Ibn 'AdilAl‑Hajj · 22:19–25

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:19–25

22:19–24Page 334

۞ هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ ١٩

These1 are two adversaries who have disputed over their Lord. But those who disbelieved will have cut out for them garments of fire. Poured upon their heads will be scalding water

يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ ٢٠

By which is melted that within their bellies and [their] skins.

وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ ٢١

And for [striking] them are maces of iron.

كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٢٢

Every time they want to get out of it [i.e., Hellfire] from anguish, they will be returned to it, and [it will be said], "Taste the punishment of the Burning Fire!"

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٢٣

Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearl, and their garments therein will be silk.

وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ ٢٤

And they had been guided [in worldly life] to good speech, and they were guided to the path of the Praiseworthy.

فصل

قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ يوحده، ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب﴾ ممن لا يوحده، وروي عنه أنه قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ في الجنة. وهذه الرواية تؤكد أن قوله ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ مبتدأ وخبره محذوف. وقال آخرون الوقف على قوله ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ ثم استأنف بواو الاستئناف فقال: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب﴾ .

(وأما قوله تعالى ﴿وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب) ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم مكرماً لهم. ثم بين بقوله ﴿إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ أنه الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب.

قوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ الآية. لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد لله، ومنهم من حق عليه العذاب ذكر هاهنا كيفية اختصامهم. والخصم: في الأصل مصدر ولذلك يوحد ويذكر غالباً، وعليه قوله تعالى ﴿نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ [ص: 21] .

ويجوز أن يثنى ويجمع ويؤنث، وعليه هذه الآية. ولما كان كل خصم فريقاً يجمع طائفة قال «اختصموا بصيغة الجمع كقوله: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: 9] فالجمع مراعاة للمعنى وقرأ ابن أبي عبلة» اختصما «مراعاة للفظ وهي مخالفة للسواد. وقال أبو البقاء: وأكثر الاستعمال توحيده فيمن ثناه وجمعه حمله على الصفات والأسماء. و» اخْتَصَمُوا» إنما جمع حملاً على المعنى لأن كل خصم تحته أشخاص.

وقال الزمخشري: الخَصْم صفة وصف بها الفوج أو الفريق، فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان يختصمان، وقوله: «هَذَانِ» للفظ، و «اختَصَمُوا» للمعنى، كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ﴾ [محمد: 16] ، ولو قيل: هؤلاء خصمان أو اختصما جاز أن يراد المؤمنون والكافرون. قال شهاب الدين: إن عنى بقوله: أن خصماً صفة بطريق الاستعمال المجازي فمسلم، لأن المصدر يكثر الوصف به، وإن أراد أنه صفة حقيقية فخطأه ظاهر لتصريحهم بأن نحو رجل خَصْم مثل رجل عَدْل، وقوله: «هذان» للفظ. أي: إنما أشير إليهم إشارة المثنى، وإن كان في الحقيقة المراد الجمع باعتبار لفظ الفوجين والفريقين ونحوهما. وقوله: كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ﴾ [محمد: 16] إلى آخره فيه نظر، لأن في تيك الآية تقدم شيء له لفظ ومعنى وهو «من» ، وهنا لم يتقدم شيء له لفظ ومعنى.

وقوله تعالى: ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ أي: في دين ربهم،، فلا بد من حذف مضاف أي جادلوا في دينه وأمره. وقرأ الكسائي في رواية عنه» خصمان «بكسر الخاء. واحتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ . وأجيب بأن المعنى جمع كما تقدم.

فصل

اختلفوا في تفسير الخَصْمَيْن، فقيل: المراد طائفة المؤمنين وجماعتهم، وطائفة الكفار وجماعتهم، وأن كل الكفار يدخلون في ذلك، قال ابن عاس: رجع أهل الأديان الستة» في رَبِّهِم «أي في ذاته وصفاته. وقيل: إنّ أهل الكتاب قالوا: نحن أحق بالله، وأقدم منكم كتاباً، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تكتمونه، وكفرتم به حسداً، فهذه خصومتهم في ربهم. وقيل: هو ما روى قيس بن عباد عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن المغيرة.

وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله. وقال عكرمة: هما الجنة والنار. قالت النار: خلقني الله لعقوبته، وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله على محمد خبرهما. والأقرب هو الأول؛ لأن السبب وإن كان خاصاً فالواجب حمل الكلام على ظاهره.

وقوله: «هَذَانِ» كالإشارة إلى ما تقدم ذكره، وهم الأديان الستة المذكورون في قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ [الحج: 17] .

وأيضاً ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته ممن حق عليه العذاب، فوجب رجوع ذلك إليهما، فمن خص به مشركي العرب واليهود من حيث قالوا في نبيهم وكتابهم ما حكينا فقد أخطأ، وهذا هو الذي يدل على أن قوله: ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: 17] أراد به الحكم، لأن ذلك التخاصم يقتضي أن الواقع بعده حكماً. فبين تعالى حكمه في الكفار، وذكر من أحوالهم ثلاثة أمور:

أحدها: قوله: ﴿فالذين كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ﴾ ، وهذه الجملة تفصيل وبيان لفصل الخصومة المعني بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: 17] قاله الزمخشري.

وعلى هذا فيكون «هَذَانِ خَصْمَانِ» معترضاً، والجملة من «اخْتَصَمُوا» حالية وليست مؤكدة لأنها أخص من مطلق الخصومة المفهومة من «خَصْمَان» وقرأ الزعفراني في اختياره «قُطِعَتْ» مخفف الطاء، والقراءة المشهورة تفيد التكثير وهذه تحتمله. والمراد بالثياب إحاطة النار بهم كقوله ﴿لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41] ، وقال سعيد بن جبير: ثياب من نحاس مذاب. وقال بعضهم: يلبس أهل النار مقطعات من النار.

قوله: «يُصَبُّ» هذه الجملة تحتمل أن تكون خبراً ثانياً للموصول، وأن تكون حالاً من الضمير في «لَهُمْ» ، وأن تكون مستأنفة. والحميم الماء الحار الذي انتهت حرارته، قال ابن عباس: لو قطرت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها.

قوله: «يُصْهَر» جملة حالية من الحميم، والصهر الإذابة، يقال: صَهَرْتُ الشحم، أي: أذبته، والصهارة الألية المذابة، وصهرته الشمس: أذابته بحرارتها، قال:

3753 - تَصْهَرُه الشَّمْسُ وَلاَ يَنْصَهِر ... وسمي الصِّهْرُ صِهْراً لامتزاجه بأصهاره تخيلاً لشدة المخالطة. وقرأ الحسن في آخرين «يُصَهِّر» بفتح الصاد وتشديد الهاء مبالغة وتكثيراً لذلك، والمعنى: أن الحميم الذي يصب من فوق رؤوسهم يذيب ما في بطونهم من الشحوم والأحشاء.

قوله: «والجُلُود» فيه وجهان:

أظهرهما: عطفه على «ما» الموصولة، أي: يذيب الذي في بطونهم من الأمعاء، ويذاب أيضاً الجلود، أي يذاب ظاهرهم وباطنهم.

والثاني: أنه مرفوع بفعل مقدر أي: يحرق الجلود.

قالوا: لأن الجلد لا يذاب إنما ينقبض وينكمش إذا صلي بالنار، وهو في التقدير كقوله:

3754 - عَلَفْتُهَا تِبْناً (وَمَاءً بَارِداً) 3755 - وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا ... ﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان﴾ [الحشر: 9] فإنه على تقدير: وسقيتها ماء، وكحلن العيون، واعتقدوا الإيمان. قوله: «وَلَهُمْ مَقَامِعُ» يجوز في هذا الضمير وجهان:

أظهرهما: أنه يعود على «الذين كفروا» ، وفي اللام حينئذ قولان:

أحدهما: أنها للاستحقاق. والثاني: أنها بمعنى (على) كقوله: «وَلَهُمُ اللَّعْنَة» وليس بشيء.

والوجه الثاني: أن الضمير يعود على الزبانية أعوان جهنم، ودل عليهم سياق الكلام، وفيه بعد. «مِنْ حَدِيد» صفة ل «مَقَامِعُ» ، وهي مِقْمَعَة بكسر الميم، لأنها آلة القمع، يقال: قمعه يقمعه: إذا ضربه بشيء يزجره به، ويذله، والمقمعة: المطرقة، وقيل: السوط، أي: سياط من حديد، وفي الحديث «لَوْ وُضِعَتْ مِقْمَعَةٌ مِنْهَا في الأَرْضِ فَاجْتَمَعَ عَلَيْهَا الثَّقَلاَنِ (مَا أَقَلّوهَا) » .

قوله: «كُلَّمَا أَرَادُوا» . «كُلّ» نصب على الظرف، وتقدم الكلام في تحقيقها في البقرة، والعامل فيها هنا قوله: «أُعِيدُوا» . و «مِنْ غَمٍّ» فيه وجهان:

أظهرهما: أنه بدل من الضمير في «منها» بإعادة العمل بدل اشتمال كقوله: ﴿لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: 33] ، ولكن لا بد في بدل الاشتمال من رابط، فقالوا: هو مقدر تقديره: من غمها.

والثاني: أنه مفعول له، ولما نقص شرط من شروط النصب جر بحرف السبب. وذلك الشرط هو عدم اتحاد الفاعل، فإن فاعل الخروج غير فاعل الغم، فإن الغم من النار والخروج من الكفار. واعلم أن الإعادة لا تكون إلا بعد الخروج، والمعنى: كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها. ومعنى الخروج ما يروى عن الحسن: أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضُرِبُوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفاً.

قوله: «وَذُوقُوا» منصوب بقول مقدر معطوف على «أُعِيدُوا» أي: وقيل لهم: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ ، أي: المُحْرِق مثل الأليم والوجيع. قال الزجاج: هو لأحد الخصمين، وقال في الخصم الآخر وهم المؤمنون: ﴿إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ .

قوله: «يُحَلَّوْنَ» العامة على ضم الياء وفتح اللام مشددة من حلاه يُحَلِّيه إذا ألبسه الحليّ. وقرئ بسكون الحاء وفتح اللام مخففة، وهو بمعنى الأول كأنهم عدوه تارة بالتضعيف وتارة بالهمزة. قال أبو البقاء: من قولك: أُحْلي أي: أُلبس الحلي هو بمعنى المشدد.

وقرأ ابن عباس بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام مخففة، وفيها ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه من حَلِيَت المرأة تَحْلَى فهي حال، وكذلك حَلِيَ الرجل فهو حال، إذا لبسا الحلي (أو صارا ذوي حليّ) .

الثاني: أنه من حَلِيَ بعيني كذا يحلى إذا استحسنه، و «من» مزيدة في قوله «من أساور» قال: فيكون المعنى: يستحسنون فيها الأساور الملبوسة ولما نقل أبو حيان هذا الوجه عن أبي الفضل الرازي قال: وهذا ليس بجيد، لأنه جعل حلي فعلاً متعدياً، ولذلك حكم بزيادة (من) في الواجب، وليس مذهب البصريين، وينبغي على هذا التقدير أن لا يجوز، لأنه لا يحفظ بهذا المعنى إلا لازماً، فإن كان بهذا المعنى كانت «من» للسبب، أي بلباس أساور الذهب يُحَلّون بعين من رآهم أي يحلى بعضهم بعين بعض.

وهذا الذي نقله عن أبي الفضل قاله أبو البقاء، وجوز في مفعول الفعل وجهاً آخر فقال: ويجوز أن يكون من حلي بعيني كذا إذا حسن، وتكون «من» مزيدة، أو يكون المفعول محذوفاً و «مِنْ أَسَاوِرَ» نعت له. فقد حكم عليه بالتعدي ليس إلا، وجوز في المفعول الوجهين المذكورين.

والثالث: أنه من حلي بكذا إذا ظفر به، فيكون التقدير: يُحَلَّوْنَ بأساور، و «من» بمعنى الباء، ومن مجيء حلي بمعنى ظفر قولهم: لم يَحْلَ فلان بطائل أي: لم يظفر به.

واعلم أن حلي بمعنى لبس الحلي أو بمعنى ظفر من مادة الياء لأنها من الحلية وأما حلي بعيني كذا، فإنه من مادة الواو؛ لأنه من الحلاوة، وإنما قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها.

قوله: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ . في من الأولى ثلاثة أوجه:

أحدها: أنها زائدة كما تقدم تقريره عن الرازي وأبي البقاء، وإن لم يكن من أصول البصريين.

الثاني: أنها للتبعيض أي: بعض أساور.

الثالث: أنها لبيان الجنس قاله ابن عطية، وبه بدأ وفيه نظر، إذ لم يتقدم شيء مبهم وفي «مِنْ ذَهَبٍ» لابتداء الغاية، وهي نعت لأساور. كما تقدم.

وقرأ ابن عباس «مِنْ أسور» دون ألف ولا هاء، وهو محذوف من «أساور» كما قالوا: جندل والأصل جنادل. قال أبو حيان: وكان قياسه صرفه، لأنه نقص بناؤه فصار كجندل لكنه قدر المحذوف موجوداً فمنعه الصرف. قال شهاب الدين: فقد جعل التنوين في جندل المقصور من جنادل تنوين صرف، وقد نصَّ بعض النحاة على أنه تنوين عوض، كهو في جوارٍ وغواشٍ وبابهما والأساور جمع سوار.

قوله: «ولُؤْلُؤاً» قرأ نافع وعاصم بالنصب، والباقون بالخفض. فأما النصب ففيه أربعة أوجه:

أحدها: أنه منصوب بإضمار فعل تقديره: ويؤتون لؤلؤاً، ولم يذكر الزمخشري غيره، وكذا أبو الفتح حمله على إضمار فعل.

الثاني: أنه منصوب نسقاً على موضع «مِنْ أَسَاوِرَ» وهذا كتخريجهم «وَأَرْجُلَكُم» بالنصب عطفاً على محل «برؤوسكم» ، ولأن ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ في قوة: يلبسون أساور، فحمل هذا عليه.

الثالث: أنه عطف على «أَسَاوِرَ» ، لأن «من» مزيدة فيها كما تقدم.

الرابع: أنه معطوف على ذلك المفعول المحذوف، التقدير يحلون فيها الملبوس من أساور ولؤلؤاً ف «لُؤلُؤاً» عطف على الملبوس.

وأما الجر فعلى وجهين:

أحدهما: عطفه على «أَسَاوِر» .

والثاني: عطفه على «مِنْ ذَهَب» ، (لأنَّ السوار يتخذ من اللؤلؤ أيضاً بنظم بعضه إلى بعض. فقد منع أبو البقاء أن يعطف على «ذَهَب» ) . قال: لأنَّ السوار لا يكون من اللؤلؤ في العادة. قال شهاب الدين: بل قد يتخذ منه في العادة السوار.

واختلف الناس في رسم هذه اللفظة في الإمام فنقل الأصمعي أنها في الإمام «لؤلؤ» بغير ألف بعد الواو. ونقل الجحدري أنها ثابتة في الإمام بعد الواو وهذا الخلاف بعينه قراءة وتوجيهاً جارٍ في حرف فاطر أيضاً. وقرأ أبو بكر في رواية المعلى بن منصور عنه «لؤلؤاً» بواو أولاً وياء آخراً، والأصل «لؤلؤاً» أبدل الهمزتين واوين، فبقي في آخر الاسم واو بعد ضمة، ففعل فيها ما فعل بأدل جمع دلو بأن قلبت الواو ياء والضمة كسرة.

وقرأ ابن عباس «وَليلياً» بياءين فعل ما فعل الفياض ثم أتبع الواو الأولى للثانية في القلب وقرأ طلحة «وَلُولٍ» بالجرِ عطفاً على المجرور قبله، وقد تقدم، والأصل وَلُولُو بواوين ثم أعل إعلال أَدْلٍ. واللؤلؤ قيل: كبار الجوهر، وقيل: صغاره.

قوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ أي أنهم يلبسون في الجنة ثياب الإبريسم والمعنى أنه تعالى يوصلهم في الآخرة إلى ما حرمه عليهم في الدنيا. قال عليه السلام «مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخرة، فإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه» .

قوله: ﴿وهدوا إِلَى الطيب مِنَ القول﴾ . يجوز أن يكون «من القول» حالاً من «الطيب» ، وأن يكون حالاً من الضمير المستكن فيه. و «من» للتبعيض أو للبيان.

قال ابن عباس: الطيب من القول: شهادة أن لا إله إلا الله، ويؤيد هذا قوله: ﴿مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: 24] وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب﴾ [فاطر: 10] . وهو صراط الحميد، لقوله: ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52] وقال ابن زيد: لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله. وقال السدي: هو القرآن. وقال ابن عباس في رواية عطاء: هو قول أهل الجنة: ﴿الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: 74] . ﴿وهدوا إلى صِرَاطِ الحميد﴾ إلى دين الله وهو الإسلام، و «الحميد» هو الله المحمود في أفعاله.

22:25Page 335

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٥

Indeed, those who have disbelieved and avert [people] from the way of Allāh and [from] al-Masjid al-Ḥarām, which We made for the people - equal are the resident therein and one from outside - and [also] whoever intends [a deed] therein1 of deviation [in religion] by wrongdoing - We will make him taste of a painful punishment.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ الآية. لما فصل بين الكفار والمؤمنين ذكر عظم حرمة البيت، وعظم كفر هؤلاء فقال ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والمسجد الحرام﴾ وذلك بالمنع من الهجرة والجهاد.

قال ابن عباس: نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عام الحديبية عن المسجد الحرام وعن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهَدْي، فكره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قتالهم وهو محرم، ثم صالحوه على أن يعود في العام القابل.

قوله: «وَيَصدُّونَ» فيه ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه معطوف على ما قبله، وحينئذ ففي عطفه على الماضي ثلاثة تأويلات:

أحدها: أنّ المضارع قد لا يقصد به الدلالة على زمن معين من حال أو استقبال وإنما يُراد به مجرد الاستمرار، فكأنه قيل: إن الذين كفروا ومن شأنهم الصدّ عن سبيل الله، ومثله: ﴿الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله﴾ [الرعد: 28] .

الثاني: أنه مؤول بالماضي لعطفه على الماضي.

الثالث: أنه على بابه فإن الماضي قبله مؤول بالمستقبل.

الوجه الثاني: أنه حال من فاعل «كَفَرُوا» ، وبه بدأ أبو البقاء. وهو فاسد ظاهراً، لأنه مضارع مثبت وما كان كذلك لا تدخل عليه الواو وما ورد منه على قلته مؤول، فلا يحمل عليه القرآن. وعلى هذين القولين فالخبر محذوف، واختلفوا في موضع تقديره، فقدره ابن عطية بعد قوله: «وَالبَادِ» أي: إن الذين كفروا خسروا أو أهلكوا، ونحو ذلك.

وقدره الزمخشري بعد قوله: «وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ» أي إن الذين كفروا نذيقهم من عذاب أليم، وإنما قدره كذلك؛ لأن قوله: ﴿نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ يدل عليه. إلا أن أبا حيان في تقدير الزمخشري بعد «المَسْجِدِ الحَرَامِ» : لا يصح، قال: لأن «الَّذِي» صفة للمسجد الحرام، فموضع التقدير هو بعد «وَالْبَادِ» . يعني أنه يلزم من تقديره الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو خبر «إنَّ» فيصير التركيب: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم الذي جعلناه للناس.

وللزمخشري أن ينفصل عن هذا الاعتراض بأن «الَّذِي جَعَلْنَاه» لا نسلم أنه نعت للمسجد حتى يلزم ما ذكر بل نجعله مقطوعاً عنه نصباً أو رفعاً. ثم قال أبو حيان: لكن مقدر الزمخشري أحسن من مقدر ابن عطية، لأنه يدل عليه الجملة الشرطية بعد من جهة اللفظ وابن عطية لحظ من جهة المعنى لأن من أذيق العذاب خسر وهلك.

الوجه الثالث: أن الواو في «وَيَصُدُّونَ» مزيدة في خبر «إنَّ» تقديره: إن الذين كفروا (يصدون) .

وزيادة الواو مذهب كوفي تقدم بطلانه. وقال ابن عطية: وهذا مفسد للمعنى المقصود. قال شهاب الدين: ولا أدري فساد المعنى من أي جهة ألا ترى لو صرح بقولنا: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَصُدُّونَ) لم يكن فيه فساد معنى، فالمانع إنما هو أمر صناعي عند أهل البصرة لا معنوي، اللهم إلا أن يريد معنى خاصاً يفسد بهذا التقدير فيحتاج إلى بيانه.

قوله: «الَّذِي جَعَلْنَاهُ» يجوز جره على النعت والبيان، والنصب بإضمار فعل، والرفع بإضمار مبتدأ. والجعل يجوز أن يتعدى لاثنين بمعنى صيّر، وأن يتعدى لواحد. والعامة على رفع «سواء» . وقرأ حفص عن عاصم بالنصب هنا، وفي الجاثية «سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ» وافقه على الذي في الجاثية الأخوان وسيأتي توجيهه. فأما على قراءة الرفع، فإِن قلنا: إنَّ «جَعَلَ» بمعنى (صير) كان في المفعول الثاني ثلاثة أوجه:

أظهرها: أن الجملة من قوله: ﴿سَوَآءً العاكف فِيهِ﴾ هي المفعول الثاني، ثم الأحسن في رفع «سَوَاءٌ» أن يكون خبراً مقدماً، و «العاكف» ، والبادي مبتدأ مؤخر، وإنما وَحَّد الخبر وإن كان المبتدأ اثنين، لأنَّ «سَواءٌ» في الأصل مصدر وصف به، وقد تقدم أول البقرة. وأجاز بعضهم أن يكون «سَوَاءٌ» مبتدأ، وما بعده الخبر، وفيه ضعف أو منع من حيث الابتداء بالنكرة من غير مسوّغ، ولأنه متى اجتمع معرفة ونكرة جعلت المعرفة المبتدأ. وعلى هذا الوجه أعني كون الجملة مفعولاً ثانياً فقوله: «للنَّاس» يجوز فيه وجهان:

أحدهما: أن يتعلق بالجعل، أي: جعلناه لأجل الناس كذا.

والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ من مفعول «جَعَلْنَاهُ» ، ولم يذكر أبو البقاء فيه على هذا الوجه غير ذلك، وليس معناه متضحاً.

الوجه الثاني: أنَّ «لِلنَّاسِ» هو المفعول الثاني، والجملة من قوله: «سَوَاءٌ العَاكِفُ» في محل نصب على الحال، إما من الموصول وإما من عائده وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء، وفيه نظر؛ لأنه جعل هذه الجملة التي هي محطّ الفائدة فضلة.

الوجه الثالث: أن المفعول الثاني محذوف. قال ابن عطية: المعنى الذي جعلناه للناس قبلة ومتعبداً. فتقدير ابن عطية هذا مرشد لهذا الوجه. إلا أن أبا حيان قال: ولا يحتاج إلى هذا التقدير إلا إن كان أراد تفسير المعنى لا الإعراب فيسوغ؛ لأن الجملة في موضع المفعول الثاني، فلا يحتاج إلى هذا التقدير وإن جعلناها متعدية لواحد كان قوله: «لِلنَّاسِ» متعلقاً بالجعل على الغلبة وجوَّز فيه أبو البقاء وجهين آخرين:

أحدهما: أنه حال من مفعول «جَعَلْنَاهُ» .

والثاني: أنه مفعول تعدى إليه بحرف الجر.

وهذا الثاني لا يتعقل كيف يكون «لِلنَّاسِ» مفعولاً عدي إليه الفعل بالحرف هذا ما لا يعقل، فإن أراد أنه مفعول من أجله فهي عبارة بعيدة من عبارة النحاة. وأما على قراءة حفص فإن قلنا: «جَعَلَ» يتعدى لاثنين كان «سواء» مفعولاً ثانياً. وإن قلنا: يتعدى لواحد كان حالاً من هاء «جَعَلْنَاهُ» وعلى التقديرين ف «العَاكِفُ» مرفوع به على الفاعلية؛ لأنه مصدر وصف به، فهو في قوة اسم الفاعل المشتق، تقديره: جعلناه مستوياً فيه العاكف، ويدل عليه قولهم: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَوَاءٍ هُوَ وَالعَدَمُ، فهو تأكيد للضمير المستتر فيه، والعدم نسق على الضمير المستتر؛ ولذلك ارتفع، ويروى: سَوَاءٍ وَالعَدَمُ؛ بدون تأكيد وهو شاذ وقرأ الأعمش وجماعة «سَوَاء» نصباً «العَاكِف» جرًّا، وفيه وجهان:

أحدهما: أنه بدل من الناس بدل تفصيل.

والثاني: أنه عطف بيان، فهذا أراد ابن عطية بقوله: عطفاً على الناس.

ويمتنع في هذه القراءة رفع «سَوَاءٌ» لفساده صناعة ومعنى، ولذلك قال أبو البقاء: و «سَوَاء» على هذا نصب لا غير. وأثبت ابن كثير ياء «وَالبَادِي» وقفاً ووصلاً. وأثبتها أبو عمرو وورش وصلاً وحذفاها وقفاً. وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً، وهي محذوفة في الإمام.

فصل

معنى الكلام: ويصدون عن المسجد الحرام الذي جعلناه للناس قبلة لصلاتهم ومنسكاً ومتعبداً كما قال: «وُضِعَ لِلنَّاسِ» وتقدم الكلام على معنى «سَوَاء» باختلاف القراءة.

وأراد ب «العَاكِف» المقيم فيه، و «البَادِي» الطارئ من البدو، وهو النازع إليه من غربته. وقال بعضهم: يدخل في «العَاكِف» الغريب إذا جاور ولزمه كالبعيد وإن لم يكن من أهله. واختلفوا في معنى «سَوَاء» فقال ابن عباس في بعض الروايات: إنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها، فليس أحدهما أحق بالنزول الذي يكون فيه من الآخر إلا أن يكون أحدهما سبق إلى المنزل، وهو قول قتادة وسعيد بن جبير، ومن مذهب هؤلاء تحريم كراء دور مكة وبيعها، واستدلوا بالآية والخبر أما الآية فهذه، قالوا: إن أرض مكة لا تملك، فإنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والباد، فلما استويا ثبت أن سبيلها سبيل المساجد. وأما الخبر فقوله عليه السلام: «مكة مناخ لمن سبق إليه» وهذا مذهب ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وأبي حنفية وإسحاق الحنظلي.

وقال عبد الرحمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة أحق بمنزله منهم. وكان عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ينهى الناس أن يغلقوا أبوابهم في الموسم وعلى هذا فالمراد ب «المَسْجِدِ الحَرَامِ» الحرم كله؛ لأن إطلاق لفظ المسجد الحرام وإرادة البلد الحرام جائز لقوله تعالى

﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام﴾ [الإسراء: 1] . وأيضاً فقوله: «العَاكِفُ» المراد منه المقيم، وإقامته لا تكون في المسجد بل في المنازل. وقيل: ﴿سَوَآءً العاكف فِيهِ والباد﴾ في تعظيم حرمته وقضاء النسك به وإليه ذهب مجاهد والحسن وجماعة، أي ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس، قال عليه السلام: «يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلب من وُلِّي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صَلّى أية ساعة من ليل أو نهار» وهذا قول من أجاز بيع دور مكة.

وقد جرت مناظرة بين الشافعي وإسحاق الحنظلي بمكة وكان إسحاق لا يرخِّص في كراء بيوت مكة، فاحتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم﴾ [الحج: 40] . فأضاف الديار إلى مالكيها أو إلى غير مالكيها. وقال عليه السلام يوم فتح مكة: «من أغلق بابه فهو آمن» ، وقوله عليه السلام: «هل ترك لنا عقيل من رباع» وقد اشترى عمر بن الخطاب دار السجن، أترى أنه اشتراها من مالكيها أو من غير مالكيها.

قال إسحاق: فلما علمت أن الحجة لزمتني تركت قولي. والقول بجواز بيع دور مكة وإجارتها قول طاوس وعمرو بن دينار وبه قال الشافعي.

قوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ فيه أربعة أوجه:

أحدها: أن مفعول «يُرِدْ» محذوف، وقوله: «بإلحَادٍ بظُلمٍ» حالان مترادفان، والتقدير: ومن يرد فيه مراداً ما عادلاً عن القصد ظالماً نذقه من عذاب إليم. وإنما حذف ليتناول كل متناول، قال معناه الزمخشري.

والثاني: أنّ المفعول أيضاً محذوف تقديره: ومن يرد فيه تَعَدِّيا، و «بإلحاد» حال، أي: ملتبساً بإلحاد، و «بِظُلْمٍ» بدل بإعادة الجار.

الثالث: أن يكون «بظلم» متعلقاً ب «يُرِدْ» والباء للسببية، أي: بسبب الظلم و «بإلحَادٍ» مفعول به، والباء مزيدة فيه كقوله: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: 195] .

3756 - لاَ يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ ... وإليه ذهب أبو عبيدة، وأنشد للأعشى:

3757 - ضَمِنَتْ بِرِزْقِ عِيالنَا أَرْمَاحُنَا ...

أي: ضمنت رزق. ويؤيده قراءة الحسن: ﴿وَمَنْ يُرِدْ إلحَادَهُ بِظُلْمٍ﴾ .

قال الزمخشري: أراد إلحاده فيه، فأضافه على الاتساع في الظرف ك «مَكْرُ اللَّيْلِ» ومعناه: ومن يرد أن يلحد فيه ظالماً.

الرابع: أن تضمن «يُرِدْ» معنى يلتبس فذلك تعدى بالباء، أي: ومن يلتبس بإلحاد مريداً له. والعامة على «يُرِد» بضم الياء من الإرادة. وحكى الكسائي والفراء أنه قرئ «يَرد» بفتح الياء، قال الزمخشري: من الورود ومعناه: من أتى فيه بإلحاد ظالماً.

فصل

الإلحاد: العدول عن القصد، وأصله إلحاد الحافر. واختلف المفسرون فيه، فقيل: إنه الشرك، أي مَن لجأ إلى الحرم ليشرك به عَذّبه الله، وهو إحدى الروايات عن ابن عباس، وهو قول مجاهد وقتادة.

وروي عن ابن عباس هو أن تقتل فيه من لا يقتلك أو تظلم من لا يظلمك. وروي عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن سعد حيث استسلمه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فارتد مشركاً، وفي قيس بن (ضبابة) . وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن خطل حيث قتل الأنصاريّ وهرب إلى مكة كافراً، فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بقتله يوم الفتح. وقال مجاهد: تضاعَفُ السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات.

وعن سعيد بن جبير وحبيب بن أبي ثابت: هو احتكار الطعام بمكة. وعن عطاء هو قول الرجل في المبايعة: لا والله وبلى والله. وعن عبد الله بن عمر: أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فقيل له في ذلك فقال: كنا نُحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل كلا والله، وبلى والله.

وعن عطاء: هو دخول الحرم غير محرم وارتكاب شيء من محظورات الإحرام من قتل صيد أو قطع شجر. ولما كان الإلحاد بمعنى الميل من أمر إلى أمر بيَّن تعالى أن المراد بهذا الإلحاد ما يكون ميلاً إلى الظلم فلهذا قرن الظلم بالإلحاد؛ لأنه لا معصية كبرت أم صغرت إلا وهو ظلم، ولذلك قال تعالى ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] .

وقوله: ﴿نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ بيان للوعيد.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском