Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Taha 20:17–35
20:17–21Page 313
وَمَا تِلۡكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ ١٧
And what is that in your right hand, O Moses?"
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ ١٨
He said, "It is my staff; I lean upon it, and I bring down leaves for my sheep and I have therein other uses."
قَالَ أَلۡقِهَا يَٰمُوسَىٰ ١٩
[Allāh] said, "Throw it down, O Moses."
فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ ٢٠
So he threw it down, and thereupon it was a snake, moving swiftly.
قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ ٢١
[Allāh] said, "Seize it and fear not; We will return it to its former condition.
قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب﴾ الآية. (مَا) مبتدأة استفهامية و «تِلْكَ) خبره، و» بِيَمِينِكَ» متعلق بمحذوف، لأنه حال كقوله: «وَهَذَا بَعْلِي شَيْخَاً» ، والعامل في الحال المقدرة معنى الإشارةَ وجوَّز الزمخشري أن تكون (تِلْكَ) موصولة بمعنى (التي) و (بِيَمِينِكَ) صلتها. ولم يذكر ابنُ عطية غيره. وهذا ليس مذهب البصريين أنهم لم يجعلوا (من أسماء) الإشارة موصولاً (إذَا) بشروط تقدمت. وأما الكوفيون فيجيزون ذلك جميعها، ومنه هذه الآية عندهم أي: وَمَا التي بيمينك وأنشدوا:
3651 - نَجَوْتَ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ ... أي والذي تحملين.
وقال الفراء معناه: وَمَا هذِهِ التي فِي يمينِكَ.
فصل
السؤال إنما يكون لطلب العلم، وهو على الله تعالى محال. فما فائدة قوله: «وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ» ؟ والجواب فيه فوائد، الأولَى: حكمةُ هذا السؤال تنبيهُهُ وتَوْقيفُه على أنها عصا، حتى إذا قلبها حية عَلِمَ أنها معجزةٌ عظيمةٌ، وهذا على عادة العرب يقول الرجل لغيره: هَلْ تَعْرِف هَذَا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد أن ينضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه.
الثانية: أن يقرِّرُ عنده أنها خشبة حتى إذا قلبها ثعباناً لا يخافُها.
الثالثة: أنه تعالى لمَّا أراه الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء، وأسْمَعَهُ كلام نفسه، ثم أورد عليه التكليف الشاق، وذكر له المعاد، وختم ذلك بالتهديد العظيم، فتحيَّر موسى - عليه السلام - ودُهِشَ، (فقيل له: «وَمَا تِلْكَ بِيَمِينكَ» ، وتكلم معه بكلام البشر إزالةٌ لتلك الدهشة والحيرة) .
فصل هذا خطاب من الله مع موسى بلا واسطة، ولم يحصل ذلك لمحمد عليه السلام فيلزم أن يكون موسى أفضَل من محمد عليهما السلام.
فالجوابُ: أنَّه تعالى كما خاطبَ موسَى فقد خاطب محمداً في قوله: «فَأَوْحَى إلَى عِبْدِهِ مَا أَوْحَى» إلا أن الفرق أنَّ الذي ذكره مع محمد كان سراً لم يستأهل له أحداً من الخلق. وأيضاً إن كان موسى تكلم معه فأمةُ محمد يخاطبون الله تعالى في كل يوم مرات على ما قاله عليه السلام: «المُصَلَّى يُنَاجَي رَبَّهُ» والرَّبُ يتكلم مع آحاد أمة محمد يوم القيامة بالتسليم والتكريم لقوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ قوله: «هِيَ عَصَايَ» هِيَ يعودُ على المستفهم عنه.
وقرأ العامة» عَصَايَ «بفتح الياء. والجَعْفَرِيّ وابنُ أبي إسحاق» عَصِيَّ «بالقلب والإدغام. وقد تقدَّم توجيه ذلك أوّل البقرة، ولِمَنْ تنسب هذه اللغة والشعر المروي في ذلك.
وروي عن أبي عمرو ابن أبي إسحاق أيضاً (والحسن» عِصَاي «بكسر الياء لالتقاء الساكنين، وعن أبي إسحاق) » عِصَايْ «بسكونها وصلاً وقد فعل ذلك نافع مثل ذلك في» مَحْيَايَ» فجمع بين ساكنين وصلاً، وقد تقدم الكلام هناك.
قوله: «أَتَوَكَّأُ» يجوز أن يكون خبراً ثانياً ل «هِيَ» ويجوز أنْ يكونَ حالاً إمَّا مِنْ «عَصَايَ» وإمَّا مِنْ «الياء» وفيه بُعدٌ، لأن مجيء الحال من المضاف إليه قليل، وله مع ذلك شروط ليس فيه شيء منها هنا.
ويجوز أن تكون مستأنفة. وجوَّز أبو البقاء نقلاً عن غيره: أن يكون «عَصَايَ» منصوبة بفعل مقدر، و «أَتَوَكَّأُ» هو الخبر. ولا ينبغي أن يقال ذلك.
والتَّوكّؤُ: التحامُلُ على الشيء، وهو بمعنى الاتِّكاء، وقد تقدم تفسيره في يوسف فهما من مادة واحدة، وذكر هنا، لاختلاف وزنيها.
والهَشُّ بالمعجمية: الخَبْطُ، يقال: هَشَشْتُ الوَرَقَ أَهُشُّهُ أي: خبطته ليسقط، والمعنى: أَخْبِطُ بِهَا وَاَضْرِبُ أغصانَ الشجر ليسقط ورقُهَا على غنمي لتأكله وأما هَشَّ يَهِشُّ - بكسر العين في المضارع، فبمعنى البشاشة وقد قرأ النخعي بذلك، فقيل: هو بمعنى: أَهُشُّ - بالضم - والمفعول محذوف في القراءتين أي: أهُشُّ الورقَ أو الشجرَ وقيل: هو في هذه القراءة من هَشَّ هشاشةً إذا مال. وقرأ وقرأ الحسن وعكرمة: «وأَهُسُّ» بضم الهاء والسين المهملة وهو السُّوْقُ، ومنه الهَسُّ (والهَسَّاسُ) وعلى هذا فكان ينبغي أن يتعدى بنفسه، ولكنه ضمَّن معنى ما يتعدى بعلى وهو أقوم (وَأَهْوَنُ) .
ونقل ابن خالوية عن النخعي أنه قرأ «وأُهِسُّ» بضم الهمزة وكسر الهاء من (أَهَسَّ) رباعياً بالمهملة. ونقلها عنه الزمخشري بالمعجمة، فيكون عنه قراءتان ونقل صاحب اللوائحِ عن مجاهد وعكرمة «وأهُشُ» بضم الهاء وتخفيف الشين، قال ولا أعرف لها وجهاً إلا أن يكون قد استثقل التضعيف مع تفشي الشين فخفف، وهي بمعنى قراءة العامة.
وقرأ بعضهم: «غَنَمِي» (بسكون النون) ، وقرئ «عَلَيَّ» بتشديد الياء والمْآرِبُ: جمع مَأْرُبَة، وهي الحاجة وكذلك الإرْبَة أيضاً. وفي (راء) المَأرُبَة الحركات الثلاث.
وإنما قال: «مَآرِب» في معنى جماعة، فكأنه قال جماعة من الحاجات أخرى، ولم يقل أخر لرؤوس الآي (و «أُخْرَى» ) كقوله: «الأسْمَاءُ الحُسْنَى» وقد تقدَّم قريباً.
قال أبو البقاء: ولو قال: أخر لكان على اللفظ. يعني أُخَر كقوله: «فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر» بضم الهمزة وفتح الخاء واللفظ لفظ الجمع. ونقل الأهوازيّ عن شيبة والزهري: مَارِبُ «قال: بغير همز كذا أطلق والمراد بغير همز محقق بل مسهل بَيْنَ بَيْن وإلا فالحذف بالكلية شاذ.
فصل
قيل: كما قال:» هِيَ عَصَايَ «فقد تم الجواب إلا أنه عليه السلام ذكر الوجوه الآخر، لأنه كان يجب المكالمة مع ربه تعالى، فجعل ذلك كوسيلة إلى تحصيل هذا الغرض.
» أتَوكَّأُ عَلَيْهَا «التوَكُّؤْ والاتِّكَاءُ واحد كالتوقي والاتقاء، أي أعتمد عليها إذا عييت، أو وقفت على رأس القطيع» وأهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي «أي: أضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها على الغنم (فتأكله) .
«وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرَى» أي حوائج ومنافع، وإنما أجمل في المآرب رجاء أن يسأله ربه عن تلك المآرب، فيسمع كلام الله مرة أخرى، ويطول أمر المكالمة بسبب (ذلك) .
قال وهب: كانت ذا شعبتين (ومحجن، فإذا طلبَ ثمرَ الشجرة جناه بالمحجن، فإذا حاول كسره لواه بالشعبتين) . فإذا سارَ وضعهَا على عاتقه يعلق عليها أداته من القوس والكنانة والثياب، وإذا كان في البرية ركزها وألقى عليها كساء فكان ظلاً.
وقيل: كانَ فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطولُ طولَ البئر، وتصير شعبتاها دلواً، ويصيران شمعتين في الليل وإذا ظهر عدو حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وماءه وكانت يابسة ويركزها فينبع الماء، وإذا رفعها نضب، وكان تقيه الهوام قال مقاتل: كان اسمها نبعة.
وروي عن ابن عبَّاس: أنها كانت تماشيه وتحدثه.
قال الله تعالى: «ألْقِهَا يَا مُوسَى» أي انبذها.
قال وهب ظن موسى أنه يقول أرفُضْهَا «فَألْقَاهَا» على وجه الأرض ثم ينظر إليها «فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى» صفراء أعظم ما تكون من الحيات تمشي بسرعة لها عرف كعرف الفرَس، وكان بين لحييها أربعون ذراعاً، صارت شدقين لها والمِحجن عنقاً يهتز، وعيناها متقدان كالنار، وتمر بالصخرة العظيمة مثل الخلفة من الإبل فتلتقمها، وتقصف الشجرة العظيمة بأنيابها، ويسمع لأسنانها (صريف عظيم) .
وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء كُنْ فيكون.
فصل
والحكمة في قلب العصا حيَّةً في ذلك الوقت من وجوه:
أحدها: لتكون معجزةً لموسى - عليه السلام - يعرف بها نبوة نفسه، لأنه عليه السلام - إلى هذا الوقت ما سمع إلا النداء. والنداء وإن كان مخالفاً للعادات إلا انه لم يكن معجزاً، لاحتمال أن يكون ذلك من عادات الملائكة أو الجن، فقلب العصا حيَّةً ليكون دليلاً قاهِراً على الممعجزة.
الثاني: أنه تعالى عرضَها عليه ليشاهدوها أولاً، فإذا شاهدها عند فرعون لا يخافها.
وثالثها: أنه كان راعياً فقيراً ثم نُصِّب للمِنْصبِ العظيمِ فلعله بقي يتعجب من ذلك، فقلب العصا حيَّةً تنبيًّا على أني لما قدرت على ذلك، فكيف يستبعد مني نصرة مثلك في إظهار الدين.
فإنْ قيل: كيف قال ههنا «حَيَّة» وفي موضع آخر «جَان» وهو الحية الخفية الصغيرة، وقال في موضع «ثُعْبَانٌ» وهو أكبر ما يكون من الحيات؟
فالجواب: أن الحيَّة اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير وأما الجَانَّ فقيل: عبارة عن ابتداء حالها فإنها كانت حيَّةً على قدر العصا ثم تورمت وتزايدت وانتفخت حتى صارت ثعباناً.
وقيل: كانت في عظم الثعبان وسرعة الجانِّ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ [النمل: 10، القصص: 31] .
(و «تسعى» ) يجوز أن تكون خبراً ثانياً عند من يجوز ذلك ويجوز أن تكون صفة ل «حَيَّةً» فلما عاين موسى ذلك «وَلَّى مُدْبِراً» ، وهرب ثم ذكر ربه فوقف استحياءً فنودي: «خُذْهَا فَلاَ تَخَفْ سُنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا» (وهيبتها) «الأُولَى» أي نردها عصا كما كانت. قوله: «سِيرَتَهَا» في نصبها أوجه:
أحدها: أن تكون منصوبةً على الظرف، أي في سيرتها أي: طريقتها.
الثاني: أن تكونَ منصوبة على البدل من «ها» «سَنُعِيدُهَا» بدل اشتمال لأن السيرة الصفة، أي سنعيدها صفتها وشكلها.
الثالث: أنها منصوبةٌ على إسقاط الخافض أي: إلى سيرتها.
قال الزمخشري: ويجوز أن يكون مفعولاً من عَادَ أي عادَ إليه، فيتعدى لمفعولين، ومنه بيت زهير:
3652 - وَعَادَكَ أَنْ تُلاَقِيهَا عَدَاءُ ...
وهذا هو (معنى قول من قال: إنه على إسقاط (إلى) و) كان قد جوَّز أن يكون ظرفاً كما تقدَّم، إلا أن أبا حيَّان ردَّه بأنّه ظرف مختص فلا يصل إليه الفعل إلا بواسطة (في) إلا فيما (شذ. والسيرَةُ) فِعْلَة تدل على الهيئة من السَّيْر كالركبة من الرُّكُوب، ثم اتسع فعبر بها عن المذهب والطريقة، قال خالد الهذلي:
3653 - فَلاَ تغْضَبَنْ مِنْ سِيرَةٍِ أَنْتَ سِرْتَهَا ... فَأوَّلَ رَاضٍ سِيرَةً مَنْ يَسِيرُهَا
وجوَّز أيضاً أن ينتصب بفعل مضمر، أي: يسير سيرتها الأولى، وتكون هذه الجملة المقدرة في محل نصب على الحال؛ أي: سَنُعيدُهات سائرةً سيرتَهَا.
فإن قيل: لمَّا نوديَ يا موسَى، وخصَّ بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه مبعوث من عند الله تعالى فلماذا خاف؟ فالجواب من وجوه:
20:22–23Page 313
وَٱضۡمُمۡ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخۡرَىٰ ٢٢
And draw in your hand to your side; it will come out white without disease - another sign,
لِنُرِيَكَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا ٱلۡكُبۡرَى ٢٣
That We may show you [some] of Our greater signs.
أحدها: أن ذلك الخوف كان من نفرة الطبع لأنه - عليه السلام - ما شاهد مثل ذلك قط، وهذا معلوم بدلائل العقول. قال أبو القاسم الأنصاري: وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه البتة.
وثانيها: خاف لأنه عليه السلام عرف ما لقي آدم منها.
وثالثها: أن مجرد قوله «وَلاَ تَخَفْ» لا يدل على حصول الخوف كقوله: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ [الأحزاب: 1، 48] لا يدل على وجود تلك الطاعة، لكن قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً﴾ [النمل: 10، القصص: 31] يدل عليه.
فصل
قال المفسرون: كانَ علَى موسى مَدْرَعة من صوف قد خللها بعيدان. فلما قال له: «خُذْهَا» لف طرف المَدْرَعَةِ على يده، فأمره الله أن يكشف يده، فكشف. وقيل: إن مَلَكاً قال: أرأيت لو أذن الله بما تحاذره أكانت المدْرعة تغني عنك شيئاً؟ فقال: لا ولكني ضعيف، ومِنْ ضَعْفٍ خُلِقَتُ، فكشف يده، ثم وضعهَا في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت، ويده في شعبتيها في الموضع الذي يضعها إذا تَوَكَّأَ. واعلم أن إدخاله يده في فم الحية من غير ضرر معجزة وانقلابها خشباً معجز آخر، وانقلاب العصا حيَّة معجز آخر، ففيها توالي معجزات المآرب التي تقدمت.
قوله
: ﴿واضمم يَدَكَ إلى جناحكواضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ﴾ لا بد هنا من حذف والتقدير: واضمم يَدَك تنضم وأخرجها تخرج، فحذف من الأول والثاني وأبقى مقابلهما ليدلان على ذلك إيجازاً واختصاراً وإنما احتيج إلى هذا، لأنه لا يترتب على مجرد الضم الخروج. وقوله: «بَيْضَاءَ» حال من فاعل تخرج.
قوله: «مِنْ غَيْرِ سُوءٍ» يجوز أن يكون متعلقاً ب «تَخْرُج» وأن يكون متعلقاً ب «بَيْضَاءَ» لما فيها من معنى الفعل حو ابيضت من غير سوء. (ويجوز) أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال من الضمير في «بَيْضَاء» .
وقوله:: مِنْ غَيْرِ سُوءٍ «يسمى عند أهل البيان الاحتراس، وهو أن يؤتى بشيء يرفع توهم مَنْ يتوهم غير المراد، وذلك أن البياض قد يراد به البَرَص والبَهَق فأتى بقوله:» مِنْ غَيْرِ سُوءٍ» نفياً لذلك.
قوله: «آيَةً» فيها أوجه:
أحدها: أن يكون حالاً، أعني أنها بدل من ب» بَيْضَاءَ «الواقعة حالاً.
الثاني: أنها حالٌ من الضمير في» بَيْضَاء» .
الثالث: أنها حالٌ من (الضمير في) الجار والمجرور.
والرابع: أنها منصوبة بفعل محذوف، فقدره أبو البقاء: جعلنَاهَا آيَةً، (أو آتيناك) آيةً. وقدره الزمخشري: خُذْ آيَةً، وقدر أيضاً: دونك آية. ورد أبو حيان هذا، لأن ذلك من باب الإغراء، ولا يجوز إضمار الظروف في الإغراء. قال: لأن العامل حُذِف وناب هذا مكانه، فلا يجوز أن يحذف النائب أيضاً، وأيضاً فإن أحكامها تخالف العامل الصريح، فلا يجوز إضمارها وإن جاز إضمارها وإن جاز إضمار الأفعال.
فصل
يقال لكل ناحيتين، جَنَاحان كجناحي العسكر لطرفيه، وجناحا الإنسان جانباه والصل المستعار منه جناحا الطائر، لأنه يجنحها عند الطيران.
وجناحا الإنسان عَضُدَاه أي: اضمم يدّك إلى إبْطِكَ تخرج بيضاء نيرة مشرقة من غير سوء وعن ابن عباس: «إلى جَنَاحِكَ» أي إلى صدرك.
والأول أولى، لأن يدي الإنسان يشبهان جناحي الطائر، ولأنه قال: «تَخْرُج بَيْضَاءَ» ولو كان المراد بالجناح الصدر لم يكن لقوله» تَخْرُج «معنى. ومعنى ضم اليد إلى الجناح ما قاله في آية أخرى» وَأدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ» ، لأنه إذا أدخل يده في جيبه كان كأنه قد ضم يده إلى حناحه.
والسوءُ: الرداءة والقبح في كل شيء، وكنّى عن البَرَص كما كنّى عن العورة بالسَّوْأَة، والبرَص أبغضُ شيء إلى العرب، فكان جديراً بأن يُكْنَى عنه بالسُّوء، وكان عليه السلام شديد الأدمة فكان إذا أدخل يده اليمنى في جيبه، وأدخلها تحت إبطه الأيسر وأخرجها فكانت تبرق مثل البرق، وقيل: مثل الشمس، من غير برص، ثم إذا ردَّها عادت إلى لونها الأول.
«آيَةً أُخْرَى» دلالة على صدقك سوى العصا.
قوله: «لِنُريََكَ» متعلق بما دلَّت عليه «آيَةً» أي: دللنا بها لُنِرِيَكَ، أو ب (جَعَلْنَاهَا) ، أو ب (أتَيْنَاكَ) المقدر. وقدره الزمخشري: لِنُرِيَكَ فِعْلَنا ذلك، وجوَّز الحوفي أن يتعلق ب «اضْمُمْ» . وجوَّز غيرُه أن يتعلق (بتَخْرُج) . ولا يجوز أن يتعلق بلفظ آية، لأنها قد وصفت. وقدره الزمخشري أيضاتً: لِنُرِيَكَ خُذْ هذه الآيةَ أيضاً.
قوله: «مِنْ آيَاتِنَا الكُبْرَى» .
يجوز أن يتعلق «مِنْ آيَاتِنَا» بمحذوف على أنه حال من «الكُبْرَى» حال كونها من آياتنا، على هاذ مفعولاً ثانياً «لُنِريَكَ» والتقدير: «لُنِريَكَ المُبْرَى» حال كونها من آياتنا، أي: بعض آياتنا ويجوز أن يكون المفعول الثاني نفس «مِنْ آيَاتِنَا» فيتعلق بمحذوف أيضاً، و «الكُبْرَى» على هذه صفة ل «آيَاتِنَا» ووصف الجمع المؤنث غير العاقل وصف الواحد على حد «مَآربَ أُخْرَى» و «الأَسْمَاءُ الحُسْنَى» .
وهذان الوجهان قد نقلهما الزمخشري والحوفي (وأبو البقاء) واختار
20:24–35Page 313
ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٢٤
Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed [i.e., tyrannized]."
قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي ٢٥
[Moses] said, "My Lord, expand [i.e., relax] for me my breast [with assurance]
وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي ٢٦
And ease for me my task
وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي ٢٧
And untie the knot from my tongue
يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي ٢٨
That they may understand my speech.
وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٢٩
And appoint for me a minister [i.e., assistant] from my family -
هَٰرُونَ أَخِي ٣٠
Aaron, my brother.
ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي ٣١
Increase through him my strength
وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي ٣٢
And let him share my task
كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا ٣٣
That we may exalt You much
وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا ٣٤
And remember You much.
إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا ٣٥
Indeed, You are of us ever Seeing."
أبو حيَّان الثاني قال: لأنه يلزم من ذلك أن تكون آياته كلها هي الكبرى، لأن ما كان بعض الآيات الكُبَر صدق عليه آية الكبرى، لأنها هي المتصفة بأفْعَل التفضيل، وأيضاً إذا جُعِلت «الكبرى» مفعولاً فلا يمكن أن يكون صفة للعصا واليد معاً، إذ كان يلزم التثنية، ولا جائز أن يخصَّ أحدهما بالوصف جون الأخرى، لأن التفضيل في كل منهما.
فصل
قال المفسرون: قال: «لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكُبْرَى» ولم يقل: الكُبَر لرؤوس الآي. وقيل: فيه إضمار معناه: لُنِرِيَكَ من آياتنا الآية الكبرى ويدل عليه قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته وهو قول الحسن قال: اليد أعظم في الإعجاز من العصا، فإنه جعل «الكُبْرَى» مفعولاً ثانياً لنريك وجعل ذلك (راجعاً للآية القريبة، وقد) ضُعِّفَ ذلك بأنه ليس في اليد إلا تغير اللون، (وأما العصا ففيها تغير اللون) وخلق الزيادة في الجسم وخلق الحياة والقدرة والإعضاء المختلفة، وابتلاع الشجر والحجر، ثم عاجت عصا بعد ذلك، فقد وقع التغير مرة أخرى في كل هذه الأمور فكانت العصا أعظم.
وأما قوله: «لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكُبْرَى» فقد ثبت أنه عائد إلى الكلام، وأنه غير مختص باليد.
قوله تعالى: ﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾ لما أظهر له الآيات عقبها بأنْ أرمه بالذهاب إلى فرعون، وبيَّن العلة في ذلك، وهو أنه طغى، وإنما خص فرعون بالذكر مع أنه بُعِثَ موسى إلى الكل لأنه ادعى الإلهية وتكبًّر، وكان متبوعاً فكان ذكره أولى. ومعنى «طَغَى» جاوز الحد في العصيان والتمرد، فبلِّغْهُ رسالتي وادْعُهُ إلى عبادتي وحذِّرْهُ نِقْمتي.
قال موسى: «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي» وسّعه للحق.
(قال ابن عباس) : يريد حتى لا أخاف غيرك. والسبب في هذا السؤال ما حكى الله تعالى عنه في موضع آخر ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي﴾ [الشعراء: 13] وذلك أن موسى كان يخاف فرعون خوفاً شديداً، لشدة شوكته وكثرة جنوده، وكان يضيق صدراً (بما كُلِّفَ) من مقاومة فرعون فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه حتى يعلم أن أحداً لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله تعالى، وإذا علم ذلك لم يَخَفْ فرعون وشدة شوكته وكثرة جنوده.
(قوله: «لي) صَدْرِي» متعلق ب «اشْرَحْ» ، قال الزمخشري: فإن قلت: (لي) في قوله: «اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي» ما جدواه والأمر مستتب بدونه. قلت: قد أبهم الكلام أولاً فقال: «اشْرَحْ لِي» «وَيَسِّرْ لِي» فعلم أن ثَمَّ مشروحاً وميسراً، ثم بين ورفه الإبهام بذكرهما، فكان ىكد لطلب الشرح لصده، والتيسير لأمره.
ويقال: يَسَّرْتُهُ لكذا، ومنه «فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى» ويسرت له كذا، ومنه هذه الآية.
قوله: «وَيَسِّرْ لِي أمْرِي» أي سَهِّل عليَّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون. وذلك لأن كل ما يصدر من العبد من الأفعال، والأقوال والحركات، والسكنات فما لم يصر العبد مريداً له استحال أن يصير فاعلاً له، فهذه الإرادة صفة محدثة، ولا بد لها من فاعل، وفاعلها إن كان هو العبد افتقر في تحصيل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل بل لا بد من الانتهاء إلى إرادة يخلقها مدبر العالم ففي الحقيقة هو الميسر للأمور.
قوله: «واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي» ، وذلك أن موسى كان في حجر فرعون ذات يوم في صغره، فلطم فرعون لطمةً، وأخذ بلحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: إن هذا عدوِّي وأراد أن يقتلهن فقالت آسية: إنه صبي لا يَعْقِل ولا يميز جَرِّبْه إن شئت، فجاء بطشتين في أحدهما جمر، والآخر جوهر، فوضعهما بين يدي موسى، فأراد أن يأخذ الجوهر، فأخذ جبريل عيله السلام يد موسى فوضعها على النار، فأخذ جمرة فوضعها في فيه، فاحترق لسانه، (وصارت عليه عقدة) .
وقيل: قرَّبا إليه ثمرةً وجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها في فيه فاحترق لسانه.
[قالوا] : ولم تحترق اليد، لأنها آلة أخذ العصا.
وقيل: كان ذلك التعقد خلقة فسأل الله تعالى إزالته. واختلفوا في أنه لِمَ طلب حل العقدة؟ فقيل: لئلا يقع في خلل في أداء الوحي. وقيل: لئلا يستخف بكلامه فينفروا عنه ولا يلتفتوا إليه. وقيل: لإظهار المعجزة كما أن حبس لسان زكريا عن الكلام كان معجزاً في حقه، فكذا إطلاق لسان موسى - عليه السلام - معجز في حقه.
فصل
قال الحسن: إن تلك العقدة زالت بالكلية، لقوله تعالى: «قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى» ، وقيل: هذا ضعيف، لأنه عليه السلام لم يقل: واحْلُلْ العقدة من لساني بل قال: «واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي» ، فإذا حل عقدة واحدة فقد آتاه الله سؤله، والحق أنه انحل أكثر العقد وبقي منها شيء لقوله حكاية عن فرعون «أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِين» مع بقاء قدر من الانعقاد في لسانه وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أن المراد بقوله: «وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ» أي لا يأتي ببيان وحجة.
والثاني: أن (كَادَ) بمعنى قَرُبَ. فلو كَانَ المراد هو البيان اللساني، لكان معناه: أنه لا يقارب البيان، فكان فيه نفي البيان بالكلية، وذلك باطل، لأنه خاطب فرعون وقومه، وكانوا يفهموزن، فكيف يمكن نفي البيان، بل إنما قالوا ذلك تمويهاً ليصرفوا الوجوه عنه. واعلم أن النطق فضيلة عظيمة، ويدل عليه وجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان﴾ [الرحمن: 3، 4] ، ولهذا قيل للإنسان: هو الحيوان الناطق.
الثاني: اتفاق العقلاء على تعظيم أمر اللسان قال زهير:
3654 - لِسَانُ الفَتَى نِصْفَ وَنصْفٌ فؤاده ... فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ صُورَةُ اللَّّحْمِ وَالدَّمِ
وقالوا: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مرسلة. أي لو ذهب النطق اللساني لم يبق من الإنسان إلا القدر الحاصل في البهائم.
وقالوا: المَرْءُ بأصغريه أي قلبِه ولسانِه.
وقالوا: «المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ» .
الثالث: أن في مناظرة آدم - عليه السلام - مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق حيث قال: ﴿يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض﴾ [البقرة: 33] .
قوله: «مِنْ لِسَانِي» يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل «عُقْدَة» أي: من عقد لساني، ولم يذكر الزمخشري غيره. ويجوز أن يتعلق بنفس «احلُلْ» ، والأول أولى. قوله: «واجْعَلْ لِي وَزِيراً» يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً مقدِّماً و «وَزِيراً» ويجوز أن يكون متعلقاً بالجعل، و «هَارونَ» بدل من «وَزِيراً» وجوَّز أبو البقاء أن يكون «هَارُونَ» عطف بيان ل «وَزيراَ» . ولم يذكر الزمخشري غيره. ولما حكى أبو حيان هذا لم يعقبه بتنكير، وهو عجب منه فإنَّ عطفَ البيان يُشترط فيه التوافق تعريفاً وتنكيراً، وقد عرفت أن وزيراً نكرة، وهارون معرفة.
والزمخشري قد تقدَّم له مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: 97] ، وتقدم الكلام معه هناك، وهو عائد هنا.
ويجوز أن يكون «هارون» منصوباً بفعل محذوف كأنه قال: «أخصُّ من بينهم هارون من بين أهلي ويجوز أن يكون» وَزيراً «مفعولاً ثانياً و» هارُونَ» هو الأول، وقدم الثاني عليه اعتناء بأمر الوزارة. وعلى هذا فقوله: «لِي» يجوز أن يتعلق بنفس الجعل، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «وَزِيراً» مفعولاً أول، و «مِنْ أهْلِي» هو الثاني. وقوله: «لِي» مثل قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4] يعنون أنه به يتم المعنى. ذكر ذلك أبو البقاء.
ولما حكاه أبو حيان لم يعقبه بنكير، وهو عجب، لأن شرط المفعولين في باب النواسخ صحة انعقاد الجملة الاسمية، وأنت لو ابتدأت بوزيرٍ وأخبرت عنه ب (مِنْ أَهْلِي) لم يجز، إذ لا مسوِّغ للابتداء به. و «أَخشي» بدل أو عطف بيان ل «هَارُونَ» .
وقال الزمخشري: وإن جعل عطف بيان آخر جازِ وحَسُن.
قال أبو حيَّان: ويبعُدُ فيه عطفُ البيان، لأن عطف البيانِ الأكثر فيه أن يكون الأول دونه في الشهرة، وهذا بالعكس.
قال شهاب الدين: لم يُرِد الزمخشري أنَّ» أَخِيط عطفُ بيان ل «هَارُونَ» حتى يقول الشيخ: إن الأول وهو «هَاروُنَ» أشهر من الثاني وهو «أخِي» ، إنما عنى الزمخشري أنه عطفٌ بيان أيضاً ل «وزيراً» ، ولذلك قال: آخر، ولا بد من الإتيان بلفظه ليعرف أنه لم يرد إلا ما ذكرته.
قال: «وَزيراً» وهَارُونَ «مفعولاً قوله:: اجْعَلْ» ، أوْ «لي وَزِيراً: معفولاه، و» هَارونَ» عطفُ بيان للوزير، و «أخِي» في الوجهين بدل من «هَاروُنَ» ، وإن جعل عطف بيان آخر جازَ وحَسُنَ فقوله: (آخر) يُعَينُ أن يكون عطفَ بيان لما جُعِل عنه عطف بيان قبل ذلك.
وجوَّز الزمخشري (في «أَخِي» ) أن يرتفع بالابتداء، ويكون خبره الجملة من قوله: «اشْدُدْ بِهِ» ، وذلك على قراءة الجمهور له بصيغة الدعاء، وعلى هذا فالوقف على «هَارُونَ» . وقرأ ابن عامر» أَشْدُد «للمضارعة، وجزم الفعل جواباً للأمر،» وَأُشْرِكْهُ «بضم الهمزة للمضارعة، وجزم الفعل نسقاً على ما قبله حكاية عن موسى: أنا أفعل ذلك. وقرأ الباقون بحذف همزة الوصل من الأول، وفتح همزة القطع في الثاني على أنهما دعاء من موسى لربه بذلك، وعلى هذه الجملة قد ترك فيها العطف خاصة دون ما تقدمها من جمل الدعاء وقرأ الحسن» أَشْدُدْ «مضارع شدد بالتشديد.
والوزير: قيل: مشتق من الوِزْر، وهو الحبل الذي يحتضن به وهو الملجأ لقوله تعالى: «كَلاَّ لاَ وِزْرَاً» قال:
3655 - مِنَ السِّبَاعِ الضَّوَارِي دُونَهَا وَزَرٌ ... وَالنَّاسُ شَرُّهُمُ مَا دُونَهُ وَزَرُ
كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤذِهِمْ سَبْعٌ ... وَلاَ تَرَى بَشَراً لَمْ يُؤْذِهِم بَشَرُ
وقيل: من المُؤَازَرَةِ، وهي المعاونة، نقله الزمخشري عن الأصمعي قال: وكان القياس أَزيراً يعني بالهمزة، لأن المادة كذلك، قال الزمخشري: (فقلبت) : الهمزة إلى الواو، ووجع قبلها إليها أنَّ فَعِيلاً جاء بمعنى مُفَاعِل مجيئا صالحاً كقولهم: عَشِيرِ، وجَلِيسِ، وخَلِيط وصَدِيق، وخَلِيل، ونَدِيم فلما قلبت فيه، وحمل الشيء على نظيره ليس بعزيز، ونظر إلى يؤازر وإخوته وإلى المؤازرة. يعني أن وزيراً بمعنى مُؤَازر، ومُؤازر تقلب فيه الهمزة واواً قليلة قياساً، لأنها همزة مفتوحة بعد ضمة فهو نظير مُؤَجَّل ويُؤاخذكم وشبهه، فَحُمِلَ أَزير عليه في القلب، وإنْ لم يكن فيه سبب القلب. والمُؤازرة مأخوذةٌ من إزار الرجل، وهو الموضع الذي يشده الرجل إذا استعد لعمل متعب.
فصل
اعلم أن طلبَ الوزير إما أنه خاف على نفسه العجزَ عن القيام بذلك الأمر فطلب المُعين، أو لآنه رأى أنَّ التعاونَ على الدين والتظاهرَ عليه مع مخالصة الود وزوال التهمة قربةٌ عظيمة في الدعاء إلى الله تعالى، ولذلك قال عيسى ابن مريم: ﴿مَنْ أنصاري إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله﴾ [آل عمران: 52] ، وقال لمحمد عليه السلام {يا أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين} [الأنفال: 64] وقال عليه السلام: «إنَّ لِي في السَّمَاءِ وَزِيرَيْنِ، وَفِي الأَرْضِ وَزِيرَيْن فاللَّذانَ فِي السَّماءِ جِبْريلُ وميكائيلُ (عليهما السلام) وّاللَّذانِ في الأرض أبو بكرٍ وَعمَرُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما» )» .
وقال عليه السلام: «إذَا أَرَادَ اللهُ بِمَلِكٍ خيراً قَيَّضَ اللهُ لَُ وَزِيراً صَالِحاً إنْ نَسِيَ ذكَّره، وإنْ نَوَى خَيْراً أعانَه، وإنْ أَرَادَ شَرَّاً كَفَّهُ» وقال أنوشروان: لاَ يَسْتَغْنِي أجودُ السيوف عن الصقي، ولا أكرمُ الدوابَّ عن السَّوْط (ولا أعلمُ الملوك عن الوزير) . وأراد موسى - عليه السلام - أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه، وأن يكون أخاه هارون، والسببُ فيه إما لأن التعاونَ على الدين منفعة عظيمة فأراد أن لا تحصل هذه الدرجة إلا بأهله، أو لأن كل واحد منهما كان في غاية المحبة لصاحبه.
وكان هارونُ أكبرَ سناً من موسى بأربع سنين، وكان أفصحَ منه لساناً، وأجملَ وأوسمَ أبيض اللون، وكان موسى آدم اللون أقْنَى جَعْداً.
و «اشْدُدْ بِهِ (أزري) قَوِّ) ظَهْري،» وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» في النبوة. والأَزْرُ القوة، وَآزَرَهُ: قَوَّاه. وقال أبو عبيدة: أَزْرِي: ظَهْرِي. وفي كتاب الخليل: الأَزْرُ الظَّهرُ.
ثم إنه تعالى حكى عنه ما لأجله دعا بهذا الدعاء فقال: «كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثيراًط قال الكلبي: نُصَلِّي لكَ كثيراً، ونحمدكُ، ونثني عليك.
والتَّسبيحُ: تنزيهُ اللهِ تعالى في ذاته وصفاته عمَّا لا يليق به.» وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً «أي: نصفُك بصفاتِ الجَلالِ والكِبْرِيَاء.
قوله: «كَثِيراً» نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر كما هو رأي سيبويه.
وجوَّز أبو البقاء: أن يكون نعتاً لزمان محذوف، أي: زماناً كثيراً.
قوله: «إنَّك كُنْتَ بِنَا بَصيراً» أي عالِماً بأنَّا لا نريد بهذه الطاعات إلا وجهَك ورضاك، أو بصيراً بأنَّ الاستعانةَ بهذه الأشياء لأجل حاجتي في النبوة إليه، أو بصيراً بوجوه مصالحنا فأَعْطِنَا ما هو أصلح لنا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences