» بالياء من تحت ساكن القاف، مخفف اللام، وفاعله، إمَّا الله أو الملكُ.

وقرأ أيضاً «وتَقَلُّبَهُم» بفتح التاء، وضمِّ اللام مشددة مصدر تقلَّب كقوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين﴾ [الشعراء: 219] ونصب الباء، وخرَّجه أبو الفتح على إضمار فعل، أي: ونرى تقلُّبهم، أو نشاهد تقلُّبهم، وروي عنه أيضاً رفع الباء على الابتداءِ، والخبر الظرف بعده، ويجوز أن يكون محذوفاً، أي: آية عظيمة. وقرأ عكرمة «وتقلبُهمْ» بتاء التأنيث مضارع «قَلبَ» مخفَّفاً، وفاعله ضمير الملائكةِ المدلولِ عليهم بالسِّياق.

وقوله: «ذَاتَ» منصوب على الظَّرف، لأنَّ المعنى: ونُقلِّبُهمْ من ناحية اليمين أو على ناحية «اليمين» كما تقدَّم في قوله: ﴿تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليمين﴾ [الكهف: 17] .

وقوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد﴾ .

قرأ العامة «وكَلْبُهمْ» وقرأ جعفر الصادق «كَالبُهمْ» أي: صاحب كلبهم كلابنٍ وتامر، ونقل أبو عمر الزاهدُ غلامُ ثعلبٍ «وكَالِئُهُمْ» بهمزة مضمومة اسم فاعل من كَلأ يَْلأُ أي: حفظ يحفظُ.

و «باسطٌ» اسم فاعل ماض، وإنما عمل على حكاية الحال، الكسائي يعمله، ويستشهد بالآية.

والوَصِيدُ: الباب؛ قاله ابن عبَّاس والسديُّ. وقيل: العَتبَةُ.

والكهفُ لا يكون له بابٌ، ولا عتبة، وإنما أراد موضع الباب.

وقال الزجاج: الوصيد فناءُ البيت، وفناء الدَّار.

وقيل: الصَّعيدُ والتُّراب.

قال الشاعر: [الطويل]

3500 - بأرْضِ فَضاءٍ لا يسدُّ وصيدُها ... عَليَّ ومَعرُوفِي بها غَيْرُ مُنْكرِ

وجمعه: وصائد ووصدٌ.

وقيل: الوصيدُ: الصَّعيدُ والتراب.

قال يونس، والأخفش، والفراء: الأصيدُ والوصيدُ لغتان؛ مثل: الوكاف والإكاف.

وقال مجاهدٌ، والضحاك: «الوَصِيدُ» : الكهف.

وأكثر المفسرين على أنَّ الكلب كان من جنس الكلاب.

وروي عن ابن جريج: أنه كان أسداً، وسمِّي الأسد كلباً، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دعا على عتبة بن أبي لهبٍ، فقال: «اللَّهُم سلِّط عليه كلباً من كِلابِكَ» فافترسه الأسدُ.

قال ابن عباس: كان كلباً أغرَّ، واسمه قطميرٌ، وعن عليِّ: اسمه «ريَّان» .

وقال الأوزاعي: يشور قال السدي: يور.

وقال كعبٌ: صهباً.

وقال مقاتل: كان كلباً أصفر.

وقال الكلبيُّ: لونه كالحليج، وقيل غير ذلك.

قال خالد بن معدان: ليس في الجنَّة من الدوابِّ إلاَّ كلب أصحاب الكهف، وحمار بلعام.

قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هربوا من ملكهم فمرُّوا براعٍ، معه كلبٌ، فتبعهم على دينهم، ومعه كلبه.

وقال الكلبيُّ: مرُّوا بكلبٍ فنبح عليهم، فطردوه، فعاد، ففعلوا ذلك مراراً، فقال لهم الكلب: لا تخشوا جانبي؛ فإنِّي أحبُّ أحبَّاء الله، فناموا؛ حتَّى أحرسكم.

فصل

قال عبيد بن عميرٍ: كان ذلك كلب صيدهم، ومعنى ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ ، أي: ألقاها على الأرض مبسوطتين، غي رمقبوضتين.

ومنه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اعتدلوا في السُّجودِ، ولا يَبْسُط أحدكم ذِرَاعيْهِ انْبسَاطَ الكلْبِ» .

قال المفسرون: كان الكلب بسط ذراعيه، وجعل وجهه عليهما.

قوله: ﴿لَوِ اطلعت﴾ العامَّة على كسر الواو من «لَو اطَّلعْتَ» على أصل التقاء الساكنين، وقرأها مضمومة أبو جعفرٍ، وشيبة، ونافع، وابن وثَّاب، والأعمش؛ تشبيهاً بواوِ الضمير، وتقدَّم تحقيقه.

قوله: ﴿لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً﴾ لما ألبسهم الله من الهيبة؛ حتَّى لا يصل إليهم أحدٌ؛ حتى يبلغ الكتاب أجله، فيوقظهم الله من رقدتهم.

«فِرَاراً» يجوز أن يكون منصوباً على المصدر من معنى الفعل قبله؛ لأنَّ التولِّي والفرارَ من وادٍ واحدٍ، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحالِ، أي: فارًّا، ويكون حالاً مؤكدة، ويجوز أن يكون مفعولاً له.

قوله: ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ قرأ ابن كثير، ونافع «لمُلِّئْتَ» بالتشديد على التكثير. وأبو جعفرٍ، وشيبة كذلك، إلا أنه بإبدال الهمزة ياء، والزهري بتخفيف اللام والإبدال، وهو إبدال قياسي والباقون بتخفيف اللام، و «رُعباً» مفعول ثانٍ: وقيل: تمييزٌ.

قال الأخفش: الخفيفة أجود في كلام العربِ.

يقولون: ملأتنِي رعباً، ولا يكادون يعرفون ملأتنِي؛ ويدل على هذا أكثر استعمالهم؛ كقوله: [الوافر]

3501 - فَتَمْلأ بَيْتنَا أقِطاً وسَمْنَا..... ... ... ... ... . .

وقول الآخر: [الطويل]

3502 - أ - ومن مالِئٍ عَيْنَيْهِ مِنْ شيءِ غَيْرِهِ ... إذَا رَاحَ نحو الجمْرَةِ البِيضُ كالدُّمَى

وقال الآخر: [الرجز]

3502 - ب - لا تَمْلأ الدَّلءو وعَرِّقْ فيها

وقال الاخر: [الرجز]

3503 - امْتَلأ الحَوضُ وقَالَ قَطْنِي ... وقد جاء التثقيل أيضاً، أنشدوا للمخبَّل السعديِّ: [الطويل]

3504 - وإذْ قتل النُّعْمانُ بالنَّاسِ مُحرِمَا..... ... ... ... ... . .

18:19–20Page 295

وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ١٩

And similarly,1 We awakened them that they might question one another. Said a speaker from among them, "How long have you remained [here]?" They said, "We have remained a day or part of a day." They said, "Your Lord is most knowing of how long you remained. So send one of you with this silver coin of yours to the city and let him look to which is the best of food and bring you provision from it and let him be cautious. And let no one be aware of you.

إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٢٠

Indeed, if they come to know of you, they will stone you or return you to their religion. And never would you succeed, then - ever."

وقرأ ابن عامر والكسائي «رُعباً» بضمِّ العين في جميع القرآن، والباقون بالإسكان.

فصل في سبب الرعب

اختلفوا في ذلك الرُّعب كان لماذا؟ فقيل: من وحشة المكان، وقال الكلبي: لأنَّ أعينهم مفتَّحة، كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلَّم، وهم نيامٌ.

وقيل: لكثرة شعورهم، وطول أظفارهم، وتقلُّبهم من غير حسٍّ، كالمستيقظ.

وقيل: إنَّ الله تعالى، منعهم بالرُّعب؛ لئلاَّ يراهم أحدٌ.

ورُوِيَ عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاس، قال: غزونا مع مُعاويةَ نحو الرُّوم، فمَررْنَا بالكَهْفِ الذي فِيهِ أصْحابُ الكهفِ، فقال مُعاوِيةُ: لو كُشِفَ لنَا عنْ هؤلاءِ، لنَظَرْنَا إليْهِمْ، فقَال ابْنُ عبَّاسٍ: قَدْ مَنَعَ الله ذلِكَ مَنْ هُو خَيْرٌ مِنْكَ: ﴿لو اطَّلعْتَ عَليْهِم لولَّيتَ مِنهُم فراراً﴾ ، فبعث معاوية ناساً، فقال: اذهبوا، فانظروا، فلمَّا دخلوا الكهف، بعث الله عليهم ريحاً، أخرجتهم.

قوله

: ﴿وكذلك بَعَثْنَاهُمْ﴾ : الكاف نعت لمصدر محذوف، أي: كما أنمناهم تلك النَّومةَ، كذلك بعثناهم؛ ادِّكاراً بقدرته، والإشارة ب «ذلِكَ» إلى المصدر المفهوم من قوله «فَضرَبْنَا» ، أي: مثل جعلنا إنامتهم هذه المدة المتطاولة آية، جعلنا بعثهم آية، قاله الزجاج والزمخشريُّ.

قوله: ﴿لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ متعلقة بالبعث، وقيل: هي للصَّيرورة؛ لأن البعث لم يكن للتساؤل، قاله ابن عطيَّة، والصحيح أنَّها على بابها من السببية.

قوله: ﴿كَم لَبِثْتُمْ﴾ «كم» منصوبة على الظرف، والمميز محذوف، تقديره: كم يوماً؛ لدلالةِ الجواب عليه، و «أوْ» في قوله: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ للشكِّ منه، وقيل: للتفصيل، أي: قال بعضهم كذا، وبعضهم كذا.

فصل

المعنى كما أنمناهم في الكهف، وحفظنا أجسامهم من البلى، طول الزمان، فكذلك بعثناهم من النَّوم الذي يشبه الموت؛ ﴿لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ ليسأل بعضهم بعضاً، واللام لام العاقبة؛ لأنَّهم لم يبعثوا للسُّؤال.

فإن قيل: هل يجوز أن يكون الغرض من بعثهم أن يتساءلوا ويتنازعوا؟ .

فالجواب: لا يبعد ذلك؛ لأنَّهم إذا تساءلوا، انكشف لهم من قدرة الله أمورٌ عجيبةٌ، وذلك أمرٌ مطلوبٌ.

قاله ابن الخطيب.

ثم قال تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ﴾ وهو رئيسهم، واسمه مكسلمينا: ﴿كَم لَبِثْتُمْ﴾ في نومكم، أي: كم مقدار لبثنا في هذا الكهف ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ .

قال المفسرون: إنهم دخلوا الكهف غدوة وبعثهم الله في آخر النَّهار؛ فلذلك قالوا: يوماً، فلما رأوا الشمس، قالوا: أو بعض يوم، فلما نظروا إلى شعورهم وأظفارهم «قَالُوا» أي: علموا أنَّهم لبثوا أكثر من يوم: ﴿قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ .

قيل: إنَّ رئيسهم مكسلمينا، لما [رأى] الاختلاف بينهم قال: دعوا الخلاف.

قوله: ﴿فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه﴾ يعني يمليخا، قاله ابن عباس.

قوله: «بورِقكُمْ» حال من «أحَدكُمْ» ، أي: مصاحباً لها، وملتبساً بها، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر بفتح الواو وسكون الراء والفكِّ، وباقي السبعة بكسر الراء، والكسر هو الأصل، والتسكين [تخفيف] ك «نَبْق» في نَبِق، وحكى الزجاج كسر الواو، وسكون الراء، وهو نقلٌ، وهذا كما يقال: كَبِدٌ وكَبْدٌ وكِبْدٌ.

وقرأ أبو رجاء، وابن محيصن كذلك، إلاَّ أنه بإدغام الفاق، واستضعفوها من حيث الجمع بين ساكنين على غير حدَّيهما، وقد تقدَّم ذلك في المتواتر ما يشبهُ هذه من نحو ﴿تُسْأَلُونَ عَمَّا﴾ [في الآية: 134 من البقرة] و ﴿لاَ تَعْدُواْ فِي السبت﴾ [النساء: 154] و ﴿الخُلْدِ جَزَآءً﴾ [فصلت: 38] و ﴿فِي المهد صَبِيّاً﴾ [مريم: 29] وروي عن ابن محيصن؛ أنَّه لمَّا أدغم كسر الراء فراراً ممَّا ذكرنا.

وقرأ أمير المؤمنين «بوارقكم» اسم فاعلٍ، أي: صاحب ورقٍ، ك «لابنٍ» وقيل: هو اسم جمع كجاملٍ وباقرٍ.

والوَرِقُ: الفضَّة المضروبة، وقيل: الفضَّة مطلقاً مضروبة كانت، أو غير مضروبة؛ ويدلُّ عليه ما رُوي أنَّ عرفجة اتَّخذَ أنفاً من ورقٍ.

فصل في لغات «الوَرِق»

قال الفراء والزجاج: فيه ثلاثُ لغاتٍ: وَرِقٌ، ووَرْقٌ، ووِرْقٌ، ك «كَبِدٍ وكَبْدٍ وكِبْدٍ» وكسر الواو أردؤها يقال لها: «الرِّقةُ» بحذف الواو، وفي الحديث: «في الرِّقةِ ربعُ العُشْرِ» وجمعت شذوذاً جمع المذكر السالم.

فصل

قال المفسرون: كان معهم دراهم عليها صورة الملكِ الذي كان في زمانهم، ثم قال تعالى: ﴿إلى المدينة﴾ وهي الَّتي يقال لها اليوم (طرسوس) ، وكان اسمها في الجاهلية «أفسوس» ، وهذه الآية تدل على أنَّ السَّعي في إمساك الزَّاد أمرٌ مشروعٌ.

قوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أزكى طَعَاماً﴾ [يجوز في «أي» أن تكون استفهامية، وأن تكون موصولة. قال الزجاج: إنها رفع بالابتداء و «أزكى» خبرها، وتقدم الكلام على نظيره في قوله: ﴿أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: 7] ، ولا بد ها هنا من حذف «أيُّ» أي: أيّ أهلها أزكى و «طعاماً» ] تمييزٌ، أي: لا يكون من غصبٍ، أي: سببٍ حرام.

وقيل: لا حذف، والضميرُ عائدٌ على الأطعمة المدلول عليها من السِّياق.

قيل: أمروهُ أن يطلب ذبيحة مؤمنٍ، ولا يكون من ذبيحة من يذبح لغير الله، وكان فيهم مؤمنون ينكرون إيمانهم.

فصل في معنى «أزكى»

قال الضحاك: أزكى طعاماً، أي: أطيب.

وقال مقاتلٌ: أجود.

وقال عكرمة: أكثر.

وأصل الزَّكاة النُّمو والزيادة.

وقيل: أرخص طعاماً ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ أي: قوتٍ وطعامٍ تأكلونه.

قوله: «ولْيَتلَطَّفْ» قرأ العامة بسكون لام الأمر، والحسنُ بكسرها على الأصل، [وقتيبة الميَّال] «وليُتَلَطَّفْ» مبنياً للمفعول، وأبو جعفر وأبو صالحٍ، وقتيبة «ولا يشعُرنَّ» بفتح الياء وضمِّ العين.

فإن قيل: «بكُمْ» «أحدٌ» فاعل به.

فالجواب: معنى «وليَتَلطَّفْ» أي: يكون في سترة، وكتمانٍ في دخول المدينة، قاله الزمخشريُّ، ويجوز أن يعود على قومهم؛ لدلالة السِّياق عليهم.

وقرأ زيدُ بن عليٍّ «يُظْهرُوا» مبنيًّا للمفعول.

فصل

﴿يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ﴾ ، أي: يطَّلعوا عليكم، ويعلموا مكانكم.

وقيل: أو يشرفوا على مكانكم أو على أنفسكم من قولهم: ظهرتُ على فلانٍ، إذا علوتهُ، وظهرتُ على السَّطح، إذا صرت فوقه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: 14] أي عالين.

وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33] أي: ليعليه.

قوله: ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ . قال ابن جريج: يَشْتموكُمْ، ويُؤذُوكم بالقول، وقيل: يقتلوكم بالحجارة، والرجمُ بمعنى القتل كثيرٌ. قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: 91] وقوله: ﴿أَن تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: 20] والرجم أخبث القتل، قاله الزجاج.

﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ أي يردُّوكم إلى دينهم.

قوله: ﴿وَلَن تفلحوا إِذاً أَبَداً﴾ أي إن رجعتم إلى دينهم، لم تسعدوا في الدنيا، ولا في الآخرة، ف «إذاً» جوابٌ وجزاءٌ، أي: إن يظهروا، فلن تفلحوا.

وقال الزجاج: لن تُفْلِحُوا، إذا رجعتم إلى ملتهم أبداً، فإن قيل: أليس أنَّهم لو أكرهوا على الكفر، حتى أظهروا الكفر، لم يكن عليهم مضرَّة، فكيف قالوا: ﴿وَلَن تفلحوا إِذاً أَبَداً﴾ ؟ .

18:21Page 296

وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١

And similarly, We caused them to be found that they [who found them] would know that the promise of Allāh is truth and that of the Hour there is no doubt. [That was] when they1 disputed among themselves about their affair and [then] said, "Construct over them a structure. Their Lord is most knowing about them." Said those who prevailed in the matter, "We will surely take [for ourselves] over them a masjid."2

فالجواب: يحتمل أن يكون المراد أنَّهم لو ردُّوا إلى الكفر، وبقوا مظهرين له، فقد يميل بهم ذلك غلى الكفر، ويصيروا كافرين حقيقة، فكان تخوُّفهم من هذا الاحتمال.

قوله

: ﴿وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ : أي: وكما أنمناهم، وبعثناهم، لما فيه من الحكم الظاهرة؛ أعثرنا، أي: أطلعنا. وتقدَّم الكلام على مادَّة «عثر» في المائدة.

يقال: عثرتُ على كذا، أي: علمته، وأصله أن من كان غافلاً عن شيءٍ فعثر به، نظر إليه، فعرفه، وكان العثارُ سبباً لحصول العلم، فأطلق اسم السَّببِ على المسبَّب «ليَعْلَمُوا» متعلق ب «أعْثرْنَا» والضمير: قيل: يعود على مفعول «أعْثَرنَا» المحذوف، تقديره: أعثرنا النَّاس، وقيل: يعود على أهل الكهف.

فصل في سبب تعرف الناس عليهم

اختلفوا في السَّبب الذي عرف الناس به واقعة أصحاب الكهف، فقيل: لطول شعورهم، وأظفارهم؛ بخلاف العادة، وظهرت في بشرة وجوههم آثار عجيبةٌ يستدلُّ بها على أن مدَّتهم طالت طولاً بخلاف العادة.

وقيل: لأن أحدهم لما ذهب إلى المدينةِ؛ ليشتري الطَّعام، أخرج الدراهم لثمن الطَّعام، فقال صاحب الطعام: هذه النُّقود غير موجودة في هذا الزَّمان، وإنها كانت موجودة قبل هذا الوقت بمدَّة مديدة؛ [فلعلك] وجدتَّ كنزاً، فحملوه إلى ملك تلك المدينة، فقال له الملك: أين وجدتَّ تلك الدَّراهم؟ فقال: بعتُ بها أمس تمراً، وخرجنا فراراً من الملك دقيانوس، فعرف الملك أنَّه ما وجد كنزاً، وأنَّ الله تعالى بعثه بعد موته.

ومعنى قوله: ﴿ليعلموا أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي: إنما أطلعنا القوم على أحوالهم؛ ليعلم القوم أنَّ وعد الله حقٌّ بالبعث والنَّشر؛ فإنَّ ملكَ ذلك الزَّمان كان منكر البعث، فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملكِ.

وقيل: اختلف أهلُ ذلك الزَّمانِ، فقال بعضهم: الرُّوحُ والجسد يبعثان جميعاً.

وقال آخرون: إنَّما يبعثُ الرُّوح فقط، فكان الملك يتضرَّع إلى الله تعالى أن يظهر له آية يستدلُّ بها على الحقِّ في هذه المسالة، فأطلعه الله تعالى على أصحاب الكهف، فاستدلَّ بهم على صحَّة بعث الأجساد؛ لأنَّ انتباههم بعد ذلك النَّوم الطويل يشبه من يموت، ثم يبعث.

قوله: «إذ يَتنازعُونَ» يجوز أن يعمل فيه «أعْثَرنا» أو «لِيعْلمُوا» أو لمعنى «حقٌّ» أو ل «وَعْد» عند من يتَّسعُ في الظرف، وأمَّا من لا يتَّسعُ، فلا يجوز عنده الإخبار عن الموصول قبل تمامِ صلته.

واختلف في هذا التَّنازع، فقيل: كانوا يتنازعون في صحَّة البعث، فاستدلَّ القائلون بصحَّة هذه الواقعةِ، وقالوا: كما قدر الله على حفظ أجسادهم مدَّة ثلاثمائةٍ وتسع سنين، فكذلك يقدر على حشر الأجساد بعد موتها.

وقيل: إنَّ الملك وقومه، لما رأوا أصحاب الكهف، ووقفوا على أحوالهم، عاد القوم إلى كهفهم، فأماتهم الله، فعند هذا اختلف الناس، فقال قومٌ: إنَّ بعضهم قال: إنهم نيامٌ، كالكرَّة الأولى.

وقال آخرون: بل الآن ماتوا.

وقيل: إن بعضهم، قال: سدّوا عليهم باب الكهف مسجدٌ، وهذا القول يدلُّ على أنَّ هؤلاء القوم كانوا عارفين بالله تعالى، ويعترفون بالعبادة والصلاة.

وقيل: إنَّ الكفار قالوا: إنهم على ديننا، فنتخذ عليهم بنياناً، وقال المسلمون [إنهم] على ديننا، فنتخذ عليهم مسجداً.

وقيل: تنازعوا في مقدار مكثهم.

وقيل: تنازعوا في عددهم، وأسمائهم.

قوله: «بُنْياناً» يجوز أن يكون مفعولاً به، جمع بنيانةٍ، وأن يكون مصدراً.

قوله: ﴿رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ يجوز أن يكون من كلام الله تعالى، وأن يكون من كلامِ المتنازعين فيهم، ثم قال ﴿قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ﴾ قيل: هو الملك المسلم، واسمه بيدروس وقيل: رؤساء البلد.

قوله «غلبوا» قرأ عيسى الثقفيُّ، والحسن بضمِّ الغين، وكسر اللام.

قوله: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً﴾ يعبد الله فيه، ونستبقي آثار اصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد.

18:22Page 296

سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢

They [i.e., people] will say there were three, the fourth of them being their dog; and they will say there were five, the sixth of them being their dog - guessing at the unseen; and they will say there were seven, and the eighth of them was their dog. Say, [O Muḥammad], "My Lord is most knowing of their number. None knows them except a few. So do not argue about them except with an obvious argument1 and do not inquire about them among [the speculators] from anyone."

قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ : قيل: إنَّما أتي بالسِّين في هذا؛ لأنَّ في الكلام طيًّا وإدماجاً، تقديره: فإذا أجبتهم عن سؤالهم عن قصَّة أهل الكهف، فسلهم عن عددهم، فإنهم سيقولون. ولم يأت بها في باقية الأفعال؛ لأنها معطوفة على ما فيه السين، فأعطيت حكمه من الاستقبال.

وقرأ ابن محيصن «ثلاثٌ» بإدغام الثاء المثلثة في تاء التأنيث؛ لقرب مخرجيهما، ولأنهما مهموسان، ولأنهما بعد ساكن معتل.

﴿رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ الجملة في محل رفع صفة ل «ثَلاثَة» .

قوله: ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ﴾ قرأ ابن كثير في رواية بفتح الميم، وهي لغة كعشرةٍ، وقرأ ابن محيصن بكسر الخاء والميم، وبإدغام التاء في السين، يعني تاء «خمسةٌ» في سين «سادسهم» وهي قراءة ثقيلة جداً؛ لتوالي كسرتين وثلاث سيناتٍ، قال شهاب الدين ولا أظن مثل هذا إلا غلطاً على مثله، وروي عنه إدغام التنوين في السين من غيرغنَّة.

و «ثَلاثةٌ» و «خَمسةٌ» و «سَبعةٌ» إخبار المبتدأ محذوف مضمرٍ، أي: هم ثلاثة، وهم خمسة، وهم سبعة، وما بعد «ثلاثة» و «خمسة» من الجملة صفة لهما، كما تقدَّم، ولا يجوز أن تكون الجملة حالاً، لعدم عامل فيها، ولا يجوز أن يكون التقدير: هؤلاء ثرثة، وهؤلاء خمسةٌ، ويكون العامل اسم الإشارة أو التنبيه، قال أبو البقاء: لأنَّها إشارةٌ إلى حاضر، ولم يشيروا إلى حاضر «.

قوله: ﴿رَجْماً بالغيب﴾ فيه أربعة أوجهٍ:

أحدها: أنه مفعولٌ من أجله؛ يقولون ذلك لأجل الرمي بالغيب.

والثاني: أنه في موضع الحال، أي: ظانِّين.

والثالث: أنه منصوب ب» يَقُولونَ «لأنه بمعناه.

والرابع: أنه منصوب بمقدر من لفظه، أي: يرجمون بذلك رجماً.

والرَّجمُ في الأصل: الرَّميُ بالرِّجامِ، وهي الحجارة الصِّغارُ، ثم عبِّر به عن الظنِّ، قال زهير: [الطويل]

3505 - ومَا الحَربُ إلاَّ ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُم ... ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرجَّمِ

أي: المظنون.

قوله: «وثامنُهم» في هذه الواو أوجهٌ:

أحدها: أنها عاطفة، عطفت هذه الجملة على جملة قوله» هُم سَبْعةٌ «فيكونون قد أخبروا بخبرين، الأول: أنهم سبعة رجالٍ على البتِّ. والثاني أنَّ ثامنهم كلبهم، وهذا يؤذنُ بأن جملة قوله ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ من كلام المتنازعين فيهم.

الثاني: أن الواو للاستئناف، وأنه من كلام الله تعالى أخبر عنهم بذلك، قال هذا القائل: وجيء بالواو؛ لتعطي انقطاع هذا ممَّا قبله.

الثالث: أنها الواو الداخلة على الصفة؛ تأكيداً، ودلالة على لصق الصفة بالموصوف، وإليه ذهب الزمخشري، ونظره بقوله: ﴿مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: 4] .

وردَّ أبو حيَّان عليه: بأنَّ أحداً من النحاة لم يقله، وقد تقدَّم الكلام عليه في ذلك.

الرابع: أنَّ هذه تسمَّى واو الثمانية، وأنَّ لغة قريشٍ، إذا عدُّوا يقولون: خمسةٌ ستَّة سبعة، وثمانية تسْعةٌ، فيدخلون الواو على عقد الثمانية خاصة، ذكر ذلك ابن خالويه، وأبو بكر راوي عاصم، قلت: وقد قال ذلك بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَ﴾ [الزمر: 73] في الزمر، فقال: دخلت في أبواب الجنة؛ لأنها ثمانية، ولذلك لم يجأ بها في أبواب جهنَّم؛ لأنها سبعة، وسيأتي هذا، إن شاء الله.

قال أصحاب هذا القول: إنَّ السبعة عند العرب أمثل في المبالغة في العدد؛ قال تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: 80] .

ولما كان كذلك، فلما وصلوا إلى الثَّمانية، ذكروا لفظاً يدلُّ على الاستئناف فقالوا: وثمانية، فجاء هذا الكلام على هذا القانون، قالوا: ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿والناهون عَنِ المنكر﴾ [التوبة: 112] ؛ لأن هذا هو العدد الثامن من الأعداد المتقدمة.

وقوله: ﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73] لأن أبواب الجنة ثمانيةٌ، وأبواب النَّار سبعة، فلم يأتِ بالواو فيها.

وقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ [التحريم: 5] هو العدد الثامن مما تقدَّم.

قال القفال: وهذا ليس بشيء؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الله الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر﴾ [الحشر: 23] ولم يذكر الواو في النَّعت الثامن.

وقرئ:» كَالبُهمْ» أي: صاحب كلبهم، ولهذه القراءةِ قدَّر بعضهم في قراءة العامة: وثامنهم صاحب كلبهم.

وثلاثةٌ وخمسةٌ وسبعةٌ: مضافة لمعدودٍ محذوف، فقدَّره أبو حيان: ثلاثة اشخاص، قال: «وإنَّما قدَّرنا أشخاصاً؛ لأنَّ رابعهم اسم فاعل أضيف إلى الضمير، والمعنى: أنه ربعهم، أي: جعلهم أربعة، وصيَّرهم إلى هذا العدد، فلو قدَّرناه رجالاً، استحال أن يصيِّر ثلاثة رجالٍ أربعة؛ لاختلافِ الجنسين» وهو كلامٌ حسنٌ.

فصل

وقال أبو البقاء: «ولا يعمل اسم الفاعل هنا؛ لأنه ماض» قلت: يعني أنَّ رابعهم فيما مضى، فلا يعمل النصب تقديراً، والإضافة محضة، وليس كما زعم، فإنَّ المعنى على: يصير الكلب لهم أربعة، فهو ناصبٌ تقديراً، وإنما عمل، وهو ماضٍ؛ لحكاية الحال ك «بَاسِطٌ» .

فصل

روي أن السيِّد والعاقب وأصحابهما من نصارى نجران، كانوا عند النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقال السيِّد - وكان يعقوبياً -: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم.

وقال العاقبُ - وكان نُسطوريًّا -: كانوا خمسة سادسهم كلبهم.

وقال المسلمون: ك انوا سبعة، وثامنهم كلبهم، فحقَّق الله قول المسلمين بعدما حكى قول النصارى، فقال: «سَيقُولونَ ثَلاثةٌ رابعهُم كَلْبهُم، ويَقُولونَ خَمسَةٌ سَادسهُمْ كَلبُهمْ رجماً بالغيب ويَقُولونَ: سَبْعةٌ وثَامنهُمْ كَلبُهمْ» .

قوله: ﴿رَجْماً بالغيب﴾ أي: ظنًّا وحدساً من غير يقينٍ، ولم يقل هذا في السبعة، فقال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ .

فصل

قال أكثر المفسرين: هذا هو الحقُّ؛ ويدلُّ عليه وجوهُ:

الأول: أنَّ الواو في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾ هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنَّكرة، كما تدخل ع لى الجملة الواقعة حالاً عن المعرفة في قولك: «جَاءنِي رجلٌ، ومَعهُ آخَرُ» ومررت بزيدٍ، ومعه سيفٌ، ومنه قوله:

﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: 4] .

وفائدتها: تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أنَّ اتصافه به أمرٌ ثابتٌ مستقرٌّ، فكانت هذه الواو دالة على أنَّ الذين كانوا في الكهف كانوا سبعة وثامنهم كلبهم.

الثاني: أنه تعالى خصَّ هذا الموضع بهذا الحرف الزَّائد وهو الواو؛ فوجب أن يحصل به فائدة زائدة؛ صوناً للفظ عن التعطيل، وليس الفائدة إلاَّ تخصيص هذا القول بالإثبات والتَّصحيح.

الثالث: أنه تعالى أتبع القولين بقوله: ﴿رَجْماً بالغيب﴾ ولم يقله في السَّبعة، وتخصيص الشيء بالوصف يدلُّ على أنَّ الحال في الباقي بخلافه، وأنه مخالف لهما في كونه «رجْماً بالغَيْب» .

الرابع: أنه قال بعده: ﴿رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ فدلَّ على أن هذا القول ممتازٌ عن القولين الأوَّلين بمزيد القوَّة والصَّحة.

الخامس: أنه تعالى قال: ﴿مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ فدلَّ على أنَّه حصل العلم بعدتهم لذلك القليل، وكلُّ من قال من المسلمين قولاً في هذا الباب، قال: إنهم كانوا سبعة، وثامنهم كلبهم؛ فوجب أن يكون المراد من ذلك القليل هؤلاء الذين قالوا هذا القول، وكان عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - يقول: كانوا سبعة، وثامنهم كلبهم، وأسماؤهم: ميليخا، مكسلمينا، مسلثينا وهؤلاء الثلاثة كانوا أصحاب يمين الملك، وعن يساره: مرنوس، ديرنوس، سادنوس، وكان الملكُ يستشير هؤلاء الستَّة، يتصرَّفون في مهمَّاته، والسَّابع هو الرَّاعي الذي وافقهم، لمَّا هربوا من ملكهم، واسم كلبهم قطميرٌ، وروي عن ابن عباس أنه قال: مكسلمينا، ويلميخا، ومرطوس وبينويس، وسارينوس، وذونوانس، وكشفيطيطونونس وهو الراعي، وكان ابن عباس يقول: أنا من أولئك العدد القليل.

السادس: أنه تعالى، لما قال: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قال: ﴿قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ .

والظاهر أنَّه لما حكى الأقوال، فقد حكى كلَّ ما قيل من الحقِّ والباطل، ويبعد أنَّه تعالى ذكر الأقوال الباطلة، ولم يذكر ما هو الحقُّ، فثبت أن جملة الأقوال الحقَّة والباطلة ليست إلاَّ هذه الثَّلاثة، ثم خصَّ الأولين بأنه رجمٌ بالغيب؛ فوجب أن يكون الحق هو الثالث.

السابع: أنه قال لرسوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿فَلا تُمارِ فِيهمْ إلاَّ مِراءً ظَاهِراً، ولا تَسْتفْتِ فِيهم مِنهُمْ أحَداً﴾ فمنعه من المناظرة معهم في هذا الباب، وهذا إنما يكون، لو علم حكم هذه الواقعة، ويبعد أن يحصل العلم بذلك لغير النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولا يحصل للنبيِّ - عليه السلام - فعلمنا أنَّ العلم بهذه الواقعة حصل للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والظاهر أنه لم يحصل ذلك إلاَّ بهذا الوحي؛ لأنَّ الأصل فيما سواهُ العدم، فيكون الأمر كذلك، ويكون الحقُّ قوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وهذه الوجوه، وإن كان فيها بعض الضعف إلاَّ أنه لما تقوَّى بعضها ببعضٍ، حصل فيها تمامٌ وكمالٌ.

فصل

في هذه الآية محذوفٌ، وتقديره: سيقولون: هم ثلاثة، فحذف المبتدأ؛ لدلالة الكلام عليه، ثم قال تعالى: ﴿قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم﴾ أي: بعددهم ﴿مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ ، وهذا هو الحق؛ لأن العلم بتفاصيل كائنات العالم، وحوادثه في الماضي والمستقبل، لا يحصل إلاَّ عند الله، أو عند من أخبره الله تعالى، ثم لمَّا ذكر تعالى هذه القصَّة، نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن المراءِ والاستفتاء، فقال: ﴿فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾ ، أي لا تجادل، ولا تقل في عددهم وشأنهم إلاَّ مراء ظاهراً إلا بظاهر ما قصصنا عليك، فقف عنده، ﴿وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً﴾ أي من أهل الكتاب، أي: لا ترجع إلى قولهم بعد أن أخبرناك؛ لأنَّه ليس عندهم علمٌ في هذا الباب إلاَّ رجماً بالغيب.

فصل

واعلم أنَّ نفاة القياس تمسَّكوا بهذه الآية، قالوا: لأن قوله: ﴿رَجْماً بالغيب﴾ قيل: كان ظنًّا بالغيب؛ لأنَّهم أكثروا أن يقولوا رجماً بالظنِّ، مكان قولهم: «ظنَّ» حتى لم يبق عندهم فرقٌ بين العبارتين، كما قال: [الطويل]

3506 - ... ... ... ... ..... ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرجَّمِ

أي: المظنون، ثم إنه تعالى، لمَّا ذم هذه الطريقة، رتَّب عليها المنع من استفتاء هؤلاء الظانِّين، فدلَّ على أن الفتوى بالمظنون غير جائزٍ عند الله تعالى، وتقدَّم جوابهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском