Ibn 'AdilAl‑Furqan · 25:21–29

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:21–29

25:21–24Page 362

۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا ٢١

And those who do not expect the meeting with Us say, "Why were not angels sent down to us, or [why] do we [not] see our Lord?" They have certainly become arrogant within themselves1 and [become] insolent with great insolence.

يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٢٢

The day they see the angels1 - no good tidings will there be that day for the criminals, and [the angels] will say, "Prevented and inaccessible."2

وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣

And We will approach [i.e., regard]1 what they have done of deeds and make them as dust dispersed.

أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا ٢٤

The companions of Paradise, that Day, are [in] a better settlement and better resting place.

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ الآية. هذه هي الشبهة الرابعة لمنكري نبوة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وحاصلها: لم (لم) تنزَّل الملائكة حتى يشهدوا أن محمداً محق في دعواه، ﴿أَوْ نرى رَبَّنَا﴾ حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا؟

فصل

قال الفراء: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ أي: لا يخافون لقاءنا، فوضع الرجال موضع الخوف لغة تهاميّة إذا كان معه جحدٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح: 13] أي: لا تخافون لله عظمةً

قال القاضي: لا وجه لذلك، لأن الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لم يجز حمله على المجاز، والمعلوم من حال عبّاد الأصنام أنهم كانوا لا يخافون العقاب، لتكذيبهم (بالمعاد) ، فكذلك لا يرجون الثواب لمثل ذلك، فقوله: ﴿لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ محمول على الحقيقة، وهو أنهم لا يرجون لقاء ما وعدنا على الطاعة من الثواب والجنة، ومعلوم أن من لا يرجو ذلك لا يخاف العقاب أيضاً، فالخوف تابع (للرجاء) .

فصل

دلَّ ظاهر الآية على جواز الرؤية، لأن اللقاء جنس تحته أنواع، أحد أنواعه الرؤية، والآخر الاتصال والمماسّة. وهما باطلان، فدلَّ على جواز الرؤية، لأن الرائي يصل برؤيته إلى حقيقة المرئي فسمي الرؤية لقاء. وقالت المعتزلة: تفسير اللقاء برؤية البصر جهل باللغة، لأنه يقال في الدعاء: لقاك الله الخير. ويقول القائل: لم أَلْقَ الأمير. وإن رآه من بعد إذا حجب عنه، ويقال في الضرير: لقي الأمير إذا أذن له ولم يحجب، وقد يلقاه في الليلة الظلماء ولا يراه، بل المراد من اللقاء هنا المصير إلى حكمه حيث لا حكم لغيره في يوم ﴿لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ [الانفطار: 19] لا أنه رؤية البصر. قال ابن الخطيب وهذا كلام ضعيف، لأنَّ اللفظ الموضوع لمعنى مشترك بين معان كثيرة ينطلق على كل واحد من تلك المعاني، فيصح قوله: لقاك الخير، ويصح قول الأعمى: لقيت الأمير، ويصح قول البصير: لقيته (بمعنى رأيته، وما لقيته) بمعنى ما وصلت إليه، وإذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ مذكور في معرض الذم لهم، فوجب أن يكون رجاء اللقاء حاصلاً، ومسمى اللقاء مشترك بين الوصول المكاني وبين الوصول بالرؤية، وقد بطل الأول فتعيّن الثاني.

وقولهم: المراد من اللقاء الوصول إلى حكمه. صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل، فثبت دلالة الآية على صحة الرؤية بل على وجوبها، بل على أنّ إنكار الرؤية ليس إلا من دين (الكفار) .

قوله: «لَوْلاَ أُنْزِلَ» : هلاّ أنزل «عَلَيْنَا المَلاَئِكَةُ» فيخبرونا أن محمداً صادق ﴿أَوْ نرى رَبَّنَا﴾ فيخبرنا بذلك ﴿لَقَدِ استكبروا في أَنفُسِهِمْ﴾ (أي: تعظموا في أنفسهم) بهذه المقالة.

قال الكلبي ومقاتل: نزلت الآية في أبي جهل والوليد وأصحابهما المنكرين للنبوة والبعث.

قوله: «عُتُواً» مصدر وقد صحَّ هنا وهو الأكثر وأُعِلَّ في مريم في «عِتِيًّا» ، لمناسبة ذكرت هناك، وهي تواخي رؤوس الفواصل.

فصل

قال مجاهد: «عُتُوًّا» طغواً. وقال مقاتل: «عتوًّا» غلوًّا في القول.

والعتو: أشد الكفر وأفحش الظلم، وعتوهم طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به.

وقوله: «فِي أَنْفُسِهِمْ» ، لأنهم أضمروا الاستكبار في قلوبهم واعتقدوه، كما قال: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم (بِبَالِغِيهِ) ﴾ [غافر: 56] . وعتوا: تجاوزوا الحد في الظلم.

فصل

وهذا جواب عن شبهتهم وبيانه من وجوه:

أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزاً فقد تمت نبوة محمد - عليه السلام - فبعد ذلك يكون اقتراح أمثال هذه الآيات لا يكون إلا محض التعنت والاستكبار.

وثانيها: أنَّ نزول الملائكة لو حصل لكان أيضاً من جملة المعجزات، فل يدل على الصدق لخصوص كونه نزول الملك بل لعموم كونه معجزاً فيكون قبول ذلك المعجز وردّ المعجز الآخر ترجيحاً لأحد المثلين على الآخر من غير مزيد فائدة ومرجِّح، وهو محض الاستكبار والتعنت.

وثالثها: أنهم بتقدير أن يروا الرب، ويسألوه عن صدق محمد - عليه السلام - وهو سبحانه يقول: نعم هو رسولي، فذلك لا يزيد في التصديق على إظهار المعجز على يد محمد - عليه السلام - لأنَّا بيَّنَّا أن المعجزة تقوم مقام التصديق بالقول، إذ لا فرق وقد ادعى النبوة بين أن يقول: اللهم إن كنت صادقاً فأحْيِ هذا الميت، فيحييه الله تعالى، (والعادة لم تجر بمثله) ، وبين أن يقول له: صدقت. وإذا كان التصديق بالقول والتصديق الحاصل بالمعجز (سيّين) في كونه تصديقاً للمدعى، كان تعيين أحدهما محض استكبار وتعنت.

ورابعها: يمكن أن يكون المراد أنَّ الله تعالى قال: لو علمت أنهم ما ذكروا هذا السؤال لأجل الاستكبار والعتو الشديد لأعطيتهم مقترحهم، ولكني علمت أنهم ذكروا هذا الاقتراح لأجل الاستكبار والتعنت، فلو أعطيتهم مقترحهم لما انتفعوا به، فلا جرم لا أعطيهم ذلك.

وخامسها: لعلهم سمعوا من أهل الكتاب أن الله لا يُرَى، وأنه تعالى لا ينزل الملائكة في الدنيا على عوام الخلق، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك على سبيل الاستهزاء.

فصل

استدل المعتزلة بهذه الآية على عدم الرؤية، لأنّ رؤيته لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتواً. قالوا: فقوله: ﴿لَقَدِ استكبروا في أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً﴾ ليس إلا لأجل سؤال الرؤية، واستعظم في آية أخرى قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة﴾ [البقرة: 55] . فثبت أن الاستكبار والعتو هاهنا إنما حصل لأجل سؤال الرؤية، وتقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة. ونقول هاهنا: إنّا بينا أن قوله: ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ يدل على الرؤية، وأمّا الاستكبار والعتو فلا يدل ذلك على أن الرؤية مستحيلة، لأنَّ من طلب شيئاً محالاً لا يقال: إنه عَتَا واستكبر، ألا ترى قولهم:

﴿اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138] لم يثبت لهم بطلب هذا المحال عتوًّا واستكباراً بل قال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138] .

ومما يدل على ذلك أن موسى - عليه السلام - لما قال: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143] ما وصفه الله بالاستكبار والعتوّ، لأنه - عليه السلام - طلب الرؤية شوقاً، وهؤلاء لمَّا طلبوها امتحاناً وتعنتاً لا جرم وصفهم بذلك.

قوله: «يَوْمَ يَرَونَ» فيه أوجه:

أحدها: أنه منصوب بإضمار فعل يدل عليه قوله: «لاَ بُشْرَى» أي: يُمْنَعُونَ البُشْرَى يَوْمَ يَرَونَ.

الثاني: أنه منصوب ب (اذكر) ، فيكون مفعولاً به.

الثالث: أنَّه منصوب ب (يعذبون مقدراً.

ولا يجوز أن يعمل فيه نفس «البُشْرَى» لوجهين:

أحدهما: أنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله.

والثاني: أنَّها منفية ب (لا) ، (وما بعد (لا)) لا يعمل فيما قبلها.

قوله: «لاَ بُشْرَى» هذه الجملة معمولة لقول مضمر، أي: يَرَون الملائكة يقولون لا بُشْرَى، فالقول حال من «المَلاَئِكَة» ، وهو نظير التقدير في قوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ﴾ [الرعد: 23] إلى قوله: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: 24] .

قال أبو حيان: واحتمل «بُشْرَى» أن يكون مبنيًّا مع «لاَ» ، واحتمل أن يكون في نية التنوين منصوب اللفظ، ومنع من الصرف للتأنيث اللازم فإنه كان مبنيًّا مع «لا» احتمل أن يكون «يَوْمَئِذٍ» خبراً و «لِلْمُجْرِمِينَ» خبراً بعد خبر، أو نعتاً ل «بُشْرَى» ، أو متعلقاً بما تعلَّق به الخبر، وأن يكون «يَوْمَئِذٍ» صفة ل «بُشْرَى» والخبر «لِلْمُجْرِمِينَ» ، ويجيء خلاف سيبويه والأخفش هل الخبر لنفس «لاَ» أو الخبر للمبتدأ الذي هو مجموع «لاَ» وما بني معها.

وإن كان في نية التنوين وهو معرب، (جاز أن يكون «يَوْمَئِذٍ» ، و «لِلْمُجْرِمِينَ» خبرين، و) جاز أن يكون «يَوْمَئِذٍ» خبراً و «لِلْمُجْرِمِينَ» صفة، والخبر إذا كان الاسم ليس مبنياً لنفس «لاَ» بإجماع. قال شهاب الدين: قوله: واحتمل أن يكون في نية التنوين إلى آخره لا يتأتَّى إلاَّ على قول أبي إسحاق، وهو أنه يرى أنَّ اسم (لاَ) النافية للجنس معربٌ، ويعتذر عن حذف التنوين بكثرة الاستعمال ويستدل عليه بالرجوع إليه في الضرورة، وينشد:

3870 - أَلاَ رَجُلاً جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً ... ويتأوله البصريون على إضمار: ألا ترونني رجلاً، وكان يمكن الشيخ أن يجعله معرباً كما ادّعى بطريق أخرى، وهو: أن يجعل «بُشْرَى» عاملة في «يَوْمَئِذٍ» أو في «لِلْمُجْرِمِينَ» ، فيصير من قُبَيْل المطوَّل، والمطوَّل معربٌ، لكنه لم يلم بذلك، وسيأتي شيء من هذا في كلام أبي البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ.

ويجوز أن يكون «بُشْرَى» معرباً منصوباً بطريق أخرى، وهي أن تكون منصوبة بفعل مقدَّر، أي: لا يُبَشَّرُونَ بُشْرَى، كقوله تعالى: ﴿لاَ مَرْحَباً (بِهِمْ) ﴾ [ص: 59] ، (و) لا أهلاً ولا سهلاً، إلاَّ أن كلام الشيخ لا يمكن تنزيله على هذا لقوله: جاز أن يكون «يَوْمَئِذٍ» و «لِلْمُجْرِمِينَ» خبرين، فقد حكم أن لها خبراً، وإذا جُعِلَت منصوبة بفعل مقدر لا يكون [ل (لا) ] حينئذ خبر، لأنها داخلة على ذلك الفعل المقدر، وهذا موضع حسنٌ.

قوله: «يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ» قد تقدَّم في «يَوْمَئِذٍ» أوجه: وجوَّز أبو البقاء أن يكون منصوباً ب «بُشْرَى» ، قال: إذا قدَّرت أنها منونة غير مبنيَّة مع (لا) ، ويكون الخبر «لِلْمُجْرِمِينَ» . وجوَّز - أيضاً - هو والزمخشري أن يكون «يَوْمَئِذٍ» تكريراً ل «يَوْم) يَرَوْنَ» وردَّه أبو حيان سواء أريد بالتكرير التوكيد اللفظيّ أم أريد به البدل قال: لأنَّ «يَوْمَ» منصوب بما تقدم ذكره من (اذكر) (أو من) (يَعْدَمُونَ) البشرى، وما بعد (لاَ) العاملة في الاسم لا يعمل فيه ما قبلها، وعلى تقدير ما ذكراه يكون العامل فيه ما قبل (لاَ) . وما ردَّه ليس بظاهر، لأنَّ الجملة المنفية معمولةٌ للقول المضمر الواقع حالاً من «المَلاَئِكَةِ» ، و «الملائكة» معمولةٌ ل «يَرَوْنَ» ، و «يَرَوْنَ» معمول ل «يَوْمَ» خُصِّصَا بالإضافة، ف (لا) وما في حيزها من تتمة الظرف الأول من حيث إنها معمولة لبعض ما في حيزه، فليست بأجنبية ولا مانعةٍ من أن يعمل ما قبلها فيما بعدها.

والعجب له كيف تخيل هذا وغفل عما تقدم فإنه واضح مع التأمل. و «لِلْمُجْرِمِينَ» من وضع الظاهر موضع المضمر شهادةً عليهم بذلك. والضمير في «يقُولُونَ» يجوز عوده للكفار (أو للملائكة) . و «حِجْراً» من المصادر الملتزم إضمار ناصبها، ولا يتصرَّف فيه نحو معاذ الله، وقعدك، وعمرك، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدوٍّ وهجوم نازلة، ونحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة، قال سيبويه: ويقول الرجل للرجل: أتفعل كذا فيقول: حِجْراً وهي من حجره: إذا منعه، لأنَّ المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه ولا يلحقه، وكان المعنى: أسأل الله أن يمنعه منعاً ويحجره حجراً. والعامة على كسر الحاء، والضحاك، والحسن، وأبو رجاء على ضمِّها وهو لغة فيه.

قال الزمخشري: ومجئيه على فِعْل أو فُعْل في قراءة الحسن تصرُّفٌ فيه لاختصاصه بموضع واحد كما كان قعدك وعمرك كذلك وأنشد لبعض الرجاز:

3871 - قَالَتْ وَفِيهَا حَيْدَةٌ وذُعْرُ ... عَوْذٌ بِرَبِّي مِنْكُم وَحُجْرُ ... وهذا الذي أنشده الزمخشري يقتضي تصرُّف «حِجْراً» . وقد تقدم نص سيبويه على أنه يلتزم النصب. وحكى أبو البقاء فيه لغةً ثالثةً وهي الفتح، قال: وقد قرئ بها. فعلى هذا كمل فيه ثلاثة لغاتٍ مقروء بهنَّ.

و «مَحْجُوراً» صفة مؤكدة للمعنى كقولهم: ذيل ذائل، والذيل: الهوان، ومَوْتٌ مَائِتٌ، والحِجْرُ: العقل، لأنه يمنع صاحبه.

فصل

قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة﴾ عند الموت. قاله ابن عباس، وقال الباقون: يريد يوم القيامة ﴿لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ﴾ للكافرين. قالت المعتزلة: الآية تدلّ على القطع بوعيد الفساق وعدم العفو، قوله: «لاَ بُشْرَى ... لِلْمُجْرِمِينَ» نكرة في سياق النفي فتعمّ جميع أنواع البشر في جميع الأوقات، بدليل أن من أراد تكذيب هذه القضية قال: بل له بُشْرَى في الوقت الفلاني، فلما كان ثبوت البشرى في وقت من الأوقات يذكر لتكذيب هذه القضية، علمنا أن قوله: «لاَ بُشْرَى» يقتضي نفي جميع البشرى في كل الأوقات، وشفاعة الرسول لهم من أعظم البشرى فوجب أن لا يثبت ذلك لأحد من المجرمين، والكلام على التمسك بصيغ العموم، وقد تقدم مراراً.

فصل

اختلفوا في القائلين «حِجْراً مَحْجُوراً» : فقال ابن جريج: كانت العرب إذا نزلت بهم شدة، ورأوا ما يكرهون، قالوا: «حِجْراً مَحْجُوراً» ، فهم يقولونه إذا عاينوا الملائكة.

قال مجاهد: يعني: عوذاً مَعَاذاً، فيستعيذون به من الملائكة.

وقال ابن عباس: تقول الملائكة: حراماً محرماً أن يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله. قال مقاتل: إذا خرج الكفار من قبورهم قالت لهم الملائكة «حِجْراً مَحْجُوراً» أي: حرام محرم عليكم أن تكون لكم البشرى.

قوله: ﴿وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ﴾ أي: وعمدنا إلى عملهم.

قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ . الهَبَاءُ والهَبْوَةُ: التراب الدقيق. قاله ابن عرفة.

قال الجوهري: يقال فيه: هَبَا يَهْبُو: إذا ارتفع، وأَهْبَبْتُهُ أَنَا إِهْبَاءً.

وقال الخليل والزجاج: هو مثل الغبار الداخل في الكوَّة يتراءى مع ضوء الشمس فلا يمس بالأيدي ولا يرى في الظل. وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد.

وقيل: الهَبَاءُ ما تطاير من شرر النَّار إذا أُضْرِمَتْ، والواحدة هباءة على حد تَمْر وتَمْرَة. و «مَنْثُوراً» أي: مفرَّقاً، نثرت الشيء فرَّقته. والنَّثْرَةُ لنجوم متفرقة. والنَّثْرُ: الكلام غير المنظوم على المقابلة بالشعر.

قال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير: هو ما تسفيه الرياح، وتذريه من التراب، (وحطام الشجر) .

وقال مقاتل: هو ما يسطع من حوافر الدواب عند السير.

وفائدة الوصف به أنَّ الهَبَاءَ تراه منتظماً مع الضوء، فإذا حرّكته تفرَّق، فجيء بهذه الصفة لتفيد ذلك.

وقال الزمخشري: أو مفعول ثالث ل «جَعَلْنَاهُ» أي: فَجَعَلْنَاهُ جامعاً لحقارة الهَبَاء والتناثر، كقوله: «كُونُوا» ﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: 66] أي: جامعين للمسخ والخسأ.

قال أبو حيان: وخالف ابن درستويه، فخالف النحويين في منعه أن يكون ل (كان) خبران وأزيد، وقياس قوله في (جعل) أن يمنع أن يكون لها خبر ثالث.

قال شهاب الدين: مقصوده أن كلام الزمخشري مردودٌ قياساً على ما منعه ابن درستويه من تعديد خبر (كَانَ) .

قوله: ﴿أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ أي: من هؤلاء المشركين المستكبرين. «وَأَحْسَن مَقِيلاً» موضع قائلة. وفي (أَفْعَل) هاهنا قولان:

أحدهما: أنها على بابها من التفضيل، والمعنى: أن المؤمنين خير في الآخرة مُسْتَقَراً من مُسْتَقَرِّ الكفار «وَأَحْسَنُ مَقِيلاً» من مقيلهم، لو فرض أن يكون لهم.

والثاني: أن يكون لمجرَّد الوصف من غير مفاضلةٍ.

فصل

قال المفسرون: يعني أن أهل الجنة لا يمرّ بهم يوم إلا قدر النهار من أوله إلى قدر القائلة حتى يسكنوا مساكنهم من الجنة.

قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، وقرأ: «ثُمَّ إن مَقِيلَهُمْ لإلى الجَحِيمِ» وهكذا كان يقرأ.

وقال ابن عباس في هذه الآية: الحساب ذلك اليوم في أوله. وقال قوم: حين قالوا في منازلهم.

قال الأزهري: القيلولة والمقيل: الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن مع ذلك نوم، لأن الله قال: «وَأَحْسَنُ مَقِيلاً» والجنة لا نوم فيها.

وروي «أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس» .

25:25–29Page 362

وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥

And [mention] the Day when the heaven will split open with [emerging] clouds,1 and the angels will be sent down in successive descent.

ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦

True sovereignty, that Day, is for the Most Merciful. And it will be upon the disbelievers a difficult Day.

وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧

And the Day the wrongdoer will bite on his hands [in regret] he will say, "Oh, I wish I had taken with the Messenger a way.1

يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨

Oh, woe to me! I wish I had not taken that one1 as a friend.

لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩

He led me away from the remembrance1 after it had come to me. And ever is Satan, to man, a deserter."2

قوله: «وَيَوْمَ تَشَقَّقُ» العامل في «يَوْمَ» إمّا (اذكر) ، وإمّا ينفرد الله بالمُلْكِ يَوْمَ تشقق، لدلالة قوله: ﴿الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن﴾ عليه. وقرأ الكوفيون وأبو عمرو [هنا وفي (ق) «تَشَقَّقُ» بالتخفيف، والباقون بالتشديد، وهما واضحتان، حذف الأولون] تاء المضارعة أو تاء التفعل على خلاف في ذلك، والباقون أدغموا تاء التفعل في الشين لما بينهما من المقاربة، وهما ك «تَظَاهَرُونَ» و «تَظَّاهَرُونَ» حذفاً وإدغاماً، وقد مضى في البقرة. قوله: «بِالغَمَامِ» في هذه الباء ثلاثة أوجه:

أحدها: على السببية، أي: بسبب الغمام، يعني بسبب طلوعها منها، ونحوه السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] كأنه الذي يتشقق به السماء.

الثاني: أنها للحال، أي: مُلتَبِسَةً بالغمام.

الثالث: أنها بمعنى (عَنْ) ، أي: عن الغَمَام كقوله: ﴿ (يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرض عَنْهُمْ) ﴾ [ق: 44] ، [والباء وعن يتعاقبان، تقول: رميت عن القوس وبالقوس] .

قوله: «وَنُزِّلَ المَلاَئِكَةُ» فيها اثنتا عشرة قراءة ثنتان في المتواتر، وعشر في الشاذ. فقرأ ابن كثير من السبعة «وَنُنْزِلُ» بنون مضمومة ثم أخرى ساكنة وزاي خفيفة مكسورة مضارع (أَنْزَلَ) ، و «المَلاَئِكَةَ» بالنصب مفعول به، وكان من حق المصدر أن يجيء بعد هذه القراءة على (إِنْزَال) . قال أبو علي: لما كان (أَنْزَلَ) و (نَزَّلَ) يجريان مجرى واحداً أجزأ مصدر أحدهما عن مصدر الآخر، وأنشد:

3872 - وَقَدْ تَطَوَّيْتُ انْطِوَاءَ الحِضْبِ ...

لأنَّ تَطَوَّيْتُ وانْطَويْتُ بمعنى، ومثله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: 8] [أي: تَبَتُّلاً] وقرأ الباقون من السبعة «وَنُزِّلَ» بضم النون وكسر الزاي المشددة وفتح اللام ماضياً مبنيًّا للمفعول، «المَلاَئِكَةُ» بالرفع لقيامه مقام الفاعل، وهي موافقةٌ لمصدرها.

وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء «وَنَزَّلَ» بالتشديد ماضياً مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، «المَلاَئِكَةَ» مفعول به. وعنه - أيضاً - «وَأَنْزَلَ» مبنيًّا للفاعل عداه بالتضعيف مرة، وبالهمزة أخرى، والاعتذار عن مجيء مصدره على التفعيل كالاعتذار عن ابن كثير. وعنه - أيضاً - «وَأُنْزِلَ» مبنيًّا للمفعول.

وقرأ هارون عن أبي عمرو «وَتُنَزِّلُ المَلاَئِكَةُ» بالتاء من فوق وتشديد الزاي ورفع اللام مضارعاً مبنيًّا للفاعل، «المَلاَئِكَةُ» بالرفعِ مضارع «نَزَّلَ» بالتشديد، وعلى هذه القراءة، فالمفعول محذوف، أي: وتُنَزِّلُ المَلاَئِكَةُ ما أُمِرَتْ أن تُنَزِّله.

وقرأ الخفَّاف عنه، وجناح بن حبيش «وَنَزَلَ» مخففاً مبنيًّا للفاعل، «المَلاَئِكَةُ» بالرفع. وخارحة عن أبي عمرو - أيضاً - وأبو معاذ «ونُزِّلَ» بضم النون وتشديد الزاي، ونصب «المَلاَئِكَةَ» ، والأصل: ونُنْزِلُ بنونين حذفت (إحداهما) وقرأ أبو عمرو وابن كثير في رواية عنهما بهذا الأصل «ونُنَزِّلَ» بنونين وتشديد الزاي.

وقرأ أُبيّ «وَنُزِّلَتْ» بالتشديد مبنيًّا للمفعول، «وَتُنُزِّلَتْ» بزيادة تاء في أوله، وتاء التأنيث (فيهما) .

وقرأ أبو عمرو في طريقة الخفاف عنه «وَنُزِلَ» بضم النون وكسر الزاي خفيفة مبنيًّا للمفعول. قال صاحب اللوامح: فإن صحت هذه القراءة فإنه حذف منها المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، تقديره: ونُزِلَ نُزُول الملائكة، فحذف النزول ونقل إعرابه إلى «المَلاَئِكَة» بمعنى: نَزَلَ نَازِلُ الملائكة، لأنَّ المصدر يجيء بمعنى الاسم، وهذا مما يجيء على مذهب سيبويه ترتيب بناء اللازم للمفعول به، لأنَّ الفعل يدل على مصدره. قال شهاب الدين: وهذا تمحُّلٌ كثير دعت إليه ضرورة الصناعة. وقال ابن جني: وهذا غير معروف، لأنَّ (نَزَلَ) لا يتعدى إلى مفعول فيبنى هنا للملائكة، ووجهه أن يكون مثل زكم الرَّجُلُ وجنَّ، فإنه لا يقال إلا أزكمه، وأجنّه الله، وهذا باب سماع لا قياس. ونظير هذه القراءة ما تقدم في سورة الكهف في قراءة من قرأ ﴿فَلاَ يَقُومُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً﴾ بنصب الوزن من حيث تعدية القاصر، وتقدم ما فيها.

فصل

الغَمَامُ: هو الأبيض الرقيق مثل الضباب، ولم يكن إلاَّ لبني إسرائيل في تيههم. والألف واللام في «الغمام» ليس للعموم بل للمعهود، وهو ما ذكره في قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام﴾ [البقرة: 210] قال ابن عباس: تتشقق سماء الدنيا فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، [ثم تشقق السماء ثانية، فينزل أهلها وهم أكثر ممن في السماء الدنيا ومن الجن والإنس] ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكَرُوبِيُّون، ثم حملة العرش.

فإن قيل: ثبت بالقياس أن نسبة الأرض إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة، فكيف بالقياس إلى الكرسي والعرش، فملائكة هذه المواضع (بأسرها، فكيف تتسع الأرض لكل هؤلاء) ؟

فالجواب: قال بعض المفسرين: الملائكة يكونون في الغمام، والغمام يكون) مقرّ الملائكة.

قوله: «المُلْكُ يَوْمَئذٍ» فيها أوجه:

أحدها: أن يكون «المُلْكُ» مبتدأ والخبر «الحَقُّ» و «يَوْمَئِذٍ» متعلق ب «الملك» ، و «للرَّحْمَنِ» متعلق ب «الحَقّ» ، أو بمحذوف على التبيين، أو بمحذوف على أنه صفة للحق.

الثاني: أنَّ الخبر «يَوْمَئِذٍ» ، و «الحَقُّ» نعت للملك، [و «للرحمن» على ما تقدم] .

[الثالث: أنَّ الخبر «للرَّحْمَن» و «يَوْمَئِذٍ» متعلق ب «الملك» ، و «الحَقُّ» نعت للملك] .

قيل: ويجوز نصب الحق بإضمار (أَعْنِي) .

فصل

المعنى: أَنَّ الملك الذي هو الملك حقاً ملك الرحمن يوم القيامة.

قال ابن عباس: يريد أَنَّ يوم القيامة لا ملك يقضي غيره. ومعنى وصفه بكونه حقاً: أنه لا يزول ولا يتغير. فإن قيل: مثل هذا الملك لم يكن قط إلا للرحمن، فما الفائدة في قوله: «يَوْمَئِذٍ» ؟ . فالجواب لأَنّ في ذلك اليوم لا مالك له سواه لا في الصورة، ولا في المعنى، فتخضع له الملوك وتعنو له الوجوه، وتذل له الجبابرة بخلاف سائر الأيام. ﴿وَكَانَ يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً﴾ أي: شديداً، وهذا الخطاب يدلُّ على أنه لا يكون على المؤمنين عسيراً؛ جاء في الحديث «أنه يهوّن يوم القيامة على المؤمن حتى يكون أَخَفَّ عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا» قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم﴾ يَوْمَ معمول لمحذوف، أو معطوف على «يَوْمَ تَشَقَّقُ» . و «يَعضُّ» مضارع عَضَّ، ووزنه فَعِل بكسر العين بدليل قولهم: عَضِضْتُ أَعَضُّ. وحكى الكسائي فتحها في الماضي، فعلى هذا يقال: أَعِضُّ بالكسر في المضارع. والعَضُّ هنا كناية عن شدة الندم، ومثله: حَرَقَ نَابَهُ، قال:

3873 - أَبى الضَّيْم والنُّعْمَان يَحْرِقُ نَابَهُ ... عَلَيْهِ فَأَفْضَى والسّيُوفُ مَعَاقِلُه

وهذه الكناية أبلغ من تصريح المكني عنه.

فصل

(أل) في «الظَّالم» تحتمل العهد والجنس على خلاف في ذلك. فالقائلون بالعهد اختلفوا على قولين:

الأول: قال ابن عباس: «أراد بالظالم: عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس، كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً، ودعا إليه جيرته وأشراف قومه، وكان يكثر مجالسة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ويعجبه حديثه، فقدم ذات يوم من سفر، فصنع طعاماً، ودعا الناس، ودعا الرسول، فلما قرب الطعام قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -» ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله «فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أَنّ محمداً رسول الله، فأكل الرسول من طعامه، وكان عقبة صديقاً لأبيّ بن خلف، فلما أتى أُبي بن خلف قال له: يا عقبة صبأت، قال: لا والله ما صبأت، ولكن دخل عليّ فأبَى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له، فطعم. فقال: ما أنا بالذي أرضى منك أبداً إلا أن تأتيه وتبزق في وجهه، وتطأ على عنقه، ففعل ذلك عقبة، فقال عليه السلام: لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوتك بالسيف» ، فقتل عقبة يوم بدر صبراً، وأما أبيّ بن خلف فقتله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بيده يوم أحد.

قال الضحاك: لما بزق عقبةُ في وجه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عاد بزاقه في وجهه، فاحترق خداه، فكان أثر ذلك فيه حتى الموت.

وقال الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليل أمية بن خلف فأسلم عقبة فقال أمية: وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمداً، فكفر وارتد، فأنزل الله - عزَّ وجلَّ - ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ﴾ يعني: عُقبة، يقول: ﴿ياليتني اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً﴾ ، أي: ليتني اتبعت محمداً فاتخذت معه سبيلاً إلى الهدى. وقرأ أبو عمرو ﴿يَا لَيَتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ بفتح الياء، والآخرون بإسكانها.

الثاني: قالت الرافضة: الظالم هو رجل بعينه، وإن المسلمين عرفوا اسمه وكتموه، وجعلوا فُلاناً بدلاً من اسمه، وذكروا فاضلين من أصحاب الرسول.

ومن حمل الألف واللام على العموم، لأنها إذا دخلت على الاسم المفرد أفادت العموم بالقرينة، وهي أنَّ ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية الوصف، فدلّ على أنَّ المؤثر في العض على اليدين كونه ظالماً، فيعم الحكم لعموم علته.

وهذا القول أولى من التخصيص بصورة واحدة، ونزوله في واقعة خاصة (لا ينافي العموم) ، بل تدخل فيه تلك الصورة وغيرها. والمقصود من الآية زجر الكل عن الظلم، وذلك لا يحصل إلا بالعموم.

فصل

قال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت، ولا يزال هكذا كلما أكلها نبتت وقال المحققون: هذه اللفظة للتحسر والغم، يقال: عَضَّ أنامله، وعضَّ على يديه.

قوله: «يَقُولُ» هذه الجملة حال من فاعل «يَعَضُّ» وجملة التمني بعد القول محكيةٌ به، وتقدم الكلام في مباشرة (يَا) ل «لَيْتَ» في النساء.

قوله: «يَا وَيْلَتَى» . قرأ الحسن «يَا وَيْلَتِي» بكسر التاء وياء صريحة بعدها، وهي الأصل. وقرأ الدَّوْرِيُّ بالإمالة.

قال أبو علي: وترك الإمالة أحسن، لأن أصل هذه اللفظة الياء فبدلت الكسرة فتحة والياء ألفاً فراراً من الياء، فَمَنْ أَمَالَ رجع إلى الذي منه فَرَّ أولاً. وهذا منقوض بنحو (بَاعَ) فإن أصله الياء، ومع ذلك أمالوا، وقد أمالوا ﴿ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ﴾ [الزمر: 56] و «يَا أَسَفَى» وهما ك (ياء) «وَيْلَتِي» في كون ألفهما عن ياء المتكلم. و «فُلاَن» كناية عن عَلَمِ من يعقل، وهو متصرف. و «فُلُ» كناية عن نكرة مَنْ يعقل من الذكور، و «فُلَةُ» عن مَنْ يعقل من الإناث. والفُلاَنُ والفُلاَنةُ بالألف عن غير العاقل، ويختص (فُلُ) ، و (فُلَةُ) بالنداء إلاَّ في ضرورة كقوله: 3874 - فِي لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاَناً عَنْ فُلِ ... وليس (فُلُ) مرخماً من (فلان) خلافاً للفراء. وزعم أبو حيان أنَّ ابن عصفور وابن مالك، وابن العلج وهموا في جعلهم (فُلُ) كناية عن عَلَمِ مَنْ يعقل (فلان) . ولام (فُلُ) و (فُلاَنُ) فيها وجهان:

أحدهما: أنها واو.

والثاني: أنها ياء.

فصل

تقدم الكلام في «يَا وَيْلَتَى» في هود. ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ يعني أبيّ بن خلف ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذكر﴾ عن الإيمان والقرآن، ﴿بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي﴾ يعني الذكر مع الرسول «وَكَانَ الشَّيْطَانُ» وهو كل متمرد عاتٍ من الجن والإنس، وكل من صدَّ عن سبيل الله فهو شيطان. وقييل: أشار إلى خليله. وقيل: أراد إبليس، فإنه الذي حمله على أن صار خليلاً لذلك المُضِل، ومخالفة الرسول، ثم خذله، وهو معنى قوله: «للإنْسَانِ خَذُولاً» أي: تاركاً يتركه ويتبرأ منه عند نزول البلاء والعذاب.

وقوله: «وَكَانَ الشَّيْطَانُ» يحتمل أَنْ تكون هذه الجملة من مقول الظالم فتكون منصوبة المحل بالقول. وأن تكون من مقول الباري تعالى فلا محل لها، لاستئنافها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском