Ibn 'AdilTaha · 20:83–93

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Taha 20:83–93

20:83–85Page 317

۞ وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣

[Allāh said], "And what made you hasten from your people, O Moses?"

قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤

He said, "They are close upon my tracks, and I hastened to You, my Lord, that You be pleased."

قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ٨٥

[Allāh] said, "But indeed, We have tried your people after you [departed], and the Sāmirī1 has led them astray."

قوله: «وَمَا أعْجَلَكَ» مبتدأ وخبر. و «مَا» استفهامية عن سبب التقدم على قومه.

قال الزمخشري: فإن قلتَ: «مَا أعْجَلَكَ» سؤال عن سبب العجلة، فكان الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال: طلبُ زيادة رضَاكَ، أو الشوق إلى كلامك وتنجز موعدك. وقوله: ﴿هُمْ أولااء على أَثَرِي﴾ كَمَا تَرَى غير منطبق عليه.

قلت: قد تضمَّن ما واجهه به رب العزة شيئين:

أحدهما: إنكار العجلة في نفسها.

والثاني: السؤال عن سبب التقدم والحامل عليه، فكان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر، وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه فاعتلَّ بأنَّه لم يوجد منِّي إلا تقدمٌ يسير مثله لا يعتد به في العادة ولا يحتفل به، وليس بيني وبين من سبقته إلا مسافة قريبة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمتهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى﴾ .

وأجاب غيره عن هذا السؤال بأنه - عليه السلام - ورد عليه من هيبة عتاب الله ما أذهله عن الجواب المنطبق المرتب على حدود الكلام.

فصل

في الآية سؤالات:

الأول: قوله: «وَمَا أعْجَلَكَ» استفهام، وهو على الله تعالى محال.

والجواب: أنه إنكار في صيغة الاستفهام ولا امتناع فيه.

الثاني: أنَّ موسى - عليه السلام - إما أن يقال: إنَّه كان ممنوعاً عن ذلك التقدم، أو لم يكن ممنوعاً عنه، فإن كان ممنوعاً كان ذلك التقدم معصية فيلزم وقوع المعصية من الأنبياء، وإن لم يَكُنْ ممنوعاً كان ذلك الإنكار غير جائز.

والجواب: لعله - عليه السلام - ما وجد نصًّا في ذلك إلا أنَّه باجتهاده تقدم فأخطأ في ذلك الاجتهاد فاستوجب العتاب.

الثالث: قوله: «وَعَجِلْتُ» والعجلة مذمومة.

والجواب: أنها ممدوحة في الدين قال الله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: 133] .

الرابع: قوله: «لِتَرْضَى» يدل على أنَّه - عليه السلام - إنَّما فعل ذلك ليحصل الرِّضا لله تعالى، وذلك باطل من وجهين:

أحدهما: يلزم تجدد صفة الله.

والآخر: أنه - تعالى - قبل حصول ذلك الرضا يجب أن يقال: (إنَّه ما) كان راضياً عن موسى، لأنَّ تحصيل الحاصل محال، ولما لَمْ يكن راضياً عنه وجب أن يكون ساخطاً عليه، وذلك لا يليق بحال الأنبياء.

والجواب المراد تحصيل دوام الرضا كقوله: «ثُمَّ اهْتَدَى» المراد دوام الاهتداء.

الخامس: قوله ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى﴾ يدل على أنه ذهب إلى الميعاد قبل الوقت الذي عيَّنه الله له وإلا لم يكن تعجيلاً، ثم ظن أنَّ مخالفة أمر الله سبب لتحصيل رضاه، وذلك لا يليق بأجهل الناس فضلاً عن كليم الله.

والجواب: أن ذلك كان باجتهادٍ وأخطأ فيه.

السادس: قوله: «إلَيْكَ» يقتضي كون الله في الجهة، لأن «إلى» لانتهاء الغاية.

والجواب: اتفقنا على أنَّ الله - تعالى - لم يكن في الجبل، فالمراد إلى مكان وعدك.

فصل

دلت الآية على أنَّه تعالى أمره بحضور الميقات مع قوم مخصوصين فقال المفسرون: هم السَّبعُون الذين اختارهم الله من جملة بني إسرائيل، يذهبون معه إلى الطور ليأخذوا التوراة، فسلر بهم موسى، ثم عجَّل موسى من بينهم شوقاً إلى ربه، وخلق السبعين وأمرهم ان يتبعوه إلى الجبل، فقال الله له: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى﴾ قال مجيباً لربه ﴿هُمْ أولااء على أَثَرِي﴾ أي: بالقرب منِّي يأتون من بعدي ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى﴾ لتزداد رِضًى.

قوله: ﴿هُمْ أولااء على أَثَرِي﴾ كقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 85] و ﴿على أَثَرِي﴾ يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً وقرأ الجمهور: «أولاَءِ» بهمزة مكسورة.

والحسن وابنُ معاذ بياء مكسورة، وإبدال الهمزة ياءً (تخفيفاً) .

وابن وثاب «أُولى» بالقصر دون همزة.

وقرأت طائفة «أولاَيَ» بياء مفتوحة، وهي قريبة من الغلط والجمهور «عَلَى أثَرِي» بفتح الهمزة والثاء.

وأبو عمرة في رواية عبد الوارث، وزيد بن علي «إثْرِي» بكسر الهمزة وسكون الثاء وعيسى بضمها وسكون الثاء، وحكاها الكسائي (لغة) .

قوله: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ أي: ابتلينا الذين خَلَّفَتَهُم مع هارون، وكانوا ستمائة ألف، فَأُفْتِنُوا بالعجل غير اثني عشر ألفاً من بعدك انطلاقك إلى الجبل.

فصل

قالت المعتزلة: لا يجوز أن يكون المرادُ أنَّ الله - تعالى - خلقَ فيهم الكفر لوجهين:

الأول: الدلائل العقلية (الدالة على) أنه لا يجوز من الله - تعالى - أن يفعل ذلك.

والثاني: أنَّه قال: «وَأَضَلَّهُمُ السَّامِريّ» .

وأيضاً: فلأن موسى لمَّا طالبَهُم بذكر سبب الفتنة، فقال: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [طه: 86] فلو حصل ذلك بخلق الله لكان لهم أن يقولوا السبب فيه أن الله خلقه فِينَا لا ما ذكرت، فكان يبطل كلام موسى - عليه السلام -. وأيضاً فقوله: ﴿أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [طه: 86] ولو كان ذلك بخلقه لاستحال أن يغضبَ عليهم فيما هو الخالق له، ولما بطل ذلك وجب أن يكون لقوله: «فَتَنَّا» معنًى آخر، وذلك لأن الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان، يقال: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بالنار إذا امتحنته بالنار فتميز الجيد من الرديء، فهاهنا شدَّد الله التكليف عليهم، لأن السَّامِرِيَّ، لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة العالم والأجسام على أنَّ له إلهاً بجسم وحينئذ يعرفون أن العجل لا يصلح للإلهية فكان هذا التعبد تشديداً في التكليف، (والتشديد في التكليف) موجود.

قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾

[العنكبوت: 2] .

والجواب: ليس في ظهور صوت من عجلٍ متخذٍ من الذهب شبهة أعظم مما في الشمس والقمر، والدليل الذي ينفي كون الشمس والقمر إلهاً أولى بأن ينفي كون العجل إلهاً، فحينئذ لا يكون حدوث العجل تشديداً في التكليف ولا يصح حمل الآية عليه، فوجب حمله على خلق الضلال فيهم.

وقوله: أضاف الإضلال إلى السَّامري. قلنا: أليس أن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسباب من الظاهر وإن كان الموجد هو الله - تعالى - فكذا هاهنا. وأيضاً قرئ «وَأَضَلَّهُم السَّامِرِيّ» أي: وأشد ضلالهم السامري، وعلى هذا لا يبقى للمعتزلة استدلال، ثم الذي يحسم مادة الشغب مسألة الداعي. وقوله: «وَأَضَلَّهُم السَّامِرِي» العامة على أنه فعلٌ ماض مسند إلى السامري.

وقرأ أبو معاذ «وَأَضَلَّهُم» مرفوعاً بالابتداء، وهو أفعل تفضيل، و «السَّامِرِيُّ» خبره.

ومعنى «أَضَلَّهُمْ» أي: دَعَاهم وصَرفَهُم إلى عبادة العِجْلِ، وأضاف الإضلال إلى السَّامِرِيُّ، لأنهم ضلوا بسببه. قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كان السامري عِلْجاً من أهل كِرْمان وقع إلى مصر، وكان من قوم يعبدون البقر، والأكثرون على أنه كان من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها: السَّامرة. قاله الزجاج.

وقال عطاء عن ابن عباس كان الرجلُ من القبطِ جاراً لموسى وقد آمن رُوِيَ أنهم أقاموا بعد مفارقة موسى عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيَّامِها، وقالوا قد أكملنا العدة، ثم كان أمر العجل بعد ذلك.

فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا وبين قوله لموسى عند مقدمه ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ .

فالجواب من وجهين:

الأول: أنه تعالى أخبر عن الفتنة المترقبة بلفظ الموجودة الكائنة على عادته كقوله: ﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: 1] ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: 44] إلى غير ذلك.

الثاني: أنَّ السامري شرع في تدبير الأمر لما غاب موسى - عليه السلام - ثم رجع موسى إلى قومه بعد ما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة.

20:86–87Page 317

فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي ٨٦

So Moses returned to his people, angry and grieved.1 He said, "O my people, did your Lord not make you a good promise?2 Then, was the time [of its fulfillment] too long for you, or did you wish that wrath from your Lord descend upon you, so you broke your promise [of obedience] to me?"

قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ ٨٧

They said, "We did not break our promise to you by our will, but we were made to carry burdens from the ornaments of the people [of Pharaoh], so we threw them [into the fire], and thus did the Sāmirī throw."

قوله: «غَضْبَانَ أَسِفاً» حالان، وقد تقدم في سورة الأعراف قيل: الأسف شدة الغضب، فلا يلزم التكرار، لأنَّ «غَضْبَانَ» يفيد أصل الغضب، و «أَسِفاً» يفيد كماله. وقال الأكثرون: حُزْناً وجَزَعاً، يقال: أسف يأسَف أسَفاً فهو أسِفٌ، إذا حزن. وقيل: الأسف: المغتاط، وفرق بين الاغتياط والغضب، لأنَّ الله تعالى لا يوصف بالغيظ ويُوصَف من حيث أن الغضب إرادة الإضرار بالمغضوب عليه، والغيط تغيُّرٌ يلحقُ المُغتاط وذلك لا يصح إلى على الأجسام كالضحك والبكاء، ثم إن موسى - عليه السلام - عاتبهم بعد رجوعه فقال: ﴿ياقوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ قيل: المراد بالوعد الحسن إنزال التوراة. وقيل: الثواب على الطاعات.

وقال مجاهد: العهد. وهو قوله: ﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾ [طه: 81] إلى قوله: ﴿ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: 82] (ويدل عليه قوله بعد ذلك) ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ فكأنه قال أفنسيتم ذلك الذي قال الله لكم: «وَلاَ تَطْغوا» وقيل: الوعد الحسن هاهنا يحتمل أن يكون وعداً حسناً في منافع الدين وأن يكون في منافع الدنيا. أما منافع الدين: فهو الوعد بإنزال الكتاب الهادي إلى الشرائع، والوعد بحصول الثواب العظيم في الآخرة. وأما منافع الدنيا فإن الله تعالى قد وعدهم قبل إهلاك فرعون أن يورثهم أرضَهُم (ودِيارَهُم) .

فإن قيل: قوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ هذا الكلام إنما يتوجه عليهم لو كانوا معترفين بإلهٍ آخر سوى العجل، وأمَّا لمَّا اعتقدوا أنه لا إله سواه على ما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿هاذآ إلهكم وإله موسى﴾ [طه: 88] كيف يتوجه عليهم هذا الكلام؟

فالجواب: أنهم كانوا معترفين بالإله لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي يذكره عبَّاد الأصنام.

قوله: «وَعْداً حَسَناً» يجوز أن يكون مصدراً مؤكداً، والمفعول محذوف تقديره: وعدكم بالكتاب والهداية، أو يترك المفعول الثاني ليعم. ويجوز أن يكون الوعد بمعنى الموعود فيكون هو المفعول الثاني.

قوله: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد﴾ أيْ أقصيْتُم ذلك العهد. وقيل: أفَطَالَ عليكم مدة مفارقتي إياكم. وطول العهد يحتمل أموراً:

أحدها: أفطال عليكم العهد بنعم الله من إنْجَائكُم من فرعون، وغير ذلك من النعم المذكورة في أول سورة البقرة كقوله تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16] .

وثانيها: روي أنَّهم عرفوا أنَّ الأجل أربعون ليلةً فجعلوا كلَّ يوم بإزاء ليلة وردُّوه إلى عشرين. قال القاضي: هذا ركيك لأن ذلك لا يكاد يشتبهه على أحد.

وثالثها: أنَّ موسى - عليه السلام - وعدهُم ثلاثين ليلةً فلما زاده الله فيها عشرة أخرى طال العهد.

قوله: ﴿أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ هذا لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأنَّ احداً لا يريد ذلك، ولكن المعضية (لما كانت) توجب ذلك، ومريد السبب مريد للمسبب، أي أرَدْتُّمْ أن تفعلوا فعلاً يوجب عليكم الغضب من ربكم.

﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي﴾ ، وهذا يدل على موعد كان فيه - عليه السلام - مع القوم، فقيل: المراد ما وعدوه من اللحاق والمجيء على أثره. وقيل: ما وعدوه من الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور و «مَوْعدي» مصدر يجوز أن يكون مضافاً لفاعله بمعنى أوَجدْتُمُونِي أَخْلَفْتُكُم ما وعْدتُّكُمْْ. وأن يكون مضافاً لمفعوله بمعنى: أنهم وعدوه أن يتمسكوا بدينه وسنته.

قوله: «بِمَلْكِنَا» قرأ الأخوان بضم الميم، ونافع وعاصم بفتحها والباقون بكسرها. فقيل: لغات بمعنى واحد كالنَّقْضِ والنُّقضِ والنِّقْضِ، فهي مصادر، ومعناها القدرة والتسلط. وفرق الفارسي وغيره بينهما، فقال: المضموم معناه: لم يكن مُلْكٌ فتُخْلِفُ موعدك بسلطانه، وإنما فعلناه بنظر واجتهاد، فالمعنى على أن ليس له ملك كقول ذي الرُّمة:

3685 - لاَ يُشْتَكَى سَقْطَةٌ مِنْهَا وَقَدْ رَقَصَتْ ... بِهَا المَفَاوِزُ حَتَّى ظَهْرُهَا حَدِبُ

أي لا يقع منها سَقْطَة فَتَشْتَكِي.

وفتح الميم مصدر من مَلَكَ أمره، والمعنى: ما فعلناه بأنَّا ملكنا الصواب، بل غلبتنا أنفسنا. وكسر الميم كَثُر فيما تحوزه اليد وتحويهن ولكنه يستعمل في الأمور اليت يرمها الإنسان، ومعناها كمعنى التي قبلها.

والمصدر في هذين الوجهين مضاف لفاعله، والمفعول محذوف أي: بِمَلْكِنَا الصوابَ. قوله: «حُمِّلْنَا» قرأ نافع وابن كثير وحفص بضم الحاء وكسر الميم المشددة وأبو جعفر كذلك إلا أنه خفف الميم. (والباقون بفتحها خفيفة الميم) . فالقراءة الأولى والثانية نسبوا فيهما الفعل إلى غيرهم.

وفي الثالثة نسبوه إلى أنفسهم و «أَوْزَاراً» مفعول ثان غير القراءة الثالثة. و «مِنْ زِينَةِ» يجوز أن يكون متعلقاً ب «حُمِّلْنَا» ، وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفة ل «أَوْزَاراً» .

وقوله: «فَكَذَلِكَ» نعت لمصدر أو حال من ضميره عند سيبويه أي: وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفة ل «أوْزَاراً» .

وقوله: «فَكَذَلِكَ» نعت لمصدر أو حال من ضميره عند سيبويه أي: إلقاء مثل إلقَائِنَا.

فصل

اختلفوا في القائل ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ على وجهين:

فقيل: القائل هم الذين لم يعبدُوا العجلَ كأنهم قالوا: ما أخلَفْنَا موعدَك بأمرٍ كُنَّا نملكه، وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر﴾ [البقرة: 50] ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً﴾ [البقرة: 72] وإن كان القائل بذلك آباءهم، فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل، فلم نقدر على منعهم عنه ولم نقدر أيضاً على مفارقتهم، لأنَّا خفنا أن نصير سبباً لوقوع الفرقة، وزيادة الفتنة.

وقيل: هذا قول عبدة العِجل، والمعنى أن غيرنا أوقع الشبهة في قلوبنا، وفاعل السبب فاعل المسبب، فمخلف الوعد هو الذي أوقع الشبهة، فإنه كان لمالكنا لنا.

فإن قيل: كيف يُعْقَل رجوع قريب من ستمائة ألف إنسان من العقلاء المكلفين عن الدين الحق دفعة واحدة إلى عبادة عجلٍ يُعْرَف فسادُها بالضرورة، ثم إن مثل هذا الجمع لما فارقوا الدين وأظهروا الكفر فكيف يعقل رجوعهم دفعة واحدة عن ذلك الدين بسبب رجوع موسى - عليه السلام - وحده إليهم؟

فالجواب: هذا غير ممتنع في حق البُلْهِ من الناس.

ثم إنَّ القوم فروا من العذر الحامل لهم على ذلك الفعل فقالوا ﴿ولكنا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ القوم﴾ فمن قرأ بالتخفيف فالمعنى حملْنَا في أنفسنا ما كنا استعرضناه من القوم. ومن قرأ بالتشديد فقيل: إن موسى - عليه السلام - أمرهم باستعاره الحُلِيّ والخروج بها فكأنه ألزمهم ذلك. والمراد بالأوزار حُليّ قوم فرعون.

وقيل: جعلنا كالضامن لها أن نؤديها إلى حيث يأمرنا الله.

وقيل: إنَّ الله تعالى حَمَّلَهُم ذلك، أي: ألزمهم حكم المغنم.

قيل: أخذوها على وجه العارية ولم يردوها حين خرجوا من مصر استعاروها لعيدهم.

وقيل: إن الله تعالى لما أغرق فرعون نبذَ البحر حُليَّهم فأخذوها وكانت غنيمة، ولم تكن الغنيمة حلالاً لهم في ذلك الزمان، فسماها الله أوْزَاراً لذلك، لأنه يجب عليهم حفظها من غير فائدة فكانت أوزاراً.

وقيل: سميت أوزاراً لكثرتها وثقلها، والأوزار: الأثقال. وقيل المراد بالأوزار الآثام، والمعنى حُمِّلْنَا آثاماً، روي أن هارون - عليه - قال إنها نجسة فتطهروا منها، وقال السَّامِريّ إنَّ موسى احتبس عقوبة بالحُلِيّ. فيجوز أن يكونوا أرادوا هذا القول، وقد يقول الإنسان للشيء الذي يلزمه رده هذا كله إثمٌ وذنبٌ.

وقيل: إنَّ ذلك الحِليّ كان للقبط يتزينون به في مجامع لهم يجري فيها الكفر، فلذلك وصف بكونها أوزاراً كما يقال مثله في آلات المعاصي.

وقوله: «فَقَذَفْنَاهَا» أي فَطَرَحْنَاهَا في الحفيرة، وذلك أن هارون قال لهم: إنَّ تلكَ غنيمةٌ لا تَحِلٌُّ فاحفروا، فحفروا حفيرة، ثم ألقوه فيها حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه، ففعلوا.

وقيل: قَذَفُوها في موضعٍ أمرهم السامريُّ بذلك.

وقيل: في موضعٍ جمع فيه النار، ثم قالوا: وكذلك ألقى السامري ما معه من الحُلِيّ فيها.

20:88–89Page 318

فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ٨٨

And he extracted for them [the statue of] a calf which had a lowing sound, and they said, "This is your god and the god of Moses, but he forgot."

أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا ٨٩

Did they not see that it could not return to them any speech [i.e., response] and that it did not possess for them any harm or benefit?

قوله: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ﴾ .

قال ابن عباس: أوقد هارون ناراً وقال: اقذفوا ما معكم فيها فألقوا فيها، ثم ألقى السامريُّ ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل - عليه السلام -.

قال قتادة: كان ذلك الجسد حيًّا أم لا؟

فقيل: لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد الضال بل السامري صوًّر صورة على شكل العجل، وجعل فيها منافذ وتخاريق بحيث تدخل فيها الرياح، فيخرج صوت يشبه صوت العِجْل.

وقيل: إنَّه صار حياً، وخار كما يخور العِجْل، لقوله: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول} [طه: 96] ، ولو لم يصر حيًّا لما بقي لهذا الكلام فائدة، ولأنه تعالى سماه عجلاً، والعِجْل حقيقة هو الحيوان، وسماه جسَداً وهو إنما يتناول الحي.

وأثبت له الخوار.

وأما ظهور خارق العادة على يد الضال فجائز، لأنه لا يحصل الالتباس وهاهنا كذلك فوجب أن لا يمتنع.

وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون - عليه السلام - مرَّ بالسَّامريَّ وهو يصنع العجل، فقال ما تصنع؟ فقال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي فقال: اللهم أعطه ما سأل، فلما مضى هارون، قال السامريُّ اللهم إني اسألك أن تجعل له خواراً.

وفي رواية: فألقى التراب في فم العجل، وقال: كُنْ عِجْلاً يخور، فكان كذلك يدعوه هارون وعلى هذا التقدير يكون ذلك معجزاً للنبي.

قوله: ﴿فَقَالُواْ هاذآ إلهكم وإله موسى﴾ وهاهنا إشكال وهو أن القوم إن كانوا في الجهالة بحيث اعتقدوا أن ذلك العجل المعمول في تلك الساعة هو الخالق للسموات والأرض فهم مجانين، وليسوا مكلفين، ولأن هذا محال على مثل ذلك الجمع العظيم، وإن لم يعتقدوا ذلك، فكيف قالوا: ﴿هاذآ إلهكم وإله موسى﴾ ؟

وجوابه لعلهم كانوا من الحلولية: فجوزوا حلول الإله وحلول صفة من صفاته في ذلك الجسم، وإن كان ذلك أيضاً في غاية البعد، لأن ظهور الخوارق لا يناسب الإلهية، ولكن لعل القوم في نهاية البلادة.

قوله: «فَنَسِيَ» قرأ العامة بكسر السين. وقرأ الأعمش بسكون السين، وهي لغة فصيحة والضمير في «نَسِيَ» يجوز أن يعود على السَّامِريّ» ، وعلى هذا قيل: إنه من كلام الله تعالى، كأنه أخبر عن السامري أنه نَسِيَ الاستدلال على حدوث الأجسام، وإنَّ الإلَه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء، ثم إنه تعالى بيَّن المعنى الذي يجب الاستدلال به وهو قوله: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ أي: لم يخطر ببالهم أن من لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر لا يكون إلهاً، ولا يكون للإله تعلق بالحالية (والمحلية) .

ويجوز أن يعود على» مُوسَى «وعلى هذا قيل: هذا قول السامري، والكعنى أن هذا إلهكم وإله موسى، فنسي موسى أن هذا هو الإله فذهب يطلبه في موضع آخر وهو قول الأكثرين.

وقيل: فنسي وقت الموعد في الرجوع.

قوله: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ أي: أن العجل لا يكلمهم، لا يجيبهم إذا دعوه، ﴿وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ . وهذا استدلال على عدم أنه إله بأنه لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر. وهذا يدل على أن الإله لا بد وأن يكون موصوفاً بهذه الصفات، وهو كقوله تعالى في قصة إبراهيم - عليه السلام - ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ﴾ [مريم: 42] وأن موسى - عليه السلام - في الأكثر لا يعول إلى على دلائل إبراهيم (عليه السلام) .

قوله: ﴿أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾ العامة على رفع» يَرْجِعُ» لأنها المخففة من الثقيلة، ويدل على ذلك وقوع أصلها وهو المشددة في قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: 148] .

قال الزجاج: الاختيار الرفع بمعنى: أنه لا يرجع كقوله: ﴿وحسبوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: 71] بمعنى: أنه لا تكون.

وقرأ أبو حيوة والشافعي (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) وأبان بنصبه، جعلوها الناصبة.

والرؤية على الأولى يقينية، وعلى الثانية بصرية، وقد تقدم تحقيق هذين القولين (في المائدة) .

والسَّامريُّ: منسوب لقبيلة يقال لها سامرة.

فصل

دلَّت الآية على وجوب النظر في معرفة الله تعالى، وقال في آية أخرى ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ [الأعراف: 148] ، وهو قريب من قوله في ذم عبدة الأصنام ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 63] ، أي لو كان يكلمهم لكان إلهاً، والشيء يجوز أن يكون مشروطاً بشروط كثيرة، وفوات منها يقتضي فوات المشروط، وحصول الواحد منها لا يقتضي حصول المشروط.

قال بعض اليهود لعليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ما دَفَنْتُمْ نَبيَّكُمْ حتَّى اختلفتم.

فقال: اختلفنا عنه وما اختلفنا فيه، وأنتم ما جفَّت أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم لنبيكم اجعَلْ لَنَا إلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَة.

20:90–93Page 318

وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي ٩٠

And Aaron had already told them before [the return of Moses], "O my people, you are only being tested by it, and indeed, your Lord is the Most Merciful, so follow me and obey my order."

قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ ٩١

They said, "We will never cease being devoted to it [i.e., the calf] until Moses returns to us."

قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ ٩٢

[Moses] said, "O Aaron, what prevented you, when you saw them going astray,

أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي ٩٣

From following me? Then have you disobeyed my order?"

قوله: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ﴾ إنما قال ذلك شفقة منه على نفسه وعلى الخلق، أما شفقته على نفسه، فلأنه كان مأموراً من عند الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان مأموراً من عند أخيه موسى - عليه السلام - ﴿اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين﴾ [الأعراف: 142] ، فلو كان يشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عنى المنكر كان مخالفاً لأمر الله ولأمر موسى وذلك لا يجوز. وأما الشفقة على الخلق فلأن الإنسان يجب أن يكون مشفقاً على خلق الله خصوصاً على أبناء جنسه، وأي شفقة أعظم من أن يرى جَمعاً يتهافتون على النار فيمنعهم منها. ولمَّا ثبت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشفقة على المسلمين واجب، ثم إن هارون - عليه السلام - رأى القوم متهافتين على النار فيمنعهم منها. ولمَّا ثبت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشفقة على المسلمين واجب، ثم إن هارون - عليه السلام - رأى القوم متهافتين على النار فلم يبال بكثرتهم بل صرح بالحق فقال: ﴿ياقوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ .

(واعلم أن هارون عليه السلام سَلَكَ في هذا الوعط أحسن الوجوه، لأنه زجرهم عن الباطل أولاً بقوله: ﴿إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ ، ثم دعاهم إلى معرفة الله ثانياً بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن﴾ ) ثم دعا إلى ثالثاً إلى النبوة بقوله: «فَاتَّبِعُونِي» ثم دعاهم رابعاً بقوله «وَأَطِيعُوا أَمْرِي» .

وهذا هو الترتيب الجيد، لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق، وهو إزالة الشبهات، ثم معرفة الله تعالى، فإنها هي الأصل، ثم النبوة، ثم الشريعة، فثبت أن هذا الترتيب أحسن الوجوه. وإنما قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن﴾ فخص هذا الموضع باسم الرحمن، تنبيهاً على أنهم متى تابوا قَبِلَ الله توبتهم، لأنه هو الرحمن، ومن رحمته أن خلصهم من آفات فرعون، ثم إنهم لجهلهم قابلوا هذا الترتيب الحسن في الاستدلال بالتقليد فقالوا: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى﴾ كأنهم قالوا: لا نقبل حجتك ولكن نقبل قول موسى، وهذه عادة المقَلِّدِ.

قوله: ﴿إِنَّمَا فُتِنتُمْ﴾ .

قرأ العامة: ﴿إِنَّمَا فُتِنتُمْ﴾ بالكسر فيهما، لأنها بعد القول لا بمعنى الظن وقرأت فرقة بفتحهما، وخُرِّجت على لغة سُلَيْم، وهي أنهم يفتحون «أنَّ» بعد القول مطلقاً.

وقرأ أبو عمرو في رواية الحسن وعيسى بن عمر بفتح «أنَّ ربَّكُمْ» فقط، وخرجت على وجهين:

أحدهما: أنها وما بعدها في تأويل مصدر في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: واللأمر أنَّ رَبَّكُم الرَّحْمنُ، فهو من عطف الجمل لا من عطف المفردات.

والثاني: أنها مجرورة مقدر، أي: لأنَّ رَبَّكُم الرَّحْمنُ.

«فَاتَّبِعُونِي» وقد تقدم القول في نظير ذلك بالنسبة إلى هذه الفاء.

فصل

لمَّا قالوا لهارون ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ أي: مقيمين على عبادة العجل ﴿حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى﴾ اعتزلهم هارون في اثني عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة، وكانوا يؤقصون حول العِجْل قال للسبعين الذين معه: هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله. وقال له: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلوا﴾ أشركوا.

قوله: «إذْ» منصوب ب «مَنَعَكَ» ، أي: أي شيء منعك وقت ضلالهم.

و «لاَ» فيها قولان:

أحدهما: أنَّها مزيدة، أي ما منعك من أن تتبعني.

والثاني: أنَّها دخلت حملاً على المعنى، إذ المعنى ما حملك على أن لا تتبعني، وما دَعَاك إلى أن لا تتبعني، ذكره عَلِيُّ بن عِيسَى.

وقد تقدم تحقيق هذين القولين في (سورة الأعراف، والقراءة في) ، «يَبْنَؤُمَّ» .

فصل

ومعنى تَتَّبِعني تتَّبع أمري ووصيَّتٍي، يعني هلاَّ قاتلتهم، وقد علمت أنِّي لو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل: ﴿أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ أي: ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالهم فتكون مفارقتك إياهُم زَجْراً لهم عما أتوا ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ .

فصل

تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه:

أحدها: أنَّ موسى - عليه السلام - إما أن يكون قد أمر هارون باتباعه أو موسى لهارون معصيةً وذنباً، لأن ملامة غير المجرم معصية.

وإن لم يتبعه كان هارون تاركاً للواجب فكان فاعلاً للمعصية، وإن قلنا: إن موسى ما أمره باتباعه كانت ملامته إيَّاه بترك الاتباع معصية، وعلى جميع التقديرات يلزم إسناد المعصية إما إلى موسى أو إلى هارون.

وثانيها: قول موسى ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ استفهام على سبيل الإنكار، فوجب أن يكون هارون قد عصاه، وأن يكون ذلك العصيان منكراً، وإلا كان موسى كاذباً، وهو معصية، وإذا فعل هارون لك فقد فعل المعصية.

ثالثها: قوله: ﴿ياابنأم لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] وهذا معصية، لأن هارون - عليه السلام - قد فعل ما قدر عليه، فكان الأخذ بلحيته وبرأسه معصية، وإن فعل ذلك قبل تعرف الحال كان ذلك معصية.

ورابعها: أن هارون قال: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] ، فإن كان الأخذ بلحيته ورأسه جائزاً كان قول هارون «لاَ تَأْخُذْ» منعاً له أن يفعله، فيكون ذلك القول معصية. وإن لم يكن ذلك الأخذ جائزاً كان موسى - عليه السلام - فاعلاً للمعصية.

والجواب عن الكل: أنَّ حاصَ هذه الوجوه تمسكٌ بظواهر قابلة للتأويل، ومعارضة ما يبعد عن التأويل بما يتسارع إليه التأويل غير جائز. وإذا ثبتت هذه المقدمة ففي الجواب وجوه:

أحدهما: أنَّا وإن اختلفنا في جواز عصمة الأنبياء لكن اتفقنا على جواز ترك الأولى عليهم. وإذا كان كذلك فالفعل الذي يفعله أحدهما ويمنع منه الآخر، أعني: موسى وهارون - عليهما السلام - لعله كان أحدهما أولى، والآخر كان ترك الأولى، فلذلك فعله أحدهما وتركه الآخر.

فإن قيل: هذا التأويل غير جائز، لأن كل واحد منهما كان جازماً فيما يأتي به فعلاً كان أو تركاً، وفعل المندوب وتركه لا يجزمونه قلنا: تقييد المطلق بالدليل غير ممتنع، فيحمل الجزم في الفعل والترك على أن المراد افعل ذلك أو اتركه إن كنت تريد الأصلح، وقد يترك ذلك الشرط إذا كان تواطؤهما على رعايته معلوماً متقرراً.

وثانيهما: أن موسى - عليه السلام - أقبل وهو غضبان على قومه فأخذ برأس أخيه وجرّه إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك الغضب، فإن الغضبان المتفكر قد يعض على شفتيه وأصابعه ويفتل لحيته، فأجرى موسى أخاه هارون مجرى نفسه، لأنه كان أخاه وشريكه، فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في حال الفكر والغضب، وأما قوله: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] فلا يمتنع أنه معاون له، ثم أخذ في شرح القصة فقال: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ﴾ [طه: 94] .

وثالثها: أنَّ نبي إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى، حتى إن هارون غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى: أنت قتلته، فلما وعد الله موسى، وكتب له في الألواح من كل شيء، ثم رجع فرأى من قومه ما رأى، أخذ برأس أخيه ليدنيه فيتفحص عن كيفية الواقعة فخاف هارون أن يَسْبِق إلى قلوبهم ما لا أصل له، فقال إشفاقاً على موسى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] ، لئلا يظن القوم ما لا يليق بك.

ورابعها: قال الزمخشري: كان موسى - عليه السلام - رجلاً حديداً مجبولاً على الحدة، والخشونة، والتصلب في كل شيء، شديد الغضب لله ولدينه فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلاً من دون الله بعد ما رأوا من الآيات العظام أن ألقى الواح التوراة لما غلب عليه من الدهشة العظيمة غضباً لله وحميّة، وعنَّف بأخيه وخليفته على قومه، فأقبل عليه إقبال العدو.

قال ابن الخطيب: وهذا الجواب ساقط، لأنه يقال: هَبْ أنه كان شديد الغضب، ولكن مع ذلك الغضب الشديد هل كان يبقى عاقلاً مكلفاً أم لا؟

فإن بقي عاقلاً فالأسئلة باقية بتمامها، أكثر ما في الباب أنك ذكرت أنه يغضب شديداً وذلك من جملة المعاصي. فإن قلتم: إنه في ذلك الغضب لم يبق عاقلاً ولا مكلفاً فهذا مما لا يرتضيه مسلم البتة، فهذه أجوبة من لم يجوِّز الصغائر، وأما من جوزها فالسؤال ساقط.

وجواب آخر: وهو أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا رجع إلى بني إسرائيل كان عالماً بانهم قد فُتِنُوا، وأن السامري قد أضلهم، والدليل عليه قوله تعالى لموسى ( «إِنَّا قَدْ فَتَنَّا) قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ» وإذا كان كذلك فموسى - عليه السلام - إنما جاء وهو عالم بحالهم، فإنكاره على هارون لعلمه بحالهم قبل مجيئه إليهم لا لما أثبتوه في سؤالهم.

وقوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ يدل على أن تارك المأمور به عاص، والعاصي مستحق للعقاب، لقوله: «وَمَنْ يَعْص اللهَ (وَرَسُولَه فَإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّم» ) فمجموع الآيتين يدل على أن الأمر للوجوب.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском