Ibn 'AdilAl‑Baqarah · 2:14–16

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:14–16

2:14–15Page 3

وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤

And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."

ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥

[But] Allāh mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.

«إذا» منصوب ب «قالوا» الذي هو جواب لها، وقد تقدّم الخلاف في ذلك، و «لقوا» فعل وفاعل، الجملة في محلّ خفض بإضافة الظّرف إليها.

وأصل «لقوا» : لقيوا بوزن «شربوا» فاستثقلت الضمة على «الياء» التي هي «لام» الكلمة، فحذفت الضمة فالتقى ساكنان: لام الكلمة وواو الجمع، ولا يمكن تحريك أحدهما، فحذف الأول وهو «الياء» ، وقلبت الكسرة التي على القاف ضمّة؛ لتجانِسَ واو الضمير، فوزن «لَقُوا» : «فَعُوا» ، وهذه قاعدة مطّردة نحو: «خشوا» ، و «حيوا» . وقد سمع في مصدر «لقي» أربعة عشر وزناً: «لُقْيَاً وَلِقْيَةً» بكسر الفاء وسكون العَيْن، و «لقاء ولقاءة» بفتحها أيضاً مع المَدّ في الثلاثة، و «لَقَى» بفتح الفاء وضمّها، و «لُقْيَا» بضم الفاء، وسكون العين و «لِقِيَّا» بكسرها والتشديد و «لُقِيَّا» بضم الفاء، وكسر العَيْنِ مع التشديد، و «لُقْيَاناً وَلِقْيَاناً» بضم الفاء وكسرها، و «لِقْيَانَةً» بكسر الفاء خاصّة، و «تِلْقَاء» .

وقراءة أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ -: «وَإِذّا لاَقُوا» .

و «الَّذِينَ آمَنُوا» مفعول به، و «قالوا» جواب «إذا» ، و «آمَنَّا» في محل نصب بالقول.

قال ابن الخطيب: «والمراد بقولهم:» آمنا «: أخلصنا بالقلب؛ لأن الإقرار باللسان كان معلوماً منهم مما كانوا يحتاجون إلى بَيَانِهِ، إنما المشكوك فيه هو الإخلاص بالقلب، وأيضاً فيجب أن يحمل على نقيض ما كانوا يظهرونه لشياطينهم، وإنما كانوا يظهرون لهم التَّكذيب بالقلب» .

وقوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا﴾ تقدّم نظيره، والأكثر نظيره، والأكثر في «خَلاَ» أن يتعدّى بالباء، وقد يتعدّى ب «إلى» ، وإنما تعدّى في هذه الآية ب «إلى» لمعنى بديع، وهو أنه إذا تعدّى بالباء احتمل معنيين:

أحدهما: الانفراد.

والثاني: السُّخرية والاستهزاء، تقول: خلوت به «أي: سخرت منه، وهو من قولك: خَلاَ فلان بعرض فلان أي: يَعْبَثُ به.

وإذا تعدّى ب» إلى «كان نصّاً في الانفراد فقط، أو تقول: ضمن» خلا «معنى» صرف «فتعدّى» إلى «، والمعنى: صرفوا خَلاَهم إلى شَيَاطينهم، أو تضمّن معنى» ذهبوا وانصرفوا «ومنه:» القرون الخالية» .

وقيل: «إلى» - هنا - بمعنى «مع» ، كقوله:

﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ ﴾ [النساء: 2] .

وقيل: هي هنا بمعنى «الباء» ، وهذان القولان إنما يجوزان عند الكوفيين، وأما البصريون فلا يُجِيزون التجوّز في الحروف؛ لضعفها.

وقيل المعنى: وإذا خلوا رجعوا إلى شَياطينهم. ف «إلى» على بابها.

والأصل في خَلَوا: خَلَوُوا، فقلبت «الواو» الأولى التي هي «لام» الكلمة «ألفاً» لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فبقيت ساكنة وبعدها «واو» الضمير ساكنة، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما، وهو «الألف» ، وبقيت الفتحة دالةً عليها.

و «شياطينهم» : جمع شيطان، جمع تكسير، وقد تقدّم القول في اشتقاقه، فوزن شياطين: إما «فَعَالِيل» أو «فَعَالِين» على حسب القولين المتقدّمين في الاستعاذة، والفصيح في شياطين وبابه أن يعرب بالحركات؛ لأنه جمع تَكْسير، وهي لغةٌ رديئة، وهي إجراؤه إجراء الجمع المذكر السالم، سمع منهم: «لفلان البستان حوله البُسْتَانُون» .

وقرئ شاذَّا: «وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطون» [الشعراء: 210] .

وشياطينهم: رؤساؤهم وكَهَنَتُهُمْ.

قال ابن عباس: وهم خمسة نفر من اليهود: كَعْبُ بن الشرف ب «المدينة» ، وأبو بردة ب «الشام» في بني أسلم، وعبد الدار في «جهينة» ، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السوداء ب «الشام» ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له.

وقال مجاهد: شياطينهم: أصحابهم من المنافقين والمشركين.

وقوله: ﴿إِنَّا مَعَكْمْ﴾ «إنّ» واسمها و «معكم» خبرها، والأصل في «إنا» : «إننا» لقوله تعالى: ﴿إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً﴾ [آل عمران: 194] ، وإنما حذفت نُونَي «إنّ» لما اتصلت بنون «ن» ، تخفيفاً.

وقال أبو البقاء: «حذفت النون الوُسْطَى على القول الصحيح، كما حذفت في» إن «إذا خففت» .

و «مَعَ» ظرف والضمير بعده في محلّ خفض بإضافته إليه وهو الخبر - كما تقدم - فيتعلّق بمحذوف وهو ظرف مكان، وفهم الظرفية منه قلق.

قالوا: لأنه يدلّ على الصحبة، ومن لازم الصحبة الظَّرفية، وأما كونه ظرف مكان، لأنه يخبر به عن الجُثَثِ نحو: «زيد معك» ، ولو كان ظرف زمان لم يَجُزْ فيه ذلك.

واعلم أن «مع» لا يجوز تسكين عينها إلا في شعر كقوله: [الوافر]

210 - فَرِيشِي مِنْكُمُ وَهَوَايَ مَعَكُمْ ... وَإِنْ كَانَتْ زَيَارَتُكُمْ لِمَامَا

وهي حينئذ على ظرفيتها خلافاً لمن زعم أنها حينئذ حرف جَرّ، وإن كان النَّحاس ادّعى الإجماع في ذلك، وهي من الأسماء اللازمة للإضافة، وقد تقطع لفظاً، فتنتصب حالاً غالباً، تقول: جاء الويدان معاً أي: مصطحبين، وقد تقع خبراً، قال الشاعر: [الطويل]

211 - حَنَنْتَ إلى رَيَّا وَنَفْسُكَ بَاعَدَتْ ... مَزَارَكَ مَنْ وَشَعْبَاكُمَا مَعاً

ف «شَعْبَاكُمَا» مبتدأ، و «مَعاً» خبره، على أنه يحتمل أن يكون الخبر محذوفاً، و «مَعاً» حال.

واختلفوا في «مع» حال قطعها عن الإضافة؛ هل هي من باب المقصور نحو: «عصى» و «رحا» ، أو المنقوص نحو: «يد» و «دم» ؟ قولان: الأوّل: قول يونس، والأخفش.

والثاني: قول الخليل وسيبويه، وتظهر فائدة ذلك إذا سمّي به

فعلى الأول تقول: «جاءني معاً» و «مررت بمَعٍ» ك «يَدٍ» ، ولا دليل على القول الأوّل في قوله: «وشعباكما معاً» ؛ لأن معاً منصوب على الظَّرف النائب عن الخبر، نحو: «زيد عندك» وفيها كلام كثير.

فصل في نظم الآية

لم كانت مُخَاطبتهم للمؤمنين بالجملة الفعلية ومخاطبة شياطينهم بالجملة الاسمية محققة ب «إن» ؟

قال ابن الخطيب: الجواب: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين؛ لأن أنفسهم لا تساعدهم على المبالغة، لأن القول الصادر عن النّفاق والكراهة قلّما يحصل معه المبالغة، وإما لعلمهم بأن ادِّعاء الكمال في الإيمان لا يروج على المسلمين، وأما كلامهم مع إخوانهم، فكانوا يقولونه عن الاعتقاد، ويعلمون أنّ المستمعين يقبلون ذلك منهم، فلا جَرَمَ كان التأكيد لائقاً به. واختلفوا في قائل هذا القول أَهَمُّ كُلُّ المُنَافقين، أو بعضهم؟

فمن حمل الشَّيَاطين على كبار المُنَافقين، فحمل هذا القول على أنه من صغارهم، فكانوا يقولون للمؤمنين: «آمنا» وإذا عادوا إلى أكابرهم قالوا: «إنا معكم» ، ومن قال: المراد بالشّياطين الكفار لم يمنع إضافة هذا القول إلى كُلّ المُنَافقين.

وقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ كقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: 11] ، وهذه الجملة الظاهرة أنها لا محلّ لها من الإعراب لاستئنافها؛ إذ هي جواب لرؤسائهم، كأنهم لما قالوا لهم: «إنَّا مَعَكُمْ» توجّه عليهم سؤال منهم، وهو: فما بالكم مع المُؤْمنين تُظَاهرونهم على دينهم، فأجابوهم بهذه الجملة.

وقيل: محلّها النصب، لأنها بدلٌ من قوله: «إنَّا مَعَكُمْ» .

وقياس تخفيف همزة «مستهزؤون» ونحوه أن تجعل بَيْنَ بَيْنَ، أي بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها وهو «الواو» ، وهو رأي سيبويه، ومذهب الأخفش قلبها «ياء» محضة.

وقد وقف حمزة على ﴿مُسْتَهْزِئُونَ﴾ و ﴿فَمَالِئُونَ﴾ [الصافات: 66] و ﴿لِيُطْفِئُواْ﴾ [الصف: 8] و ﴿لِّيُوَاطِئُواْ﴾ [التوبة: 37] و ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ [يونس: 53] و ﴿الخاطئين﴾ [يوسف: 29] و ﴿الخاطئون﴾ [الحاقة: 37] ، و ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ [الكهف: 31] و ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ [ يس: 56] ، و ﴿المنشئون﴾ [الواقعة: 72] بحذف صورة الهَمْزَةِ اتباعاً لرسم المُصْحَفِ.

وقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ توكيد لقولهم: «إنَّا مَعَكُمْ» .

وقوله: ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ الله: رفع بالابتداء، و «يستهزىء» : جملة فعلية في محلّ رفع خبر، و «بِهِمْ» متعلّق به، ولا محل لهذه الجملة لاستئنافها.

و «يَمُدُّهُمْ» يتركهم ويُمْهِلُهُمْ، وهو في محل رفع أيضاً لعطفه على الخَبَرِ، وهو «يستهزىء» . و «يَعْمَهُونَ» في مَحَلِّ الحال من المفعول في «يَمُدُّهُمْ» ، أو من الضمير في «طغيانهم» ، وجاءت الحال من المُضّاف إليه؛ لأنَّ المُضّاف مصدر.

و «في طُغْيَانِهِم» يحتمل أن يتعلّق ب «يمدهم» ، أو ب «يعمهون» ، وقدّم عليه، إلاَّ إذا جعل «يعمهون» حالاً من الضَّمير في «طغيانهم» ، فلا يتعلّق به حينئذ، لفساد المعنى.

وقد منع أبو البَقَاءِ أن يكون «في طغيانهم» ، و «يعمهون» حَالَيْن من الضَّمير في «يمدهم» معللاً ذلك بأن العاملَ الواحدَ لا يعمل في حالين، وهذا على رأي من منع ذلك.

وأما من يجيز تعدُّد الحال مع عدم تعدُّد صاحبها فيجيز ذلك، إلاّ أنه في هذه الآية ينبغي أن يمنع من ذلك إلا ما ذكره أبو البَقَاءِ، بل لأن المعنى يأبى جَعْلَ هذا الجار والمجرور حالاً؛ إذ المعنى منصب على أنه متعلّق بأحد الفعلين، أعني: «يمدّهم» ، أو «يعمهون» لا بمحذوف على أنه حال.

والمشهور: فتح «الياء» من «يمدهم» .

وقرىء شاذاً: «يُمِدُّهُمْ» بضم الياء.

فقيل: الثلاثي والرُّباعي بمعنى واحد تقول: «مدّه» و «أمدّه» بكذا.

وقيل: «مدّه» إذا زاده عن جِنْسِهِ، و «أمدّه» إذا أراد من غير جِنْسِهِ.

وقيل: مدّه في الشَّرِّ لقوله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً﴾ [مريم: 79] ، وأمدّه في الخير لقوله تعالى: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: 12] ﴿وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ﴾ [الطور: 22] ، ﴿أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملاائكة﴾ [آل عمران: 124] إلا أنه يعكر على هذين الفرقين أنه قرىء: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي﴾ [الأعراف: 202] باللغتين، ويمكن أن يُجَاب عنه بما ذكره الفارسي في توجيه ضم «الياء» أنه بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ﴾ [آل عمران: 21] ، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ [الليل: 10] يعني أبو علي - رَحِمَهُ اللهُ - بذلك أنه على سبيل التهكُّم.

وأصل المدد الزيادة.

وقال الزمخشري: فإن قلت: لم زعمت أنه من المَدَد دون المَدّ في العُمُر والإمْلاء والإمْهَال؟

قلت: كفاك دليلاً على لك قراءة ابن كثير، وابن محيصن: «ويمدهم» وقراءة نافع: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ﴾ [الأعراف: 202] على أنَّ الذي بمعنى أَمْهَلَ إنما هو مَدّ له ب «اللام» كأملى له.

والاستهزاء لغةً: السخرية واللّعب؛ يُقَال: هَزِئَ به، واستهزأ، قال: [الرجز]

212 - قَدْ هَزِئَتْ مِنِّي أُمُّ طَيْسَلَهْ ... قالَت: أَرَاهُ مُعْدِماً لاَ مَالَ لَهْ

وقيل: أصله الانتقام؛ وأنشد: [الطويل]

213 - قَدِ اسْتَهْزَؤُوا مِنْهُمْ بِأَلْفَيْ مُدَجَّجِ ... سَرَاتُهُمُ وَسْطَ الصَّحَاصِحِ جُثَّمُ

فعلى هذا القول الثَّاني نسبة الاستهزاء إليه - تعالى - على ظاهرها.

وأما على القول الأول فلا بد من تأويل وهو من وجوه:

الأول: قيل: المعنى: يجازيهم على استهزائهم فسمى العقوبة باسم الذَّنب ليزدوج الكَلاَم، ومنه: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: 40] ، ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 194] .

وقال: ﴿إِنَّ المنافقين يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] ، ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله﴾ [آل: عمران: 54] .

وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «اللهُمَّ إنّ فلاناً هَجَاني، وهو بعلم أني لَسْتُ بِشَاعِرٍ، اللهم فاهجُهُ، اللهم فالْعَنْهُ عَدَدَ ما هَجَانِي» ؛ وقال عليه الصلاة والسَّلام: «تَكَلَّفُوا من الأَعْمَالِ ما تُطِيقونَ فإنَّ الله لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» ؛ وقال عمرو بن كلثوم: [الوافر] 214 - أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا

وثانيها: أنَّ ضرر استهزائهم بالمُؤْمنين راجعٌ إليهم، وغير ضَارّ بالمؤمنين، فيصير كأن الله استهزأ بهم.

وثالثها: أنّ من آثار الاستهزاء حُصُول الهَوَان والحَقارة، فذكر الاستهزاء، والمراد حُصُول الهَوَان لهم فعبّر بالسَّبب عن المُسَبِّب.

ورابعها: أنَّ استهزاء الله بهم أن يظهر لهم من أَحْكَامِهِ في الدُّنْيا ما لهم عند اللهِ خلافها في الآخرة، كما أنهم أَظْهَرُوا [للنَّبي و] المؤمنين أمراً مع أنَّ الحاصل منهم في السر خلافه، وهذا ضعيف؛ لأنه - تعالى - لما أظهر لهم أحكام الدُّنيا، فقد أظهر الأدلّة الواضحة بما يعاملون به في الدَّار الآخرة، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا.

وخامسها: أن الله - تعالى - يُعَاملهم مُعَاملة المُسْتَهْزِئِ في الدُّنيا والآخرة، أما في الدنيا، فلأنه أطلع الرسول على أَسْرَارِهِمْ لِمُبَالغتهم في لإخْفَائِها، وأمّا في الآخرة فقال ابنُ عَبَّاس: هو أن يفتح لهم باباً من الجنة، فإذا رأوه المُنافقون خرجوا من الجَحِيمِ متوجّهين إلى الجنة، فإذا وصلوا إلى باب الجنة، فهناك يغلق دونهم الباب، فذلك قوله تعالى: ﴿فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 34] وقيل: هو أن يُضْرَبَ للمؤمنين نورٌ يَمْشون به على صراط، فإذا وصل المنافقون إليه حِيَلَ بينهم وبينه، كما قالَ تَعَالَى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ [الحديد: 13] الآية.

فإن قيل: هلا قيل: إن الله يستهزئ بهم ليكون مطابقاً لقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14] ؟ والجواب: أنَّ «يستهزئ: يفيد حدوث الاستهزاء وتجدّده وقتاً بعد وقت، وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: 126] .

و» الطُّغيان «: الضلال مصدر طَغَى يَطْغَى طِغْياناً وطُغياناً بكسر الطَّاء وضمها. وبكسر الطَّاء قرأ زيد بن علي، ولام» طغى «قيل: ياء. واو، يقال: طَغَيْتُ وطَغَوْتُ، وأصل المادّة مُجاوزة الحَدّ، ومنه: طغى الماء.

و» العَمَةُ» : التردُّد والتحيُّر، وهو قريب من العَمَى، إلا أن بينهما عموماً وخصوصاً، لأن العَمَى يطلق على ذهاب ضوء العين، وعلى الخطأ في الرأي، والعَمَةُ لا يطلق إلا على الخطأ في الرأي، يقال: عَمِهَ عَمَهاً وَعَمَهَاناً فهو عَمِهٌ فهو عَمِهٌ وعَامِهٌ.

فصل في الرد على المعتزلة

قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجوه:

أحدها: قوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي﴾ [الأعراف: 203] أضاف ذلك الغيّ إلى إخوانهم، فكيف يكون مضافاً إلى الله.

وثانيهما: أن الله - تعالى - ذمّهم على هذا الطغيان، فلو كان فعلاً لله - تعالى - فكيف يذمهم عليه؟

وثالثهما: لو كان فعلاً لله - تعالى - لبطلت النبوة، وبطل القرآن، فكان الاشتغال بتفسيره عَبَثاً.

ورابعهم: أنه - تعالى - أضاف الطّغيان إليهم بقوله: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ، ولو كان من الله لما أضافه إليهم فظهر أنه إنما أضافه إليهم ليعلم أنه - تعالى - غير خالق لذلك، ومصداقه أنه حين أسند المَدّ إلى الشَّياطين أطلق الغيّ، ولم يقيده بالإضافة في قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي﴾ إذا ثبت هذا، فلا بُدَّ من التأويل، وهو من وجوه:

أحدها: قال الكَعْبِيّ وأبو مسلم الأصفهاني: إن الله - تعالى - لَمَّا منحهم أَلْطافَهُ التي منحها للمؤمنين، وخَذَلَهُمْ بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم مُظْلِمَةً بتزايد الرَّيْن فيها، وكتزائد النور في قلوب المؤمنين، فسمى ذلك النور مدداً، وأسنده إلى الله تعالى، لأنه مسبّب عن فعله بهم.

وثانيها: أن يحمل على منع القَسْرِ والإِلْجاءِ.

وثالثها: أن يسند فعل الشيطان إلى الله - تعالى - لأنه بتمكينه، وإقْدَاره، والتَّخلية بينه وبين إغواء عباده.

ورابعها: قال الجُبَّائي: ويمدهم أي يمد عمرهم، ثم إنهم مع ذلك في طغيانهم يعمهون، وهذا ضعيف من وجهين:

الأول: ما بَيَّنَا أنه لا يجوز في اللُّغة تفسير «ويمدهم» بالمَدّ في العمر.

الثاني: هَبْ أنه يصحّ ذلك، ولكنه يفيد أنه - تعالى - يمد عمرهم بغرض أن يكونوا في طُغيانهم يعمهون، وذلك يفيد الإشكال.

أجاب القَاضِي عن ذلك بأنه ليس المُراد لأنه - تعالى - يبقيهم، ويلطف بهم الطَّاعة، فيأبون إلاَّ أن يعمهوا.

2:16Page 3

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٦

Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.

«أولئك» : رفع بالابتداء و «الذين» وصلته خبره.

وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ هذه الجملة عطف على الجملة الواقعة صلة، وهي: «اشتروا» .

وزعم بعضهم أنها خبر المُبْتَدَأ، وأنَّ الفاء دخلت في الخَبَرِ لما تضّمنه الموصول من معنى الشَّرْط، فيصير قوله تعالى: ﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ [البقرة: 274] ، ثم قال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: 274] وهذا وهم؛ لأن «الذين» ليس مبتدأ حتى يدّعي دخول الفاء في خبره، بل هو خَبَرٌ عن «أولئك» كما تقدّم. فإن قيل: يكون الموصول مبتدأ ثانياً، فتكون الفاء دخلت في خبره.

قلنا: يلزم من ذلك عدم الربط بين المبتدأ والجملة الواقعة خبرً عنه، وأيضاً فإنَّ الصّلة ماضية معنى.

فإن قيل: يكون «الَّذين» بدلاً من «أولئك» فالجَوابَ يصير الموصول مخصوصاً لإبداله من مخصوص، والصّلة أيضاً ماضية.

فإن قيل: «االذين» صفة ل «أولئك» ، ويصير نظير قولك: «الرجل الذي يأتيني فله درهم» .

قلنا: يرد بما رد به السؤال الثَّاني، وبأنه لا يجوز أن يكون وصفاً له؛ لأنه أعرف منه، ففسد هذا القَوْلُ.

والمشهور ضمّ واو «اشتروا» لالتقاء الساكنين، وإنما ضممت تشبيهاً بتاء الفاعل.

وقيل: للفرق بين واو الجِمْعِ والواو الأصلية نحو: ﴿لَوِ استطعنا﴾ [التوبة: 42] .

وقيل: لأن الضمة - هنا - أخفّ من الكسرة؛ لأنّها من جنس الواو.

وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، فإن الأصل: «اشتريوا» كما سيأتي.

وقيل: هي للجمع فهي مثل: «نحن» . وقرئ بكسرها على أصل التقاء الساكنين، وبفتحها؛ لأنها أخف.

وأجاز الكسائي همزها تشبيهاً لها ب «أَدْؤُر» و «أَثْؤب» وهو ضعيف؛ لأن ضمها غير لازم.

وقال أبو البَقَاءِ: «ومنهم من يَخْتَلِسُهَا، فيحذفها لالتقاء السَّاكنين؛ وهو ضعيف جداً، لأن فيحذفها لالتقاء السَّاكنين؛ وهو ضعيف جداً، لأن قبلها فتحة، والفتحة لا تدلّ عليها» .

وأصل اشتروا: اشتريوا: فتحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقبلت أفلاً، قم حذفت لالتقاء السَّاكنين، وبقيت الفتحة دالّة عليها.

وقيل: بل حذفت الضَّمَّة من الياء فسكنت، فالتقى سَاكِنَانِ، فحذفت الياء لالتقائها ساكنةً مع «الواو» .

فإن قيل: واو الجمع قد حركت، فينبغي أن يعود السَّاكن المحذوف؟

فالجواب: أنَّ هذه الحركة عارضةٌ فهي في حكم السَّاكن، ولم يجئ ذلك إلاَّ في ضرورة الشعر؛ وأنشد الكِسَائيُّ:

215 - يَا صَيَاحِ لَمْ تَنَامِ العَشِيَّا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

فأعاد الألف لما حركت الميم حركةٌ عارضةٌ.

و «الضَّلالة» مفعولة، وهي: الجور عن القَصْدِ، وفقد الاهتداء، فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين.

و «بالهدى» متعلّق ب «اشتروا» والباء هنا للعوض، وهي تدخل على المتروك أبداً.

فأما قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله الذين يَشْرُونَ الحياة الدنيا بالآخرة﴾ [النساء: 74] ، فإنَّ ظاهره أن الآخرة هي المأخوذة لا المتروكة.

فالجواب ما قاله الزَّمَخْشَرِيَ: «أن المراد ب» المشترين «المبطئون وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النِّفَاق، ويخلصوا الإيمان بالله - تعالى - ورسوله، ويجاهدوا في الله حَقّ الجهاد، فحينئذ دخلت» الباء «على المتروك.

والشِّراء - هاهنا - مَجَاز عن الاستبدال بمعنى أنهم لما تركوا الهدى، وآثروا الضلالة، جُعِلُوا بمنزلة لها بالهُدَى، ثم رشح هذا المجاز بقوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} فأسند الرِّبْحِ إلى التِّجارة، والمعنى: فما ربحوا في تِجارتِهم؛ ونظير خذا التَّرْشيح قول الآخر: [الطويل] .

216 - بَكَى الخَزُّ مِنْ رَوْحٍ وَأَنْكَرَ جِلْدَهُ ... وَعَجَّتْ عَجِيجاً مِنْ جُذَامَ المَطَارِفُ

لما أسند البكاء إلى الخَزّ من أجل هذا الرجل - وهو رَوْح - وإنكاره لجلده مجازاً رَشّحه بقوله: «وَعَجّت المَطَارف من جُذام» أي: استغاثت الثياب من هذه القبيلة. وقول الآخر: [الطويل] .

217 - وَلَمَّا رَأَيْتُ النَّسْرَ عَزَ ابْنُ دَايةٍ ... وَعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لَهُ صَدْرِي

لما جعل» النَّسْرَ «عبارة عن الشَّيب، و» ابن داية» وهو الغُرَاب عبارة عن الشباب، مجازاً رَشّحه بذكر التعشُّش في الوَكْرِ، وقول الآخر: [الوافر] .

218 - فَمَا أُمُّ الرُّدَيْنِ وَإنْ أَدَلَّتْ ... بِعَالِمَةٍ بأَخلاقِ الكِرامِ

إِذا الشَّيْطانُ قَصَّعَ في قَفَاهَا ... تَنَفَّقْنَاهُ بِالحبْلِ التُّؤَامِ

لما قال: «قَصّع في ثقاها» أي: دخل من القاصعاء، وهي: جُحر من جِحَرَة اليَرْبُوعِ هنا لما ذكر سبحانه الشِّر، أتبعه بما يُشاكله، وهو الربح تمثيلاً لخسارتهم.

والربح: الزيادة على رأس المال.

وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ هذه الجملة معطوفةٌ على قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ .

والمهتدي: اسم فاعل من اهتدى، و «افتعل» عنا للمُطَاوعة، ولا يكون» افتعل «للمطاوعة إلا من فعل نتعدٍّ.

وزعم بعضهم أنه يجيء من اللاَّزم، واستدل على ذلك بقول الشاعر: [الزجر] .

219 - حَتَّى إذَا اشْتَالَ سُهَيْلٌ في السَّحَرْ ... كَشُعْلَةِ القَابِسِ تَرْمِي بالشَّرَرْ

قال: ف» اشْتال «افتعل لمُطاوعة» شال «، وهو لازم، وهذا وهم؛ لأن» افتعل «هنا ليس للمطاوعة، بل بمعنى» فَعَلَ «المجرد.

ومعنى الآية أنهم ما كانوا مهتدين من الضلالة، وقيل: مُصِيبين في تِجارتِهم؛ لأنّ المقصود من التِّجَارة سلامةُ رأس المال، والربح، وهؤلاء أضاعوا الأمرين؛ لأن رأس مالهم هو العَقْل الخالي عن المانع، فلما اعتقدوا هذه الضلالات صارت تلك العقائد الفاسدة مانعةً من الاشتغال بطلب العقائد الحقة.

فهؤلاء مع أنهم لم يربحوا فقد أفسدوا رأس المال، وهو العقل الهادي إلى العقائد الحقة.

وقال قتادة: «انتقلوا من الهُدَى إلى الضَّلالة، ومن الطاعة إلى المعصية، ومن الجَمَاعة إلى الفُرْقة، ومن الأمن غلى الخوف، ومن السُّنة إلى البِدْعَةِ» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском