Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:37–50
21:37–41Page 325
خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ ٣٧
Man was created of haste [i.e., impatience]. I will show you My signs [i.e., vengeance], so do not impatiently urge Me.
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
لَوۡ يَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمۡ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٣٩
If those who disbelieved but knew the time when they will not avert the Fire from their faces or from their backs and they will not be aided...1
بَلۡ تَأۡتِيهِم بَغۡتَةٗ فَتَبۡهَتُهُمۡ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٤٠
Rather, it will come to them unexpectedly and bewilder them, and they will not be able to repel it, nor will they be reprieved.
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤١
And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by what they used to ridicule.
قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ الآية. في المراد بالإنسان قولان:
أحدهما: أنه النوع، وذلك أنهم كانوا يستعجلون العذاب ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد﴾ . (والمعنى أن ينبته من العجلة وعليها طبع كما قال: ﴿وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾ [الإسراء: 11] . فإن قيل: مقدمة الكلام لا بد وأن تكون مناسبة للكلام وكون الإنسان مخلوقاً من العجل يناسب كونه معذوراً فيه فلم رتب على هذه المقدمة قوله: ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ؟
فالجواب أنه تعالى نبه بهذا على أن ترك الاستعجال حالة مرغوب فيها.
القول الثاني: أن المراد بالإنسان شخص معين، فقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والكلبي ومقاتل والضحاك: المراد آدم عليه السلام. وروى ابن جريج وليث بن أبي سليم قال: خلق آدم بعد كل شيء من آخر نهار يوم الجمعة، فلما دخل الروح رأسه ولم يبلغ الروح إلى رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فوقع فقيل: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ والقول الأول أولى، لأن الغرض ذم القوم، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا لفظ الإنسان على النوع. قوله: «من عجل» فيه قولان:
أحدهما: أنه من باب القلب، والأصل: خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسَانِ لشدة صدوره منه وملازمته له وإلى هذا ذهب أبو عمرو، ويؤيده قراءة عبد الله: «وَخُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسَانِ» . والقلب موجود في كلامهم قال الشاعر:
3714 - حَسَرْتُ كَفِّي عَنِ السِّرْبَالِ آخذُهُ ... يريد: حسرت السربال عن كفي.
ومثله في الكلام: إذا طلعت الشِّعرى استوى العود على الحِرْبَاء وقالوا: عرضت الناقة على الحوض، وتقدم منه أمثلة إلا أن بعضهم يخصه بالضرورة وتقدم فيه ثلاثة مذاهب.
والثاني: أنه لا قلب فيه، وفيه ثلاث تأويلات أحسنها أن ذلك على المبالغة جعل ذات الإنسان كأنها خلقت من نفس العجلة دلالة على شدة اتصاف الإنسان بها، وأنها مادته التي أخذ منها كما قيل للرجل الذي هو حاد: نار تشعل العرب قد تسمى المرء بما يكثر منه، فتقول: ما أنت إلا أكل ونوم، وما هو إلا إقبال وإدبار، قال الشاعر:
3715 - تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حتى إذَا ادَّكَرَتْ ... فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ
ويتأكد هذا بقوله: ﴿وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾ [الإسراء: 11] .
قال المبرد: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ أي من شأنه العجلة كقوله ﴿خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ [الروم: 54] أي: ضُعَفَاء. ومثله في المبالغة من جانب النفي قوله عليه السلام: «لست من الدَّدِ وَلاَ الدِّدُ مِنِّي» ، والدُّدُ: اللعب، وفيه لغات: دَدٌ محذوف اللام ودَدَا مقصوراً كعصا، ودَدَنٌ بالنون. وألفه في إحدى لغاته مجهولة الأصل لا يدري أهي عن ياء أو واو. وقيل: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ أي بسرعة، وتعجيل من غير ترتيب خلق سائر الآدميين من النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم العظام ثم أنشأناه خلقاً آخر.
وقال أبو عبيدة: العَجَل الطين بلغة حمير قال شاعرهم:
3716 - والنَّبْعُ في الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ مَنْبِتُهُ ... والنَّخْلُ يَنْبِتُ بَيْنَ المَاءِ وَالعَجَلِ
قال الزمخشري بعد إنشاده عجز هذا البيت: والله أعلم بصحته.
قال شهاب الدين: وهو معذور. وهذا الجار يحتمل تعلقه ب «خُلِقَ» على المجاز أو الحقيقة المتقدمتين. وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال كأنه قال: خلق الإنسان عجلاً. قاله أبو البقاء. وقرأ العامة «خُلِقَ» مبينياً للمفعول «الإنسان» مرفوعاً لقيامه مقام الفاعل. وقرأ مجاهد وحميد وابن مقسم «خَلَقَ» مبنياً للفاعل «الإنسان» نصباً مفعولاً به. فإن قيل: القوم استعجلوا الوعيد على وجه التكذيب، ومن هذا حاله لا يكون مستعجلاً على الحقيقة.
فالجواب: أن استعجالهم بما توعدهم من عقاب الآخرة أو هلاك الدنيا يتضمن استعجال الموت، وهم عالمون بذلك فكانوا مستعجلين حقيقة.
قوله: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي﴾ مواعيدي؛ قيل: هي الهلاك المعجل في الدنيا والآخرة، ولذلك قال ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي أنه سيأتي لا محالة في وقته، فلا تطلبوا العذاب قبل وقته، فأراهم يوم بدر. وقيل: كانوا يستعجلون القيامة. وقيل: الآيات: أدلة التوحيد وصدق الرسول. وقيل: كانوا يستعجلون القيامة. وقيل: الآيات: أدلة التوحيد وصدق الرسول. وقيل: الآيات آثار القرون الماضية بالشام واليمن. قوله: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ هذا هو الاستعجال المذموم على سبيل الاستهزاء، وهو كقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب﴾ [العنكبوت: 53] فبين تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم وغفلتهم.
قوله: «مَتَى هَذَا» «مَتَى» خبر مقدم، فهي في محل رفع. وزعم بعض الكوفيين أنها في محل نصب على الظرف، والعامل فيها فعل مقدر ل «هَذَا» التقدير: متى يجيء هذا الوعد، أو متى يأتي ونحوه والأول أشهر.
قوله: «لو يعلم» جوابها مقدر، لأنه أبلغ في الوعيد فقدره الزمخشري: لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ولكن جهلهم هو الذي هونه عندهم وقدره ابن عطية: لما استعجلوا. وقدره الحوفي: لسارعوا. وقدره غيره: لعلموا صحة البعث. وقال البغوي: لما أقاموا على كفرهم، ولما استعجلوا بقولهم ﴿متى هذا الوعد﴾ .
و «حين» مفعول به لعلموا، وليس منصوباً على الظرف، أي: لو يعلمون وقت عدم كف النار. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون «يعلم» متروكاً بلا تعدية بمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين، و «حين» منصوب بمضمر أي حين ﴿لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار﴾ يعلمون أنهم كانوا على الباطل. وعلى هذا ف «حين» منصوب على الظرف، لأنه جعل مفعول العلم أنهم كانوا.
وقال أبو حيان: والظاهر أن مفعول «يَعْلَمُ) محذوف لدلالة ما قبله، أي: لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعد الذي سألوا عنه واستبطأوه، و» حِينَ «منصوب بالمفعول الذي هوة مجيء، ويجوز أن يكون من باب الإعمال على حذف مضاف، وأعمل الثاني، والمعنى: لو يعلمون مباشرة النار حيت لا يكفونها عن وجوههم.
فصل
ثم إنه تعالى ذكر في رفع هذا الحزن عن قلب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وجهين: الأول: أنه بيَّن ما لصاحب هذا الاستهزاء من العقاب الشديد فقال ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: لو يعلمون الوقت الذي يسألون عنه بقولهم» مَتَى هَذَا الوَعْدُ «وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من قدّام ومن خلف، فلا يقدرون على دفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصراً ينصرهم كقوله: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله إِن جَآءَنَا﴾ [غافر: 29] . وإنما خص الوجوه والظهور، لأن مس العذاب لها أعظم موقعاً.
قال بعضهم: ﴿وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ﴾ السياط. قوله» بَغْتَةٌ «نصب على الحال، أي: مباغتة. والضمير في» تأتيهم» يعود على النار، وقيل: على الحين، لأنه في معنى الساعة. وقيل: على الساعة التي تضطرهم فيها إلى العذاب. وقيل: على الوعد، لأنه في معنى النار التي وعدوها قاله الزمخشري. وفيه تكلّف. وقرأ الأعمش: «بَلْ يَاْتِيهِمْ» بياء الغيبة» بَغْتَةٌ «بفتح الغين» فَيَبْهَتَهُمْ «بالياء أيضاً. فأما الياء فأعاج الضمير على الحين أو على الوعد، وقيل: على» النَّار «وإنام ذكر ضميرها، لأنها في معنى العذاب، ثم راعى لفظ» النَّارِ «فأنث في قوله:» رَدَّهَا «. وقوله» بَلْ تِأْتِيهِمْ «إضراب انتقال.
وقال ابن عطية:» بَلْ «استدراك مُقَدَّرٌ قبله نفيٌّ تقديره: إنَّ الآيات لا تأتي على حسب اقتراحهم. وفيه نظر، لأنه يصير التقدير: لا تأتيهم الآيات على حسب اقتراحهم بل تأتيهم بغتة، فيكون الظاهر أن الآيات تأتي بغتة، وليس ذلك مراداً قطعاً. وإن أراد أن يكون التقدير: بل تأتيهم الساعة أو النار، فليس مطابقاًُ لقاعدة الإضراب.
فصل
لما بين شدة هذا العقاب بين أن وقت مجيئه غير معلوم لهم ﴿بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً﴾ وهم غير محتسبين ولا مستعدين» فَتَبْهَتهُمْ «أي: تدعهم حيارى واقفين ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: 98] في ردها، ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي لا يمهلون لتوبة أو معذرة. وإنام لم يعلم المكلفين وقت الموت (والقيامة لما) فيه من المصلحة، لأن المرء مع كتمان ذلك أشد حذراً وأقرب إلى التلافي.
ثم ذكر الوجه الثاني في دفع الحزن عن قلب الرسول - عليه السلام - فقال: ﴿وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: عقوبة استهزائهم. و» حَاقَ» وحَقّ بمعنى كزَالَ وزَلَّ، والمعنى: فكذلك يحيق بهؤلاء وبال استهزائهم.
21:42–44Page 325
قُلۡ مَن يَكۡلَؤُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ بَلۡ هُمۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِم مُّعۡرِضُونَ ٤٢
Say, "Who can protect you at night or by day from the Most Merciful?" But they are, from the remembrance of their Lord, turning away.
أَمۡ لَهُمۡ ءَالِهَةٞ تَمۡنَعُهُم مِّن دُونِنَاۚ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَ أَنفُسِهِمۡ وَلَا هُم مِّنَّا يُصۡحَبُونَ ٤٣
Or do they have gods to defend them other than Us? They are unable [even] to help themselves, nor can they be protected from Us.
بَلۡ مَتَّعۡنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ أَفَلَا يَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَآۚ أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤
But, [on the contrary], We have provided good things for these [disbelievers] and their fathers until life was prolonged for them. Then do they not see that We set upon the land, reducing it from its borders?1 Is it they who will overcome?
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم﴾ الآية لما بين أن الكفار في الآخرة ﴿لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار﴾ بسائر ما وصفهم به أتبعه بأنهم في الدنيا أيضاً لولا أن الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلاكة، فقال لرسوله: طقُلْ «لهؤلاء الكفار الذين يستهزئون ويغترون بما هم عليه ﴿مَن يَكْلَؤُكُم بالليل والنهار﴾ وهذا كقول الرجل لمن حصل في قبضته ولا مخلص له منه: من ينصرك مني؟ وهل لك مخلص؟
والكلاءة: الحفظ، أي يحفظكم بالليل والنهار ﴿مِنَ الرحمن﴾ إن نزل بكم عذابه. يقال: كَلأَهُ الله يَكْلَؤُهُ كِلاَءَةٌ بالكسر كذا ضبطه الجوهري فهو كالئ ومكلوء.
قال ابن هرمة:
3717 - إنَّ سُلَيْمَى وَاللهُ يَكْلَؤُهَا ... ضَنَّتْ بِشَيءٍ مَا كَانَ يَزْرَؤُهَا
واكْتَلأْتُ منه: احترست، ومنه سُمِّيَ النبات كلأ، لأنَّ به تقوم بنية البهائم وتحرس. ويقال: بلغ الله بك أكلأ العمر. والمُكَلأُ موضع يحفظ فيه السفن. وفي الحديث:» نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِئ بَالكَالِئ» أي: بيع الدين بالدين كأنَّ كُلاًّ من رب الدينين بكلأ الآخر أي: يراقبه.
(وقال ابن عباس: المعنى: مَنْ يمنعكم من عذاب الرحمن.
وقرأ الزهري وابن القعقاع» يَكْلُوكُمْ «بضمة خفية دون همز.
وحكى الكسائي والفراء» يَكْلَوْكُمْ «بفتح اللام وسكون الواو.
قال شهاب الدين: ولم أعرفها قراءة. وهو قريب من لغة من يخفف أكلت الكلأ على الكلو وقفاً إلا أنه أجرى الوصل مجرى الوقف) .
قوله:» مِنَ الرَّحمنِ «متعلق ب» يَكْلَؤُكُمْ «على حذف مضاف أي من أمر الرحمن أو بأسه كقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ [الرعد: 11] .» وبِالَّيْلِ «بمعنى في الليل، وإنما ذكر الليل والنهار، لأن كل واحد من الوقتين آفات تختص به، والمعنى: من بحفظكم بالليل إذا نمتم وبالنهار إذا تصرفتم في معاشكم.
وخص ها هنا اسم الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل أنت لكالئ يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك كما في قوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم﴾ [الانفطار: 6] . فخص اسم الكريم تلقيناً. قوله:» بَلْ هُمْ «إضراب عما تضمنه الكلام الأول من النفي، إذ التقدير: ليس لهم كالئ ولا مانع غير الرحمن. والمراد ب» ذِكْرِ رَبِّهِمْ «القرآن ومواعظ الله» مُعْرِضُونَ «لا يتأملون في شيء منها ليعرفوا أنه لا كالئ لهم سواه، ويتركوا عبادة الأصنام التي لا تحفظهم ولا تنعم عليهم.
قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ » أَمْ «منقطعة، أي بل ألهم؟ فالميم صلة والمعنى: ألهم آلهة تمنعهم، وقد تقدم ما فيها.
وقوله:» من دُونِنَا» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق ب» تَمْنَعُهُمْ «قبل، والمعنى: ألهم آلهة تجعلهم في منعة وعز، وإلى هذا ذهب الحوفي.
والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه صفة ل» آلهة» ، أي آلهة من دوننا تمنعهم، ولذلك قال ابن عباس إن في الكلام تقديماً وتأخيراً.
ثم وصف الآلهة بالضعف فقال: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ وهذا مستأنف لا محل له، ويجوز أن يكون صفة ل «آلهة» ، وفيه بعد من حيث المعنى.
قال ابن الخطيب: «لا يسطيعون» خبر مبتدأ محذوف، أي فهذه الآلهة لا تستطيع حماية أنفسها عن الآفات، وحماية النفس أولى من حماية الغير، فإذا لم تقدر على حمية نفسها فكيف تقدر على حماية غيرها.
قوله: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ . قال ابن عباس: يجاورون، تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان، أي مجير عنه. وقال مجاهد: يُنْصَرُونَ. وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير. ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هؤلاء﴾ الكفار «وَآبَاءَهُمْ» في الدنيا، أي أمهلناهم. وقيل: أعطيناهم النعمة. ﴿حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر﴾ أي امتد بهم الزمان فاغتروا. ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في أنا ننقص الأرض من جوانبها نأخذ الواحد بعد الواحد من المشركين ونفتح البلاد والقرى من حول مكة، ونزيدها في ملك محمد، أما كان لهم عبرة في ذلك فيؤمنوا برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. ﴿أَفَهُمُ الغالبون﴾ أم نحن وهو استفهام تقريع.
قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: «نَنْقُصُهَا» بفتح البلدان. وروي عن ابن عباس رواية أخرى: المراد نقصان أهلها. وقال عكرمة: تخريب القرى وموت أهلها.
وقيل: موت العلماء، وهذه الرواية إن صحت عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فلا يعدل عنها وإلا فالأظهر هاهنا ما يتعلق بالغلبة، ولذلك قال: ﴿أَفَهُمُ الغالبون﴾ . قال القفال: نزلت هذه الآية في كفار مكة، فكيف يدخل فيها العلماء والفقهاء.
21:45–47Page 326
قُلۡ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلۡوَحۡيِۚ وَلَا يَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ٤٥
Say, "I only warn you by revelation." But the deaf do not hear the call when they are warned.
وَلَئِن مَّسَّتۡهُمۡ نَفۡحَةٞ مِّنۡ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٤٦
And if [as much as] a whiff of the punishment of your Lord should touch them, they would surely say, "O woe to us! Indeed, we have been wrongdoers."
وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ ٤٧
And We place the scales of justice for the Day of Resurrection, so no soul will be treated unjustly at all. And if there is [even] the weight of a mustard seed,1 We will bring it forth. And sufficient are We as accountant.
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بالوحي﴾ أي: أخوفكم بالقرآن وقوله: «وَلا يَسْمَعُ» قرأ ابن عامر هنا «وَلاَ تُسْمِعُ» بضم التاء للخطاب وكسر الميم، «الصُّمَّ الدُّعَاءَ» منصوبين. وقرأ ابن كثير في النمل والروم. وقرأ باقي السبعة بفتح ياء الغيبة بفتح ياء الغيبة والميم «الصُّمُّ» بالرفع «الدُّعَاءَ» بالنصب في جميع القرآن.
وقرأ الحسن كقراءة ابن عامر إلا أنه بياء الغيبة. وروى عنه ابن خالويه «وَلاَ يُسْمَعُ» بياء الغيبة مبنياً للمفعول «الصُّمُّ» رفعاً «الدُّعَاءَ» نصباً.
وروي عن أبي عمرو بن العلاء «وَلاَ يُسْمِعُ» بضم الياء من تحت وكسر الميم «الصُّمَّ» نصباً «الدُّعَاءُ» رفعاً.
فأما قراءة ابن عامر وابن كثير فالفاعل فيها ضمير المخاطب، وهو الرسول - عليه السلام -. فانتصب «الصُّمَّ» و «الدُّعَاءَ» على المفعولين، وأولهما هو الفاعل المعنوي.
وأما قراءة الجماعة فالفعل مسند للصّمّ فانتصب «الدُّعَاءَ» مفعولاً به. وأما قراءة الحسن الأولى فأسند الفعل فيها إلى ضمير الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهي كقراءة ابن عامر في المعنى. وأما قراءته الثانية فأسند الفعل فيها إلى «الصُّمم» قائماً مقام الفاعل، فانتصب الثاني وهو «الدُّعَاءَ» وأما قراءة أي عمرو فإنه أسند الفعل فيها إلى الدعاء على سبيل الاتساع وحذف المفعول الثاني للعلم به، والتقدير: ولا يسمع الدعاء الصم شيئاً البتة ولما وصل أبو البقاء إلى هنا قال: «وَلاَ يَسْمَعُ» فيه قراءات وجوهها ظاهرة ولم يذكرها. و «إذَا» في ناصبه وجهان:
أحدهما: أنه «يَسْمَعُ» .
والثاني: أنه «لدّعاء» فأعمل المصدر المعرف ب (أل) وإذا أعملوه في المفعول الصريح ففي الظرف أولى.
قال الزمخشري: فإن قلت: الصم لا يسمعون دعاء المبشّر كما لا يسمعون دعاء المنذر، فكيف قيل: ﴿إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ ؟ قلت: اللاّم في «الصُّم» عائدة إلى هؤلاء المنذرين كائنة للعهد لا للجنس، والأصل: ولا يسمعون إذا ما ينذرون، فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامّهم وسدهم أسماعهم إذا انذروا، أي أنتم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة على التصامّ عن الإنذارات والآيات. ثم بيَّن تعالى أن حالهم سيتغير إلى أن يصيروا بحيث إذا شاهدوا اليسير مما أنذروا به، فعنده يسمعون ويعتذرون ويعترفون حيث لا ينتفعون، وهذا المراد بقوله: ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ وأصل النفح من الريح: اللين. قال الزمخشري: في المس والنفحة ثلاث مبالغات، لفظ المس، وما في النفح من معنى القلّة والنزار يقال: نفحته الدابة: رمحته رمحاً يسيراً.
والنفح: الخطرة. قال ابن عباس: « نَفْخَةٌ» طرف. وقيل: قليل: وقال ابن جريج: نصيب من قولهم: نفح فلان لفلان من ماله أي: أعطاه حظاً منه، قال:
3718 - إِذَا رَيْدَةٌ مِنْ مَا نَفَحَتْ لَهُ ... أَتَاهُ برَيَّاهَا خَليلٌ يُوَاصِلُهْ
وقيل: ضربة، من قولهم: نفحت الدابة برجلها، أي: ضربت.
و «مِنْ عَذَابِ» صفة ل «نَفْحَةٌ» .
ثم بيّن تعالى أن جميع ما ينزل بهم في الآخرة لا يكون إلاّ عدلاً فيهم بقولهم: ﴿لَيَقُولُنَّ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: مشركين دعوا على أنفسهم بالويل بعد ما أقروا بالشرك.
قوله: ﴿وَنَضَعُ الموازين القسط﴾ قال الزجاج: ذوات القسط، ووَضْعُها إحضارها. (وإنما جمع «المَوَازِينَ» لكثرة من توزن أعمالهم، وهو جمع تفخيم. ويجوز أن يرجع إلى الموزونات) . وفي نصب «القِسْطَ» وجهان:
أحدهما: أنه نعت للموازين، وعلى هذا فلم أُفردَ؟ وعنه جوابان:
أحدهما: أنه في الأصل مصدر، والمصدر يوحّد مطلقاً.
واثاني: أنه على حذف مضاف.
الوجه الثاني: أنه مقعول من أجله أي: لأجل القسط، إلا أن في هذا نظراً، من حيث إن المفعول له إذا كان معرّفاً ب (أل) يقل تجرّده من حرف العلة تقول: جئت للإكرام، ويقل: جئت الإكرام، كقوله: 3719 - لاَ أَقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجَاءِ ... وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرُ الأَعْدَاءِ
وقرئ: القِصْطَ بالصاد، لأجل الطاء. وقد تقدّم.
قوله: «لِيَوْمِ القِيَامَة» في هذه اللام أوجه:
أحدها: قال الزمخشري: مثلها في قولك: جئت لخمس خلون من الشهر ومنه بيت النابغة:
3720 - تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ فَعَرَفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا العَامِ سَابِعُ
والثاني: أنها بمعنى (في) وإليه ذهب بن قتيبة وابن مالك وهو رأي الكوفيين ومنه عندهم: «لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا» وكقول مسكين الدارمي:
3721 - أُوْلَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوا لسبيلِهِمْ ... كَمَا قَدْ مَضَى مِنْ قَبْل عَادٌ وَتُبَّعُ
وكقول الآخر: 3722 - وَكُلَّ أب وابن وإن عمرا معاً ... مقيمين مفقود لوقت وفاقد
والثالث: أنها على بابها من التعليل ولكن على حذف مضاف أي: لحساب يوم القيامة و «شَيْئاً» يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، وأن يكون مصدراً، لأي: شيئاً من الظلم.
فصل
في وضع الموازين قولان:
أحدهما: قال مجاهد: هذا مثل، والمراد بالموازين العدل، ويورى مثله عن قتادة والضحاك، والمراد بالوزن: القسط بينهم في الأعمال، فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه أي: ذهبت سيئاته وحسناته حكاه ابن جرير عن ابن عباس.
والثاني: أنَّ الموازين توضع حقيقة ويوزن بها الأعمال، «روي عن الحسن أنه ميزان له كفتان ولسان وهو بيد جبريل - عليه السلام - يروى» أنَّ داود - عليه السلام - سأل ربه أنْ يُرِيَهُ الميزان، فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب فغشي عليه، ثم أفاق، فقال: إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، فقال: يا داود إنّي إذا رضيت عن عد ملأتها بتمرة» .
وعلى هذا القول في كيفية وزن الأعمال طريقان:
أحدهما: أن توزن صحائف الأعمال.
والثاني: أن يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة فإن قيل: أهل القيامة إمّا أن يكونوا عالمين بكونه - تعالى - عادلاً غير ظالم أو لا يعلمون ذلك. فإن علموا كان مجرد حكمه كافياً في معرفة أنَّ الغالب هو الحسنات أو السيئات فلا قائدة في وضع الميزان. وإن لم يعلموا ذلك لم تحصل الفائدة في وزن الصحائف، لاحتمال أنه جعل إحدى الصحيفتين أثقل أو أخف ظلماً، فلا فائدة في وضع الميزان على كلا التقديرين.
والجواب: قال ابن الخطيب: أما على قولنا ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: 23] وأيضاً ففيه ظهور حال الولي من العدو في مجمع الخلائق، فيكون لأحد القبيلين في ذلك أعظم السرور والأخرى أعظم الغم، ويكون ذلك بمنزلة نشر الصحف وغيره. وإذا ثبت ذلك فالدليل على وجود الموازين الحقيقة أن حمل لفظ الميزان على مجرد العدل مجاز وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل غير جائز لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في ذلك.
قوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ﴾ قرأ نافع هنا وفي لقمان برفع «مِثْقَال» على أن «كَانَ» تامة، أي: وإنْ وجد مثقال. والباقون بالنصب على أنها ناقصة واسمها مضمر، أي: وإنْ كان العمل. و «مِنْ خَرْدَلٍ» صفة ل «حَبَّةٍ» . وقرأ العامة «أَتَيْنَا» من الإتيان بقصر الهمزة، وفيه أوجه:
أصحها: أنَّه (فَاعَلْنَا) من المواتاة وهي المجازاة والمكافأة، والمعنى: جازينا بها، ولذلك تعدى بالباء.
الثاني: أنَّها (مفاعلة) من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة، لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء، قاله الزمخشري.
الثالث: أنه أفعل من الإيتاء، كذا توهم وهو غلط. قال ابن عطية: ولو كان آتينا: أعطينا لما تَعَدَّتْ بحرف جر، وَيُوهِنُ هذه لقراءة أنَّ إبدال الواو المفتوحة همزة ليس بمعروف، وإنما يُعْرَفُ ذلك في المضمومة والمكسورة يعني: أنه كان من حق هذا القارئ أن يقرأ «وَأَتَيْنا» مثل وأعطينا، لأنها من المواتاة على الصحيح، فأبدل هذا القارئ الواو المفتوحة همزة وهو قليل ومنه أحد وأناة.
قال أبو البقاء: ويُقْرَأُ بالمد بمعنى جَازَيْنَا بها، فهو يَقْرُبُ من معنى أعطينا، لأنَّ الجزاء إعطاء، وليس منقولاً من أتينا، لأن ذلك لم يُنْقَلْ عنهم.
وقرأ حُمَيْدُ «أثَبْنَا» من الثواب، والضمير في «بِهَا» عائد على المثقال وأنّث ضميره لإضافته لمؤنث، فهو كقوله:
3723 - كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ ... في اكتسابه التأنيث بالإضافة.
فصل
زعم الجبائي أنَّ من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل ينحبط بالأكثر، فيبقى الأكثر كما كان.
وهذه الآية تبطل قوله، لأن الله تعالى تمدح بأنَّ اليسير من الطاعة لا يسقط ولو كان الأمر كما قال الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة. فإن قيل: الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال: «حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ» ؟ فالوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار. والغرض المبالغة في أنَّ شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع عند الله. ثم قال: ﴿وكفى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ .
قال السّديّ: مُحْصِينَ. والحَسبُ: معناه العد. قال ابن عباس: عالمين حافظين، لأنَّ من حسب شيئاً علمه وحفظه.
والغرض منه التحذير فإنَّ المحاسب إذا كان عالماً بحيث لا يمكن أن يفوته شيء، وكان في القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون شديد الخوف منه.
21:48–50Page 326
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِيَآءٗ وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨
And We had already given Moses and Aaron the criterion and a light and a reminder1 for the righteous
ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ ٤٩
Who fear their Lord unseen,1 while they are of the Hour apprehensive.
وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٠
And this [Qur’ān] is a blessed message which We have sent down. Then are you with it unacquainted?1
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان﴾ الآية. لما أمر رسوله أن يقول ﴿إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بالوحي﴾ [الأنبياء: 45] أتبعه بأنه عادة الله في الأنبياء قبله. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان﴾ يعني: الكتاب المفرق بين الحق والباطل، وهو التوراة، وكان «ضِيَاءٌ» لغاية وضوحه يتوصل به إلى طرق الهدى في معرفة الشرائع، وكان «ذكرى» أي موعظة أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم.
وقال ابن زيد: الفرقان النصر على الأعداء كقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان﴾ [الأنفال: 41] يعني: يوم بدر حين فرق بين الحق والباطل. وهو مروي عن ابن عباس، ولأنه أدخل الواو في قوله «وَضِيَاءٌ» أي: آتينا موسى النصر والضياء، وهو التوراة، لأنَّ العطف يقتضي المغايرة. وقيل: المراد بالفرقان: البرهان الذي فرق به بين الحق والباطل. وقال الضحاك: الفرقان هو فلق البحر.
وقال محمد بن كعب: الفرقان الخروج عن الشبهات. ومن قال المراد بالفرقان: التوراة قال: الواو في قوله: «وَضِيَاءٌ» تكون من عطف الصفات، والمراد به شيء واحد، أي: آتيناه الجامع بين هذه الأشياء. وقيل: الواو زائدة. قال أبو البقاء ف «ضِيَاءٌ» حال على هذا. وإنما خصص الذكر بالمتقين كما في قوله «هُدىً للمتّقين» .
قوله: «الذين يَخْشَوْنَ» في محله ثلاثة أوجه: (البحر على النعت أو البدل أو البيان، والنصب والرفع على القطع) . وفي معنى «الغَيْب» وجوه: الأول: «يَخْشَوْنَ» أي: يخافون ربهم ولم يروه فيأتمرون بأوامره، وينتهون عن نواهيه.
وثانيها: يخشون ربهم وهم غائبون عن الآخرة وأحكامها.
وثالثها: يخشون ربهم في الخلوات إذا غابوا عن الناس ﴿وَهُمْ مِّنَ الساعة مُشْفِقُونَ﴾ خائفون. ثم قال: ولما أنزلت عليه القرآن المنزل عليك وهو معنى قوله: ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾ يعني: القرآن «ذِكْرٌ» لمن تذكر به «مُبَارَكٌ» يتبرك به، ويطلب منه الخير، «أَفَأنْتُمْ» يا أهل مكة «لَهُ مُنْكِرُونَ» جاحدون، استفهام إنكار وتوبيخ، والمعنى: لا إنكار في إنزاله وفي عجائب ما فيه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences