Ibn 'AdilAn‑Nur · 24:20–29

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:20–29

24:20–21Page 351

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٢٠

And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Kind and Merciful.

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١

O you who have believed, do not follow the footsteps of Satan. And whoever follows the footsteps of Satan - indeed, he enjoins immorality and wrongdoing. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, not one of you would have been pure, ever, but Allāh purifies whom He wills, and Allāh is Hearing and Knowing.

قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ جواب «لولا» محذوف، أي: لعاجلكم بالعقوبة.

قال ابن عباس: يريد مسطحاً وحسان وحَمْنة. ويجوز أن يكون الخطاب عاماً.

وقيل: جوابه في قوله: ﴿مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾ .

وقيل: جوابه: لكانت الفاحشة تشيع فتعظم المضرة، وهو قول أبي مسلم. والأقرب أن جوابه محذوف، لأن قوله من بعد: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ﴾ كالمنفصل من الأول، فلا يكون جواباً للأول خصوصاً (وقد) وقع بين الكلامين كلام آخر.

قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾ الآية قرئ «خُطُوَاتِ» بضم الطاء وسكونها. والخُطُوات: جمع خُطْوة وهو من خَطَا الرجلُ يَخْطُوا خَطْواً فإذا أردت الواحدة قلت: خَطْوَة مفتوحة الأول، والمراد بذلك: السيرة.

والمعنى: لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه في إشاعة الفاحشة، والله تعالى وإن خص بذلك المؤمنين، فهو نهي لكل المكلفين، لأن قوله: ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشيطان فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشآء﴾ منع لكل المكلفين من ذلك والفحشاء: ما أفْرَط قُبْحُهُ. والمُنْكَر: ما تنكره النفوس، فتنفر عنه ولا ترتضيه.

قوله: «فإنه يأمر» في هذه الهاء ثلاثة أوجه:

أحدها: أنها ضمير الشأن، وبه بدأ أبو البقاء.

والثاني: أنها ضمير الشيطان.

وهذان الوجهان إنما يجوزان على رأي من لا يشترط عود الضمير على اسم الشرط من جملة الجزاء.

والثالث: أنه عائد على «مَنْ» الشرطية.

قوله: «مَا زَكَى» . العامة على تخفيف الكاف، يقال: زَكَا يَزْكُو، وفي ألفه الإمالة وعدمها. وقرأ الأعمش وابن محيصن وأبو جعفر بتشديدها. وكتبت ألفه ياء، وهو شاذ، لأنه من ذوات الواو كغزا، وإنما حمل على لغة من أمال، أو على كتابة المشدد.

فعلى قراءة التخفيف يكون «مِنْ أحَدٍ» فاعلاً. وعلى قراءة التشديد يكون مفعولاً، و «مِنْ» مزيدة على كلا التقديرين، والفاعل هو الله تعالى.

فصل

قال مقاتل: ما زَكَا: ما صلح.

وقال ابن قتيبة: ما (ظهر) .

وقيل: من بلغ في الطاعة لله مبلغ الرضا، (يقال: زكا الزرع) ، فإذا بلغ المؤمن في الصلاح في الدين ما يرضاه (تعالى) سمي زكياً، فلا يقال: زكى إلا إذا وجد زاكياً، كما لا يقال لمن ترك الهدى: هداه الله مطلقاً، بل يقال: هداه الله فلم يهتد. ودلت الآية على أن الله تعالى هو الخالق لأفعال العباد، لأن التزكية كالتسويد والتحمير، فكما أن التسويد يحصل السواد، فكذا التزكية تحصل الزكاء في المحل.

والمعتزلة حملوها هنا على فعل الإلطاف، أو على الحكم بكون العبد زكياً، وهو خلاف الظاهر، ولأن الله تعالى قال: ﴿ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ علق التزكية على الفضل والرحمة، وخلق الإلطاف واجباً فلا يكون معلقاً بالفضل والرحمة، وأما الحكم بكونه زكياً فذلك واجب، لأنه لولا الحكم له لكان كذباً (و) الكذب على الله محال، فكيف يجوز تعليقه بالمشيئة؟ .

فصل

قال ابن عباس في رواية عطاء: هذا خطاب للذين خاضوا في الإفك، ومعناه: ما ظهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل، أي: ما قبل منكم توبة أحد أبداً، ﴿ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ يطهر «مَنْ يَشَاءُ» من الذنب بالرحمة والمغفرة ﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: يسمع أقوالكم في القذف، وأقوالكم في البراءة و «عَلِيمٌ» بما في قلوبهم من محبة إشاعة الفاحشة أو من كراهتها، وإذا كان كذلك وجب الاحتراز عن معصيته.

24:22Page 352

وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٢٢

And let not those of virtue among you and wealth swear not to give [aid] to their relatives and the needy and the emigrants for the cause of Allāh, and let them pardon and overlook. Would you not like that Allāh should forgive you? And Allāh is Forgiving and Merciful.

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ﴾ الآية.

يجوز أن يكون «يَأْتَلِ» : «يفتعل» ، من الألية، وهي الحلف، كقوله:

3821 - وَآلَتْ حَلْفَةً لَمْ تَحَلَّلِ ...

ونصر الزمخشري هذا بقراءة الحسن «ولا يَتَأَلَّ» من الأليَّة، كقوله: «مَنْ يَتَأَلَّ عَلَى اللَّهِ يُكَذبْهُ» .

ويجوز أن يكون «يفتعل» من أَلَوْت، أي: قَصَّرْتُ، كقوله تعالى: ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: 118] قال:

3822 - وَمَا المَرْءُ مَا دَامَتْ حُشَاشَة نَفْسِهِ ... بمُدْرِكِ أَطْرَافِ الخُطُوبِ وَلاَ آلِ

وقال أبو البقاء: وقرئ: «وَلاَ يَتَأَلَّ» على «يَتفعل» وهو من الألية أيضاً، ومنه:

3823 - تَألَّى ابنُ أَوْسٍ حَلْفَةً لَيَرُدُّنِي ... إلى نِسْوَةٍ كَأَنَّهُنَّ مَفَائِدُ

قوله: «أَنْ يُؤْتُوا» هو على إسقاط الجار، وتقديره على القول الأول: ولا يأتل أولو الفضل على أن لا يحسنوا. وعلى الثاني: ولا يقصر أولو الفضل في أن يحسنوا.

وقرأ أبو حيوة وأبو البرهسيم وابن قطيب: «تؤتوا» بتاء الخطاب، وهو التفات موافق لقوله: «أَلاَ تُحِبُّون» . وقرأ الحسن وسفيان بن الحسين «ولتعفوا ولتصفحوا» بالخطاب وهو موافق لما بعده.

فصل

المشهور أن معنى الآية: لا يحلف أولو الفضل، فيكون «افتعال» من الألية.

قال أبو مسلم: وهذا ضعيف لوجهين:

أحدهما: أن ظاهر الآية على هذا التأويل يقتضي المنع عن الحلف على الإعطاء، وهم أرادوا المنع على ترك الإعطاء، فهذا المتأول قد أقام النفي مكان الإيجاب، وجعل المنهي عنه مأموراً به.

الثاني: أنه قلما يوجد في الكلام «أَفتعَلت» مكان «أفعلت» (وإنما وجد مكان «فعلت» ) وهنا آليْتُ من الأليّة: «افْتَعَلْتُ» فلا يقال: أفعلت، كما لا يقال من ألزمت التزمت، ومن أعطيت اعتطيت. ثم قال في «يأتل» : إن أصله «يأتلي» ذهبت الباء للجزم لأنه نهي، وهو من قولك: مَا ألوتُ فلاناً نصحاً، ولم آل في أمري جُهْداً، أي: ما قصرت. ولا يأل ولا يأتل ولم يأل والمراد: لا تقصروا في أن تحسنوا إليهم، ويوجد كثيراً «افْتَعَلْتُ» مكان «فَعَلْت» ، تقول: كسبتُ واكتسبت، وصنعتُ واصطنعتُ، وهذا التأويل مروي عن أبي عبيدة. قال ابن الخطيب: «وهذا هو الصحيح دون الأول» .

وأجاب الزجاج عن الأول بأن «لا» تحذف في اليمين كثيراً، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ﴾ [البقرة: 224] يعني: أن لا تبروا، وقال امرؤ القيس:

3824 - فَقُلْتُ يَمِين اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِداً ... أي: لا أبرح.

وأجابوا عن السؤال الثاني أن جميع المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم فسروا اللفظ باليمين، وقول واحد منهم حجة في اللغة، فكيف الكل؟ ويعضده قراءة الحسن: «ولا يَتَأَلَّ» .

فصل

قال المفسرون معناه: ولا يحلف ﴿أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة﴾ أي: أولوا الغنى، يعني: أبا بكر الصديق ﴿أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله﴾ يعني: مِسْطَحاً، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً ابن خالة أبي بكر حلف أبو بكر لا ينفق عليه «وَلْيَعْفُوا وليصْفَحُوا» عنهم خوضهم في أمر عائشة «أَلاَ تُحِبُّونَ» يخاطب أبا بكر ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله (لَكُمْ) والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فلما قرأها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على أبي بكر قال: «بلى إنما أحب أن يغفر الله لي» ورجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: «والله لا أنزعها منه أبداً» .

وقال ابن عباس والصحابة أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر ألا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ينفعوهم فأنزل الله هذه الآية.

فصل

أجمع المفسرون على أن المراد من قوله: «أولُوا الفَضْل» أبو بكر، وهذا يدل على أنه كان أفضل الناس بعد الرسول، لأن الفضل المذكور في الآية إما في الدنيا وإما في الدين، والأول باطل، لأنه تعالى ذكره في معرض المدح له، والمدح من الله بالدنيا غير جائز، ولأنه لو جاز ذلك لكان قوله: «والسَّعَة» تكريراً، فتعين أن يكون المراد منه الفضل في الدين، فلو كان غيره مساوياً له في الدرجة في الدين لم يكن هو صاحب الفضل، لأن المساوي لا يكون فاضلاً، فلما أثبت الله له الفضل غير مقيد بشخص دون شخص وجب أن يكون أفضل الخلق تُرك العمل به في حق الرسول - عليه السلام - فيبقى معمولاً به في حق الغير.

وأجمعت الأمة على أن الأفضل إما أبو بكر أو عليّ، فإذا تبين أنه ليس المراد عليًّا تعينت الآية في أبي بكر.

وإنما قلنا: ليس المراد عليًّا، لأن ما قبل الآية وما بعدها يتعلق بابنة أبي بكر، ولأنه تعالى وصفه بأنه من أولي السعة، وأن عليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لم يكن من أولي السَّعة في الدنيا في ذلك الوقت، فثبت أن المراد منه أبو بكر قطعاً.

فصل

أجمعوا على أن مِسْطَحاً كان من البدريين، وصح عنه عليه السلام أنه قال: « لَعَلَّ الله نظرَ إلى أهل بدر فقال: اعمَلُوا ما شِئْتُم، فقد غفرت لكم» فكيف صدرت الكبيرة منه بعد أن كان بدريًّا؟

والجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد منه: افعلوا ما شئتم من المعاصي، فيأمر بها، لأنا نعلم بالضرورة أن التكليف كان باقياً عليهم، ولو حملناه على ذلك لأفضى إلى زوال التكليف عنهم، ولو كان كذلك لما جاز أن يحدّ مِسْطح على ما فعل، فوجب حمله على أحد أمرين:

الأول: أنه تعالى علم توبة أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم من النوافل من قليل أو كثير، فقد غفرت لكم وأعطيتكم الدرجات العالية في الجنة.

والثاني: أن يكون المراد أنهم يوافون بالطاعة، فكأنه تعالى قال: قد غفرتُ لكم لعلمي بأنَّكم تموتون على التوبة والإنابة، فذكر حالهم في الوقت وأراد العاقبة.

فصل

دلت الآية على أن (الأيمان على) الامتناع من الخير غير جائز، وإنما يجوز إذا حصلت داعية صارفة عنه.

فصل

مذهب الجمهور أنَّ من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، أنه ينبغي له أن يأتي الذي هو خير ثم يكفر عن يمينه.

وقال بعضهم: إنه يأتي بالذي هو خير، وذلك هو كفارته، لأن الله تعالى أمر أبا بكر بالحنث ولم يوجب عليه كفارة. ولقوله عليه السلام: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فرأى غيرها خيراً مِنْهَا فليأتِ الذي هو خير، وذلك كفارته» .

واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: 89] ، وقوله: ﴿ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89] ، وقوله لأيوب - عليه السلام -: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ﴾ [ص: 44] وقد علمنا أن الحنث كان خيراً من تركه، ولو كان الحنث فيها كفارتها لما أمر بضربها، بل كان يحنث بلا كفارة، وقال عليه السلام: « مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمينٍ فرَأَى غيرَها خيراً منْهَا فليأتِ الَّذِي هو خيرٌ وليكفِّرْ عن يمينه» .

وأما قولهم: إنَّ الله تعالى لم يذكر الكفارة في قصة أبي بكر، فإن حكمها كان معلوماً عندهم. وأما قوله عليه السلام: «وليأت الذي هو خير، وذلك كفارته» فمعناه: تكفير الذنب لا أنه الكفارة المذكورة في الكتاب.

فصل

روي عن عائشة أنها قالت: «فَضِلْتُ على أزواج النبي بعشر خصال:

تزوج رسول الله بي بكراً دون غيري، وأبواي مهاجران، وجاء جبريل بصورتي وأمره أن يتزوج بي، وكنت أغتسل معه في إنائه، وجبريل ينزل عليه وأنا معه في لحاف، وتزوج في شوال، وبنى بي في ذلك الشهر وقبض بين سحري ونحري، وأنزل الله عذري من السماء، ودفن في بيتي، وكل ذلك لم يساوني فيه غيري» .

وقال بعضهم: «لقد برَّأ الله أربعة بأربعة: بَرأ يوسف ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ [يوسف: 26] ، وبرأ موسى من قول اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها، وبرأ عائشة بهذه الآيات في كتابه المتلو على وجه الدهر» .

24:23–25Page 352

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٢٣

Indeed, those who [falsely] accuse chaste, unaware and believing women are cursed in this world and the Hereafter; and they will have a great punishment

يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤

On a Day when their tongues, their hands and their feet will bear witness against them as to what they used to do.

يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ ٢٥

That Day, Allāh will pay them in full their true [i.e., deserved] recompense, and they will know that it is Allāh who is the manifest Truth [i.e., perfect in justice].

قوله: ﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ العفائف «الغَافِلاَت» عن الفواحش «المُؤْمِنَاتِ» والغافلة عن الفاحشة أي: لا تقع في مثلها، وكانت عائشة كذلك، فقال بعضهم: الصيغة عامة، فيدخل فيه قَذَفَةُ عائشة وغيرها.

وقيل: المراد قذفة عائشة.

قالت عائشة: رميت وأنا غافلة، وإنما بلغني بعد ذلك، فبينا رسول الله عندي إذ أوحى إليه، قال: «أبشري» وقرأ: ﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ .

وقيل: المراد جُملة أزواج رسول الله، وأنهن لشرفهن خصصن بأن من قذفهن فهذا الوعيد لاحقٌ به. واحتج هؤلاء بأمور:

الأول: أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله في أول السورة: ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ [النور: 4] إلى قوله: ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ ... ﴾ [النور: 5] .

وأما القاذف في هذه الآية فإنه لا تقبل توبته لقوله تعالى: ﴿لُعِنُواْ فِي الدنيا والآخرة﴾ ولم يذكر استثناء.

وأيضاً فهذه صفة المنافقين في قوله: ﴿مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثقفوا﴾ [الأحزاب: 61] .

الثاني: أن قاذف سائر المحصنات لا يكفر، والقاذف في هذه الآية كافر، لقوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ ... ﴾ وذلك صفة الكفار والمنافقين لقوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ الله إِلَى النار ... ﴾ [فصلت: 19] الآيات.

الثالث: أنه قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ والعذاب العظيم هو عذاب الكفر، (فدلّ على أن عذاب هذا القاذف عقاب الكفر) . وعقاب قذف سائر المحصنات لا يكون عقاب الكفر.

وروي أن ابن عياش كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير هذه الآية، فقال: «من أذنب ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة» .

وأجاب الأولون بأن الوعيد المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون مشروطاً بعدم التوبة، لأن الذنب سواء كان كفراً أو فسقاً، فإذا تاب عنه صار مغفوراً.

وقيل: هذه الآية نزلت في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول الله عهد، فكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: «إنها خرجت لتفجر» فنزلت فيهم.

قوله: «يَوْمَ تَشْهَدُ» ، ناصبه الاستقرار الذي تعلق به «لَهُمْ» .

وقيل: بل ناصبه «عَذَابٌ» . ورد بأنه مصدر موصوف.

وأجيب بأن الظرف يُتَّسَعُ فيه ما لا يُتَّسَع في غيره.

وقرأ الأخوان: «يَشْهَدُ» بالياء من تحت، لأن التأنيث مجازي، وقد وقع الفصل والباقون: بالتاء مراعاة للفظ.

قوله: «يَوْمَئِذٍ» : التنوين في «إذْ» عِوَضٌ من الجملة تقديره: يَوْمئذ تَشْهَدُ، وقد تقدم خلاف الأخفش فيه.

وقرأ زيد بن علي «يُوفِيهِمْ» مخففاً من «أَوْفَى» .

وقرأ العامة بنصب «الحَقِّ» نعتاً ل «دِينَهُمْ» .

وأبو حَيْوَة وأبو رَوْق ومجاهد - وهي قراءة ابن مسعود - برفعه نعتاً لله تعالى.

فصل

قوله ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ .

قال المفسرون: هذا قبل أن يختم على أفواههم وأيديهم وأرجلهم.

يروى أنه يختم على الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا.

﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق﴾ جزاءهم الواجب. وقيل: حسابهم العدل، ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين﴾ يبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا.

وإنما سُمِّيَ الله ب «الحق» لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره.

وقيل: سُمِّيَ ب «الحق» ومعناه: الموجود، لأن نقيضه الباطل وهو المعدوم، ومعنى «المُبين» : المظهر.

24:26Page 352

ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٢٦

Evil words are for evil men, and evil men are [subjected] to evil words. And good words are for good men, and good men are [an object] of good words.1 Those [good people] are declared innocent of what they [i.e., slanderers] say. For them is forgiveness and noble provision.

قوله تعالى: «الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ» الآية.

قال أكثر المفسرين: «الخَبِيثَاتُ» من القول والكلام «لِلْخَبِيثِينَ» من الناس، «والخَبِيثُونَ» من الناس «لِلْخَبِيثَات» من القول، «والطيبات» من القول «للطَّيِّبِينَ» من الناس، «والطَّيِّبُونَ» من الناس «لِلطَّيِّبَاتِ» من القول.

والمعنى: أنَّ الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس، والطيِّب لا يليق إلا بالطيِّب فعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - لا يليق بها الخبيثات من القول، لأنها طيبة، فيضاف إليها طيبات الكلام من الثناء الحسن وما يليق بها.

وقال الزجاج: معناه: لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء، ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء وهذا ذم للذين قذفوا عائشة، ومدح للذين برّأوها بالطهار.

قال ابن زيد: معناه: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، أمثال عبد الله بن أبيّ والشاكين في الدين، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء، يريد: عائشة طيبها الله لرسوله الطيب - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «مُبَرءُونَ» يعني: عائشة وصفوان، ذكرهما بلفظ الجمع كقوله: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: 11] أي: أخوان.

وقيل: «أولئك مُبَرَّؤُونَ» يعني: الطيبين والطيبات منزهون مما يقولون.

وقيل: الرَّمْيُ تعلق بالنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وبعائشة وصفوان، فبرأ الله كل واحد منهم.

24:27–29Page 352

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٢٧

O you who have believed, do not enter houses other than your own houses until you ascertain welcome and greet1 their inhabitants. That is best for you; perhaps you will be reminded [i.e., advised].

فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨

And if you do not find anyone therein, do not enter them until permission has been given you. And if it is said to you, "Go back,"1 then go back; it is purer for you. And Allāh is Knowing of what you do.

لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٢٩

There is no blame upon you for entering houses not inhabited in which there is convenience1 for you. And Allāh knows what you reveal and what you conceal.

وقيل: المراد كل أزواج الرسول برأهن الله تعالى من هذا الإفك، ثم قال: «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» يعني: براءة من الله. وقيل: العفو عن الذنوب. والرزق الكريم: الجنة.

قوله: «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون في محل رفع خبراً ثانياً.

ويجوز أن يكون «لَهُمْ» خبر «أولئك» (و) «مَغْفِرَةٌ» فاعله.

قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية.

لما ذكر حكم الرمي والقذف ذكر ما يليق به، لأن أهل الإفك (إنما توصلوا) إلى بهتانهم لوجود الخلوة، فصارت كأنها طريق التهمة، فأوجب الله تعالى ألا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام، لأن الدخول على غير هذا الوجه يوقع التهمة، وفي ذلك من المضرة ما لا خفاء به.

قوله: «تَسْتَأنِسُوا» يجوز أن يكون من الاستئناس، لأنَّ الطارق يستوحش من أنه هل يؤذن له أو لا؟ فزال استيحاشه، وهو رديف الاستئذان فوضع موضعه.

وقيل: من الإيناس، وهو الإبصار، أي: حتى تستكشفوا الحال.

وفسره ابنُ عباس: «حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا» وليست قراءة، وما ينقل عنه أنه قال: «تَسْتَأنِسُوا» خطأ من الكاتب، إنما هو (تَسْتَأْذِنُوا) فشيء مفترى عليه.

وضعفه بعضهم بأن هذا يقتضي الطعن في القرآن الذي نقل بالتواتر، ويقتضي صحة القرآن الذي لم ينقل بالتواتر، وفتح هذين البابين يطرق الشك إلى كل القرآن وإنه باطل.

وروي عن الحسن البصري أنه قال: «إن في الكلام تقديماً وتاخيراً، فالمعنى: حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا» . وهذا أيضاً خلاف الظاهر.

وفي قراءة عبد الله: ﴿حَتَّى تُسَلِّمُوا وَتَسْتَأْذِنُوا﴾ وهو أيضاً خلاف الظاهر.

واعلم أن هذا نظير ما تقدم في الرعد: (في) ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا﴾ [الرعد: 31] وتقدم القول فيه. والاستئناس: الاستعلام (والاستكشاف، من أنس الشيء: إذا أبصره، كقوله: ﴿إني آنَسْتُ نَاراً﴾ [طه: 10] ، والمعنى: حتى تستعلموا الحال، هل يراد دخولكم؟) قال:

3825 - كَأَنَّ رَحْلِيَ وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا ... يَوْمَ الجَلِيلِ على مُسْتَأْنِسٍ وَحَدِ

وقيل: هو من «الإنْس» بكسر الهمزة، أي: يَتَعرَّف هل فيها إنْسٌ أم لا؟

وحكى الطبري أنه بمعنى: «وَتُؤْنِسُوا أَنْفُسَكُمْ» .

قال ابن عطية: وتصريف الفعل يَأْبَى أن يكونَ مِنْ «أَنَس» .

فصل

قال الخليل: الاستئناس: الاستبصار من (أنس الشيء إذا أبصره) كقوله: «آنسْتُ نَاراً» أي: أبصرت.

وقيل: هو أن يتكلم بتسبيحة أو تكبيرة أو بتنحنح يؤذن أهل البيت. وجملة حكم الآية أنه لا يدخل بيت الغير إلا بعد السلام والاستئذان.

واختلفوا: هل يقدم الاستئذان أو السلام؟

فقيل: يقدم الاستئذان، فيقول: أأدخل؟ سلام عليكم، لقوله: «حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا» أي: تستأذنوا ﴿وَتُسَلِّمُواْ على أَهْلِهَا﴾ . والأكثرون على أنه يقدم السلام فيقول: سلام عليكم، أأدخل؟ ( «لما روي أن رجلاً دخل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ولم يسلم ولم يستأذن، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» ارجع فقُل: السلام عليكم، أأدخل» ) وروى ابن عمر أن رجلاً استأذن عليه فقال: أأدخل؟ فقال ابن عمر: لا، فأمر بعضهم الرجل أن يسلم، فسلَّم، فأذِنَ له.

وقيل إن وقع بصره على إنسان قدم السلام، وإلاّ قدم الاستئذان ثم يسلم. والحكمة في إيجاب تقديم الاستئذان ألاَّ يهجم على ما لا يحل له أن ينظر إليه من عورة، أو على ما لا يحب القوم أن يعرفه من الأحوال.

فصل

عدد الاستئذان ثلاثاً لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «الاستئذان ثلاثٌ، الأولى يستضيئون، والثانية يستصلحون، والثالثة يأذنون أو يردون» وعن أبي سعيد الخدري قال: «كُنت جالساً في مجلس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعاً، فقلنا له: ما أفزعك؟ فقال: أخبرني عمر أن آتيه فأتيته، فاستأذنت ثلاثاً، فلم يؤذن لي، فرجعت، فقال: ما منعك أن تأتيني؟ فقلت: قد جئت فاستأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي، وقد قال عليه السلام -:» إذا استأذنَ أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع» . فقال: لتأتيني (على هذا) بالبينة، أو لأعاقبنك، فقال أبو سعيد: لا يقوم معك إلا صغير القوم، قال: فقام أبو سعيد، فشهد له» .

وفي بعض الروايات أن عمر قال لأبي موسى: لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله.

وعن قتادة: «الاستئذانُ ثلاثةٌ: الأول ليسمع الحي، والثاني ليتهيأ، والثالث إن شاء أذن وإن شاء ردّ» .

وهذا من محاسن الآداب، لأنه في أول كرَّة ربما منعهم بعض الأشغال من الإذن، وفي الثانية ربما كان هناك ما يمنع، فإذا لم يجب في الثالثة يستدل بعدم الإذن على مانع. ويجب أن يكون بين كل واحدة والأخرى وقت ما.

فأما قرع الباب بعنف، والصياح بصاحب الدار فذاك حرام، لأنه إيذاء، وكذا قصة بني أسد وما نزل فيها من قوله: ﴿إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الحجرات أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4] .

فصل

في كيفية الوقوف على الباب

روى أبو سعيد قال: استأذن رجلٌ على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهو مستقبل الباب، فقال عليه السلام: «لا تستأذِنْ وأنت مستقبلُ البابِ» .

«وروي أنه عليه السلام كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، فيقول:» السلامُ عليكُمْ «وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور.

فصل

كلمة» حَتَّى «للغاية، والحكم بعد الغاية يكون بخلاف ما قبلها، فقوله: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن من صاحب البيت إذن.

والجواب أن الله تعالى جعل الغاية الاستئناس، ولا يحصل إلا بعد الإذن.

وأيضاً فإنّا علمنا بالنص أن الحكمة في الاستئذان ألا يدخل الإنسان على غيره بغير إذنه، فإنّ ذلك مما يسوؤه، وهذا المقصود لا يحصل إلا بعد الإذن.

وأيضاً قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا (حتى يُؤْذَنَ لَكُمُ﴾ ) فمنع الدخول إلا مع الإذن، فدل على أن الإذن شرط في إباحة الدخول في الآية الأولى.

وإذا ثبت هذا فنقول: لا بد من الإذن أو ما يقوم مقامه، لقوله عليه السلام «إذا دُعِيَ أحدُكُم فجاء مع الرسول فإنَّ ذلك له إذن» .

وقال بعضهم: إن من جرت العادة بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان. واعلم أن ظاهر الآية يقتضي قبول الإذن مطلقاً سواء كان الآذن صبياً أو امرأة أو عبداً أو ذمياً، فإنه لا يعتبر في هذا الإذن صفات الشهادة، وكذلك قبول إحضار هؤلاء في الهدايا ونحوها.

فصل

ويستأذن على المحارم، «لما روي أن رجلاً سأل النبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال:» أأستأذن على أختي؟» فقال عليه السلام: «نَعَمْ، أتحب أن تراها عريانة؟» وسأل رجل حذيفة: «أأستأذن على أختي؟» فقال: «إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوؤك» . ولعموم قوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ﴾ [النور: 59] إلا أنَّ ترك الاستئذان على المحارم وإن كان غير جائز أيسر لجواز النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوه.

فصل

إذا اطلع إنسان في دار إنسان بغير إذنه ففقأ عينه فهي هدر، لقوله عليه السلام: «مَن اطَّلع في دار قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فقد هدرت عينه» .

وقال أبو بكر الرازي: هذا الخبر ورد على خلاف قياس الأصول، فإنه لا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامناً، وكان عليه القصاص إن كان عامداً، والأرش إن كان مخطئاً، والداخل قد اطَّلع وزاد على الاطلاع، فظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق، فإن صحَّ فمعناه: من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم فمنع فلم يمتنع فذهب عينه في حال الممانعة فهي هدر، فأما إذا لم يكن إلا النظر ولم يقع فيه ممانعة ولا نهي ثم جاء إنسان ففقأ عينه فهذا جان يلزمه حكم جنايته لظاهر قوله تعالى: «العَيْن بِالعَيْنِ» إلى قوله: «والجُرُوحَ قِصَاصٌ» .

وأجيب بأن التمسك بقوله: «العَيْنُ بِالعَيْنِ» ضعيف، لأنا أجمعنا على أن هذا النص مشروط بما إذا لم تكن العين مستحقة، فإنه لو كانت مستحقة القصاص، فلم قلت: إن من اطَّلع في دار إنسان لم تكن عينه مستحقة؟

وأما قوله: إنه لو دخل لم يجز فقء عينه، فكذا إذا نظر.

والفرق بينهما أنه إذا دخل، علم القوم بدخوله عليهم، فاحترزوا عنه وتستروا، فأما إذا نظر فقد لا يكونون عالمين بذلك فيطلع منهم على ما لا يجوز الاطلاع عليه، فلا يبعد في حُكْم الشرع أن يبالغ هنا في الزجر حسماً لهذه المفسدة.

وأيضاً فردّ حديث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بهذا القدر من الكلام ليس جائزاً.

فصل

إذا عرض أمر في دار من حريق أو هجوم سارق، أو ظهور منكر فهل يجب الاستئذان؟ فقيل: كل ذلك مستثنى بالدليل.

فأما السلام فهو من سنة المسلمين التي أمروا بها، وهو تحية أهل الجنة، ومجلبة للمودة، ونافٍ للحقد والضغائن.

قال عليه السلام: «لمَّا خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذن الله، فقال له الله: يرحمك ربك يا آدم، اذهب إلى هؤلاء الملائكة ( وهم) ملأ منهم جلوس فقل: السلام عليكم، فلما فعل ذلك رجع إلى ربه فقال: هذه تحيتك وتحية ذريتك» وعن عليّ بن أبي طالب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «حق المسلم على المسلم ست: يسلِّم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، وينصح له بالغيب، ويشمِّته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته إذا مات» .

وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «إن سرَّكم أن يسل الغل من صدروكم فأفشوا السلام بينكم» .

قوله: ﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ .

أي: إن فعل ذلك خير لكم وأولى بكم من الهجوم بغير إذن «لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» أي: لتذكروا هذا التأديب فتتمسكوا به ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ﴾ أي: فإن لم تجدوا في البيوت «أَحَداً» يأذن لكم في دخولها ﴿فَلاَ تَدْخُلُوهَا حتى يُؤْذَنَ لَكُمُ﴾ لجواز أن يكون هناك أحوال مكتومة، ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا فارجعوا﴾ وذلك أنه كما يكون الدخول قد يكرهه صاحب الدار، فكذلك الوقوف على الباب قد يكرهه، فلا جرم كان الأولى له أن يرجع ﴿هُوَ أزكى لَكُمْ﴾ أي: الرجوع هو أطهر وأصلح لكم.

قال قتادة: إذا لم يؤذن له فلا يقعد على الباب، فإنَّ للناس حاجات، وإذا حضر فلم يستأذن وقعد على الباب منتظراً جاز.

كان ابن عباس يأتي الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب (حتى يخرج) ولا يستأذن، فيخرج الرجل ويقول: «يا ابنَ عم رسول الله لو أخبرتني» فيقول: هكذا أمرنا أن نطلب العلم. وإذا وقف فلا ينظر من شق الباب إذا كان الباب مردوداً «لما روي أن رجلاً اطلع على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من ستر الحجرة، وفي يد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مدراء، فقال:» لو علمتُ أن هذا ينظرني حتى آتيه لَطَعْنتُ بالمدراء في عينه، وهل جعل الاستئذان إلا من أجل البصر»

قوله: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أي: من الدخول بالإذن وغير الإذن.

ولما ذكر الله تعالى حكم الدور المسكونة ذكر بعده حكم الدور التي هي غير مسكونة فقال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ .

قال المفسرون: لما نزلت آية الاستئذان قالوا: كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام وعلى ظهر الطريق ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله عزَّ وجلَّ ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ . أي: بغير استئذان ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ أي: منفعة لكم.

قال محمد ابن الحنفية: إنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين.

وقال ابن زيد: هي بيوت التجار وحوانيتهم التي بالأسواق يدخلها للبيع والشراء، وهو المنفعة قال إبراهيم النخعي: ليس على حوانيت السوق إذن.

وكان ابن سيرين إذا جاء إلى حانوت السوق يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ثم يلج.

وقال عطاء: هي البيوت الخربة، و «المَتَاعُ» هو قضاء الحاجة فيها من البول والغائط. وقيل: هي جميع البيوت التي لا ساكن لها.

وقيل: هي الحمامات.

وروي أن أبا بكر قال: يا رسولَ الله، إن الله قد أنزلَ عليكَ آيةً في الاستئذان، وإنا نختلف في تجارتنا فننزل هذه الخانات، أفلا ندخلها إلا بإذن؟ فنزلت هذه الآية.

والأصح أنه لا يمتنع دخول الجميع تحت الآية، لأن الاستئذان إنما جاء لئلا يطلع على عورة، فإن لم يخف ذلك فله الدخول، لأنه مأذون فيها عرفاً.

﴿والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ وهذا وعيد للذين يدخلون الخربات والدور الخالية من أهل الريبة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском