Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:59–82, continued
وقوله: رشداً» أي: علماً ذا رشدٍ.
قال القفَّال: قوله «رُشْداً» يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون «الرُّشْدُ» راجعاً إلى الخضرِ، أي: ممَّا علمك الله، وأرشدك به.
والثاني: أن يرجع إلى موسى، أي: على أن تعلِّمني، وتُرشِدني ممَّا علِّمت.
فصل في أدب موسة - عليه السلام - في تعلُّمه من الخضرِ
دلَّت هذه الآية على أنَّ موسى - عليه السلام - راعى أنواعاً كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلَّم من الخضر.
منها: أنه جعل لنفسه تبعاً له في قوله: «هَلْ أتَّبعكَ» .
ومنها: أنَّه استأذن في إثباتِ هذه التبعيَّة؛ كأنَّه قال: تأذنُ لي على أن أجعل نفسي تبعاً لك، وهذه مبالغةٌ عظيمةٌ في التواضعِ.
ومنها: قوله «على أن تعلمني» وهذا إقرارٌ منه على نفسه بالجهل، وعلى أستاذه بالعلم.
ومنها: قوله: «ممَّا علِّمتَ» وصيغة «مِنْ» للتبعيض، فطلب منه تعليم بعض ما علِّم، وهذا أيضاً إقرارٌ بالتواضع، كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساوياً لك في العلم، بل أطلب منك أن تعطيني جزءاً من الجزء، ممَّا علِّمت.
ومنها: أن قوله: «مِمَّا علِّمتَ» اعترافٌ بأنَّ الله تعالى علَّمهُ ذلك العلم.
ومنها: قوله «رُشْداً» طلب منه الإرشاد والهداية.
ومنها أنَّ قوله: ﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به، أي: يكون إنعامك عليَّ عند تعليمك إيَّاي شبيهاً بإنعام الله عليك في هذا التعليم.
ومنها: قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ يدل على طلب متابعته مطلقاً في جميع الأمور غير مقيَّد بشيءٍ دون شيءٍ.
ومنها: أنه ثبت [في الأخبار] أنَّ الخضر عرف أولاً أنَّه موسى صاحب التَّوراةِ، وهو الرجل الذي كلَّمه الله من غير واسطة، وخصَّه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنَّه - عليه السلام - مع هذه المناصب الرفيعة والدَّرجاتِ العالية الشَّريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع؛ وذلك يدلُّ على كونه - عليه السلام - آتياً في طلب العلم أعظم أبواب المبالغةِ في التواضع، وهذا هو اللائقُ به؛ لأنَّ كلَّ من كانت إحاطتهُ بالعلوم التي علم ما فيها من البهجة والسعادة أكثر، كان طلبه له أشدَّ، وكان تعظيمه لأربابِ العلم أكمل وأشدَّ.
ومنها: قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ﴾ فأثبت أوَّلاً كونه تبعاً، ثم طلب منه ثانياً أن يعلِّمه، وهذا منه ابتداءٌ بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية، طلب منه التَّعليم.
ومنها: قوله: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ لم يطلب على المتابعة إلاَّ التعليم، كأنه قال: لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه، ولا عوض لي إلاَّ طلب العلم.
فصل
روي أنه لمَّا قال موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ﴾ ، قال له الخضرُ: كفى بالتَّوراة علماً، وببني إسرائيل شغلاً، فقال له موسى: إنَّ الله أمرني بهذا، فحينئذ قال له: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه علم أنَّه يرى معه أموراً كثيرة منكرة، بحسب الظاهر، ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات، ثمَّ بيَّن عذره في ترك الصَّبر، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ ، أي: علماً.
واعلم أنَّ المتعلِّم على قسمين: متعلِّم ليس عنده شيءٌ من المعلوم، ولم يمارس الاستدلال، ولم يتعوَّد التقرير، والاعتراض، ومتعلِّم حصَّل العلوم الكثيرة، ومارس الاستدلال والاعتراض، ثم إنَّه يريد أن يخالط إنساناً أكمل منه؛ ليبلغ درجة الكمال، فالتعلم في حقِّ هذا القسم الثاني شاقٌّ شديدٌ؛ لأنه إذا رأى شيئاً، أو سمع كلاماً، فربَّما يكون ذلك منكراً بحسب الظاهر، إلاَّ أنه في الحقيقة صوابٌ حقٌّ، فهذا المتعلم لأجل أنه ألف الكلام والجدال، يغترُّ بظاهره، ولأجل عدم كماله، لا يقف على سرِّه وحقيقته، فيقدم على النِّزاع، والاعتراض، والمجادلة، وذلك مما يثقل سماعه على [الأستاذ] المتبحِّر، فإذا اتَّفق مثل هذه الواقعة مرتين أو ثلاثة، حصلت النُّفرة التامَّة والكراهة الشديدة العظيمة، وإلى هذا، أشر الخضر بقوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي أنَّه ألف الإثبات والإبطال، والاستدلال والاعتراض.
وقوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ إشارةٌ إلى كونه غير عالمٍ بالحقائقِ، وقد تقدم أنه متى حصل الأمران، [عسر] السُّكوت، وعسر التعلم، وانتهى الأمر بالآخرة إلى النُّفرة التامة، وحصول التقاطع.
قوله: «خُبْراً» : فيه وجهان:
الأول: أنه تمييزٌ لقوله «تُحِطْ» وهو منقول من الفاعلية؛ إذ الأصل: مما لم يحطْ به خبرك.
والثاني: أنه مصدر لمعنى لم تحط؛ إذ هو في قوَّة: لم يخبره خبراً، وقرأ الحسن «خُبُراً» بضمتين.
فصل في أن الاستطاعة تحصل قبل الفعل
قال ابن الخطيب: احتجَّ أصحابنا بقوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ على أن الاستطاعة تحصل قبل الفعل.
وقالوا: لو كانت الاستطاعة على الفعل حاصلة قبل [حصول الفعل] ، لكانت الاستطاعة على الصَّبْر حاصلة لموسى قبل حصول الصَّبر، فيلزم أن يكون قوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ كذباً، ولمَّا بطل ذلك، علمنا أنَّ الاستطاعة لا توجد قبل الفعل.
أجاب الجبائيُّ بأنَّ المراد من هذا القول: أنَّه يثقل عليه الصَّبر؛ لا أنه لا يستطيعه، يقال في العرف: «إنَّ فلاناً لا يستطيع أن يرى فلاناً، ولا أن يجالسه» إذا كان يثقل عليه ذلك.
ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع﴾ [هود: 20] أي كان يشقُّ عليهم الاستماع.
وأجيب بأنَّ هذا عدولٌ عن الظاهر من غير دليل، وأنه لا يجوز، ومما يؤكد استدلال الأصحاب قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ استبعد حصول الصبر على ما لا يقف الإنسان على حقيقته، ولو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكانت القدرة على الفعل حاصلة قبل حصول ذلك العلم، ولو كان كذلك لما كان حصول الصبر عند عدم ذلك العلم مستبعداً؛ لأن القادر على الفعل لا يبعد منه إقدامه على ذلك الفعل ولما حكم الله تعالى باستبعاده، علمنا أن الاستطاعة، تحصل قبل الفعل.
قوله: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ . قال ابن الخطيب: احتج الطاعنون في عصمةِ الأنبياء بهذه الآية؛ فقالوا إن الخضر قال لموسى: إنَّك لنْ تستطيعَ معي صبراً، وقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً، وكلُّ واحدٍ من هذين القولين مكذبٌ للآخر، فيلزمُ إلحاقُ الكذب بأحدهما، وعلى التَّقديرين، فيلزم صدور الكذب عن الأنبياء - عليهم السلام -.
وأجيب بأنَّه يحمل قوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ على الأكثر والأغلب، وعلى هذا، فلا يلزم ما ذكروه، وقد يجاب بجواب آخر، وهو أن موسى - عليه السلام - استثنى في جوابه، فقال: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً﴾ وعلى هذا، فلا يلزمُ ما ذكروه.
قوله: ﴿وَلاَ أَعْصِي﴾ فيه أربعة أوجهٍ:
أحدها: أنَّها لا محلَّ لها من الإعراب لاستئنافها، وفيه بعدٌ.
الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ؛ عطفاً على ستجدني؛ لأنها منصوبة المحلِّ بالقول.
وقال أبو حيَّان: ويجوز أن يكون معطوفاً على «ستجدني» فلا يكون لهُ محلٌّ من الإعراب، وهذا سهوٌ؛ فإنَّ «سَتجِدُنِي» منصوب المحلِّ؛ لأنه منصوب بالقول، فكذلك ما عطف عليه، ولكنَّ الشيخ رأى كلام الزمخشريِّ كذلك، ولم يتأمَّله، فتبعه في ذلك، فمن ثمَّ جاء السَّهوُ قال الزمخشري: «ولا إعْصِي» في محلِّ النصب عطفاً على «صَابِراً» أي: ستجدني صابراً، وغير عاصٍ أو «لا» في محل رفع عطفاً على «سَتجدُنِي» .
الثالث: أنه في محلِّ نصب على «صَابِراً» كما تقدَّم تقريره.
فصل
دلَّ قوله: ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ على أنَّ ظاهر الأمر للوجوب، وأن تارك المأمور به عاصٍ، والعاصي يستحقُّ العقاب؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: 23] .
فصل
قوله الخضر لموسى: «وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً» نسبه إلى قلة العلم، فقول موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً تواضعٌ شديد، وإظهار للتَّحمل التَّام، وذلك يدلُّ على أنَّ الواجب على المتعلِّم إظهار التواضع بكلِّ الغايات، وأمَّا المعلم فإن رأى أنَّ في التغليظ على المتعلِّم ما يفيده نفعاً وإرشاداً إلى الخير، فالواجب عليه ذكره، فإنَّ السُّكوت عنه يوقع المتعلِّم في الغرور، وذلك يمنع من التعلُّم.
قوله: «فإن اتَّبْعتَنِي» أي صحبتني، ولم يقل: اتَّبعني، ولكن جعل الاختيار إليه، إلاَّ أنَّه شرط عليه شرطاً، فقال: «فلا تَسْالنِي» تقدَّم خلاف القرَّاء في هذا الحرفِ، في سورة «هود» .
وقرأ أبو جعفر وابن عامر - هنا - بفتح السِّين، واللام، وتشديد النون من غير همزٍ، وبغير ياءٍ، وروي عن ابن عامرٍ، ونافع كذلك مع الياء، والمعنى: لا تسألني: لا تستخبرني حين ترى منِّي ما لم تعلمْ وجههُ حتَّى أكون أنا المبتدئ بتعليمك إيَّاه، وإخبارك به، وهذا معنى قوله: ﴿حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ أي: أبتدئ بذكره، فأبين لك شأنهُ.
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَا رَكِبَا فِي السفينة خَرَقَهَا﴾ الآية.
اعلم أنَّ موسى - عليه السلام - وذلك العالم، لمَّا تشارطا على الشرط المذكور، سار فانتهيا إلى موضع، احتاجا فيه إلى ركوب السَّفينة، فوجدا سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، [فحملوهم] من غير نول، فلما لجُّوا البحر، أقدم ذلك العالم على خرق السَّفينة.
قال ابن الخطيب: لعلَّه أقدم على إخراق مكانٍ في السفينة؛ لتصير السفينة بذلك السبب معيبة ظاهرة العيب، فلا يتسارع به إلى أهلها الغرق فعند ذلك قال له موسى: ﴿أخَرقْتهَا لتُغْرِقَ أهْلهَا﴾ [لمَّا رأى موسى - عليه السلام - ذلك الأمر المنكر بحسبِ الظَّاهر نسيَ الشرط المتقدم؛ فلهذا قال ما قال] .
وفي اللام وجهان:
أحدهما: هي لام العلة.
والثاني: هي لام الصَّيرورة، وقرأ الأخوان: «ليَغرَقَ» بفتح الياء من تحت، وسكون الغين، وفتح الراء، «أهْلُهَا» بالرفع فاعلاً، والباقون بضمِّ التاء من فوق، وكسر الراء، أي: لتغرق أنت أهلها، بالنصب مفعولاً به، والحسن وأبو رجاء كذلك، غلا أنَّهما شدَّدا الراء.
والسَّفينة معروفة، وتجمع على سفنٍ وسفائن، نحو: صحيفة وصحف وصحائف، وتحذف منها التاء مراداً بها الجمع، فتكون اسم جنسٍ؛ نحو: ثمر [وقمح] ، إلا أنه هذا في المصن وع قليلٌ جدًّا، نحو: جَرَّة وجر، وعمامة وعمام، قال الشاعر: [الوافر]
3547 - مَتَى تَأتيهِ تَأتِي لُجَّ بَحْرٍ ... تَقاذفُ في غَوارِبهِ السَّفِينُ
واشتقاقها من السَّفن، وهو القشر؛ لأنَّها تقشر الماء، كما سميت «بِنْتَ مخرٍ» لأنها تمخرُ الماء، أي: تشقُّه.
قوله: «إمْراً» أي شيئاً عظيماً، يقال: أمِرَ الأمْرُ، أي: عظم وتفاقم، قال: [الرجز]
3548 - دَاهِيَةً دَهْيَاءَ إدًّا إمْرا ... والإمرُ في كلام العرب: الدَّاهيةُ، وأصله كل شيءٍ شديدٌ كثيرٌ، يقال: أمر القوم: إذا كثروا، واشتدَّ أمرهم.
ومعنى الآية: لقد جئت شيئاً منكراً.
وقال القتيبيُّ: «إمْراً» أي عظيماً عجيباً منكراً.
روي أنَّ الخضر، لمَّا [خرق] السَّفينة لم يخلها الماءِ.
وروي أن موسى لمَّا رأى ذلكَ أخذ ثوبه، وحشا به الخرق
قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي: قال ذلك الخضر، قال موسى ﴿لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ .
قال ابن عبَّاس: إنَّه لم ينس، ولكنًَّه من معاريض الكلام، فكأنَّه نسي شيئاً آخر.
وقيل: معناه: بما تركت من عهدك، والنِّسيان التَّرك.
وروي عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «كانت الأولى من موسى نسياناً، والوسطى شرطاً، والثالثة عمداً» .
فصل في الرد على الطاعنين في عصمة الأنبياء
قال ابن الخطيب: احتجَّ الطَّاعنون في عصمة الأنبياءِ بهذه الآية من وجهين:
أحدهما: أنه ثبت بالدليل أن ذلك العالم كان نبيًّا، ثم قال موسى: «أخَرقتهَا، لتُغْرِقَ أهْلهَا» ، فإن صدق موصى في هذا القول، دلَّ ذلك على صدور الذَّنْب العظيم من ذلك النبيِّ، وإن كذب، دلَّ ذلك على صدور الذنب [العظيم] من موسى.
والثاني: أنه التزم أنَّه لا يعترض على ذلك العالمِ، وجرت العهود المذكورة بذلك، ثم إنَّه خالف تلك العهود، وذلك ذنبٌ.
فالجواب عن الأول: أن موسى، لما شاهد منه الأمر الخارج عن العادةِ، قال هذا لكلام، لا لأجل أنه اعتقد فيه أنه فعل قبيحاً، بل إنَّه أحبَّ أن يقف على وجهه وسببه، وقد يقال في الشيء العجيب الذي لا يعرف سببه: إنَّه إمرٌ.
وعن الثاني: أنَّه إنما خالف الشَّرط؛ بناءً على النِّسيان، ثم إنه تعالى حكى عن ذلك العالم أنَّه [لما خالف الشرط] لم يزد على أن قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ، فعندها اعتذر موسى بقوله: ﴿لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أراد أنه نسي وصيَّته، ولا مؤاخذة على الناسي، ﴿وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ أي: لا تكلِّفني مشقَّة، يقال: أرهقهُ عسراً وأرهقته عسراً، أي: كلَّفتهُ ذلك. لا تضيِّق عليَّ أمري، لا تعسِّر متابعتك [ويسرها عليّ] بالإغضاء، وترك المناقشة، وعاملني باليسر، ولا تعاملني بالعسر.
و «عُسْراً» : مفعول ثانٍ ل «تُرهِقْنِي» من أرهقه كذا، إذا حمَّله إيَّاه، وغشَّاه به، و «ما» في «بِمَأ نسيتُ» مصدرية، أو بمعنى «الذي» والعائد محذوف.
وقرأ أبو جعفر: «عُسُراً» بضمِّ السين، حيث وقع.
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ﴾ الآية.
اعلم أنَّ لفظ الغلام قد يتناول الشابَّ البالغ، وأصله من الاغتلامِ، وهو شدَّة الشَّبقِ، وذلك إنما يكون في الشَّباب، وقد يتناولُ هذا اللفظُ الصبي الصغير، وليس في القرآن كيف لقياه: هل كان يلعبُ مع الغلمان، أو كان منفرداً؟ أو هل كان مسلماً، أو كان كافراً؟ أو هل كان بالغاً، أو صغيراً؟ لكن اسم الغلام بالصَّغير أليقُ، وإن احتمل الكبير، إلاَّ أن قوله: «بغير نفسٍ» أليق بالبالغ منه بالصبيِّ؛ لأن الصبيِّ لا [يقتل] .
قال ابن عباس: لم يكن نبي الله يقول: أقتلت نفساً زكيَّة بغير نفس إلاَّ وهو صبيٌّ لم يبلغ.
وكيفيَّة قتله، هل كان بحزِّ رأسه، أو بضرب رأسه بالجدار، أو بطريق آخر؟ فليس في لفظ القرآن ما يدلُّ على شيءٍ من هذه الأقسام، لكنَّه روي في الحديث عن ابن عباس عن أبيِّ بن كعب قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الغلام الذي قتله الخضرُ، طبع كافراً، ولو عاش، لأرهق والديه طغياناً وكفراً» .
فإن قيل: إنَّ موسى استبعد أن يقتل النَّفس إلاَّ لأجل القصاصِ، وليس الأمر كذلك، لأنه قد يحلُّ دمه بسبب آخر.
فالجواب: أنَّ السَّبب الأقوى هو ذاك.
قوله: ﴿زَكِيَّةً﴾ : قرأ «زَاكِية» بألف وتخفيف الياء: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وبدون الألف وتشديد الياء: الباقون، فمن قرأ «زاكيةً» فهو اسمُ فاعلٍ على أصله، ومَنْ قرأ «زَكِيَّةً» فقد أخرجه إلى فعيلة للمبالغة.
قال الكسائيُّ والفراء: معناهما واحدٌ؛ مثل القاسيةِ والقسيَّة، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزَّاكيةُ: التي لم تذنبْ قطُّ، والزكيَّة: التي أذنبت ثم تابت.
[والغلام: من لم يبلغْ] . وقد يطلق على البالغ الكبير. فقيل مجازاً باعتبار ما كان. ومنه قول ليلى: [الطويل]
3549 - شَفاهَا مِنَ الدَّاءِ الذي قَدْ أصَابهَا ... غُلامٌ إذَا هزَّ القَناةَ شَفاهَا
وقول الآخر: [الطويل] 3550 - تَلقَّ ذُبَابَ السَّيفِ عنِّي فإنَّني ... غُلامٌ إذا هو جيتُ لستُ بِشاعرِ
وقيل: بل هو حقيقة، لأنه من الاغتلام وهو الشَّبق، وذلك إنما يكون في الشاب المحتلمِ، والذي يظهرُ أنه حقيقةٌ فيهما عند الاطلاق، فإذا أريد أحدهما، قيد كقوله: «لغُلامَيْنِ يَتيمينِ» وقد تقدَّم ترتيب أسماءِ الآدميِّ من لدن هو جنينٌ إلى أن يصير شيخاً، ولله الحمد، في آل عمران.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لم قال:» حتى إذا ركبا في السفينة خرقها» بغير فاءٍ، و «حتَّى إذا لقيا غلاماً، فقتله» بالفاء؟ قلت: جعل» خَرقهَا «جزاء للشرط، وجعل» قتلهُ «من جملة الشرط معطوفاً عليه، والجزاء» قال: أقتلت «فإن قلت: لم خولف بينهما؟ قلت: لأنَّ الخرق لم يتعقَّب الركوب، وقد تعقَّب القتل لقاء الغلام» .
قوله: بغَيْرِ نفسٍ «فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنها متعلقة ب» قَتلْتَ» .
الثاني: أنها متعلقة بمحذوف، على أنها حال من الفاعل، أو من المفعول، أي: قتلته ظالماً، أو مظلوماً، كذا قدَّره أبو البقاء، وهو بعيد جدًّا.
الثالث: أنها صفة لمصدر محذوف، أي: قتلاً بغير نفسٍ.
قوله: «نُكْراً» قرأ نافع، وأبو بكر، وابن ذكوان بضمَّتين، والباقون بضمة وسكون، وهما لغتان، أو أحدهما أصلٌ، و «شَيْئاً» : يجوز أن يراد به المصدر، أي: مجيئاً نكراً، وأن يراد به المفعول به، أي: جئت أمراً منكراً، وهل النكر أبلغ من الإمر، أو بالعكس؟ فقيل: الإمرُ أبلغُ؛ لأنَّ قتل أنفسٍ بسبب الخرقِ اعظم من قتل نفسٍ واحدة وأيضاً: فالإمر هو الداهية العظيمة فهو أبلغ من النكر، وقيل: النُّكر أبلغ، لأن معه القتل الحتم، بخلاف خرق السفينة، فإنه يمكن تداركه؛ ولذلك قال: «ألَمْ أقُلْ لَكَ» ولم يأتِ ب» لَكَ «مع» إمْراً» ؛ لأن هذه اللفظة تؤكِّد التَّوبيخ.
وقيل: زاد ذلك، لأنَّه نقض العهد مرَّتين، فقال الخضرُ لموسى - عليهما السلام -: ﴿ألَمْ أقُل لكَ إنَّكَ لنْ تَسْتطيعَ معي صَبْراً﴾ فعند ذلك قال موسى: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ وهذا كلام نادمٍ.
قوله: «فَلاَ تُصَاحِبْنِي» : العامة على» تُصاحِبُني «من المفاعلة، وعيسى ويعقوب:» فلا تَصْحبنِّ]» من صحبه يصحبه.
وأبو عمرو في رواية، وأبيٌّ بضمِّ التاءِ من فوق، وكسر الحاء، من أصحب يصحب، ومفعوله محذوف، تقديره: فلا تصحبني نفسك، وقرأ أبيٌّ» فلا تصحبني علمك «فأظهر المفعول.
قوله:» مِنْ لدُنِّي «العامة على ضمِّ الدال، وتشديد النون، وذلك أنَّهم أدخلوا نون الزيادة أعني الوقاية على» لَدُن «لتقيها من الكسر؛ محافظة على سكونها، حوفظ على سكون نون» مِنْ «و» عَنْ «فألحقت بهما نون الوقايةِ، فيقولون: منِّي وعنِّي بالتشديد.
ونافع بتخفيف النون، والوجه فيه: أنَّه لم يلحقُ نون الوقاية ل» لَدُن «إلا أن سيبويه منع من ذلك وقال:» لا يجوز أن تأتي ب «لَدُنْ» مع ياء المتكلم، دون نون وقاية «وهذه القراءة حجة عليه، فإن قيل: لم لا يقال: إن هذه النون نون الوقاية، وإنَّما اتصلت ب» لَدُ «لغة في» لَدُنْ» حتى يتوافق قول سيبويه، مع هذه القراءة؟ قيل: لا يصحُّ ذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّ نون الوقاية، إنما جيء بها؛ لتقيَ الكلمة الكسر؛ محافظة على سكونها، ودون النون لا سكون؛ لأنَّ الدال مضمومة، فلا حاجة إلى النُّون.
الثاني: أن سيبويه يمنع أن يقال: «لَدُنِي» بالتخفيف.
وقد حذفت النون من «عَنْ» و «مِنْ» في قوله: [الرمل]
3551 - أيُّهَا السَّائلُ عنهم وعنِي ... لستُ من قَيْسٍ ولا قَيْسُ مني
وقرأ أبو بكر بسكون الدَّال، وتخفيف النون، لكنَّه ألزم الدال الضمة منبهة على الأصل.
ولكن تحتمل هذه القراءة أن تكون النون فيها أصليَّة، وأن تكون للوقاية على أنها دخلت على «لد» الساكنة الدال، لغة في «لدُنْ» فالتقى ساكنان، فكسرت نون الوقاية على أصلها، وإذا قلنا بأنَّ النون أصلية، فالسكون تخفيف؛ كتسكين ضاد «عضدٍ» وبابه واختلف القراء في هذا الإشمام، فقائل: هو إشارة بالعضو من غير صوتٍ، كالإشمام الذي في الوقف، وهذا هو المعروف، وقائل: هو إشارة للحركة المدركة بالحسِّ، فهو كالرَّوْم في المعنى، يعني: أنه إتيان ببعض الحركة، وقد تقدَّم هذا محرَّراً في يوسف عند قوله ﴿لاَ تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: 11] ، وفي قوله في هذه السورة «من لدنه» في قراءة شعبة أيضاً، وتقدَّم بحثٌ يعود مثله هنا.
وقرأ عيسى وأبو عمرو في رواية «عُذُراً» بضمتين، وعن أبي عمرو أيضاً «عذري» مضافاً لياءِ المتكلم.
و «مِنْ لدُنَّي» متعلق ب «بَلغْتَ» أو بمحذوف على أنَّه حال من «عُذْراً» .
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس: معناه: أعذرت فيما بيني وبينك.
وقيل: حذَّرتني أنِّي لا أستطيع معك صبراً.
وقيل: اتَّضح لك العذر في مفارقتي.
والمراد أنَّه مدحه بهذه الطريقة من حيث إنَّه احتمله مرَّتين أولاً وثانياً.
روى ابن عبَّاس عن أبيِّ بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «رَحْمَةُ الله عليْنَا، وعلى مُوسَى» وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بدأ بنفسه «لولا أنَّه عجَّل، لرأى العجب، ولكنَّه أخذته من صاحبه ذمامة، قال:» إنْ سألتُكَ عَن شيءٍ بعدها، فلا تُصَاحِبنِي، قَدْ بلغْتَ من لدُنِّي عُذْراً؛ فلو صبر، لرأي العجب» .
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا﴾ الآية.
قال ابن عباس: هي أنطاكية.
وقال ابن سيرين: هي [الأبلة] ، وهي أبعد الأرض من السَّماء وقيل: بَرْقَة.
وعن أبي هريرة: بلدة بالأندلس.
﴿استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ قال أبي بن كعبٍ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: حتَّى إذا أتيا أهل قريةٍ لئاماً، فطافَا في المجلسِ فاستطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما.
وروي أنَّهما طافا في القرية، فاستطعماهم، فلم يطعموهما، فاستضافاهم، فلم يضيِّفوهما.
قال قتادة: شرُّ القرى التي لا تضيِّف الضَّيف.
وروي عن أبي هريرة: «أطعمتهما امرأةٌ من أهل بربر بعد أن طلبا من الرِّجال، فلم يطعموهما؛ فدعوا لنسائهم، ولعنا رجالهم» .
قوله
: ﴿استطعمآ أَهْلَهَا﴾ : جواب «إذا» أي: سألاهم الطام، وفي تكرير «أهلها» وجهان:
أحدهما: أنه توكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر؛ كقوله: [الخفيف]
3552 - لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيءٌ ... نَغَّص المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا
وقول الآخر: [الكامل]
3553 - لَيْتَ الغُرابَ غَداةَ يَنْعُبُ دائماً ... كَانَ الغُرابُ مُقطَّعَ الأوْدَاجِ
والثاني: أنَّه للتأسيس؛ وذلك أنَّ الأهل المأتيِّين ليسوا جميع الأهل، إنما هم البعض؛ إذ لا يمكن أن يأتينا جميع الأهل في العادة في وقتٍ واحدٍ، فلما ذكر الاستطعام، ذكره بالنسبة غلى جميع الأهل، كأنهما تتبعا الأهل واحداً واحداً، فلو قيل: استطعماهم، لاحتمل أنَّ الضمير يعودُ على ذلك البعضِ المأتيِّ، دون غيره، فكرَّر الأهل لذلك.
فإن قيل: الاستطعام ليس من عادة الكرام، فكيف أقدم عليه موسى، مع أنَّ موسى كان من عادته طلبُ الطعام من الله تعالى، كما حكى عنه قوله: ﴿إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24] .
فالجواب: أنَّ إقدام الجائع على الاستطعام أمرٌ مباحٌ في كلِّ الشرائع، بل ربَّما وجب عند خوف الضَّرر الشديد.
فإن قيل: إنَّ الضيافة من المندوبات، فتركها ترك المندوب، وذلك أمرٌ غير منكرِ، فكيف يجوز من موسى - عليه السلام - مع علوِّ منصبه أن يغضب عليهم الغضب الشديد الذي لأجله ترك العهد الذي التزمه مع ذلك العالم في قوله: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ .
وأيضاً مثل هذا الغضب لأجل ترك الأكل في ليلةٍ واحدةٍ، لا يليقُ بأدونِ الناس فضلاً عن كليم الله؟ .
فالجواب: أنَّ الضيافة قد تكون من الواجبات، بأن كان الضيف قد بلغ في الجوع إلى حيث لو لم يأكل، لهلك، وإذا كان كذلك، لم يكن الغضب الشديد لأجل ترك الأكل [ليلة] ، بل كان لأجل تركهم الواجب عليهم.
فإن قيل: إنه ما بلغ في الجوع إلى حدِّ الهلاك؛ بدليل أنَّه قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ، ولو كان بلغ في الجوع إلى حدِّ الهلاك، لما قدر على ذلك العمل، فكيف يصحُّ منه طلب الأجرة؟ .
فالجواب: لعلَّ ذلك الجوع كان شديداً، إلاَّ أنه ما بلغ حدَّ الهلاك.
قوله: «أنْ يُضيِّفُوهمَا» مفعولٌ به لقوله «أبَوْا» والعامة على التشديد من ضيَّفه يضيِّفه. والحسن وأبو رجاء وأبو رزين بالتخفيف من: أضافه يضيفه وهما مثل: ميَّله وأماله.
رُوِيَ أنَّ أهل تلك القرية، لمَّا سمعوا نزول هذه الآية، استحيوا، وجاءوا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بحمل من الذَّهب، وقالوا: يا رسول الله، نشتري بهذا الذَّهب أن تجعل الباء تاء؛ حتى تصير القراءة «فأتوا أن يضيفوهما» ، أي: أتوا [لأجل أن] يضيِّفوهما، أي كان إتيانهم لأجل الضِّيافة، وقالوا: غرضنا منه أن يندفع عنَّا هذا اللُّؤم، فامتنع النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: «تغير هذه النُّقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله تعالى، وذلك يوجب القدح في الإلهيَّة.
قوله: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ أي: فرأيا في القرية حائطاً مائلاً.
وقوله:» أنْ ينْقَضَّ» مفعول للإرادة، و «انقضَّ» يحتمل أن يكون وزنه «انفعل» من انقضاضِ الطائر، أو من القضَّة، وهي الحصى الصِّغار، والمعنى: يريد أن يتفتَّت، كالحصى، ومنه طعام قَضَضٌ، إذا كان فيه حصى صغارٌ، وأن يكون وزنه «افْعَلَّ» ك «احمَرَّ» من النقض، يقال: نقض البناء ينقضه، إذا هدمه، ويؤيد هذا ما في حرف عبد الله وقراءة الأعمش «يُرِيدُ ليُنْقَضَ» مبنيًّا للمفعول؛ واللام كهي في قوله ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً﴾ [النساء: 28] . وما قرأ به أبيٌّ «يُرِيدُ أن ينقض» بغير لامِ كيْ.
وقرأ الزهريُّ «أن ينقاضَ» بألف بعد القاف. قال الفارسي: «هو من قولهم قضته فانقاضَ» أي: هدمته، فانهدم. قال شهاب الدين: فعلى هذا يكون وزنه ينفعلُ، والأصل: «انْقيضَ» فأبدلت الياء ألفاً، ولمَّا نقل أبو البقاء هذه القراءة قال: «مثل: يَحمارُّ» ومقتضى هذا التشبيه: أن يكون وزنه «يفعالَّ» ونقل أبو البقاء: أنه قُرئ كذلك بتخفيف الضاد، قال: «هو من قولك: انقاضَ البناءُ، إذا تهدَّم» .
وقرأ عليٌّ أمير المؤمنين - كرَّم الله وجهه -، وعكرمة في آخرين «يَنقَاصُ» بالصاد مهملة، وهو من قاصه يقيصه، أي: كسره، قال ابن خالويه: «وتقول العرب: انقاصتِ السِّنُّ: إذا انشقَّت طولاً» وأنشد لذي الرّمّة:
3554 - ... ... ... ... ... . ..... ... ... . مُنقاصٌ ومُنْكثِبُ
وقيل: إذا تصدَّعتْ، كيف كان وأنشد لأبي ذؤيبٍ: [الطويل]
3555 - فراقٌ كقَيْصِ السنِّ، فالصَّبْرَ إنَّه ... لكلِّ أنَاسٍ عَثْرةٌ وجُبورُ
ونسبة الإرادة إلى الجدار مجازٌ، وهو شائع جدًّا.
وقد ورد في النَّثر والنَّظم، قال الشاعر: [الوافر]
3556 - يُرِيدُ الرُّمح صَدرَ أبِي بَراءٍ ... ويَرْغَبُ عنْ دِمَاءِ بنِي عَقيلٍ
والآية من هذا القبيل.
وكذا قوله: ﴿وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب﴾ [الأعراف: 154] وقوله: ﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11] ومن أنكر [المجاز] مطلقاً أو في القرآن خاصة، تأوَّل ذلك على أنه خُلق للجدارِ حياةٌ وإرادةٌ؛ كالحيوانات، أو أنَّ الإرادة صدرت من الخضرِ؛ ليحصل له، ولموسى ما ذكره من العجب.
وهو تعسفٌ كبيرٌ، وقد أنحى الزمخشري على هذا القائل إنحاءً بليغاً جدًّا.
قوله: «فأقَامهُ» قيل: [نقضه] ، ثم بناه، قاله ابن عبَّاس.
وقيل: مسحه بيده، فقام، واستوى، وذلك من معجزاته، هكذا ورد في الحديث. وهو قول سعيد بن جبير.
واعلم أن ذلك العالم، لمَّا فعل ذلك، كانت الحالة حالة اضطرارٍ إلى الطعام، فلذلك نسيَ موسى قوله: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ فلا جرم قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ، أي: طلبت على إصلاحك الجدار جعلاً، أي لصرفه في تحصيل المطعوم؛ فإنك قد علمت أنَّا جياعٌ، وأنَّ أهل القرية لم يطعمونا، فعند ذلك قال الخضر: «هذا فراقُ بَيْنِي وبيْنكَ» .
قوله: ﴿لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو «لتخِذْتَ» بفتح التاء، وكسر الخاء مِنْ تَخِذَ يتْخذُ ك «تَعِبَ يَتْعَبُ» . والباقون «لاتَّخذتَ» بهمزة الوصل، وتشديد التاءِ، وفتح الخاء من الاتِّخاذ، واختلف: هل هما من الأخذ، والتاء بدلٌ من الهمزة، ثم تخذف التاء الأولى فيقال: تَخِذَ، كتَقِيَ من «اتَّقَى» نحو قوله: [الطويل]
3557 - ... ... ... ... ... ... تَقِ الله فِينَا والكِتابَ الَّذي تَتْلُو
أم هما من تخذَ، والتاء أصيلةٌ، ووزنهما فعل وافتعل؟ قولان تقدَّم تحقيقهما في هذا الموضوع، والفعل هنا على القراءتين متعدٍّ لواحدٍ؛ لأنَّه بمعنى الكسب.
قوله: ﴿فِرَاقُ بَيْنِي﴾ : العامة على الإضافة؛ اتِّساعاً في الظرف، وقيل: هو بمعنى الوصل. كقوله: [الطويل]
3558 - ... ... ... ... ... ..... وجِلْدَةُ بين العيْنِ والأنْفِ سَالِمُ
وحكى القفال عن بعض أهل العربيَّة أنَّ البين هو الوصل؛ لقوله ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] ، فيكون المعنى هذا فراقُ اتصالنا، كثول القائل: أخزى الله الكاذب بيني وبينك، أي: أحدنا هكذا. قاله الزجاج.
وقرأ ابن أبي عبلة «فِراقُ» بالتنوين على الأصل، وتكرير المضاف إليه عطفاً بالواو هو الذي سوَّغ إضافة «بين» إلى غير متعددٍ؛ ألا ترى أنَّك لو اقتصرت على قولك: «المَالُ بيني» لم يكن كلاماً؛ حتى تقول: بيننا أو بيني وبين فلانٍ.
وقوله: «هذا» أي: هذا الإنكار على ترك الأجر هو المفرَّق بيننا.
وقيل: إنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا شرط أنَّه إنْ سأله بعد ذلك سؤالاً ىخر، حصل الفراق بقوله: [ ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾ فلما ذكر هذا السؤال فارقه ذلك العالم، وقال] : ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ أي: هذا الفراق [الموعود] ، ثم قال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ .
قرأ ابن وثَّاب «سَانْبِيكَ» بإخلاص الياء بدل الهمزة.
قوله تعالى: ﴿أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ : العامة على تخفيف السين، جمع « مِسْكين» . وقرأ عليٌّ أميرالمؤمنين - كرَّم الله وجهه - بتشديدها جمع «مسَّاك» وفيه قولان:
أحدهما: أنه الذي يمسكُ سكَّان السفينة، وفيه بعض مناسبة.
والثاني: أنَّه الذي يدبغُ المُسوكَ جمع «مَسْكٍ» بفتح الميم، وهي الجلود، وهذا بعيدٌ؛ لقوله: ﴿يَعْمَلُونَ فِي البحر﴾ قال شهاب الدين ولا أظنُّها إلا تحريفاً على أمير المؤمنين، و «يَعْملُونَ» صفة لمساكين.
قوله: ﴿وَرَآءَهُم مَّلِكٌ﴾ «وَرَاء» هنا بمعنى المكان.
وقيل: «وَراءَهُمْ» بمعنى «أمَامَهُمْ» ؛ كقوله:
﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: 16] وقيل: «وَراءَهُمْ» خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه. والأول أصحُّ؛ لقوله: ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: 16] ويؤيِّده قراءة ابن عباس: وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلَّ سفينةٍ غصباً وقال سوارُ بن المضرِّب السعديُّ: [الطويل]
3559 - أيَرْجُو بنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطَاعتِي ... وقَوْمِي تَميمٌ والفَلاةُ وَرائِيَا
وقال تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الإنسان: 27] وتحقيقه: أنَّ كلَّ ما غاب عنك، فقد توارى عنك وتواريت عنه، وقيل: إنَّ تحقيقه أنَّ ما غاب عنك، فقد توارى عنك، وأنت متوارٍ عنه، فكلُّ ما غاب عنك، فهو وراءك، وأمام الشيء وقدامه، إذا كان غائباً عنك، متوارياً عنك، فلم يبعد إطلاق لفظة «وراء» عليه، ويراد بها الزَّمان؛ قال الشاعر: [الطويل]
3560 - ألَيْسَ وَرائِي أنْ أدبَّ على العَصَا ... فَيأمَنَ أعْدائِي ويَسْأمنِي أهْلِي
وقال لبيد: [الطويل]
3561 - أليْسَ ورَائِي إنْ تَراخَتْ منيَّتِي ... لُزومُ العَصَا تُحْنَى عليْهَا الأصَابِعُ
قوله: «غَصْباً» فيه أوجه:
الأول: أنه مصدر في موضع الحال، أو منصوب على المصدر المبين لنوع الأخذ، أو منصوب على المفعول له، وهو بعيد عن المعنى، وادَّعى الزمخشري أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، فقال: «فإن قلت: قوله:» فأردتُّ أن أعيبها «مسبَّبٌ عن خوفه الغصب عليها، فكان حقه أن يتأخَّر عن السبب؛ فلمَ قُدِّم عليه؟ قلتُ: النيةُ به التأخيرُ؛ وإنما قدِّم للعناية به، ولأنَّ خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين، فكان بمنزلةِ قولك: زيدٌ ظنِّي مقيمٌ» .
قوله: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ : التثنية للتغليب، يريد: أباه وأمَّه، فغلَّب المذكَّر، وهو شائع، ومثله: القمران والعمران، وقد تقدَّم [في يوسف] : أنَّ الأبوين يراد بهما الأب والخالة، فهذا أقربُ.
والعامة على «مُؤمنين» بالياء، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، والجحدريُّ «مُؤمنانِ» بالألف، وفيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه على لغة بني الحارث، وغيرهم.
الثاني: أن في «كان» ضمير الشَّأن، و «أبواهُ مُؤمِنانِ» مبتدأ وخبر في محل النصب؛ كقوله: [الطويل]
3562 - إذَا مِتُّ كان النَّاسُ صِنفَانِ شَامتٌ..... ... ... ... ... .
فهذا أيضاً محتمل للوجهين.
الثالث: أن في «كان» ضمير الغلام، أي: فكان الغلامُ، والجملة بعده الخبر، وهو أحسن الوجوه.
قوله: ﴿فَخَشِينَآ﴾ أي: فعلمنا ﴿أَن يُرْهِقَهُمَا﴾ يفتنهما.
وقال الكلبيُّ: يكلِّفهما طغياناً وكفراً.
وقال سعيد بن جبيرٍ: فخشينا أن يحملهما حبُّه على أن يتابعاه على دينه.
قيل: إنَّ ذلك الغلام كان بالغاً، وكان يقطع الطريق، ويقدم على الأفعال المنكرة، وكان يصير ذلك سبباً لوقوعهما في الفسق، وربما يؤدِّي ذلك الفسق إلى الكفر.
وقيل: كان صبيًّا إلا أن الله تعالى علم منه أنَّه لو صار بالغاً، لحصلت منه تلك المفاسد.
وقيل: الخشية بمعنى الخوف، وغلبة الظنِّ، والله تعالى قد أباح له قتل من غلب على ظنِّه تولُّد المفاسد منه.
فإن قيل: هل يجوز الإقدام على قتل الإنسان لمثل هذا الظنِّ؟
فالجواب: أنَّه إذا تأكَّد ذلك الظنُّ بوحي الله تعالى إليه، جاز.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences