Ibn 'AdilAl‑Kahf · 18:1–8

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

الكهف

Al-Kahf

The Cave · Meccan · 110 ayahs

18:1–3Page 293

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ١

[All] praise is [due] to Allāh, who has sent down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] the Book and has not made therein any deviance.1

قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا ٢

[He has made it] straight, to warn of severe punishment from Him and to give good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a good reward [i.e., Paradise]

مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا ٣

In which they will remain forever

بسم الله الرحمن الرحيم سورة الكهف قال ابن عباس مكية غير أربعين آية منها، وهي مائة وعشر آيات، وألف وخمسمائة وسبع وسبعون كلمة، وعدد حروفها ستة آلاف وثلاثمائة وستون حرفا. قال ابن الخطيب: تقدم الكلام في الحمد، والذي أقوله ها هنا: إن التسبيح أينما جاء فإنما جاء مقدماً على التحميد؛ ألا ترى أنه يقال: «سبحان الله والحمد لله» .

وإذا عرف هذا، فنقول: إنه تعالى - جلَّ جلاله - ذكر التسبيح عندما أخبر أنَّه أسرى بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] وذكر التحميد عندما ذكر إنزال الكتاب عليه فقال: ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب﴾ .

ثم قال: والمشبهة استدلوا بلفظ الإسراء في السورة المتقدمة وبلفظ الإنزال في هذه السورة على أنه تعالى مختص بجهة فوق.

والجواب عنه مذكور في سورة الأعراف في تفسير قوله ﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ [الأعراف: 54] .

واعلم: أنه تعالى أثنى على نفسه بإنعامه على خلقه، وخصَّ رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالذكر؛ لأنَّ إنزال الكتاب القرآن عليه كان نعمةً عليه على الخصوصِ وعلى سائر الناسِ على العمومِ.

أما كونه نعمة عليه؛ فلأنه تعالى أطلعه بواسطة هذا الكتاب الكريم على أسرار علم التَّوحيد والتَّنزيه وصفات الجلال وأحوال الملائكة وأحوال الأنبياءِ وأحوالِ القضاء والقدر، وتعلُّق أحوال العالم السفليِّ بأحوال العالم العلوي، وتعلق أحوال عالم الآخرة بعالم الدنيا، وكيفية نزول القضاء من عالم الغيب، وذلك من أعظم النِّعم، وأمَّا كونه نعمة علينا؛ فلأنه مشتملٌ على التكاليفِ والأحكامِ والوعد [والوعيد] والثوابِ والعقاب، فكلُّ واحدٍ ينتفعُ به بمقدار طاقته وفهمه.

قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَل﴾ : في هذه الجملة أوجهٌ، أحدها: أنها معطوفة على الصلة قبلها. والثاني: أنها اعتراضية بين الحال وهي «قَيِّما» وبين صاحبها وهو «الكتاب» . والثالث: أنها حالٌ من «الكتاب» ، ويترتب على هذه الأوجه القول في «قَيِّماً» .

قوله: ﴿قَيِّماً﴾ : فيه أوجه: الأول: أنه حال من «الكتاب» . والجملة من قوله «ولم يجعل» اعتراض بينهما. وقد منع الزمخشري ذلك فقال: «فإن قلت: بم انتصب» قَيِّماً» ؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمرٍ، ولم يجعل حالاً من «الكتاب» لأن قوله» ولم يجعل «معطوف على» أنْزلَ «فهو داخلٌ في حيِّز الصلةِ، فجاعله حالاً فاصلٌ بين الحالِ وذي الحال ببعض الصلة» ، وكذلك قال أبو البقاء. وجواب هذا ما تقدَّم من أن الجملة اعتراضٌ لا معطوفة على الصِّلة.

الثاني: أنه حالٌ من الهاءِ في «لهُ» . قال أبو البقاءِ: «والحالُ مؤكدة. وقيل: منتقلة» . قال شهاب الدين: القول بالانتقالِ لا يصحُّ.

الثالث: أنه منصوب بفعلٍ مقدرٍ، تقديره: جعله قيِّماً. قال الزمخشري: «تقديره: ولم يجعل له عوجاً، جعله قيِّماً، لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة» .

قال: «فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامةِ وفي أحدهما غِنًى عن الآخر؟ . قلت: فائدته التأكيد فرُبَّ مستقيم مشهودٌ له بالاستقامةِ، ولا يخلو من أدنى عوجٍ عند السَّيرِ والتصفُّح» .

الرابع: أنه حالٌ ثانية، والجملة المنفيَّة قبله حال أيضاً، وتعدد الحال لذي حال واحد جائزٌ. والتقدير: أنزله غير جاعلٍ له عوجاً قيماً.

والخامس: أنه حالٌ أيضاً، ولكنه بدلٌ من الجملة قبله لأنها حال، وإبدال المفرد من الجملة إذا كانت بتقدير مفرد جائز، وهذا كما أبدلت الجملة من المفرد في قوله: «عَرفْتُ زيداً أبو مَنْ هو» .

والضمير في «لَهُ» فيه وجهان، أحدهما: أنه للكتاب، وعليه التخاريج المتقدمة. والثاني: أنه يعود على «عضبدِه» ، وليس بواضحٍ.

وقرأ العامة بتشديد الياء، وأبانُ بن تغلب بفتحها خفيفة. وقد تقدَّم القولُ فيها.

ووقف حفص على تنوين «عِوَجاً» يبدله ألفاً، ويسكت سكتةً لطيفة من غير قطع نفس، إشعاراً بأنَّ «قيِّماً» ليس متصلاً ب «عوجاً» ، وإنما هو من صفة الكتاب. وغيره لم يعبَأ بهذا الوهم فلم يسكت اتِّكالاً على فهم المعنى.

قلت: قد يتأيَّد ما فعله حفصٌ بما في بعض مصاحف الصحابة: «ولم يَجْعلْ له عوجاً، لكن جعله قيِّماً» . وبعض القراء يطلق فيقول: يقف على «عِوَجاً» ، ولم يقولوا: يبدل التنوين ألفاً، فيحتمل ذلك، وهو أقرب لغرضه فيما ذكرت.

ونقل أبو شامة عن ابن غلبون وأبي علي الأهوازيِّ، يعني الإطلاق. ثم قال: «وفي ذلك نظرٌ - أي في إبدال التووين ألفاً - فإنه لو وقف على التنوين لكان أدلَّ على غرضه، وهو أنه واقفٌ بنيَّة الوصل» . انتهى.

وقال الأهوازيُّ: «ليس هو وقفاً مختاراً، لأنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، معناه: أنزل على عبده الكتاب قيِّماً ولم يجعل له عوجاً» . قال شهاب الدين: دعوى التقديم والتأخير وإن كان قال به غيره كالبغوي والواحدي وغيرهما إلاَّ أنَّها مردودةٌ لأنَّها على خلاف الأصل، وقد تقدَّم تحقيقه.

وفعل حفصٌ في مواضع من القرآن مثل فعله هنا من سكتةٍ لطيفةٍ نافية لوهم مخلٍّ. فمنها: أنَّه كان يقف على «مَرْقدِنا» ، ويبتدئ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن﴾ [يس: 52] . قال: لئلاَّ يتوهَّم أنَّ «هذا» صفة ل «مَرْقدِنا» فالوقف يبين أنَّ كلام الكفار انقضى، ثم ابتدئ بكلامِ غيرهم. قيل: هم الملائكة. وقيل: المؤمنون. وسيأتي في يس ما يقتضي أن يكون «هذا» صفة ل «مَرْقدِنا» فيفوتُ ذلك.

ومنها: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة: 27] . كان يقف على نون «مَنْ» ويبتدئ «راقٍ» قال: «لئلاَّ يتوهَّم أنها كلمة واحدة على فعَّال اسم فاعل للمبالغة من مرق يمرُق فهو مرَّاق» .

ومنها: ﴿بَلْ رَانَ﴾ [المطففين: 14] كان يقف على لام بل، ويبتدئ «ران» لما تقدَّم.

قال المهدويُّ: «وكان يلزمُ حفصاً مثل ذلك، فيما شاكل هذه المواضع، وهو لا يفعله، فلم يكن لقراءته وجهٌ من الاحتجاج إلا اتباعُ الأثر في الرواية» . قال أبو شامة: «أولى من هذه المواضعِ بمراعاةِ الوقفِ عليها: ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ [يونس: 65] ، ينبغي الوقف على» قَولهُم «لئلاَّ يتوهَّم أنَّ ما بعده هو المقولُ» ، وكذا ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النار الذين يَحْمِلُونَ العرش﴾ [غافر: 6، 7] ينبغي أن يعتنى بالوقف على «النَّار» لئلا تتوهَّم الصفة.

قال شهابُ الدين: وتوهُّمُ هذه الأشياء من أبعد البعيد. وقال أبو شامة أيضاً: ولو لزم الوقفُ على اللام والنون ليظهرا للزمَ ذلك في كلِّ مدغمٍ» . يعني في «بل رانَ» وفي «مَنْ راقٍ» .

فصل

المعنى: ولم يجعل له عوجاً [قيِّماً] ، أي مختلفاً.

قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً﴾ [النساء: 82] .

قال أهل اللغة: العوج في المعاني كالعوج في الأعيان، فالمراد منه نفيُ التَّناقضِ.

وقيل: معناه لم يجعلهُ مخلوقاً.

روي عن ابن عبَّاس أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: 28] أي غير مخلوقٍ.

وقوله: «قيماً» فيما نقل عن ابن عباسٍ أنه قال: يريد مستقيماً [قال ابن الخطيب:] وهذا عندي مشكلٌ؛ لأنَّه لا معنى لنفي الاعوجاج إلاَّ حصول الاستقامةِ، فتفسير القيّم بالمستقيم يوجبُ التكرار، بل الحق أن يقال: المرادُ من كونه قيِّماً سبباً لهداية الخلق، وأنَّه يجري بحذوِ من يكون قيّماً للأطفال، فالأرواح البشرية كالأطفالِ، والقرآن كالقيِّم المشفق القيم بمصالحهم.

قوله: «ليُنْذِرَ» في هذه اللام وجهان، أظهرهما: أنها متعلقة ب» قيِّماً «قاله الحوفيُّ. والثاني: - وهو الظاهرُ - أنَّها تتعلق ب» أنْزلَ «. وفاعل» لِيُنذِرَ «يجوز أن يكون» الكتاب «وأن يكون الله، وأن يكون الرسول.

و» أنْذَرَ» يتعدَّى لاثنين: ﴿إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً﴾ [النبأ: 40] ﴿فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت: 13] . ومفعوله الأول محذوف، يقدره الزمخشري: «ليُنْذِرَ الذين كفروا» ، وغيره: «ليُنذِرَ العباد» ، أو «ليُنذرَكم» ، أو لينذر العالم. وتقديره أحسن لأنه مقابل لقوله «ويُبشِّر المؤمنين» ، وهم ضدُّهم.

وكما حذف المنذر وأتى بالمنذر به هنا، حذف المنذر به وأتى بالمنذرِ في قوله ﴿وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ﴾ [الكهف: 4] فحذف الأول من الأول لدلالةِ ما في الثاني عليه، وحذف الثاني من الثاني لدلالة ما في الأول عليه، وهو في غاية البلاغة، ولمَّا لم تتكرَّر البشارة ذكر مفعوليها فقال: ﴿وَيُبَشِّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ .

قوله: ﴿مِّن لَّدُنْهُ﴾ قرأ أبو بكرٍ عن عاصم بسكون الدَّال مشمَّة الضمَّ وكسر النون والهاء موصلة بياء، فيقرأ «مِنْ لَدْنهِي» والباقون يضمون الدال، ويسكنون النون ويضمون الهاء، وهم على قواعدهم فيها: فابن كثيرٍ يصلها بواوٍ نحو: منهُو وعنهُو، وغيره لا يصلها بشيءٍ.

وجه أبي بكرٍ: أنَّه سكن الدال تخفيفاً كتسكين عين «عَضُد» فالنون ساكنة، فالتقى ساكنان فكسر النون لالتقاءِ الساكنين، وكان حقُّه أن يكسر الأول على القاعدة المعروفة إلا أنه يلزم منه العودُ إلى ما فرَّ منه، وسيأتي لتحقيق هذا بيانٌ في قوله تعالى: {وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ} [النور: 52] في سورة النور، لمَّا كسر النون إتباعاً على قاعدته ووصلها بياء. وأشم الدال إشارة إلى أصلها في الحركة.

والإشمامُ هنا عبارة عن ضمِّ الشفتين من غير نطقٍ، ولهذا يختصُّ به البصير دون الأعمى، هكذا قرَّرهُ القراء وفيه نظر؛ لأنَّ الإشمام المشار إليه إنما يتحقق عند الوقف على آخر الكلمة فلا يليق إلاَّ بأن يكون إشارة إلى حركة الحرفِ الآخر المرفوع إذا وقف عليه نحو: «جاء الرجل» ، وهكذا قدَّره النحويون. وأمَّا كونه يؤتى به في وسط الكلمة فلا يتصوَّر إلا أن يقفالمتكلم على ذلك الساكن ثم ينطق ب «ياء» الكلمة. وإذا جرَّبت نطقك في هذا الحرف الكريم وجدت الأمر كذلك، لا ينطقُ به بالدال الساكنة مشيراً إلى ضمها إلا حتى يقف عليها، ثم يأتي ب «ياء» في الكلمة.

فإن قلت: إنَّما آتي بالإشارة إلى الضمة بعد فراغي من الكلمةِ بأسرها. قيل لك: فاتت الدلالة على تعيين ذلك الحرف المشار إلى حركته.

فالجواب عن هذا بأنه ليس في الكلمة ما يصلح أن يشار إلى حركته وهو الدال. وقد تقدَّم في «يوسف» أن الإشمام في ﴿لاَ تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: 11] إذا فسَّرناه بالإشارة إلى الضمة: منهم من يفعله قبل كمال الإدغام، ومنهم من يفعله بعده، وهذا نظيره. وتقدَّم أنَّ الإشمام يقع بإزاءِ معانٍ أربعةٍ تقدَّم تحقيقها.

و «مِنْ لدُنه» متعلق ب «ليُنْذِرَ» . ويجوز تعلقه بمحذوفٍ نعتاً ل «بَأساً» ، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في «شديداً» .

والبأس مأخوذ من قوله: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] و ﴿مِّن لَّدُنْهُ﴾ أي: صادراً من عنده.

فصل

قال الزجاج: وفي «لدُن» لغات يقال: لَدُ، ولدُنْ، ولَدَى بمعنى واحدٍ، وهي لا تتمكن ممكن «عند» ؛ لأنَّك تقول هذا القول الصَّواب عندي، ولا يقال: صوابٌ لدني، ويقال: عندي مالٌ عظيمٌ، [والمال] غائب عنك، ولدني لما يليك لا غير.

وقرئ «ويُبشِّرُ» بالرفع على الاستئناف. والمراد بالأجر الحسن الجنة.

قوله: ﴿مَّاكِثِينَ﴾ : حالٌ: إمَّا من الضمير المجرور في «لهُم» ، أو المرفوع المستتر فيه، أو من «أجراً» لتخصصه بالصفة، غلاَّ أنَّ هذا لا يجيءُ إلاَّ على رأيِ الكوفيين. فإنهم لا يشترطون بروزَ الضمير في الصفة الجارية على غير من هي له إذا أمن اللَّبسُ، ولو كان حالاً منه عند البصريِّين لقال: ماكثين هم فيه. ويجوز على رأي الكوفيين أن يكون صفة ثانية ل «أجْراً» . قال أبو البقاء: وقيل: هو صفة ل «أجْراً» ، والعائد الهاء في «فيه» . ولم يتعرَّض لبروزِ الضمير ولا لعدمه بالنسبة إلى المذهبين.

و «أبداً» منصوبٌ على الظرف ب «مَاكثِينَ» .

فصل

اعلم أنَّ المقصود من إرسالِ الرسل إنذارُ المذنبين وبشارة المطيعين، ولمَّا كان دفع الضرِّ أهمَّ عند ذوي العقول من إيصال النَّفع، لا جرم قدَّم الإنذار في اللفظ.

قال الزمخشريُّ: قرئ «ويُبشِّرُ» بالتخفيف والتَّثقيل و ﴿مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً﴾ بمعنى خالدين.

فصل

قال القاضي: دلت الآية على صحَّة قوله في مسائل:

أحدها: أنَّ القرىن مخلوقٌ وبيانه من وجوه:

الأول: أنه تعالى وصفه بالإنزال والنزولِ، وذلك من صفاتِ المحدثات، فإنَّ القديم لا يجوز عليه التغييرُ.

والثاني: أنَّه وصفه بكونه كتاباً، والكتب هو الجمع، وسمِّي كتاباً لكونه مجموعاً من الحروفِ والكلماتِ، وما صحَّ فيه [من] التركيب والتأليف فهو محدثٌ.

الثالث: أنَّه تعالى أثبت الحمد لنفسه، على إنزالِ الكتاب، والحمد إنَّما يستحقُّ على النعمةِ، والنعمةُ محدثة [مخلوقة] .

الرابع: أنَّه وصفهُ بأنه غير معوجٍّ وبأنَّه مستقيمٌ، والقديم لا يمكن وصفه بذلك، فثبت أنَّه محدثٌ مخلوقٌ.

وثانيها: خلق الأعمال؛ فإنَّ هذه الآية تدلُّ على قولنا في هذه المسألة من وجوهٍ:

الأول: نفس الأمر بالحمد؛ لأنَّه لو لم يكن للعبد فعلٌ لم ينتفع بالكتاب، إذ الانتفاع به إنما يحصل إذا قدر أن يفعل ما دلَّ الكتاب على أنه يجب فعله، ويترك ما دلَّ الكتاب على أنه يجب تركهُ، وهذا إنَّما كان يعقل لو كان مستقلاً بنفسه.

أمَّا إذا لم يكن مستقلاً بنفسه لم يكن لعوج الكتاب أثرٌ في اعوجاج فعله، ولم يكن لكون الكتاب «قيِّماً» أمرٌ في استقامةِ فعله كان العبدُ قادراً على الفعل مختاراً فيه.

والثاني: أنَّه تعالى لو أنزل بعض الكتاب ليكون سبباً لكفر البعض، وأنزل الباقي ليؤمن البعضُ الآخر، فمن أين أن ذلك الكتاب قيمٌ لا عوج فيه؟ لأنه لو كان فيه عوجٌ لما زاد على ذلك.

والثالث: قوله: «لِيُنذِرَ» وفيه دلالة على أنَّه تعالى أراد منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنذارَ الكلِّ وتبشير الكلِّ، وبتقدير أن يكون خالق الكفر والإيمان هو الله تعالى لم يبق للإنذارِ والتبشير فائدة؛ لأنَّه تعالى إذا خلق الإيمان حصل شاء العبدُ أو لم يشأ، وإذا خلق الكفر [حصل] شاء العبد أو لم يشأ، فيصيرُ الإنذار والتبشيرُ على الكفر والإيمان جارياً مجرى الإنذارِ والتبشير على كونه طويلاً وقصيراً وأبيض وأسود ممَّا لا قدرة للعبد عليه.

الرابع: وصفه المفسرون بأنَّ المؤمنين يعملون الصالحاتِ فإن كان خلقاً لله تعالى، فلا علم لهم به ألبتة.

الخامس: إيجابه لهم الأجر الحسن على ما علموا؛ فإن الله تعالى قادرٌ بخلق ذلك فيهم، فلا إيجاب ولا استحقاق.

المسألة الثالثة: دلَّت الآية على أنَّه تعالى يفعل أفعاله لأغراض صحيحةٍ، وذلك يبطل قول من يقول: إنَّ فعلهُ غيرُ مُعلَّلٍ بالغرضِ.

فصل

واعلم أن هذه الكلمات قد تكررت في هذا الكتاب فلا فائدة في الإعادة.

18:4–5Page 293

وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا ٤

And to warn those who say, "Allāh has taken a son."

مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥

They have no knowledge of it,1 nor had their fathers. Grave is the word that comes out of their mouths; they speak not except a lie.

اعلم أنَّ قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً﴾ معطوف على قوله: ﴿لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ﴾ [الكهف: 2] ، والمعطوف يجب كونه مغايراً للمعطوف عليه، فالأول عام في حقِّ كلِّ من استحقَّ العذاب، والثاني خاصٌّ بمن قال: إنَّ الله اتَّخذ ولداً، والقرآن جارٍ بأنه إذا ذكر الله قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها؛ تنبيهاً على كون ذلك البعض المعطوف أعظم جزئيات ذلك الكلي [أيضاً] ، كقوله تعالى: ﴿وملاائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] فكذا ها هنا يدل على أن أعظم أنواعِ الكفر والمعصيةِ إثباتُ الولد لله تعالى.

فصل

واعلم أنَّ المثبتين لله تعالى الولد ثلاث طوائف:

الأولى: كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بناتُ الله.

الثانية: النصارى قالوا: المسيحُ ابن الله.

الثالثة: اليهود، [حيث] قالوا: العزير ابنُ الله.

واعلم أنَّ إثبات الولد لله كفرٌ عظيمٌ، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام في قوله: ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 100] وسيأتي تمامه - إن شاء الله تعالى - في سورة مريم؛ لأنَّه تعالى أنكر على القائلين بإثبات الولد من وجهين:

الأول: قوله: ﴿مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ﴾ .

فإن قيل: اتخاذ الله تعالى الولد محالٌ في نفسه، فكيف قيل: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: 20] ؟ .

فالجوابُ أنَّ انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه؛ وقد يكون لأنَّه في نفسه محالٌ، لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: 117] .

فصل

تمسَّك نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: دلَّت هذه الآية على أن القول في الدِّين بغير علمٍ باطل، والقول بالقياس الظنيِّ قول في الدِّين بغير علم، فيكون باطلاً.

وجوابه تقدم عند قوله: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] .

وقوله: ﴿وَلاَ لآبَائِهِمْ﴾ أي أحداً من أسلافهم، وهذه مبالغة في كون تلك المقالة فاسدة باطلاة جدًّا.

قوله: ﴿مَّا لَهُمْ بِهِ﴾ : أي: بالولد، أو باتخاذه، أو بالقول المدلول عليه ب «اتَّخَذَ» وب «قَالُوا» ، وبالله.

وهذه الجملة المنفية فيها ثلاثة أوجه:

أظهرها: أناه مستأنفة، سيقت للإخبار بذلك.

والثاني: أنها صفة للولد، قاله المهدويُّ، وردَّه ابن عطية: بأنه لا يصفه بذلك إلاَّ القائلون، وهم لم يقصدوا وصفه بذلك.

الثالث: أنها حالٌ من فاعل «قالوا» ، أي: قالوه جاهلين.

و «مِنْ عِلم» يجوز أن يكون فاعلاً، وأن يكون مبتدأ، والجارُّ هو الرافع لاعتماده أو الخبر، و «مِنْ» مزيدة على كلا القولين.

قوله: «كَبُرتْ كلمة» في فاعل «كَبُرتْ» وجهان:

أحدهما: أنه مضمرٌ عائد على مقالتهم المفهومة من قوله: ﴿قَالُواْ اتخذ الله﴾ أي: كبر مقالهم، و «كلمة» نصب على التمييز، ومعنى الكلام على التعجُّب، أي: ما أكبرها كلمة، و «تَخرُج» الجملة صفة ل «كَلمةٌ» ويؤذنُ باستعظامها لأنَّ بعض ما يهجس في الخاطر لا يجسر الإنسان على إظهاره باللفظ.

والثاني: أن الفاعل مضمر مفسر بالنكرة بعده المنصوبة على التمييز، ومعناها الذمُّ؛ ك «بِئْسَ رجلاً» فعلى هذا: المخصوصُ بالذمِّ محذوف، تقديره: كبرت هي الكلمة كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاءُ.

وقرأ العامة «كلمة» بالنصب، وفيها وجهان:

النصبُ على التمييز تقديره كبرت الكلمة.

قال الواحديُّ: ومعنى التمييز: أنَّك إذا قلت: كبرت المقالة أو الكلمة، جاز أن يتوهم أنَّها كبرت كذباً، أو جهلاً، أو افتراء، فلما قلت: «كَلِمَة» فقد ميَّزتها من محتملاتها، فانتصبت على التَّمييز، والتقدير: كبرت الكلمة كلمة، فحصل فيه الإضمار.

وأمَّا من رفع «كلمةٌ» فلا يضمر شيئاً.

قال النحويُّون: النصب أقوى وأبلغ.

وقد تقدَّم تحقيقه في الوجهين السابقين.

والثاني: النصب على الحال، وليس بظاهر وقيل: نصباً على حذف حرف الجرّ، والتقدير: «مِنْ كَلمَةٍ» فحذف «مِنْ» فانتصب.

قوله: «تَخرجُ» في الجملة وجهان:

أحدهما: هي صفة لكلمة.

والثاني: أنها صفة للمخصوص بالذَّم المقدر، تقديره: كبرت كلمةٌ خارجةٌ كلمةً.

وقرأ الحسن، وابن محيصنٍ، وابن يعمر، وابن كثير - في رواية القوَّاس عنه - «كَلمَةٌ» بالرفع على الفاعلية، و «تَخْرجُ» صفة لها أيضاً، وقرئ «كَبْرَتْ» بسكون الباء، وهي لغة تميم.

قوله: «كَذِباً» فيه وجهان:

أحدهما: هو مفعولٌ به؛ لأنه يتضمَّن معنى جملة.

والثاني: هو نعت مصدر محذوف، أي: قولاً كذباً.

فصل في المراد من الكلمة

المراد من هذه الكلمة هو قولهم: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ فصارت مضمرة في «كَبُرتْ» ، وسمِّيت: «كلمة» كما يسمُّون القصيدة كلمة.

وقوله: ﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: هذا الذي يقولونه، لا يحكم به عقلهم وفكرهم البتَّة؛ لكنه في غاية الفساد والبطلان، فكأنَّه يجري على لسانهم على سبيل التقليلد ﴿إِن يَقُولُونَ﴾ ، أي: ما يقولون إلاَّ كذباً.

واختلف النَّاس في حقيقة الكذب، فقيل: هو الخبر الذي لا يطابقُ المخبر عنه.

وقيل: قال بعضهم: يشترط علم قائله بأنَّه غير مطابقٍ.

قال ابن الخطيب: وهذا القيد عندنا باطلٌ؛ لأنَّه تعالى وصف قولهم بإثبات الولد لله بكونه كذباً مع أن الكثير منهم يقول ذلك، ولا يعلم كونه كذباً باطلاً، فعلمنا أن كلَّ خبر لا يطابقُ المخبر عنه، فهو كذبٌ، سواءٌ علم القائل بكونه كذباً، أو لم يعلم.

ويمكن أن يجاب بأنَّ الله تعالى، إنما وصف علماءهم المحرِّفين للكلم عن مواضعه، ودخل المقلِّدون على سبيل التَّبع عليه.

فصل في الرد على النّظام

احتجَّ النظَّام على أنَّ الكلام جسمٌ بهذه الآية، قال: لأنَّه تعالى وصف الكلمة بأنَّها تخرجُ من أفواههم، والخروجُ عبارة عن الحركةِ، والحركةُ لا تصحُّ إلاَّ على الأجسام، وأجيب: بأنَّ الحروف والأصوات إنَّما تحدث بسبب خروجِ النفس من الحلق، فلما كان خروج النَّفسِ سبباً لحدوثِ الكلمةِ، أطلق لفظ الخروج على الكلمة.

18:6Page 294

فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦

Then perhaps you would kill yourself through grief over them, [O Muḥammad], if they do not believe in this message, [and] out of sorrow.

والمقصود منه أنَّه قيل لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: لا يعظم حزنك وأسفك؛ بسبب كفرهم، فإنَّا بعثناك منذراً ومبشّراً، فأما تحصيلُ الإيمان في قلوبهم، فلا قدرة لك عليه، والغرض منه تسلية الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.

ومعنى: «بَاخعٌ نَفْسكَ» أي: قاتلٌ نفسك.

قال الليثُ: بخع الرَّجلُ نفيه إذا قتلها غيظاً من شدَّة وجده، والفاء في قوله: (فَلعلَّكَ) قيل: جواب الشرط، وهو قوله: ﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ قدم عليه، ومعناه التأخير.

وقال الجمهور: جواب الشرط محذوف لدلالة قوله: «فَلعلَّكَ» .

و «لَعلَّكَ» قيل: للإشفاق على بابها. وقيل: للاستفهام، وهو رأيُ الكوفيِّين. وقيل: للنَّهي، أي: لا تَبْخَعْ.

والبَخْعُ: الإهلاك، يقال: بَخَع الرجل نفسه يَبخَعُهَا بَخْعاً وبُخُوعاً، أهلكها وجداً. قال ذو الرمة: [الطويل]

3483 - ألا أيُّهذا البَاخِعُ الوجْدُ نفسهُ ... لِشيءٍ نَحَتْهُ عَن يَديْهِ المَقادِرُ

يريد: نحَّته بالتشديد، فخفف، قال الأصمعي: كان ينشده: «الوَجْدَ» بالنصب على المفعول له، وأبو عبيدة رواه بالرَّفع على الفاعلية ب «البَاخِع» .

وقيل: البَخْعُ: أن تضعفَ الأرض بالزِّراعةِ، قاله الكسائي، وقيل: هو جهدُ الأرض وعلى هذا معنى «بَاخعٌ نَفْسكَ» أي ناهكها وجاهدها؛ حتَّى تهلكها، وقيل: هو جهد الأرض في حديث عائشة - رضي اله عنها - عن عمر: «بَخَعَ الأرض» تعني جهدها؛ حتَّى أخذ ما فيها من أموالِ ملوكها، وهذا استعارة، ولم يفسِّره الزمخشري هنا بغير القتل والإهلاك، وقال في سورة الشعراء: «البَخْع» : أن يبلغَ بالذَّبْح البِخَاع بالباء وهو عرقٌ مستبطن الفقار، وذلك أقصى حدِّ الذابح. قال شهاب الدين: وسمعت شيخنا علاء الدين القونيَّ يقول: «تَتبَّعتُ كُتبَ الطبِّ والتشريح، فلم أجد لهذا اصلاً» .

فصل

يحتمل أنه لما ذكروه، سمَّوه باسم آخر؛ لكونه أشهر فميا بينهم.

وقال الرَّاغب: «البَخْعُ: قتلُ النفس غمًّا» ثم قال: «وبَخعَ فلانٌ بالطاعة، وبما عليه من الحق: إذا أقرَّ به، وأذعن مع كراهةٍ شديدةٍ، تجري مجرى بخعِ نفسه في شدَّته» .

قوله: «عَلى آثَارِهمْ» متعلقٌ ب «بَاخِعٌ» أي: من بعد هلاكهم.

يقال: مات فلانٌ على أثر فلانٍ، أي بعده، وأصل هذا أنَّ الإنسان، إذا مات، بقيت علاماتهُ، وآثارهُ بعد موته مدَّة، ثمَّ إنَّها تنمحي وتبطل بالكليَّة، فإذا كان موته قريباً من [موت] الأول، كان موته حاصلاً حال بقاءِ آثار الأول، فصحَّ أن يقال: مات فلانٌ على أثرِ فلانٍ.

قوله: ﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث﴾ يعني القرآن.

قال القاضي: وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديثٌ، وذلك يدلُّ على فساد قول من يقول: إنه قديمٌ.

وأجيب بأنه محمول على الألفاظ، وهي حادثة.

قوله: ﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ : قرأ العامة بكسر «إنْ» على أنها شرطية، والجواب محذوفٌ عند الجمهور؛ لدلالة قوله: «فَلعلَّكَ» ، وعند غيرهم هو جوابٌ متقدِّم، وقرئ: «أنْ لَمْ» بالفتح؛ على حذف الجارِّ، أي: لأنْ لم يؤمنوا.

وقُرئ «بَاخِعُ نَفْسِكَ» بالإضافة، والأصل النصبُ، وقال الزمخشري «وقرئ طبَاخعُ نَفْسكَ» على الأصل، وعلى الإضافة. أي: قاتلها ومهلكها، وهو للاستقبال فيمن قرأ «إنْ لمْ يُؤمِنُوا» ، وللمضيِّ فيمن قرأ «إنْ لم تُؤمنوا» بمعنى: لأن لم تُؤمِنُوا «يعني أنَّ باخعاً للاستقبال في قراءة كسر» إنْ «فإنها شرطية، وللمضيِّ في قراءةِ فتحها، وذلك لا يأتي إلا في قراءة الإضافة؛ إذ لا يتصوَّر المضيُّ مع النصب عند البصريين، وعلى هذا يلزم ألاَّ يقرأ بالفتح، إلا من قرأ بإضافة» بَاخِع» ، ويحتاج في ذلك إلى نقل وتوقيف.

قوله: «أسفاً» يجوز أن يكون مفعولاً من أجله، والعامل فيه» بَاخعٌ «وأن يكون مصدراً في موضع الحال من الضمير في» بَاخعٌ» .

والأسف: الحزن، وقيل: الغضب، وقد تقدَّم في الأعراف عند قوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ [الأعراف: 150] وفي يوسف عند قوله: ﴿ياأسفى عَلَى يُوسُفَ وابيضت﴾ [يوسف: 84] .

18:7–8Page 294

إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧

Indeed, We have made that which is on the earth adornment for it that We may test them [as to] which of them is best in deed.

وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا ٨

And indeed, We will make that which is upon it [into] a barren ground.

قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا﴾ الآية.

قال القاضي: وجه النَّظم كأنه يقول: يا محمد، إنِّي خلقتُ الأرض، وزينتها، وأخرجتُ منها أنواع المنافع والمصالح، وأيضاً، فالمقصود من خلقها بما فيها من المصالح ابتلاء الخلق بهذه التكاليف، ثم إنَّهم يكفرون ويتمرَّدون، ومع ذلك، فلا أقطع عنهم موادَّ هذه النِّعم، فأنت أيضاً يا محمد لا يهمُّك الحزن؛ بسبب كفرهم إلى أن تترك الاشتغال بدعوتهم إلى الدِّين.

قوله: ﴿زِينَةً﴾ : يجوز أن ينتصب على المفعول له، وأن ينتصب على الحال، إن جعلت «جَعلْنَا» بمعنى «خَلقْنَا» ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، إن ك انت «جَعَلَ» تصييرية، و «لها» متعلق ب «زَينةً» على العلَّة، ويجوز أن تكون اللام زائدة في المفعول، ويجوز أن تتعلق بمحذوفٍ صفة ل «زينةً» .

وقوله: «لنَبْلُوهُمْ» متعلق ب «جَعلْنَا» بمعنييه.

قوله: «أيُّهمْ أحْسنُ» يجوز في «أيُّهُمْ» وجهان:

أحدهما: أن تكون استفهامية مرفوعة بالابتداء، و «أحسنُ» خبرها، والجملة في محلِّ نصب متعلقة ب «نَبْلُوهُمْ» لأنه سببُ العلم، والسؤال، والنظر.

والثاني: أنَّها موصولة بمعنى الذي و «أحْسَنُ» خبر مبتدأ مضمرٍ، والجملة صلة ل «أيُّهمْ» ويكون هذا الموصول في محلِّ نصبٍ بدلاً من مفعول «لنَبْلُوهُمْ» تقديره لِنَبلُو الذي هو أحسنُ؛ وحينئذٍ تحتمل الضمة في «ايُّهم» أن تكون للبناء، كهي في قوله تعالى: ﴿لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: 69] على أحد الأقوالِ، وفي قوله: [المتقارب]

3484 - إذَا مَا أتَيْتَ بَنِي مالكٍ ... فَسلِّمْ عَلى أيُّهُم أفْضَلُ

وشرط البناء موجودٌ، وهو الإضافة لفظاً، وحذف صدر الصلة، وهذا مذهب سيبويه، وأن تكون للإعراب؛ لأنَّ البناء جائزٌ لا واجبٌ، ومن الإعراب ما قُرِئ به شاذًّا ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن﴾ [مريم: 69] وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في مريم.

والضمير في «لِنبلوهُمْ» و «أيُّهم» عائد على ما يفهم من السِّياق، وهم سكان الأرض. وقيل: يعود على ما على الأرض، إذا أريد بها العقلاء، وفي التفسير: المراد بذلك الرُّعاة. وقيل: العلماء والصلحاء والخلفاء.

فصل في المقصود بالزينة

اختلفوا في تفسير هذه الزينة، فقيل: النَّبات، والشجر، والأنهار.

كما قال تعالى: ﴿حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت﴾ [يونس: 24] وضمَّ بعضهم إليه الذَّهب، والفضَّة، والمعادن، وضمَّ بعضهم إلى ذلك جميع الحيوان، فإن قيل: أي زينة في الحيَّات والعقارب [والشياطين] .

فالجواب: فيها زينةٌ؛ بمعنى أنَّها تدلُّ على وحدانيَّة الله تعالى.

وقال مجاهد: أراد الرجال خاصَّة هم زينة الأرض.

وقيل: أراد به العلماء والصلحاء.

وقيل: أراد به الناس.

وبالجملة، فليس في الأرض إلاَّ المواليد الثلاثة، وهي المعادن، والنبات، والحيوان، وأشرف أنواع الحيوان الإنسان.

قال القاضي: الأولى ألاَّ يدخل المكلَّف في هذه الزِّينة؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم﴾ فمن يبلوهم يجب ألاَّ يدخل في ذلك.

وأجيب بأن قوله: ﴿زِينَةً لَّهَا﴾ أي للأرض، ولا يمتنع أن يكون ما تحسن به الأرض زينة لها، كما جعل الله السَّماء مزينة بالكواكب.

وقوله: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ لنختبرهم ﴿أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ، أي: أصلح عملاً.

وقيل: أيُّهم أترك للدُّنيا.

فصل

ذهب هشام بن الحكم إلى أنَّه تعالى لا يعلم الحوادث إلاَّ عند دخولها في الوجود، فعلى هذا: الابتلاءُ والامتحانُ على الله جائز؛ واحتجَّ بأنه تعالى لو كان عالماً بالجزئيَّات قبل وقوعها، لكان كلُّ ماعلم وقوعه واجب الوقوعِ، وكل ما علم عدمه ممتنع الوقوعِ، وإلاَّ لزم انقلابُ علمه جهلاً، وذلك محالٌ، والمفضي إلى المحال محالٌ، ولو كان ذلك واجباً، فالذي علم وقوعه يجبُ كونه فاعلاً له، ولا قدرة له على التَّرك، والذي علم عدمه يكون ممتنع الوقوع، ولا قدرة له على الفعل، وعلى هذا يلزم ألاَّ يكون الله قادراً على شيءٍ أصلاًن بل يكون موجباً بالذَّات.

وأيضاً، فيلزم ألا يكون للعبد قدرة على الفعل، ولا على التركِ؛ لأنَّ ماعلم الله وقوعه، امتنع من العبد تركه، وما علم عدمه، امتنع منه فعله، فالقول بكونه تعالى عالماً بالأشياء قبل وقوعها، يقدح في الربوبيَّة، وفي العبوديَّة، وذلك باطلٌ؛ فثبت أنَّه تعالى إنما يعلم الأشياء عند وقوعها، أي عند ذلك، وعلى هذا التقدير، فالابتلاءُ والامتحانُ والختبار غي رجائز عليه، وعند هذا قال: يجرى قوله: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ على ظاهره.

وأمَّا جمهور علماء الإسلام، فقد استبعدوا هذا القول، وقالوا: إنه تعالى من الأزل إلى الأبدِ عالمٌ بجميع الجزئيَّات، والابتلاءُ والامتحان عليه محال، وأينما وردت هذه الألفاظ فالمراد أنه تعالى يعاملهم معاملة، لو صدرت عن غيره، لكانت على سبيل الابتلاءِ والامتحانِ.

فصل في تعليل أفعال الله تعالى

قالت المعتزلةُ: دلَّت هذه الآية ظاهراً على أنَّ أفعال الله تعالى معلَّلة بالأغراض وقال أهل السنة: هذا محالٌ؛ لأنَّ التعليل بالغرض إنَّما يصحُّ في حقِّ من لا يصحُّ منه تحصيل ذلك الغرض، إلاَّ بتلك الواسطة، وهذا يقتضي العجز، وهو على الله تعالى محالٌ.

قوله: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾ .

والمعنى أنَّه تعالى إنما زيَّن الأرض؛ لأجل الامتحان والابتلاء، لا لأجل أن يبقى الإنسان فيها متنعِّماً بها لا زاهداً فيها أي: لجاعلون ما عليها من هذه الزِّينة ﴿صَعِيداً جُرُزاً﴾ .

ونظيره: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26] .

وقوله: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 106، 107] .

وقوله: ﴿وَإِذَا الأرض مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾

[الانشقاق: 3، 4] .

والمعنى أنَّه لا بدَّ من المجازاةِ بعد إفناء ما على الأرض، وتخصيص الإهلاك بما على الأرض يوهم بقاء الأرض، إلا أنَّ سائر الآيات دلَّت أيضاً على أنَّ الأرض لا تبقى، وهو قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ [إبراهيم: 48] .

قوله: ﴿صَعِيدًا﴾ : مفعول ثانٍ؛ لأنَّ الجعل هنا تصيير ليس إلاَّ، والصعيد: التراب.

وقال أبو عبيدة: الصعيد المستوي من الأرض.

وقال الزجاج: هو الطَّريق الذي لا طين له، أو لا نبات فيهز وقد تقدَّم في آية التيمم. والجُرزُ: الذي لا نيات به، يقال: سَنةٌ جُرُز، وسنُونَ أجرازٌ: لا مطر فيها، وأرضٌ جُرزٌ، وأرضُونَ أجْرازٌ: لا نبات فيها قال الفراء: جَرزَتِ الأرض؛ فهي مجروزة إذا ذهب نباتها بقحطٍ أو جرازٍ يقال جرزها الجراد والشياة والإبل إذا أكل ما عليها وامرأة مجروز: إذا كانت أكولة. قال الشاعر: [الرجز]

3485 - إنَّ العَجُوزَ خَبَّةً جَرُوزا ... تَأكلُ كُلَّ لَيْلةٍ قَفِيزا

وسيف جراز، إذا كان مستأصلاً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском