Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Taha 20:60–64
20:60–62Page 315
فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ٦٠
So Pharaoh went away, put together his plan, and then came [to Moses].
قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ ٦١
Moses said to them [i.e., the magicians summoned by Pharaoh], "Woe to you! Do not invent a lie against Allāh or He will exterminate you with a punishment; and he has failed who invents [such falsehood]."
فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ ٦٢
So they disputed over their affair among themselves and concealed their private conversation.
قوله: ﴿فتولى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ التَّولِّي: قد يكون إعراضاً وقد يكون انصرافاً، والظاهر أنه هنا بمعنى الانصراف، وهو مفارقة موسى عن الحق «فَجَمَعَ كَيْدَهُ» مكره، وقومه، وحيله، وسحرتهن وآلاته «ثُمَّ أتَى» الموضع بما جمعه.
قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.
وقيل: كانوا أربعمائة. وقال كعب: اثني عشر ألفاً. وقيل: أكثر من ذلك. ثم ضربت لفرعون قبة فجلس فيها ينظر إليها، وكان طول القبة سبعون ذراعاً. فقال لهم موسى عند ذلك يعني للسحرة الذين جمعهم فرعون ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ أي: لا تزعموا أن الذي جئت به ليس بحق، وأنه سحر، وأنكم متمكنون من معارضتي، فَيُسْحِتَكم الله بعذاب أي: فيهلككم، قاله مقاتل والكلبي.
وقال قتادة: فيستأصلكم ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى﴾ .
الخيبة: الحرمان والخسران.
قوله: «وَيْلَكُمْ» قال الزجاج: يجوز في انتصاب «وَيْلَكُمْ» أن يكون المعنى ألزمهم الله وَيْلاً إن افتروا على الله، ويجوز على النداء كقوله: ﴿ياويلتا أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ﴾ [هود: 72] ﴿قَالُواْ ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: 52] .
قوله: «فَيُسْحِتَكُمْ» قرأ الأخوان وحفص عن (عاصم «فَيُسْحِتَكُم» بضم الياء وكسر الحاء. والباقون بفتحهما.
فقراءة الأخوين من أسْحَتَ رباعياً وهي لغة نجد وتميم.
قال) الفرزدق التميمي:
3664 - وعَضَّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ ... مَنَ المَالِ إلاَّ مُسْحَتاً أوْ مُجَلِّفُ
وقراءة الباقين من سحته ثلاثياً وهي لغة الحجاز، وأصل هذه المادة لدلالة على الاستقصاء والنفاد، ومنه سحت الحالق الشعر الذي استقصاه، فلم يترك منه شيئاً، ويستعمل في الإهلاك والإذهاب، ونصبه بإضمار أن في جواب النهي.
ولمَّا أنشد الزمخخشري قول الفرزدق:
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ....... ... ... . . (إلاَّ مُسْحَتاً أوْ مُجَلَّفُ)
قال بعد ذلك: في بيت لم تزل الرُّكَبُ تصطك في تسوية إعرابه.
قال شهاب الدين: يعني: أن هذا البيتَ صعبُ الإعراب، وإذ قد ذكر ذلك فلنذكر ما ورد في هذا البيت من الروايات، وما قاله الناس في ذلك على حسب ما يليق بهذا الموضوع، فأقول وبالله الحول: روي هذا البيت بثلاث روايات كل واحدة لا تخلو من ضرورة. الأولى: (لَمْ يَدَع) بفتح الياء والدال، ونصب مُسْحَت وفي هذه خمسة أوجه:
الأول: أن معنى (لَمْ يَدْعُ مِنَ المَالِ مُسْحَتاً) لم يبق إلا مُسْحَتٌ، فلما كان هذا في قوة الفاعل عطف عليه قوله: (أو مُجَلَّفُ) (بالرفع) ، وبهذا البيت استشهد الزمخشري على قراءة أبَيّ والأعمش ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [البقرة: 249] (برفع قليل) وقد تقدم.
الثاني: أنه مرفوع بفعل مقدر دل عليه (لَمْ يَدَع) والتقدير: أو بقي مُجَلَّف.
الثالث: أن (مُجَلَّف) مبتدأ وخبره مضمر، تقديره: أو مُجَلَّفٌ كذلك وهو تخريج الفراء.
الرابع: أنه معطوف على الضمير المستتر في «مُسْحَتاً» وكان من حق هذا أن يفصل بينهما بتأكيد ما إلا أنَّ القائل بذلك وهو الكسائي لا يشترط، وأيضاً «فهو جائز (في الضرورة) عند الكل.
الخامس: أن يكون (مُجَلَّفُ) مصدراً بزنة اسم المفعول، كقوله تعالى: ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: 7] أي تجليف وتمزيق، وعلى هذا فهو نسق على» عَضُّ زَمَانٍ «إذ التقدير: رَمَتْ بِنَا هُمُومُ المُنَى وعَضَّ زَمَانٍ أو تجليفٍ فهو فاعل لعطفه على الفاعل، وهو قول الفارسي، وهو أحسنها.
الرواية الثانية: فتح الياء وكسر الدال ورفع مُسْحَت، وتخريجها واضح، وهو أن يكون من ودع في بيته يدع فهو وادع بمعنى بقي يبقى فهو باق، فيرتفع» مُسْحَت، وتخريجها واضح، وهو أن يكون من ودع في بيته يدع فهو وادع بمعنى بقي يبقى فهو باق، فيرتفع «مُسْحَتٌ» بالفاعلية، ويرفع (مُجَلَّفٌ) بالعطف عليه ولا بد حينئذ من ضمير محذوف تقديره: من أجله أو بسببه ليرتبط الكلام.
الرواية الثالثة: (يُدَع) بضم الياء وفتح الدال على ما يسمَّ فاعله و (مُسْحضتٌ) بالرفع لقيامه مقام الفاعل و (مُجَلَّف) عطف عليه، وكان من حق الواو أن لا تحذف بل تثبت، لأنها لم تقع بين ياء وكسرة، وإنما حذفت حملاً للمبني للمفعول على المبني للفاعل.
وفي البيت كلام أطول من هذا تركته اختصاراً، وهذا لبُّه، وقد ذكرته في البقرة، وفسرت معناه ولغته، وصلته بما قبله فعليك بالالتفات إليه.
قوله: ﴿فتنازعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: تفاوَضُوا وتشاوَرُوا واستقروا على شيء واحد.
وقال مقاتل: اختلفوا فيما بينهم.
قال محمد بن إسحاق ووهب: لما قال لهم موسى ﴿لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً﴾ قال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر.
قال بعض المفسرين إن فرعون وقومه دخلوا مع السحرة وحدهم، أي تناظروا وتشاوروا في أمر موسى سرًّا من فرعون.
قال الكلبي: قالوا سرًّا إن غَلَبَنَا موسى اتبعناه. وهو قول ابن عباس.
قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى﴾ أي المناجاة يكون مصدراً واسماً، أي: أسروا النحوى من فرعون.
قال ابن عباس: إنَّ نجواهُم إن غلبنا موسى اتبعناه.
وقال قتادة: إنْ كانَ ساحراً فسنغلبه وإن كان من السماء وإن كان من السماء فله أمر.
وقال السدي: نجواهم هو قولهم: ﴿قالوا إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾ [طه: 63] .
20:63Page 315
قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ ٦٣
They said, "Indeed, these are two magicians who want to drive you out of your land with their magic and do away with your most exemplary way [i.e., religion or tradition].
قوله: «إنْ هَذَانِ» اختلف القراء في هذه الآية فقرأ بن كثير وحده: «إنْ هَذَانِ» بتخفيف «إنْ» والألف وتشديد النون. وحفص كذلك إلا أنه خفف نون «هذانِ» وقرأ أبو عمر «إنَّ» بالتشديد «هَذَيْنِ» بالياء وتخفيف النون. والباقون كذلك إلا أنهم قرءوا «هذانِ» بالألف.
فأما القراءة الأولى، وهي قراءة ابن كثير وحفص فأوضح القراءات معنًى ولفظاً وخطاً، وذلك أنهما جعلا (إن) المخففة من الثقيلة فأهملت، ولما أهملت كما هو الأفصح من وجهها خيف التباسها بالنافية فجيء باللام فارقةً في الخبر، ف «هَذَانِ» مبتدأ، و «لَسَاحِرَانِ» خبره، ووافقت خط المصحف، فإن الرسم «هَذَانِ» مبتدأ، و «لَسَاحِرَانِ» خبره، ووافقت خط المصحف، فإن الرسم «هَذَانِ» دون ألف ولا ياء (وسيأتي بيان ذلك) .
وأما تشديد نون «هَذَانِّ» فعلى ما تقدم في سورة النساء متقناً، وأما الكوفيون فيزعمون أنَّ «أنْ» نافية (بمعنى (ما)) واللام (إلآ) وهو خلاف مشهور، وقد وافق تخريجهم هنا قراءة بعضهم ﴿مَا هَذَانِ إلاَّ ساَحِرَانِ﴾ .
وأما قراءة أبي عمرو فواضحة من حيث الإعراب والمعنى، أما الإعراب ف «هَذَيْنِ» اسم «إنَّ» وعلامة نصبه الياء، و «لَسَاحِرَانِ» خبرها، ودخلت اللام توكيداً، وأما من حيث المعنى فإنهم أثبتوا لهما السحر بطريق تأكيدي من طرفيه، ولكنهم استشكلوها من حيث خط المصحف، وذلك أنه رسم «هَذَانِ» بدون ألف ولا ياء، فَأتيانه بالياء زيادة على خط المصحف.
قال أبو إسحاق: لا أجيز قراءة أبي عمرو لأنها خلاف المصحف.
وقال أبو عبيد: رأيتها في الإمام مصحف عثمان «هَذَانِ» ليس فيها ألف وهكذا رأيت رفع الاثنين في ذلك المصحف بإسقاط الألف، وإذا كتبوا النصب والخفض كتبوه بالياء ولا يسقطونها.
قال شهاب الدين: وهذا لا ينبغي أن يرد به على أبي عمرو، وكم جاء في الرسم أشياء خارجة عن القياس، وقد نَصُّوا على أنه لا يجوز القراءة بها، فليكن هذا منها أعين: مما خرج عن القياس، فإن قلت ما نقلته عن أبي عبيد مشترك الإلزام بين أبي عمرو وغيره، فإنهم كما اعترضوا عليه بزيادة الياء يعترض عليهم بزيادة الألف، فإن الألف ثابتة في قراءتهم ساقطة من خط المصحف.
فالجواب ما تقدم من قول أبي عبيد أنه رآهم يسقطون الألف من رفع الاثنين فإذا كتبوا النصب والخفض كتبوه بالياء، وذهب جماعة منهم عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وأبو عمرو إلى هذا مما لَحَن فيه الكاتب وأفهم بالصواب يعنون أنه كان من حقه أن يكتبه بالياء فلم يفعل، فلم يقرأه الناس إلا بالياء على الصواب.
وأما قراءة الباقين ففيها أوجه:
أحدها: أنَّ «إنَّ» بمعنى نَعَمْ، و «هَذَانِ» مبتدأ، و «لَسَاحِرَانِ» خبره، وكن ورود «إنَّ» بمعنى نَعَم قوله:
3665 - بَكَرَ العَوَاذِلُ في المَشي ... بِ يَلُمْنَنِي وَألُومُهُنَّهْ
وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلاَ ... كَ وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ أي فقلت: نعم، والهاء للسكت، وقال رجل لابن الزبير: لعن الله ناقةً حَمَلَتْنِي إليك. إنَّ صاحِبَها. أي نَعَم ولعَنَ صاحبَها.
وهذا رأي المبرد وعلي بن سليمان.
وهو مردود من وجهين:
أحدهما: عدم ثبوت «إنَّ» بمعنى «نَعَمْ» وما أوردوه يؤول، أما البيت فإن الهاء اسمها، والخبر محذوف لفهم المعنى تقديره: إنَّه كذلك، وأما قول ابن الزبير فذاك من حذف المعطوف عليه وإبقاء المعطوف، وحذف خبر «إنَّ» للدلالة عليه تقديره: إنها وصاحبها ملعونان وفيه تكلف لا يخفى.
والثاني: دخول اللام على خبر المبتدأ دون المؤكد بأنَّ المكسورة، لأن مثله لا يقع إلا ضرورة، كقوله:
3666 - أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضَى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ
وقد يجاب عنه بأنَّ «لَسَاحِرَانِ» يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف دخلت عليه هذه اللام تقديره لَهُمَا ساحران، وقد فعل ذلك الزجاج كما سيأتي حكايته عنه.
الثاني: أنَّ اسمها ضمير القصة وهو «ها» التي قبل «ذَان» ِ، وليست ب «ها» التي للتنبيه الداخلة على أسماء الإشارة، والتقدير: إنها القصة ذَانِ لسَاحِرَانِ.
وقد ردوا هذا من وجهين:
أحدهما: من جهة الخط (وهو أنه) لو كان كذلك لكان ينبغي أن يكتب إنها، فيصلوا الضمير بالحرف قبله كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار﴾ [الحج: 46] فكتبهم إياها مفصولة من «إنَّ» متصلة باسم الإشارة يمنع كونها ضميراً وهو أوضح.
الثاني: أنه يؤدي إلى دخول لام الابتداء في الخبر غير المنسوخ وقد يجاب عنه بما تقدم.
الثالث: أن اسمها ضمير الشأن محذوف والجملة من المبتدأ والخبر بعده في محل رفع خبر لأن التقدير: إنه أي: الأمر والشأن. وقد ضعف هذا بوجهين:
أحدهما: حذف اسم «إنَّ» وهو غير جائز إلا في شعرٍ بشرط أن لا تباشر «إنَّ» فعلاً، كقوله:
3667 - إنَّ مَنْ يَدْخُل الكَنِيسَةَ يَوْماً ... يَلْقَ فِيهَا جَآذِراً وَظِبَاءا
والثاني: دخول اللام في الخبر، وقد أجاب الزجاج بأنها داخلة على مبتدأ محذوف تقديره: لَهُمَا سَاحِرَانِ، وهذا قد استحسنه شيخه المبرد أعني جوابه بذلك.
الرابع: أنَّ «هَذَانِ» اسمها و «لَسَاحِرَانِ» خبرها.
وقد رد هذا بأنه كان ينبغي أن يكون «هَذَيْنِ» بالياء كقراءة أبي عمرو، وقد أجيب عن ذلك بأنه على لغة بني الحرث وبني الصَّخم وبني العنبر وزبيد وعذرة وسراة وخثعم وكِنَانَة، وحكى هذه اللغة الأئمة الكبار كأبي الخطاب وأبي زيد الأنصاري (والكسائي) .
قال أبو زيد: سمعت من العرب من ينقلب كل ياء ينفتح ما قبلها ألفاً، يجعلون المثنى كالمقصور، فيثبتون ألفاً في جميع أحواله، ويقدرون إعرابه بالحركات، وأنشدوا قوله:
3668 - فَأَطْرَقَ إطْرَاقَ الشُّجَاعِ وَلَوْ يَرَى ... مَسَاغاً لِنَابَاهُ الشُّجَاعُ لَصَمَّمَا
أي لنابيْه.
وقوله:
3669 - إنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا ... قَدْ بَلَغَا في المَجْدِ غَايَتَاهَا
أي غايتيها.
قال الفراء: وحكى بعض بني أسد قال: هذا خطُّ يدَا خطُّ أخي أعرفه وقال قطرب: هؤلاء يقولون: رأيتُ رجلاَنِ، واشتريت ثوبَانِ قال: وقال رجل من بني ضبة جاهليّ:
3671 - (أعْرِفُ مِنْهَا الأنْفَ وَالعَيْنَانَا ... وَمَنْخِرَيْنِ أَشْبَهَا ظَبْيَانَا)
وقال آخر:
3671 - كَأنَّ صَرِيفَ نَابَاهُ إذَا مَا ... أَمَرَّهُمَا قَدِيمَ الخَطْبَانِ
(الخطبان: ذكر الصِّرْدَان) .
وروى ابن جني عن قطرب:
3672 - هِيَّاكَ أنْ تَبْكِي بِشَعْشَعَانِ ... خَبِّ الفُؤَادِ مَائِلِ اليَدَانِ
قال الفراء: وذلك - وإن كان قليلاً - أقيس. لأن ما قبل حرف التثنية مفتوح فينبغي أن يكون ما بعده ألفاً لانفتاح ما قبلها وذكر قطرب أنهم يفعلون ذلك فراراً إلى الألف التي هي أخف حروف المد ويقولون: كسرتُ يداه، وركبتُ علاه، يعني يديه وعليه، وقال شاعرهم: 3673 - تَزَوَّدَ مِنَّا بَيْنَ أذْنَاهُ ضَرْبَةً ... دَعَتْهُ إلى هَابِي التُّرَابِ عَقِيم
إلى غير ذلك من الشواهد.
واستدل لقراءة أبي عمرو بأنها قراءة عثمان وعائشة وابن الزبير وسعيد بن جبير، روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنها سئلت عن قوله تعالى: ﴿إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾ وعن قوله: ﴿والصابئون والنصارى﴾ (في المائدة: 69) ، وعن قوله: ﴿لكن الراسخون فِي العلم مِنْهُمْ﴾ [النساء: 162] إلى قوله: ﴿والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة﴾ [النساء: 162] ، فقالت: يا ابن أخي هذا خطأ من الكاتب. وروي عن عثمان أنه نظر في المصحف، فقال: أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها.
وعن ابن عمرو أنه قال: إنِّي لأَسْتَحي أن أقرأ ﴿أنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾ .
وقرأ ابن مسعود: «وَأسَرُّوا النَّجْوَى أنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ» بفتح «أن» وإسقاط اللام على أنها وما في خبرها بدل من «النَّجْوَى» كذا قاله الزمخشري، وتبعه أبو حيان ولم ينكره، وفيه نظر، لأن الاعتراض بالجملة القولية مفسرة للنجوى في قراءة العامة. وكذا قاله الزمخشري أولاً فكيف يصح أن يجعل ﴿أنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾ بدلاً من النجوى؟
وقرأ حفص عن عاصم بتخخفيف النونين.
وعن الأخفش: ﴿إنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾ خفيفة بمعنى ثقيلة وهي لغة لقوم يرفعون بها ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التني تكون في معنى (ما) .
وروي عن ابن أبي كعب ﴿ما هذان إلاَّ لَسَاحِرَانِ﴾ ، وروي عنه أيضاً ﴿إنْ هذان إلاَّ لَسَاحِرَانِ﴾ ، وعن الخليل بمثل ذلك.
وعنة أُبَيِّ أيضاً: ﴿إنْ ذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ .
فصل
قال المحققون: هذه القراءات لا يجوز صحيحها، لأنها منقولة بطريق الآحاد، والقرآن يجب أن يكون منقولاً بالتواتر، ولو جوزنا إثبات زيادة في القرآن بطريق الآحاد لما أمكننا القطع بأن هذا الذي هو عندنا كل القرآن، لأنه لما جاز في هذه القراءات أنها من القرآن مع كونها ما نقلت بالتواتر، ولو جوزنا إثبات زيادة في القرآن بطريق الآحاد لما أمكننا القطع بأن هذا الذي هو عندا كل القرآن، لأنه لما اجاز في هذه القراءات أنها من القرآن مع كونها ما نقلت بالتواتر جاز في غيرها ذلك.
فثبت أن تجويز كون هذه القراءات من القرآت يطرق جواز الزيادة والنقصان والتغيير في القرآن، وذلك يُخرج القرآن عن كونه حجة، ولما كان ذلك باطلاً فكذلك ما قرئ.
واما الطعن في القراءة المشهورة فلو حكمنا ببطلانها جاز مثله في جميع القرآن، وذلك يُفضِي إلى القدح في التواتر، وإلى القدح في كل القرآن، وهو باطل، وإذا ثبت ذلك امتنع صيرورته معارضاً بخبر الواحد المنقول عن بعض الصحابة.
وأيضاً: فإن المسلمين أجمعوا على أنَّ ما بين الدفتين كرمُ الله، وكلام الله لا يجوز أن يكون لحناً وغلطاً ولذلك ذكر النحويون وجه تصحيح القراءة المشهورة كما تقدم.
فصل
اعلم أنه تعالى لما ذكر ما أسروه من النجوى حكى عنهم ما أظهروه بما يدل على التنفير عن متابعة موسى، وهو أمور:
أحدها: قولهم «إنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ» وهذا طعن منهم في معجزات موسى ومبالغة في التنفير عنه، لأن كل طبع سليم ينفر عن السحر وعن رؤية الساحر لأنَّ الإنسان يعلم أن السِّحْر لا بقاء له، فإذا اعتقدوا فيه السحر قالوا: كيف نتبعه، وهو لا بقاء له ولا لدينه؟
وثانيها: قوله: ﴿يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾ وهذا نهاية التنفير، لأن مفارقة الوطن والمنشأ شديدة على القلب. وهذا كقول فرعون: تُرِيدُ أنْ تُخْرِجَنَا مِنْ أرْضِنَا يا مُوسَى، فكأنَّ السحرة تلقفوا هذه الشبهة من فرعون ثم أعادوها.
وثالثها: قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى﴾ ، وهذا أيضاً له تأثير شديد في القلب، فإن العدو إذا استولى على جميع المناصب والأشياء التي يرغب فيها كذلك يكون في نهاية المشقة على القلب. قال ابن عباس: يَعْني براءة قومِكم وأشْرَافِهم يقال: هؤلاء طريقة قومهم أي: أشْرَافُهُمْ.
والمُثْلَى تأنيثُ الأمْثَلِ (وهو الأفضل. وسمي بالأفضل بالأمثل) ، لأن الأمثل هو الأشبه بالحق وقيل: الأَمْثَلُ: الأوضح الأظهر وحدث الشعبي عن عليٍّ قال: يصرفان وجوه الناس إليهما.
وقال قتادة: «طَرِيقَتُكُمْ المثْلَى» يومئذ بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عدداً (وأموالاً) ، فقال عدو الله يريد أن يذهبا بهم لأنفسهم.
وقيل: بطريقتكم أي بسنتكم ودينكم الذي أنتم عليه. والمُثْلَى: نعت الطريقة، تقول العرب: فلان على الطريقة المُثْلَى يعني على الهدى المستقيم.
وقيل: الطريقة المُثْلى الجاه والمنصب والرياسة.
قوله: «بِطَرِيقَتِكُمْ» الياء مُعَدِّية كالهمزة، والمعنى بأهل طريقتكم. قال الزجاج: هذا من باب حذف المضاف. وإذا كانت الطريقة عبارة عن العادة فلا حذف.
20:64Page 315
فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ ٦٤
So resolve upon your plan and then come [forward] in line. And he has succeeded today who overcomes."
قوله: «فَأجْمِعُوا» قرأ أبو عمرو «فاجْمَعوا» بوصف الألف وفتح الميم. والباقون: بقطعها مفتوحة وكسر الميم، وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة يونس.
و «كَيْدَكُم» مفعول به، وقيل: هو على إسقاط الخافض أي: على كَيْدِكم وليس بشيء. فأما قراءة أبي عمرو في من الجمع أي لا تدعوا شيئاً من كَيْدِكُمْ إلا جئتم به بدليل قوله: «فَجَمَعَ كَيْدَهُ» .
ومعنى القراءة الباقين قيل: معناه الجمع أيضاً تقول العرب: أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد.
والصحيح أن معناه العزم والإحكام قال الفراء: الإجماع الإحكام والعزيمة على الشيء. أي أجمعُوا كُلكم على كيده مجتمعين له ولا تختلفوا فيختل أمركم.
﴿ثُمَّ ائتوا صَفّاً﴾ أي: جميعاً، قاله مقاتل والكلبي.
وقيل: أي: مُصْطَفِّين مجتمعين، ليكون أنظم لأمركم وأشد لهيبتكم.
وقال أبو عبيدة، والزجاج: الصَّف موضع الجمع، ويسمى المصلى صفاً، أي: ائتوا المكانَ الموعودَ الذي تجتمعون فيه ليعيدكم.
قوله: «صَفًّا» يجوز أن يكون حالاً من فاعل «ائْتُوا» أي ائْتُوا مصطفين أي ذوي صَفٍّ فهو مصدر في الأصل.
وقيل: هو مفعول به أي: ائْتُوا قوماً صفًّا، وفيه التسمية بالمصدر. أو هو
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences