Ibn 'AdilAl‑Baqarah · 2:67–73

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:67–73

2:67–73Page 10

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٦٧

And [recall] when Moses said to his people, "Indeed, Allāh commands you to slaughter a cow." They said, "Do you take us in ridicule?" He said, "I seek refuge in Allāh from being among the ignorant."

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ ٦٨

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is." [Moses] said, "[Allāh] says, 'It is a cow which is neither old nor virgin, but median between that,' so do what you are commanded."

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ ٦٩

They said, "Call upon your Lord to show us what is her color." He said, "He says, 'It is a yellow cow, bright in color - pleasing to the observers.'"

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ ٧٠

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is. Indeed, [all] cows look alike to us. And indeed we, if Allāh wills, will be guided."

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ ٧١

He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.'" They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.

وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰءۡتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٧٢

And [recall] when you slew a man and disputed1 over it, but Allāh was to bring out that which you were concealing.

فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٧٣

So We said, "Strike him [i.e., the slain man] with part of it."1 Thus does Allāh bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.

في مناسبة هذه القصة لما قبلها ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه تعالى لما عدد النعم المتقدمة على بني إسرائيل كإنزال المَنّ والسَّلْوَى، ورفع الطُّور، وغير ذلك ذكر بعده هذه النعم الت بها بيّن البريء من غيره وذلك من أعظم النعم.

الثاني: أنه تعالى لما حكى عنهم التَّشْديدات والتعنُّت كقوله: ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ [النساء: 153] وقولهم: ﴿لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: 61] ، وغير ذلك من التعنُّت ذكر بعده تعنتاً آخر، وهو تعنتهم في صفة البقرة.

الثالث: ذكرها معجزة للنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه أخبر بهذه القصّة من غير تعلّم وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب.

وهذه الآية متأخرة في المعنى دون التلاوة عن قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً﴾ [البقرة: 72] وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.

والجمهور على ضم الرَّاء في «يَأْمُرُكم» ؛ لأنه مضارع معرب مُجَرّد عن ناصب وجازم، وروي عن أبي عمرو سكونها سكوناً محضاً، واختلاس الحركة، وذلك لتوالي الحركات، لأن الراء حرف تكرير، فكأنها حرفان، وحركتها حركتان.

وقيل: شبَّهها ب «عَضْد» فَسُكِّن أوسطه إجراء للمنفصل مجرى المتصلن وهذا كما تقدم في قراءة ﴿بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: 54] وقد تقدم ذكر من استضعفها من النُّحَاة، وتقدّم ذكر الأجوبة عنه.

ويجوز إبدال همزة «يَأمُرُكمْ» ألفاً، وهذا مطرد.

و «يأمركم» هذه الجُمْلة في محلّ رفع خبر ل «إن» ، و «إن» وما في حيّزها في محلّ نصب مفعولاً بالقول، والقول وما في حيّزه في محلّ جرّ بإضافة الظرف إليه، والظرف معمول لفعل محذوف أيك اذكر.

قوله: ﴿أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ أن وما حيّزها مفعول ثانِ ل «يأمركم» ، فموضعها يجوز أن يكون نصباً، وأن يكون جرَّا على ما مضى من الخلاف، لأن الأصل على إسقاط حرف الجر أي بأن تَذْبَحُوا، يجوز أن يوافق الخليل هنا على أن موضعها نصب؛ لأن هذا الفعل يجوز حذف الباء معه، ولو لم تكن الباء في «أن» نحو: «أمرتكم الخير» .

و «البقرة» واحدة البقر، تقع على الذّكر والأنثى نحو: «حَمَامة» ، والصِّفة تميز الذّكر من الأنثى، تقول: بقرة ذكر، وبقرة أنثى.

وقيل: بقرة اسم للأنثى خاصّة من هذا الجنس مقابل الثور، نحو: نَاقَة وجَمَل، وأَتَان وحِمَار.

وسمي هذا الجنس بذلك، لأنه يَبْقُر الأرض، أي: يشقّها بالحرث، ومنه: بَقَرَ بطنه، والباقر أبو جعفر، لشقِّه العلم، والجمع «بَقَر وَبَاقِر وَبَيْقُور وَبَقِير» .

و «البَقِيرة» : ثوب يشقّ فتلقيه المرأة في عنقها من غير كُمَّين.

فصل في قصة القتيل

روي عن ابن عباس وسائر المفسرين: أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له ليرثه، وقيل: لينكح زوجته، وقيل: إن ابن أخيه قتله ليتزوج ابنته، وكان امتنع من تزويجها له، فقتله ثم رماه في مجمع الطريق، ثم شكا ذلك إلى موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ فاجتهد موسى في أن يعرف القاتل، فلما لم يظهر قالوا: قل لربك «بَيِّنْه» فأوحى الله إليه أن يأمرهم بأن يذبحوا بقرة [فعجبوا] من ذلك، ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهما حالاً بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعينت لم يجدوها بذلك النَّعت إلاَّ عند إنسان معيّن ولم يبعها إلاَّ بأضعاف ثمنها فاشتروها وذبحوها، وأمرهم موسى عليه الصَّلاة والسَّلام أن يأخذوا عُضْواً منها، فيضربوا به القتيل، ففعلوا فأحيا الله القتيل، وسمى لهم قاتلهم، وهو الذي ابتدأ بالشّكاية فقتلوه [فوراً] .

قوله: «أَتتَّخِذُنَا هُزواً» المفعول الثاني ل «أتتخذنا» هو «هُزواً» ، وفي وقوع «هزواً» مفعولاً ثانياً ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه على حَذْف مضاف، أي: ذوي هزء.

الثاني: أنه مصدر واقع المفعول به، أي مهزوءاً بنا.

الثالث: أنهم جعلوا نفس الهزء مُبَالغة. وهذا أولى.

وقال الزمخشري: وبدأ ب «أَتَجْعَلُنَا» مكان هُزْءٍ، وهو قريب من هذا. وفي «هزواً» ستّ قراءات، المشهور منها ثلاث: «هُزُؤًا» بضمتين مع الهمز، و «هُزْءًا» بسكون الزَّاي مع الهمز وصلاً، وهي قراءة حمزة رَحِمَهُ اللهُ، فإذا وقف أبدلها واواً، وليس قياس تخفيفها، وإنما قياسه إلقاء حركتها على الساكن قبلها.

وإنما اتبع رسْمَ المصحف، فإنها رسمت فيه «واو» ، ولذلك لم يُبْدِلها في «جزءاً» واواً وقفاً لأنها لم تُرْسَم فيه واواً كما سيأتين وقراءته أصلها الضم كقراءة الجماعة إلاّ أنه خُفِّفَ كقولهم في عنق: عُنْق.

وقيل: بل هي أصل بنفسها ليست مخففةً من ضم.

كى مكّي عن الأخفش عن عيسى بن عمر: «كل اسم ثلاثي أوله مضموم يجوز فيه لغتانك التخفيف والتثقيل» .

و «هُزُواً» بضمتين مع الواو وصلاً ووفقاً، وهي قراءة حفص عن عاصم، كأنه أبدل الهمزة واواً تخفيفاً، وهو قياس مطرد في كل همزة مفتوحة مضموم ما قبلها نحو: جُوَن في جُؤن، وحكم [كُفْواً] في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4] حكم «هزواً» في جميع ما تقدم قراءةً وتوجيهاً.

و «هْزاً» بإلقاء حركة الهمزة على الزاي وحذفها، وهو أيضاً قياس مطرد.

و «هُزْواً» بسكون العين مع الواو. و «هُزًّا» بتشديد لزاي من غير همزة، ويروى عن أبي جعفر [وتقدم معنى «الهزء» في أول سورة] .

وقال الثعلبي في تفسيره: قرىء: «هُزُؤًّا» و «كُفُؤًّا» مثقلات ومهموزات، وهي قراءة أبي عمرو وأهل «الشام» و «الحجاز» واختار الكسائي، وأبو عبيد، وأبو حاتم «هُوُزًّا» و «كُفُوًّا» مثقلات بغير همز قال: وكلّها لغات صحيحة فصيحة معناها: الاستهزاء.

فصل في الباعث على تعجبهم

القوم إنما قالوا ذلك؛ لأنهم لما طلبوا من موسى عليه الصلاة والسَّلام تعيين القاتل، فقال موسى عليه الصّلاة والسلام: اذبحوا بقرة فلم يفرقوا، وبين هذا الجواب وذلك السؤال مناسبة، فظنوا أنه عليه الصَّلاة والسَّلام يُدَاعبهم؛ لأنه من المحتمل أن يكون عليه الصَّلاة والسَّلام أمرهم بذبح البقرة، ولم يعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة، وضربوا القتيل ببعضها يصير حياً، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء، ويحتمل أنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ بيّن لهم كيفية الحال إلاّ أنهم تعجّبوا من [أن] القتيل كيف يصير حيًّا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة، وظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء.

نقل القرطبي عن المَاوَرْدَيّ قال: «وإنما أمروا والله أعلم بذبح بقرة دون غيرها؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العِجْل ليُهَوِّن عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته» .

وهذا المعنى علّة في ذبح البقرة، وليس بعلّة في جواب السَّائل، ولكن المعنى فيه أن يحيا القتيل بقتل حَيّ، فيكون أظهر لقدرته في اختراع الأشياء من أضدادها.

فصل في بيان هل كفر قوم موسى بسؤالهم ذلك؟

قال بعضهم: إن أولئك الأقوام كفروا بقولهم لموسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: أتتخذنا هزوًا، لأنهم إن قالوا لموسى ذلك لأنهم شكّوا في قدرة الله تعالى على إحياء الميت فهو كفر، وإن شكّوا في ذلك أن الذي أمرهم به موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ هل هو بأمر الله، فقد جَوْزوا الخيانة على موسى عليه الصَّلاة والسِّلام في الوحي، وذلك أيضاً كفر، ومن الناس من [قال] : إنه لا يوجب الكفر لوجهين:

الأول: أن المداعبة على الأنبياء جائزة، فلعلهم ظنوا أنه عليه الصَّلاة والسَّلام يداعبهم مُدَاعبة حقّه، وذلك لا يوجب الكفر.

والثاني: أن معنى قوله: «أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً» أي: ما أعجب هذا الجواب، كأنك تستهزىء بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء.

قوله: «أَعُوذُ بِالله» تقدم إعرابه في الاستعاذة.

وهذا جواب لاستفهامهم في المعنى، كأنه قال لا أهزأ مستعيذاً بالله من ذلك فإن الهازىء جاهل، فلم يستعذ موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ من الشَّيء الذي نسبوه إليه، لكنه استعاذة من السَّبب الموجب له، كما يقول: أعوذ بالله من عدم العَقْل؛ وغلبة الهَوَى، والحاصل أنه أطلق اسم السّبب على المسبب مجازاً.

ويحتمل أن يكون المراد «أعوذ بالله أن أكُونَ من الجَاهِلِين» بما في الاستهزاء في أمر الدين من العقاب الشديد، والوعيد والعظيم، فإني متى علمت ذلك امتنع إقْدَامي على الاستهزاء.

وقال بعضهم: إن نفس الهزوّ قد يسمى جهلاً وجهالة، فقد روي عن بعض أهل اللُّغة أن الجَهْل ضدّ الحلم، كما قال بعضهم: إنه ضدّ العلم.

قوله: «أَنْ أَكُونَ» أي من أن أكون، فيجيء فيه الخلاف المعروف.

و «مِنَ الْجَاهِلِيْنَ» خبرها، وهو أبلغ من قولك: أن أكون جاهلاً. فإن المعنى أنّ انتظم في سلك قوم اتصفوا بالجهل.

قوله: «قَالُوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ» ف «يبيّن» مجزوز على جواب الأمر كقوله: ﴿فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا﴾ [البقرة: 61] .

قوله: «مَا هِيَ» ، «ما» استفهامية في محلّ رفع بالابتداء، تقديره: أي شيء هي؟ وما [الاستفهامية] يطلب بها شرح الاسم تارة، نحو: ما العَنْقَاء؟ وماهية المسمى أخرى، نحو: ما الحركة؟ .

وقال السكاكي: «يسأل ب» ما «عن الجنس، تقول: ما عندك» أي: أيّ أجناس الأشياء عندك؟ وجوابه «كتاب» ونحوه، أو عن الوصف، تقول: ما زيد؟ وجوابه: «كريم» ، وهذا هو المراد في الآية.

و «هي» ضمير مرفوع منفصل في محلّ رفع خبراً ل «ما» والجلمة في محلّ نصب ب «يبيّن» ؛ لأنه معلّق عن الجلمة بعده، وجاز ذلك، لأنه شبيه بأفعال القلوب.

قوله: «لاّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ» لا «نافية» ن و «فارض» صفة ل «بقرة» .

واعترض ب «لا» بين الصفة والموصوف، نحوك «مررت برجل لا طويل ولا قصير» .

وأجاز أبو البقاء: أن يكون خبر المبتدأ محذوف، أي: لا هي فَارِضٌ.

وقوله: «ولا بِكْر» مثل ما تقدّم.

وتكررت «لا» لأنها متى وقعت قبل خبر، أو نعت، أَو حال وجب تكريرها تقول: «زيد لا قائم ولا قاعد» ، و «مررت به لا ضحاكاً ولا باكياً» .

ولا يجوز عدم التكرار إلا في ضرورة خلاقاً للمبرّد وابن كَيْسَان؛ فمن ذلك: [الطويل]

568 - وَاَنْتَ امْرُؤٌ مِنَّا خُلِقْتَ لِغَيْرنا ... حَيَاتُكَ لاَ نَفْعُ ومَوْتُكَ فَاجِعُ

وقوله: [الطويل]

569 - قَهَرْتُ الْعِدَا لاَ مُسْتَعِيناً بِعُصْبَةٍ ... وَلَكِنْ بَأَنْواعِ الْخَدائِعِ وَالمَكْرِ

فلم يكرهها في الخبر، ولا في الحال.

و «الفارض» : المُسِنّة الهَرِمَة، قال الزمخشريُّ: كأنها سميْت بذلك؛ لأنها فَرَضَتْ سِنَّها، أي: قَطَعَتْهَا وبلغت آخرها؛ قال: [الطويل]

570 - لَعَمْرِي لَقَدْ أَعْطَيْتَ ضَيْفَكَ فَارِضاً ... تُسَاقُ إِلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ

ويقال لكل ما قَدُمَ: فارض؛ قال [الرجز]

571 - شَيَّبَ أَصْدَاعِيْ فَرَأْسِي أَبْيَضُ ... مَحَامِلٌ فِيهَا رِجَالٌ فُرَّضُ

أي: كبار قدماء.

وقال آخر: [الرجز]

572 - يَارُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فَارِضِ ... لَهُ قُرُوءٌ كَقُروءِ الْحَائِضِ

وقال الرَّاغب: سميت فارضاً، لأنها تقطعه الأرض، والْفَرْضُ في الأصل القطع، وقيل: لأنها تحمل الأعمال الشاقة.

وقيل: لأن فريضة البقر تَبِيعٌ ومُسِنَّةٌ، قال: فعلى هذا تكون الفارض اساً إسلاميّاً.

وقيل: «الفَارِضُ» : التي ولدت بطوناً كثيرة فيتسّع جوفها لذلك؛ لأن معنى الفارض في اللغة الواسع، نقله القرطبي عن بعض المتأخرين. ويقال: فَرَضَتْ تَفْرِضُ بالفتح فُرُوضاً.

وقيل: فَرُضَتْ بالضم أيضاً.

وقال المفضَّل بن سَلَمَةَ: الفارض: المُسِنَّة. و «البِكْر» : ما لم تحمل.

وقيل: ما ولَدَتْ بطناً واحداً، وذلك الولد بِكْرٌ أيضاَ. قال: الرجز]

573 - يَا بِكْرَ بَكْرَين وَيَا خِلْبَ الْكَبِدْ ... أَصْبَحْتَ مِنِّي كِذِرَاع مِنْ عَضُدْ

و «البِكْر» من الحيوان: من لم يطرقه فحل، و «البَكْر» بالفتح الْفَتِيُّ من الإِبل، والبَكَارة بالفتح المصدر.

وقال المفضَّل بن سلمة: البِكْر: الشابة.

قال القفال رَحِمَهُ اللهُ تعالى: اشتقاق البكر يدل على الأول، ومنه الباكورة لأول الثمرة، ومنه: بُكْرَة النهار، ويقال: بكرت عليه البارحة، إذا جاء في أول الليل.

والأظهر أنها هي التي لم تلد؛ لأن المعروف من اسم البكر من إناث بني آدم: ما لم يَنْزُ عليها الفحل.

قوله: عَوَانٌ صفة ل «بقرة» ، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف أي: هي عَوانٌ كما تقدم في ﴿لاَّ فَارِضٌ﴾ [البقرة: 68] والعوان: النَّصَف، وهو التوسُّط بين الشيئين، وذلك أقوى ما يكون وأحسنه؛ قال: [الوافر]

574 - ... ... ... ... ... ... ... ..... نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارٍ وَعُون

وقال الشاعر يصف فرساًك [الطويل]

575 - كُمَيْتٍ بَهِيمٍ اللَّونِ لَيْسَ بِفَارضٍ ... وَلاَ بِعَوانٍ ذَاتِ لَوْنٍ مُخَصَّفِ

«فرس أخصف» إذا ارتفعَ الْبَلَق من بطنه إلى جنبه، ويقال للنخلة الطويلة: عوان، وهي فيما زعموا لغة عَانِيَة، حكاه القرطبي.

وقيل: هي التي ولدت مرة بعد أخرى منه «الحرب العوان» أي التي جاءت بعد حرب أخرى؛ قال زهير: [الطويل]

576 - إِذَا لَحِقَتْ حَرْبٌ عَوَانٌ مُضِرَّةٌ ... ضَرُوسٌ تُهِمرُّ النَّاسَ أَنْيَابُهَا عُصْلُ

والعُوْن بسكون الواو الجمع، وقد يضم ضرورة كقوله: [السريع]

577 - ... ... ... ... ... ... ... ....... . . في الأَكُفِّ اللاَّمِعَاتِ سُوُرْ

بضم الواو. ونظيره في الصحيح «قَذَال وقُذُل» و «حِمَار وحُمُر» .

قوله: «بين ذلك» صفة ل عوان» [فهي] في محلّ رفع، ويتعلق بمحذوف، أي: كائن بين ذلك، و «بين» إنما تضاف لشيئين فصاعداً، وجاز أن تضاف هنا إلى مفرد؛ لأنه يشار به إلى المُثَنَّى والمجموع؛ كقوله: [الرمل]

578 - إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى ... وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ

كأنه قيل: بين ما ذكر من الفارض البكر. قال الزمخشري:

فإن قلت: كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين، وإنما هو لإشارة المذكر؟

قلت: لأنه في تأويل ما ذكر وما تقدم، وقال: وقد يجرى الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا، قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة في قوله: [الرجز]

579 - فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ ... كَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ

إن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت السواد والبَلَق فقل: كأنهما، فقال: أردتُ: ذَاكَ وَذلِكَ. والذي حسن منه أن أسماء الإشارة تثنيتها، وجمعها، وتأنيثهما ليست على الحقيقة، وكذلك الموصولات، ولذلك جاء «الذي» بمعنى الجمع واحتج بعض العلماء بقوله: «عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ» على جواز الاجتهاد، واستعمال غلبة النَّص في الأحكام، إذ لا يعلم أنها بين الفَارِض والبِكْر إلا من طريق الاجتهاد.

قوله: ﴿مَا تُؤْمَرونَ﴾ «ما» موصولة بمعنى «الذي» ، والعائد محذوف تقديره: تؤمرون به، فحذفت الباء، وهو حذف مطرد، فاتصل الضمير فحذفت «الهاء» ، وليس هو نظير: ﴿كالذي خاضوا﴾ [التوبة: 69] فإن الحذف هناك غير مقيس.

ويضعف أن تكون «ما» نكرة موصوفة.

قال أبو البقاء: لأن المعنى على العموم، وهو ب «الذي» أشبه، ويجوز أن تكون مصدرية أي: أمركم بمعنى مأموركم، تسمية للمفعول بالمصدر ك «ضَرْب الأمير» قاله الزمخشري.

و «تؤمرون» مبني للمعفول، و «الواو» قائم مقام الفاعل، ولا محلّ لهذه الجملة لوقوعها صلة.

صل في الغاية من وصف البقرة

والمقصود كون البقرة في أكمل أحوالها، وذلك لأن الصَّغيرة تكون ناقصة؛ لأنها لم تصل إلى حالة الكمال، والمُسِنّة صارت ناقصةً؛ لتجاوزها حَدّ الكمال، والمتوسط هو الذي يكون في حال الكمال. قاله الثعلبي.

قوله: ﴿مَا لَوْنُهَا﴾ كقوله: «مَا هِيَ» .

وقرأ الضحاك: «لونها» بالنصب.

وقال أبو البقاء: لو قرىء: لَوْنَهَا «بالنصب لكان له وَجْهٌ، وهو أن تكون» ما «زائدة كهي في قوله ﴿أَيَّمَا الأجلين قَضَيْتُ﴾ [القصص: 28] ويكون التقدير: يبين لنا لَوْنَهَا وهذا تجديد للأمر، وتأكيد وتنبيه على ترك التعنّتن وهذا يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب، ويدل على أن الأمر على الفور؛ لأنه تعالى ذمهم على التأخير بقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71] .

واستدل بعضهم على أن الأمر على التراخي؛ لأنه تعالى لم يعنفهم على التأخير والمُرَاجعة في الخطاب، قاله القرطبي عن ابن خُوَيْزِمَنْداد.

قال الثعلبي: وقرأ الضحاك: «لونَهَا» بالنصب.

وأما» ما هي «فابتداء وخبر لا غَيْرُ، إذ لا يمكن جعل» ما «زائدة؛ لأن» هي «لا يصح أن يكون مفعول» يبين «يعني: أنها بصيغة الرفع، وهذا ليس من مواضع زيادة» ما «فلا حاجة إلى هذا.

واللَّوْن عبارة عن الحُمْرة والسَّوَاد ونحوهما، واللَّوْن أيضاَ النَّوع، وهو الدَّقَل نوع من النخل.

قال الأَخْفَشُ:» هو جماعة واحدها لِينَة» وفلان يَتَلَوَّنُ، أي: لا يثبتُ على حال؛ قال الشاعر: [الرمل]

580 - كُلَّ يَوْمٍ تَتَلَوَّنْ ... غَيْرُ هَذَا بِكَ أَحْمَلُ

و «صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا» يجوز أن يكون «فاقع» صفة، و «لونها» فاعل به، وأن يكون خبراً مقدماً و «لونها» مبتدأ مؤخر، والجملة صفة ذكرهما أبو البقاء.

وفي الوجه الأول نظر، وذلك أن بعضهم ذكر أن هذه التوابع للألوان لا تعمل عمل الأفعال.

فإن قيل: يكون العمل ل «صفراء» لا ل «فاقع» كما تقول: «مررت برجل أبيض ناصع لونه» ف «لونه» مرفوع ب «أبيض» لا ب «ناصع» .

فالجواب: أن ذلك هاهنا ممنوع من جهة أخرى، وهو أن «صفراء» مؤنَث اللفظ، ولو كان رافعاً ل «لَوْنُها» لقيل: أصفر لونها، كما تقول: مررت بأمرأة أصفر لونها، ولا يجوز: صفراء لونها؛ لأن الصفة كالفعل، إلاَّ أن يقال: إنه لما أضيف إلى مؤنث اكتسب منه التأنيث، فعومل معاملته كما سيأتي.

ويجوز أن يكون «لونها» مبتدأ و «تَسُرُّ» خبره، وإنما أنث الفعل لاكتسابه بالإضافة معنى التأنيث؛ كقوله: [الطويل]

581 - مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعَالِيهَا مَرٌّ الرِّياحِ النَّوَاسِمِ وقول الآخر: [الطويل]

582 - وَتَشْرَقُ [بَالقَوْلِ] الَّذِي قَدْ أَذَعْتَهُ ... كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّم

أنّث فعل المَرِّ والصَّدْرِ لما أَضيفا لمؤنث، وقرىء: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة﴾ [يوسف: 10] .

وقيل: لأن المراد باللَّون هنا الصُّفرة، وهي مؤنّثة، فحمل على المعنى في ذلك، ويقال: أصفر فاقع، وأبيض ناصع، ويَقِقٌ ولَهِقٌ ولِهَاقٌ، وأخضر ناضر، وأحمر قانىء، وأسود حالك وحائك وَحُلْكُوك، ودَجُوجِيٌّ وغِرْبِيبُ، وبَهِيم.

وقيل: «البهيم الخالص من كل لون» .

وبهذا يظهر أن «صفراء» على بابها من اللون المعروف لا سَوْدَاء كما قاله بعضهم: فإن الفُقُوع من صفة الأصفر خاصّة، وأيضاً فإنه مجاز بعدي، ولا يستعمل ذلك إلا في الإبل لِقُرْبِ سوادها من الصّفرة، كقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: 33] وقال [الخفيف]

583 - تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وتِلْكَ رِكَابِي ... هُنَّ صُفْرٌ أَوْلاَدُهَا كَالزَّبِيبِ

فإن قيل: هلاّ قيل: صفراء فاقعة؟ وأي فائدة في ذلك اللون؟

فالجواب: فائدته التأكيد؛ لأن اللون اسم للهَيْئَةِ، وهي الصّفرة، فكأنه قال: شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك: جدّ جدّه.

وعن وهب: إذا نظرت إليها خُيِّل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جِلْدِهَا، فمعنى قوله: «تَسُرُّ النَّاظِرينَ» أي: يعجبهم حسنها وصَفَاءُ لونها، لأن العين تسر بالنظر إلى الشيء الحسن.

قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: من لبس نعلاً صفراء قلْ همه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ الناظرين﴾ .

قال الكسائي؛ يقال: فَقَع لونها يَفْقَعُ فُقُوعاً، إذا خَلَصَت صفرته، والإفْقَاع: سوء الحال، وفَوَاقِعُ الدهر: بَوَائِقُه، وفَقَّع بأصابعه: إ ذا صوَّت، ومنه حديث أبن عباس: «نَهَى عن التَّفقيع في الصلاة» ، وهي الفرقعة، هي غَمْزُ الأصابع حتى تُنْقِض، قاله القرطبي.

واختلفوا هل كانت جميعها صفراء حتى قُرونها وأظلآفها، أو الصفرة المعتادة؟ قولان. وفي قوله «فاقع» لطيفة، وهي أنه وصفها باسم الفاعل الذي هو نعت للدوام والاستمرار. يعني: في الماضي والمستقبل.

وفي قوله: «تَسُرُّ» لطيفةٌ، وهي أنه أتى بصيغة المضارع وهو يقتضي التجدُّد والحدوث، بخلاف الماضي.

وفي قوله: «النَّاظرين» آية لطيفة، وهي أنه أتى بصيغة الجمع المُحَلّى بالألف واللام، ليعمّ كلّ ناضر منفردين ومجتمعين.

وقيل: المراد بالنظر نظر البصر للمرء والمرأة أو المراد به النظر بعين اليقين، وهو التفكر في المخلوقات.

قوله: ﴿تَسُرُّ الناظرين﴾ جلمة في محل رفع صفة ل «بقرة» أيضاً، وقد تقدم أنه يجوز أن تكون خبراً عن «لونها» بالتأويلين المذكورين.

و «السرور» لذّة في القلب عند حصول نفع أو توقّعه، ومنه [السرير] الذي يُجْلس عليه إذا كان لأولي النعمة، وسرير الميت تشبيهاً به في الصورة وتفاؤلاً بذلك.

قوله: ﴿ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنَ لَّنَا مَا هِيَ﴾ تقرير للسؤال عن حالها وصفتها، واستكشاف زائد، ليزدادوا بياناً لوصفها، وفي مصحف عبد الله: «سل لنا ربك يبين لنا ما هي؟ وما صفتها» .

قوله: ﴿إِنَّ البقر تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ البَقَر: اسم إن، وهو اسم جنس كما تقدم.

وقرأ محمد ذو الشامة الأموي: «إنّ البَاقِرَ» وهو جمع البَقَر ك «الجَامِل» جماعة الجَمَل؛ قال الشاعر: [الكامل]

584 - مَالِي رَأَيْتُكَ بَعْدَ عَهْدِكَ مُوحِشاً ... خَلِقاً كَحَوْضِ البَاقِرِ المُتَهَدِّمِ قال قطرب: «يقال لجمع البقرة: بَقَر وبَاقِر وبَاقُور وبَيْقُور» .

وقال الأَصْمَعِيّ: «الباقر» جمع باقرة، قال: ويجمع بقر على بَاقُورة، حكاه النّحاس.

قال القرطبي: والباقر والبقر والبيقور والبقير لُغَات بمعنى واحد والعرب تذكره وتؤنثه، وإلى ذلك ترجع معاني القراءات في «تشابه» .

و «تشابه» جملة فعلية في محلّ رفع خبر ل «إن» ، وقرىء: «تَشَّابَهُ» مشدَّداً ومخفَّفاً، وهو مضارع الأصل: «تَتَشَابَهُ» بتاءين، فَأُدْغِمَ تارةً، وحذف منه أخرَى، وكلا الوجهين مقيس.

وقرىء أيضاً: «يَشَّابَهُ» بالياء من تحت، [وأصله: يَتَشَابَهُ فأدغم أيضاً، وتذكير الفعل وتأنيثه جائزات؛ لأن فاعله اسم جنس] وفيه لغتان: التذكيرُ والتأنيثُ، قال تعالى:

﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] فَأَنَّث، و ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 20] فذكر، وقيل: ذكر الفعل لتذكير لفظ «البقرة» ؛ كقوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ .

وقال المبرِّد: سئل سِيبَوَيْهِ عن هذه الآية، فقال: «كل جمع حروفه أقل من حروف وَاحِده، فإن العرب تذكره» ؛ واحتج بقول الأعشى: [البسيط]

585 - وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلْ ... [وَهَلْ تُطِيقُ وَدَاعاً أيُّهَا الرَّجُلُ]

ولم يقل: «مرتحلون» .

وفي «تشابه» قراءاتك «تَشَابَهَ» بتخفيف الشين وفتح الباء والهاء، وهي قراءة العامة. و «تَتَشَابَه» بتاءين على الأصل.

و «تَشَّبَّه» بتشديد الشين والباء من غير ألف، والأصل: تَتَشَبَّهُ.

و «تَشَابَهَتْ» على وزن «تَفَاعلت» وهو في مصحف أُبَيّ كذلك أَنّثه لتأنيث البقرة.

و «مُتَشَابِهَة» و «مُتَشَبِّهة» على اسم الفاعل من تشابه وتشبّه. وقرىء: «تَشَبَّهَ» ماضياً.

وقرأ ابن أبي إسحاق: «تَشَّابَهَتْ» بتشديد الشين، قال أبو حاتم: هذا غلط، لأن التاء في هذا الباب لا تدغم إلاّ في المضارع. . وهو معذور في ذلك.

وقرىء: «تَشَّابَهَ» كذلك، إلاّ أنه بطرح تاء التأنيث، ووجهها على إشكالها أن يكون الأصل: إن القرة تشابهت، فالتاء الأولى من البقرة و [التاء] الثانية من الفعل، فلما اجتمع مثلان أدغم نحو: الشجرة تمايلت، إلاّ أنه يُشكِل أيضاً في تَشَّابَه من غير تاء؛ لأنه كان يجب ثبوت علامة التأنيث.

وجوابه: أنه مثل: [المتقارب]

586 - ... ... ... ... ... ... . ... وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا

مع أن ابن كيسان لا يلتزم ذلك في السّعَةِ.

وقرأ الحسنك «تَشَابَهُ» بتاء مفتوحة وهاء مضمومة وتخفيف الشين أراد: تتشابه.

وقرأ الأعرج: «تَشَّابَهُ» بفتح التاء وتشديد الشين وضمّ الهاء على معنى: تتشابه.

وقرأ مجاهد: «تَشَّبَّه» كقراءة الأعرج، إلا أنه بغير ألف. ومعنى الآية: [التلبيس] والتشبه.

قيل: إنما قالوا: «إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا» أي: اشتبه أمره علينا، فلا نهتدي إليه؛ لأن وجوه البقر [تتشابه] يريد: أنها يشبه بعضها بعضاً، ووجوه البقر تتشابه.

قوله: ﴿إِن شَآءَ الله﴾ هذا شرط جوابه محذوف لدلالة «إنْ» ، ما في حيّزها عليه، والتقدير: إن شاء الله هِدَايتنا للبقرة، اهتدينا، ولكنهم أخرجوه في جملة اسمية مؤكدة بحرفي تأكيد مبالغة في طلب الهِدَاية، واعترضوا بالشرط تيمُّناً بمشيئة الله تعالى. «المهتدون» اللام: لام الابتداء داخلة على خبر «إن» .

وقال أبو البقاء: جواب الشرط «إن» وما عملت فيه عند سيبويه.

وجاز ذلك لما كان الشرط متوسطاً، وخبر «إنَّ» هو جواب الشرط في المعنى، وقد وقع بعده، فصار التقدير: إن شاء الله هدايتنا اهتدينا.

وهذا الذي قاله لا يجوز، فإنه متى وقع جواب الشرط ما لا يصلح أن يكون شرطاً وجب اقترانه بالفَاءِ، وهذه الجملة لا تصلح أن تقع شرطاً، فلو كانت جواباً لزمتها الفاء، ولا تحذف إلا ضرورة، ولا جائز أن يريد أبو البقاء أنه دالّ على الجواب، وسماه جواباً مجازاً؛ لأنه جعل ذلك مذهباً للمبرد مقابلاً لمذهب سيبويه فقال: وقال المبرد: والجواب محذوف دلت عليه الجملة؛ لأن الشرط معترض، فالنية به التأخير، فيصير كقولك: أنت ظالم إن فعلت.

وهذا الذي نقله عن المبرد هو المنقول عن سيبويه، والذي نقله عن سيبويه قريبٌ مما نقل عن الكوفيين وأبي زيد من أنه يجوز تقديم جواب الشَّرْط عليه، وقد ردّ عليهم البصريون بقول العرب: «أنت ظالم إن فعلت» .

إذ لو كان جواباً لوجب اقترانه بالفاء لما ذكرت ذلك.

وأصل «مُهْتَدُون» : «مُهْتَدِيُون» ، فأعلّ بالحذف، وهو واضح.

فصل في الاستثناء بالمشيئة

قال الحسن رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «وَالَّذِي نَفْسَ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ يَقُولُوا: إنْ شَاءَ اللهُ لَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا أَبَداً» .

واعلم أن التلّفظ بهذه الكلمة مندوب إليه في كلّ عمل يراد تحصيله، قاله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً 0 إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: 23، 24] .

وفيه استعانة بالله وتفويض الأمور إليه، والاعتراض بقدرته.

فصل في الإرادة الكونية

احتج أهل السُّنة بهذه الآية على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى.

وعند المعتزلة أن الله تعالى لما أمرهم بذلك، فقد أراد اهتداءهم لا مَحَالَة، وحينئذ لا يبقى لقولهم: «إنْ شاء الله» فائدة.

قال ابن الخطيب: أما على قول أصحابنا، فإن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد فحينئذ يبقى لقولهم: «إن شاء الله» فائدة.

فصل في مذهب المعتزلة في المشيئة

احتج المعتزلة بهذه الآية على أن مشيئة الله تعالى محدثة من وجهين:

الأول: أن دخول حرف «إن» يقتضي الحدوث.

الثاني: أنه تعالى علّق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء، فلم لم يكن حصول الاهتداء أزليًّا وجب ألاّ تكون مشيئة الاهتداء أزلية.

فصل في تقدير المشيئة

ذكر القفال في تقدير هذه المشيئة وجوهاً:

أحدها: وإنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيل أوصافها المميزة لها عن غيرها.

وثانيها: وإنا إن شاء الله تعريفها إيَّانا بالزيادة لنا في البيان نهتدي إليها.

وثالثها: وإنا إن شاء الله على هدى، أي: في استقصائنا في السّؤال عن أوصاف البقر، أي إنّا لسنا على ضلالة فيما نفعل من هذا البحث.

ورابعها: إنا بمشيئة الله نَهْتَدِي للقاتل إذا وصفت لنا هذه البقرة بما تمتاز به عن غيرها.

قال القرطبي: وفي هذا الاستثناء إنابةٌ وانقياد، ودليل نَدَم على عدم موافقة الأمر. وتقدير الكلام: وإنما لمهتدون إن شاء الله.

فقدم على ذكر الاهتداء اهتماماً به.

قوله: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ﴾ المشهور «ذَلُولٌ» بالرفع على أنها صفة ل «بقرة» ، وتوسطت «لا» للنفي كما تقدم في «لاَ فَارِض» ، أو على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: لا هي ذلول، والجملة من هذا المبتدأ أو الخبر في [محل] رفع صفة ل «بقرة» .

وقرىء: «لاَ ذَلُولَ» بفتح اللام على أنها «لا» التي للتَّبرئة والخبر محذوف تقديره: لا ذلولَ ثَمَّ أو ما أشبهه، وليس المعنى على هذه القراءة، ولذلك قال الأخفس: «لا ذلول نعت، ولا يجوز نصبه» .

و «الذَّلول» : التي ذُلِّلَت بالعمل، يقال: بقرة ذَلُوث بَيِّنَةٌ الذِّل بكسر الذال، ورجل ذَليل: بين الذُّل بضمّها، وقدم عند قوله: ﴿الذلة﴾ [البقرة: 61] .

[قوله] : ﴿تُثِيرُ الأرض﴾ في هذه الجملة أقوال كثيرة: أظهرها: أنها في محلّ نصب على الحال من الضمير المستكن في «ذلول» تقديره: لا تُذَلُّ حال إثارتها.

وقال ابن عطية: وهي عند قوم جملة في موضع الصفة ل «بقرة» أي: لا ذلولٌ مثيرة.

وقال أيضاً: «ولا يجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال، لأنها نكرة» .

أما قوله: في موضع الصفة فإنه يلزم منه أن البقرة كانت مثيرة للأرض، وهذا الم يقل به الجمهور، بل قال به بعضهم، وسيأتي إن شاء الله.

وأما قوله: لا يجوز أن تكون حالاً يعني من «بقرة» ؛ لأنها نكرة.

فالجواب: أنَّا لا نسلم أنها حال من «بقرة» ، بل من الضمير في «ذلول» كما تقدم، أو تقول: بل هي حال من النكرة؛ لأن النكرة قد وصفت وتخصصت بقوله: «لا ذَلُول» ، وإذا وصفت النكرة ساغ إتيان الحال منها اتفاقاً.

وقيل: إنها مستأنفة، [واستئنافها على وجهين:

أحدهما: أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي تثير.

والثاني: أنها مستأنفة] بنفسها من غير تقدير مبتدأ، بل تكون جملة فعلية ابْتُدِىءَ بها لمجرد الإخبار بذلك. وقد منع من القول باستئنافها جماعة منه الأخْفَشُ عليّ بن سليمان، وعلل ذلك بوجهينك

أحدهماك أن بعده: «وَلاَ تَسْقِي الحَرْثَ» فلو كان مستأنفاً لما صحّ دخول «لا» بينه وبين «الواو» .

والثّانيك إنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذللتها، والله تعالى نفى عنها ذلك بقوله: «لا ذَلُول» وهذا المعنى هو الذي منع أن يكون «تُثِير» صفة ب «بقرة» ؛ لأن اللازم مشترك، ولذلك قال أبو البقاء: ويجوز على قول مَنْ أثبت هذا الوجه [يعني: كونه تثير الأرض ولا تسقي أن تكون «تثير» في موضع رفع صفة ل «بقرة» .

وقد أجاب بعضهم عن الوجه الثاني] ، فإن إثارة الأرض عبارة عن مَرَحِهَا ونَشَاطِهَا؛ كما قال امرؤ القيس: [الطويل]

587 - يُهِيلُ ويُذْرِي تُرْبَهُ وَيُثِيرُهُ ... إِثَارَةَ نَبَّاثِ الهَوَاجِرِ مُخْمِسِ

أي: تثير الأرض مرحاً ونشاطاً لا حَرثاً وعملاً.

وقال أبو البقاء: وقيل: هو مستأنف، ثم قال: وهو بعيد عن الصّحة لوجهين:

أحدهما: أنه عطف عليه قوله: «وَلاَ تَسْقِي الحَرْثَ» ، فنفى المعطوف، فيجب أن يكون المعطوف عليه كذلك؛ لأنه في المعنى واحد، ألا ترى أنك لا تقول: مررت برجل قائم ولا قاعد، بل تقول: لا قاعد بغير واو، كذلك يجب أن يكون هذا.

وذكر الوجه الثاني لما تقدم، وأجاز أيضاً أن يكون «تثير» في محلّ رفع صفة ل «ذلول» ، وقد تقدم خلاف هل يوصف الوصف أم لا؟

فهذه ستة أوجه تلخيصها: أنها حال من الضمير في «ذَلُول» ، أو من «بقرة» ، أو صفة ل «بقرة» ، أو ل «ذلول» ، أو مستأنفة بإضمار مبتدأ، أو دونه.

قوله: ﴿وَلاَ تَسْقِي الحرث مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾ الكلام فيه هذه كالكلام فيما قبلها من كونها صفة ل «بقرة» ، أو خبر لمبتدأ محذوف.

وقال الزمخشري: و «لا» الأولى للنفي يعني الدَّاخلة على «ذلول» .

والثانية مزيدة لتأكيد الأولى؛ لأن المعنى: لا ذلول تثير [الأرض] وتسقي، على أن الفعلين صفتان ل «ذَلُول» ، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية.

وقرىء: «تُسْقى» بضم التاء من «أَسْقى» .

وإثارة الأرض: تحريكها وبَحْثُهَا، ومنه: ﴿وَأَثَارُواْ الأرض﴾ [الروم: 9] أي: بالحَرْث والزراعة، وفي الحديث: «أَثِيرُوا القُرْآنَ فَإِنَّهُ عِلْمُ الأَوَّلِينَ وَالأَخِرِينَ» .

وفي رواية: «مَنْ أَرَادَ العِلْمَ فَلْيُثوِّرِ القُرْآن» .

وجملة القول أن القرة لا يكون بها نَقْص، فإن الذلول بالعمل لكونها تثير الأرض، وتسقي الحرث لابد وأن يظهر بها النقص.

قال القرطبي: قال الحسن: وكانت تلك البقرة وَحْشٍية، ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض، ولا تسقي الحرث.

وقال: الوقف هاهنا حسن.

و «مُسَلَّمة» قيل: من العيوب مطلقاً.

وقيل: من آثار العمل المذكور.

وقيل: مسلمة من الشّبه التي هي خلاف لونها، أي: خلصت صُفْرتها عن اختلاط سائر الألوان بها، وهذا ضعيف؛ لأن قوله: «لاَ شِيَةَ فِيهَا» يصير تكراراً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском