Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Taha 20:105–119
20:105–112Page 319
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا ١٠٥
And they ask you about the mountains, so say, "My Lord will blow them away with a blast.1
فَيَذَرُهَا قَاعٗا صَفۡصَفٗا ١٠٦
And He will leave it [i.e., the earth] a level plain;
لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجٗا وَلَآ أَمۡتٗا ١٠٧
You will not see therein a depression or an elevation."
يَوۡمَئِذٖ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا ١٠٨
That Day, they [i.e., everyone] will follow [the call of] the Caller1 [with] no deviation therefrom, and [all] voices will be stilled before the Most Merciful, so you will not hear except a whisper [of footsteps].
يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا ١٠٩
That Day, no intercession will benefit except [that of] one to whom the Most Merciful has given permission and has accepted his word.
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا ١١٠
He [i.e., Allāh] knows what is [presently] before them and what will be after them,1 but they do not encompass it [i.e., what He knows] in knowledge.
۞ وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَيِّ ٱلۡقَيُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمٗا ١١١
And [all] faces will be humbled before the Ever-Living, the Self-Sustaining.1 And he will have failed who carries injustice.2
وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا يَخَافُ ظُلۡمٗا وَلَا هَضۡمٗا ١١٢
But he who does of righteous deeds while he is a believer - he will neither fear injustice nor deprivation.
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال﴾ الآية، (لما وَصَفَ لهم يومَ القيامة) حكى سؤال من لا يؤمن بالحشر. قال ابن عباس: سأل رجلٌ من ثقيف رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: كيفَ تكون الجبالُ يوم القيامة؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال الضحاك: نزلت في مشركي مكة، قالوا يا محمد كيف تكون الجبالُ يوم القيامة؟ على سبيل الاستهزاء.
﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ وأجاب بفاء التعقيب، لأن مقصودَهم من هذا السؤال الطعنُ في الحشر والنشر، فلا جرم أمره بالجواب مقروناً بحرف التعقيب، لأن تأخير البيان في مثل هذه المسألة الأصولية غير جائز، وأما المسائل الفروعية فجائز فلذلك ذكر هناك بغير حرف التعقيب. والضمير في «يَنْسِفُهَا» عائد إلى الجبال، والنسف التذريَة. وقيل: القَلْع الذي يقلعها من أصلها ويجعلها هباءً منثوراً.
قال الخليل: «يَنْسِفُهَا» يُذْهِبُهَا ويطيُّرُهَا.
قوله: «فَيَذَرُها» في هذا الضمير وجهان:
أحدهما: أنه ضمير الأرض، أضمرت للدلالة عليها كقوله: ﴿مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ [فاطر: 45] .
والثاني: ضمير الجبال، وذلك على حذف مضاف أي فيذر مراكزها ومقارها و «يَذَرُ» يجوز أن يكون بمعنى يُخْلِها، فيكون «قَاعَاً» حالاً، وأن يكون بمعنى يترك التصييرية فيتعدى لاثنين ف «قَاعاً» ثانيهما.
وفي القاع أقوال: فقيل: هو مقتنع الماء ولا يليق معناه هنا.
وقيل: إنه المنكشف من الأرض قاله مكي.
وقيل: إنه المكان المستوي، ومنه قوله ضرار بن الخطاب:
3690 - لَتَكُونَنَّ بَالبِطَاحِ قُرَيْشٌ ... بُقْعَة القَاعِ فِي أَكُفِّ الإمَاءِ
وقيل: إنه الأرض التي لا نبات فيها ولا بناء.
والصَّفْصَفُ: الأرض الملساء، وقيل: المستوية، فهما قريبان من المترادف وجمع القاع أقْوُعٌ وأقْوَاعٌ وقِيعَانٌ.
قوله: ﴿لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً من الجبال، ويجوز أن تكون صفة للحال المتقدمة وهي «قَاعاً» على أحد التأويلين، أو صفة للمفعول الثاني على التأويل الآخر.
وتقدم الكلام على العِوَج. وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: قد فرَّقوا بين العَوَج والعِوَج، قالوا: العوج بالكسر في المعاني، وبالفتح في الأعيان، والأرض عَيْن، فكيف صح فيها كسر العين. قلت: اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة، ونفي الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون وذلك أنه لو عَمَدت إلى قطعةِ أرض فسويتها وبالغت في التسوية على عينيك وعيون البصراء، واتفقتم على أنَّه لم يبقى فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأي المهندس فيها وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية لعثر فيها على عوج في غير موضع لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي، فنفى الله تعالى ذلك العوج الذي دقَّ وَلطُفَ عن الإدراك اللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير الهندسي، وذلك الاعوجاجُ لمَّا لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس أُلحق بالمعاني، فقيل فيه عِوَجٌ بالكسر.
والأَمْتُ النتوُّ اليسير يقال: مَدَّ حَبْلَهُ حتى ما فيه أمْتٌ. وقيل: الأمت التل، وهو قريب من الأول.
وقيل: الشُّقُوقُ في الأرض. وقيل: الإكام.
وقال الحسن: العوَج ما انخفض من الأرض، والأمْتُ ما نشز من الرَّوابي. والمقصود من وصف الأرض بهذه الأوصَاف أنها تكون في ذلك اليوم ملساءَ خالية عن الارتفاع والانخفاض وأنواع الانحراف والاعوجاج. قوله: «يَوْمَئِذٍ» منصوب ب «يَتَّبِعُونَ» وقيل: بدل من «يَوْمَ القِيَامَةِ» قاله الزمخشري. وفيه نظر، للفصل الكثير وأيضاً يبقى «يَتَّبِعُونَ» غير مرتبط بما قبله، وبه يفوت المعنى والتقدير: يوم إذا نُسِفَت الجِبَالُ.
فصل
«الدَّاعِي» إسرافيل، والدُّعَاءُ هو النفخ في الصور، أي يتبعون صوتَ الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة. وقوله: «لاَ عِوَجَ لَهُ» أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكُلُّ. وقيل: لا عوج لدعائه، وهو من المقلوب، أي لا عوج لهم من دعاء الدَّاعِي لا يعوجونَ عنه يميناً ولا شَمالاً.
وقيل: إنه مَلَكٌ قائِمٌ على صخرة بيت المقدس ينادي ويقول: أيَّتُهَا العِظَام النخرة، والأوصال المتفرقة، واللحوم المتمزقة قُومي إلى عَرْض الرَّحمن.
قوله: ﴿وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن﴾ أي: سَكَنَتْ وذلَّت وخضَعَتْ. وصف الأصوات بالخشوع والمرادُ أهلُهَا.
قوله: ﴿فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً﴾ الاستثناء مفعول به، وهو استثناء مفرغ. والهَمْسُ: الصوت الخفي، قيل: هو تَحْرِيكُ الشفتيْن دون النطق قال الزمخشري: وهو الذكر، الخفي، ومنه الحروف المهموسَة.
وقال ابن عباس والحسن وعكرمة: الهَمْسُ: وَطْءُ الأقدام أي: لا تسمع إلا خَفْقَ الأرض بأقدامهم، ومنه هَمَست الإبل (إذا سمع ذلك من وقع) أخافها على الأرض، قال:
3691 - وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ...
قوله: «يَوْمَئِذٍ» بدلٌ مما تقدم، أو منصوبٌ بما بعده «لاَ» عند من يجيز ذلك والتقدير: يومَ إذ يَتَّبِعُونَ لا تنفَعُ الشَّفَاعَةُ.
قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أَذِنَ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه منصوب على المفعول به، والناصب له «تَنْفَعُ» و «مَنْ» حينئذ واقعة على المَشْفُوعِ له.
الثاني: أنَّه في محل رفع بدلاً من «الشَّفاعة» ، ولا بدَّ من حذف مضاف تقديره: إلا شَفَعَةُ مَنْ أذِنَ لَه.
الثالث: أنه منصوب على الاستثناء من «الشفاعة» بتقدير المضاف المحذوف وهو استثناء متصل على هذا، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً إذا لم نقدر شيئاً وحينئذ يجوز أن يكون منصوباً وهي لغة الحجاز، أو مرفوعاً وهي لغة تميم، وكل هذه الأوجه واضحة.
(و «لَهُ» ) في الموضعين للتعليل كقوله: ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمنوا﴾ [مريم: 73] أي لأجله ولأجلهم.
فصل
المعنى: ﴿لاَّ تَنفَعُ الشفاعة﴾ أحداً من الناس ﴿إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن﴾ أي: إلا من أذن له الله أن يشفع له ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ أي رضي قوله.
قال ابن عباس: يعني قَالَ: لاَ إلَهَ إلاَّ الله. وهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمنين. وقالت المعتزلة: الفاسق غير مرضيٍّ عند الله، فوجب أن لا يشفع الرسول في حقه. وهذه الآية من أقوى الدلائل على ثبوت الشفاعة في حق الفساق، (لأن قوله: ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ يكفي صدقه أن يكون الله تعالى قد رَضِيَ له قولاً واحداً من أقواله) ، والفاسق قد ارتضى الله من قوله شهادة أنْ لاَ إلهَ إلاَّ الله. فوجب أن تكون الشفاعة نافعة له، لأن الاستثناء من النفي إثبات فإن قيل: إنَّه تعالى استثنى من ذلك النفي بشرطين: أحدهما حصول الإذن. والثاني: أن يكون رَضِيَ له قولاً. فهب أنَّ الفاسق قد حصل فيه أحد الشرطين، وهو أنه تعالى رضِيَ له قولاً، فلم قلتم: إنه أذن فيه؟
فالجواب أنَّ هذا القيد كافٍ في حصول الاستثناء لقوله تعالى: ﴿لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28] فاكتفى هناك بهذا القيد. ودلَّت هذه الآية على أنه لا بد من الإذن، فظهر من مجموعهما أنه إذا رضي له قولاً يحصل الإذن في الشفاعة، وإذا حصل القيدان حصل الاستثناء وتم المقصود.
قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الضمير في قوله: «بَيْنَ أيْدِيهِمْ» عائد إلى الذين يتبعون الداعي.
ومن قال: إن قوله: ﴿مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن﴾ المراد به الشافع (قال: الضمير عائد إليه) ، والمعنى: لا تَنْفع شفاعة الملائِكة والأنبياء إلا لِمَن أذِنَ له الرحمن في أن يشفع من الملائكة. ثم قال ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يعني ما بين أيدي الملائكة كقوله في آية الكرسي، قاله الكلبي ومقاتل.
وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفَعُوا له. قال مقاتل: يعلم ما كان قبل أن يخلق الملائكة، وما كان بعد خلقهم. ومن قال: الضمير عائد إلى الذين يتبعون الداعي قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي ما قدموا «وَمَا خَلْفَهُمْ» من أمر الدنيا قاله الكلبي. وقال مجاهد: «مَا بَيْنَ أيْدِيهِمْ» من أمر الدنيا والأعمال «وَمَا خَلْفَهُمْ» من أمر الآخرة. وقال الضحاك: يعلم ما مضى وما بقي ومتى تكون القيامة. ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ قيل: الكناية راجعة إلى «مَا» أي: هو يعلمُ ما بيْنَ أيديهم وما خلفهم، (ولا يعلمونه أي العباد لا يعلمون بما بين أيديهم وما خلفهم) .
وقيل: الكناية راجعة إلى الله، أي عباده لا يحيطُون به علماً.
قوله: وَعَنَتِ الوُجُوهُ «يقال: عَنَا يَعْنُو إذا ذلَّ وخضع وأعناه غيره أي: أذلَّهن ومنه العُنَاة جمع عانٍ وهو الأسير، قال:
3692 - فَيَا رُبَّ مَكْرُوبٍ كَرَرْتُ وَرَاءَهُ ... وَعَانٍ فَكَكْتُ الغُلَّ عظَنْهُ فَقَدْ أَبَى
وقال أمية بن أبي الصلت:
3693 - مَليكٍ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ ... لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وَتَسْجُدُ
وفي الحديث» فَإنَّهُنَّ عَوَان» . والمعنى: أنَّ ذلك اليوم تُذَلُّ الوجوه أي: المكلِّفين أنفسهم، ذكرَ «الوجوه» وأراد أصحاب الوجوه، لأن قوله «وَعَنَتْ» من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه كقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: 8، 9] وخص الوجوه بالذكر، لأن الخضوع بها يبين، وفيها يظهر. وتقدم تفسير «الحَيُّ القَيُّومُ» وروى أبو أمامة الباهليّ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «اطلبوا اسمَ الله الأعظم في هذه السُّور الثلاث البَقَرة وآل عمران، وطه» قال الراوي: فوجدنا المشترك في السور الثلاث ﴿الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم﴾ [البقرة: 255، آل عمران: 2] .
قوله: «وَقَدْ خَابَ» يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وأن تكون حالاً، ويجوز أن يكون اعتراضاً. قال الزمخشري: «وَقَدْ خَابَ» وما بعده اعتراض كقولك خَابُوا وخَسِرُوا، وكل من ظلم فهو خائِبٌ خَاسِر.
ومراده بالاعتراض هنا أنَّه خصَّ الوجوه بوجوه العصاة حتى تكون الجملة قد دخلت بين العُصَاة وبين ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات﴾ فَهذَا عنده قسيم «وَعَنَتْ الوُجُوهُ» فلهذا كان اعتراضاً. وأما ابن عطية فجعل «الوُجُوهُ» عامة، فلذلك جعل ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ معادلاً بقوله ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات﴾ إلى آخره.
فصل
قال ابن عباس: «خَابَ» خَسِر من أشْرَكَ بالله. والظُّلمُ: الشِّرك قال الله تعالى ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] والمراد بالخيبة: الحِرمان، أي: حُرِم الثواب مَنْ حَمَل ظُلْماً، أي ظلم ولم يتب. ثم قال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات (وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ) أي: ومَنْ يَعمل شيئاً مِنَ الصَّالِحَاتِ، والمراد به الفرائض وكان عمله مقروناً بالإيمان، نظيره قوله: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات﴾ [طه: 75] . قوله: «وَهُوَ مُؤْمِنٌ» جملة حالية.
«فَلاَ يَخَافُ» قرأ بن كثير (بجزمه) على النهي، والمعنى: أَمِنَ، والنهي عن الخوف أمر بالأمن.
والباقون: برفعه على النفي والاستئناف، أي: فهو لا يخاف.
والهضم: النقصُ تقول العرب: هَضَمَتْ لزيدٍ مِنْ حَقِّي أي: نقصتُ منه، ومنه: هَضِيمُ الكَشْحَيْن أي: ضامُرُها، ومن ذلك أيضاً، «طَلْعُهَا هَضِيمٌ» أي: دقيق متراكب كأنَّ بعضه يظلم بعضاً فينتقصه حقه.
ورَجلٌ هضيمٌ أي مظلوم.
وهضمته واهتضمته وتَهَّضمتُه عليه بمعنى، قال المتوكل الليثي:
3694 - إنَّ الأذلَّةَ واللِّئَامَ لمِعْشَرٍ ... مَوْلاَهُم المُتَهَضَّم المَظْلُومُ
قيل: والظلم والهضم متقاربتان وفرَّق القاضي الماوردي بينهما فقال: الظلم من جميع الحق، والهضم منع بعضه. والظلمُ هنا هو أن يعاقب لا على جريمةٍ أو يمنع من الثواب على الطاعة. والهضم هو أن ينقص من ثوابه.
وقال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب، والهضم أن لا يوفي حقه.
20:113–114Page 319
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا وَصَرَّفۡنَا فِيهِ مِنَ ٱلۡوَعِيدِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ أَوۡ يُحۡدِثُ لَهُمۡ ذِكۡرٗا ١١٣
And thus We have sent it down as an Arabic Qur’ān1 and have diversified therein the warnings that perhaps they will avoid [sin] or it would cause them remembrance.
فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا ١١٤
So high [above all] is Allāh, the Sovereign,1 the Truth.2 And, [O Muḥammad], do not hasten with [recitation of] the Qur’ān before its revelation is completed to you, and say, "My Lord, increase me in knowledge."
قوله: «وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ» نسق على «كَذَلِكَ نَقُصُّ» قال الزمخشري «ومثل ذلك الإنزال وكما أَنْزَلْنَا عليك هؤلاء الآيات أنزلنا القرآن كلَّه على هذه الوتيرة.
وقال غيره: والمَعْنَى كما قدَّرنا هذه الأمور وجعلناها حقيقة بالمرصاد للعباد كذلك حذَّرْنَا هؤلاء أمرها، ﴿أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ لتفهمه العرب فيقفوا على إعجازه ونظمه، وخروفه عن الكلام البشري.
﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد﴾ أي: كرَّرْنَاهُ وفصَّلْنَاهُ.
قوله:» مِنَ الوَعِيدِ «صفة لمَفْعُولٍ محذوف، أي: صرَّفنا في القرآن وعيداً من الوعيد، والمراد به الجنس.
ويجوز أن تكون» مِنَ «مزيدة على رأي الأخفش في المفعول به، والتقدير: وصرَّفنا فيه الوعيد» لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون «أي يجتنبون الشرك. ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ أي: يجدد لهم القرآن عبرة وعظة.
وقرأ الحسن:» أَوْ يُحْدِثْ «كالجماعة إلا أنه سكَّن لام الفعل وعبد الله والحسن أيضاً في رواية ومجاهد وأبو حيوة» نُحْدِثْ «بالنون، وتسكين اللام أيضاً.
(وخُرِّجَ علَى) إجراء الوصل مجرى الوقف، أو على تسكين الفعل استثقالاً للحركة، كقول امرئ القيس: 3695 - فَاليَوْمَ أَشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ... وقول جرير:
3696 - أَوْ نَهْرُ تِيرَى فَلاَ تَعْرِفُكُمُ العَربُ ... وقد فعله كما تقدم أبو عمر في الراء خاصة نحو «يَنْصُرُكُم» .
وقرئ: «تُحدث» بتاء (الخطاب) أي: تُحدث أنتَ.
(قوله: «أَوْ يُحْدِثُ» ) فيه سؤالات:
الأول: كيف يكون محدثاً للذكر؟ والجواب: لمّا حصل الذكر عند قراءته أضيفَ إليه.
الثاني: لِمَ أضيفَ الذكر إلى القرآن، وما أضيفت التقوى إليه؟
والجواب: أنَّ التقوى عبارة عن أن لا يفعل القبيح، وذلك استمرار على العدم الأصلي، فلم يجز إسناده إلى القرآن، وأمَّا حدوث الذكر فأمر حدث بعد أن لم يكن، فجازت إضافته إلى القرآن.
الثالث: كلمة» أو «للمنافاة بين التقوى وحدوث الذكر، ولا يصح الاتقاء إلا مع الذكر، فما معناه؟
والجواب: هذا كقول» جَالِس الحسن أو ابنَ سِيرين، أي: (لا تكن خالياً منهما) ، فكذا ههنا.
وقيل: معنى الكلام أنا أنزلنا القرآن ليتَّقوا، فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يحدث القرآن لهم ذكراً وشرفاً وصيتاً حسناً، وعلى التقديرين يكون إنزاله تقوى.
قوله تعالى: ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾ لما عظم أمر القرآن أردفه بأن عظم نفسه وذلك تنبيه على أنَّه يجب على خلقه تعظيمه، وإنما وصف مُلكَه بالحَقِّ، لأن ملكه لا يزول ولا يتغير، وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره أولى به، ولهذا وصف بذلك. و «تَعَالَى» تفاعل من العُلُوّ، وقد ثبت أن علوه وعظمته لا تكيّفه الأوهام ولا تقدره العقول.
ثم قال: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ .
قال أبو مسلم: إن من قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال﴾ [طه: 105] إلى هنا يتم الكلام وينقطع، ثم قوله: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن﴾ (خطاب مستأنف كأنه قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ ... وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن﴾ [طه: 105 - 114]
وقال غيره: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان إذا أنزل عليه جبريل - عليه السلام - بالقرآن يبادر فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل من التلاوة مخافة الانفلات والنسيان فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يسكت حال قراءة المَلَك، يقرأ بعد فراغه من (القراءة) . فكأنه تعالى ما شرح نفع القرآن للمكلفين، وتبين أنه سبحانه متعال عن كل ما لا ينبغي، ومن كان كذلك يجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان (في أمر الوحي، فإذا حصل الأمان عن السهو والنسيان) فلا تعجل بالقرآن فقوله: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن﴾ يحتمل أن يكون المراد لا تعجل بقراءته في نفسك. لما روى عطاء عن ابن عباس: أن يكون أخذُك القرآن على تثبيت وسكون. ويحتمل لا تعجل في تأديته إلى غيرك، قال مجاهد وقتادة: لا تقرأ به أصحابك ولا تُمْله عليهم حتى يتبين لك معانيه. ويحتمل في اعتقاد ظاهرهن ويحتمل في تعريفه الغير ما يقتضيه ظاهرهن أي: حتى يتبين لك بالوحي تمامه أبو بيانه أو هما جميعاً، لأنه يجب التوقف في معنى الكلام إلى أن يفرغ لجواز أن يحصل عقبيه استثناء أو شرط، أو غيرهما من المخصصات.
فإن قيل: الاستعجال لذي نُهِي عنه إن كان فعلُه فكيف نهي عنه؟
فالجواب لعله فعل باجتهاد، وكان الأولى تركه فلهذا نهِي عنه.
قوله: ﴿قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ العامة على بناء «يُقْضَى» للمفعول ورفع «وَحْيُه» لقيامه مقام الفاعل.
والجحدري وأبو حيوة والحسن، وهي قراءة عبد الله «تَقْضِي» بنون العظمة مبنيًّا للفاعل، «وَحْيَه» مفعول به.
وقرا الأعمش كذلك إلاَّ أنَّه سكن (لام الفعل) ، استثقل الحركة وإن كانت خفيفة على حرف العلة، وقد تقدم شواهد عند قراءة ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهالِيكُمْ﴾ .
قوله: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ أي: بالقرآن ومعانيه، وقيل: «عِلماً» أي ما علمت. وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه قال: اللهم زدْنِي إيماناً ويقيناً.
20:115–119Page 320
وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا ١١٥
And We had already taken a promise from Adam before, but he forgot; and We found not in him determination.1
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ ١١٦
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except Iblees;1 he refused.
فَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ ١١٧
So We said, "O Adam, indeed this is an enemy to you and to your wife. Then let him not remove you from Paradise so you would suffer.
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعۡرَىٰ ١١٨
Indeed, it is [promised] for you not to be hungry therein or be unclothed.
وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضۡحَىٰ ١١٩
And indeed, you will not be thirsty therein or be hot from the sun."
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلىءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ الآية. في تعليق هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أنه تعالى لما قال ﴿كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: 99] ثم إنه عظَّم أمر القرآن ذكر القصة إنجازاً للوعد في قوله: ﴿كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [طه: 99] .
الثاني: أنه لما قال: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ [طه: 113] أردفه بقصة آدم عليه السلام كأنَّه قال: إنَّ طاعة بني آدم للشياطين، وتركهم التحفظ من الوساوِسِ أمر قديم، فإنَّا عهدنا إلى آدم من قبل، أي: من قبل هؤلاء الذين صرَّفنا لهم الوعيد، (وبالغنا في تنبيهه) ، فقلنا له: ﴿إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ ، ثم إنه مع ذلك نسي وترك ذلك العهد، فأمر البشر في ترك التحفظ أمر قديم.
الثالث: أنه لمَّا قال لِمُحمَّد ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: 114] ذكر بعده قصة آدم، فإنه عهد إليه وبالغ في تحذيره من العود، فدل ذلك على ضعف البشرية عن التحفظ فيحتاج حينئذ إلى الاستعانة بربه في أن يوقفه لتحصيل العلم ويجنبه عن السهو والنسيان.
الرابع: أن محمداً - عليه السلام - لما قيل له: «وَلاَ تَعْجَلْ» دل على أنه كان في أمر الدين بحيث زاد على قدر الواجب فلما وصفه بالإفراط، وصف آدم بالتفريط في ذلك، فإنه تساهَلَ ولم يتحفظ حتى نسي، فوصف الأول بالتفريط والآخر بالإفراط، ليعلمه أن البشر لا ينفك عن نوع زلة.
الخامس أن محمداً لما قيل به: «وَلاَ تَعْجَلْ» ضاق قلبه، وقال في نفسه: لولا أني أقدمت على ما لا ينبغي، وإلا لما نهيت عنه، فقيل له: يا محمد إن كنت فعلتَ ما نُهِيتَ عنه فإنما فعلته حرصاً منك على العبادة، وحفظاً لأداء الوحي وإن أباك أقدم على ما لا ينبغي لتساهله، وترك التحفظ فكان أمرك أحسن من أمره. والمراد بالعهد هنا أمر الله، أي: أمرنا وأوصينا إليه أن لا يأكل من الشجرة من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد في القرآن فتركوا الإيمان.
وقال ابن عباس: من قبل أن يأكل من الشجرة عَهِدْنَا إليه أن لا يأكل منها. وقال الحسن: من قل محمد والقرآن.
قوله: «فَنَسِيَ» قرأ اليماني بضم النون وتشديد السين بمعنى نَسَّاه الشيطان. وعلى هذه القراءة يحتمل أن يقال: أقدم على المعصية من غير تأويل، وأن يقال: أقدم عليها مع التأويل.
وعلى القراءة المشهورة يحتمل أن يكون المراد بالنسيان نقيض الذكر، وإنما عوقب على ترك التحفظ، والمبالغة في الضبط حتى تولد منه النسيان، ويحتمل أن يكون المراد بالنسيان الترك، وأنه ترك ما عهد إليه من ترك أكل ثمرتها.
قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾
يجوز أن تكون (وجد) علمية، فتتعدى لاثنين، وهما «لَهُ عَزْمًا» .
وأن تكون بمعنى الإصابة فتتعدى لواحد، وهو «عَزْمًا» (و «لَهُ» ) متعلق بالوجدان، أو بمحذوف على أنه حال من «عَزْمًا» إذ هم في الأصل صفة له قدمت عليه.
والعازم: هو المصمم، فقوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ يحتمل: ولم نجد له عزماً على ترك المعصية، أو على التحفظ والاحتراز عن الغفلة، أو على الاحتياط في كيفية الاجتهاد إذا قلنا: إنه - عليه السلام - إنما أخطأ بالاجتهاد.
وقال الحسن: ولم نجدْ له صبراً عما نُهي عنه.
وقال عطية: حفظاً لما أمر به. وقال ابن قتيبة: رأياً معزوماً.
حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد لهز والعزم في اللغة: هو توطين النفس على الفعل.
قال أبو أمامة الباهليّ: لو وُزِنَ حلمُ آدم بحلم ولده لرجح عليه وقد قال الله تعالى ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ . فإن قيل: أتقولون إن آدم كان ناسياً لأمر الله حين أكل من الشجرة. قيل: يجوز أن يكون نَسِي أمره، ولم يكن النسيان في ذلك الوقت مرفوعاً عن الإنسان بل كان مؤاخذاً به، وإنما رفع عنا.
وقيل: نَسِيَ عقوبة الله، وظن أنَّه نَهي تنزيه. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لآدَمَ﴾ تقدَّم الكلام على ذلك مفصَّلاً في سورة البقرة.
وقوله: «أَبَى» جملة مستأنفة، لأنها جواب سؤال مقدر، أي: ما منعه من السجود؟ فأجيب بأنه أبَى واستكبر.
ومفعول الإباء يجوز أن يكون مراداً، وقد صرَّح به في الآية الأخرى في قوله: ﴿أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ [الحجر: 31] وحسن حذفه هنا كون العامل رأس فاصلة. ويجوز أن لا يراد ألبتة، وأن المعنى: أنه من أهل الإباء والعصيان من غير نظر إلى متعلق الإباء ما هو.
قوله: ﴿فَقُلْنَا ياآدم إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ وسبب تلك العداوة من وجوه:
الأول: أن إبليس كان حسوداً، فلمَّا رأة آثار نِعَم الله تعالى في حق آدم حسده فصار عدواً له. الثاني: أن آدم - عليه السلام - كان شاباً عالماً لقوله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسمآء كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31] ، وإبليس كان شيخاً جاهلاً، لأنه أثبت فضيلته بفضيلة أصله، وذلك جهل والشيخ أبداً يكون عدواً للشَّاب العالم.
الثالث: أن إبليس مخلوق من النار وآدم من الماء والتراب، فبين أصليهما عداوة، فبقيت تلك العداوة.
فإن قيل: لم قال: ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة﴾ مع أن المخرج لهم من الجنة هو الله تعالى؟
فالجواب لما كان بوسوسته هوة الذي فعل ما ترتب عليه الخروج صح ذلك. قوله: «فَتَشْقَى» منصوب بإضمار (أنْ) في جواب النهي، والنهي في الصورة لإبليس والمراد به هما، أي لا تَتَعَاطَيَا أسباب الخروج (فيحصل لكما الشقاء) ، وهو الكد والتعب الدنيوي خاصة.
ويجوز أن يكون مرفوعاً على الاستئناف، أيك فأنت تشقى، كذا قدره أبو حيان.
وهو بعيد أو ممتنع، إذ ليس المقصود الإخبار بأنه يشقى بل إن وقع الإخراج لهما من إبليس حصل ما ذكر. وأسند الشقاء إليه دونها، لأن الأمور معدوقة برؤوس الرجال، وحسن ذلك كونه رأس فاصلة، ولأنَّه إن أريد بالشقاء التعب في طلب القوت فذلك على الرجل دون المرأة.
قوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ﴾ خبر «إنَّ» ، و «ألاَّ تَجُوعَ» في محل نصب اسماً لها، (والتقدير: إنَّ لَكَ عدم الجوع والعُرْي) و «تَعْرَى» منصوب تقديراً نسقاً على «تَجُوع» (والعُرْيُ تجرد الجلد عن شيء يقيه، يقال منه: عَرِيَ يَعْرَى عَرْياً) قل الشاعر:
3697 - فَإنْ يَعْرَيْنَ إنْ كُسِيَ الجَوَارِي ... فتَنْبُو العينُ عَنْ كَرَم عِجَافِ
«وأنَّكَ لاَ تَظْمَأ» قرأ نافع وأبو بكر «وإنَّك بكسر الهمزة. والباقون بفتحها.
فمن كسر يجوز أن يكون ذلك استئنافاً، وأن يكون نسقاُ على» إنَّ «الأولى. ومن فتح فلأنه عطف مصدراً مؤولاً على اسم» إنَّ «الأولى، والخبر» لَكَ «المتقدم. والتقدير: إنَّ لَكَ عدم الجوع، وعدم العري، وعدم الظمأ والضحى. وجاز أن يكون» أنَّ «بالفتح اسماً ل» إنَّ «بالكسر للفصل بينهما، ولولا ذلك لم يجز. لو قلت: إنَّ أنَّ زيداَ حق لم يجز، فلما وصل بينهما جاز.
وتقول: إنَّ عندِي أنَّ زيداً قائمٌ، فعندي هو الخبر على الاسم وهو أنَّ وَمَا في تأويلها لكونه ظرفاً، والآية من هذا القبيل إذ التقدير: فإن لك أنَّك لا تَظْمَأ وقال الزمخشري: فإن قلت:» إنَّ» لا تدخل على «أنَّ» ، فلا يقال: إنَّ أنَّ زيداً منطلقٌ، والواو نائبة عن «إنَّ» وقائمة مقامها، فلم دخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبداً نائبة عن «إنَّ» إنما هي نائبة عن كل عاما، فلمَّا لم تكن حرفاً موضوعاً للتحقيق خاصة كإن لم يمتنع اجتماعهما كما اجتمع» إنَّ «و» أنَّ» وضَحِيَ يَضْحَى أي: برز للشمس، قال عمر بن أبي ربيعة:
3698 - رَأَتْ رَجُلاً أمَّا إذَا الشَّمْسَ عَارَضَتْ ... فَيَضْحَى وَأَمَّا بالعَشِيَّ فَيَخْصَرُ وذكر الزمخشري هنا معنى حسَناً في كونه تعالى ذكر هذه الأشياء بلفظ النفي دون أن يذكر أضدادها بلفظ الإثبات، فيقول: إنَّ لَكَ الشبع والكسوة والري والاكتنان في الظل، فقال: وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعُرِي، والظمأ، والصّحو ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره منها حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences