Ibn 'AdilAn‑Naml · 27:20–29

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:20–29

27:20–25Page 378

وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيۡرَ فَقَالَ مَالِيَ لَآ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَآئِبِينَ ٢٠

And he took attendance of the birds and said, "Why do I not see the hoopoe - or is he among the absent?

لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٢١

I will surely punish him with a severe punishment or slaughter him unless he brings me clear authorization."1

فَمَكَثَ غَيۡرَ بَعِيدٖ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ وَجِئۡتُكَ مِن سَبَإِۭ بِنَبَإٖ يَقِينٍ ٢٢

But he [i.e., the hoopoe] stayed not long and said, "I have encompassed [in knowledge] that which you have not encompassed, and I have come to you from Sheba with certain news.

إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ ٢٣

Indeed, I found [there] a woman ruling them, and she has been given of all things, and she has a great throne.

وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ ٢٤

I found her and her people prostrating to the sun instead of Allāh, and Satan has made their deeds pleasing to them and averted them from [His] way, so they are not guided,

أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ ٱلَّذِي يُخۡرِجُ ٱلۡخَبۡءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ٢٥

[And] so they do not prostrate to Allāh, who brings forth what is hidden within the heavens and the earth and knows what you conceal and what you declare -

قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطير﴾ الآية «تَفَقَّدَ الطَّيْرَ» : طلبها وبحث عنها وبحث عنها، والتفقد طلب ما فقد، والمعنى طلب ما فقد من الطير، واختلفوا فيما تفقده من أجله، فقيل: لأنه أخل بالنوبة التي كان ينوبها، وقيل: لأن هندسة الماء كانت لديه، وكان يرى الماء تحت الأرض كما يرى في الزجاج وكان يعرف قربه وبعده في عمق الأرض. قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا قال له نافع بن الأزرق: يا وصاف، انظر ما يقول: إن الصبي منا يضع الفخ ويحثو عليه التراب، فيجيء الهدهد ولا يبصر الفخ، حتى يقع في عنقه، فقال له ابن عباس: ويحك إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي البصر، وهذا القول فيه نظر، لأن الجن أعرف بالأرض من الهدهد، فإنهم سكانها، وقيل: لأنه كان يظله من الشمس.

قوله: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد﴾ ، هذا استفهام توقيف ولا حاجة إلى ادعاء القلب وأن الأصل: ما للهدهد لا أراه؟ إذ المعنى قوي دونه، والهدهد معروف، وتصغيره على هديهد، وهو القياس، وزعم بعض الحويين أنه تقلب ياء تصغيره ألفاً، فيقال: هداهد، وأنشد:

3945 - كَهُدَاهِدٍ كَسَرَ الرُّمَاةُ جَنَاحَهُ ... يَدْعُوا بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ هَدِيلاً

كما قالوا: دُوَابَّة وشُوَابَّة، في: دُوَيْبَة وشُوَيْبَة، ورده بعضهم بأن الهداهد الحمام الكثير ترجيع الصوت. تزعم العرب أن جارحاً في زمن الطوفان اختطف فرخ حمامة تسمى الهديل، قالوا: فكل حمامة تبكي فإنما تبكي على الهديل.

قوله: «أم كان» ، هذه «أم» المنقطعة، وتقدم الكلام فيها، وقال ابن عطية: قوله ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد﴾ مقصد الكلام: الهدهد غاب، ولكنه أخذ اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه، فاستفهم على جهة التوقيف عن اللازم، وهذا ضرب من الإيجاز، والاستفهام الذي في قوله «مَالِيَ» ناب مناب الألف التي تحتاجها «أم» ، قال أبو حيان: فظاهر كلامه أن «أم» متصلة، وأن الاستفهام الذي في قوله: «مالي» ناب مناب ألف الاستفهام، فمعناه: أغاب عني الآن فلم أره حال التفقد أم كان ممن غاب قبل، ولم أشعر بغيبته؟ .

قال شهاب الدين: ولا يظن بأبي محمد ذلك، فإنه لا يجهل أن شرط المتصلة تقدم همزة الاستفهام أو التسوية لا مطلق الاستفهام.

قوله: «عذاباً» ، أي تعذيباً، فهو اسم مصدر أو مصدر على حذف الزوائد ك ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: 17] ، وقد كتبوا: «أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ» بزيادة ألف بين لام ألف والذال، ولا يجوز أن تُقْرَأ بها، وهذا كما تقدم أنهم كتبوا: ﴿ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ﴾ [التوبة: 47] بزيادة ألف بين لام ألف والواو.

قوله: «أو لَيَأْتِينِّي» ، قرأ ابن كثير بنون التوكيد المشددة بعدها نون الوقاية، وهذا هو الأصل، واتبع مع ذلك رسم مصحفه، والباقون بنون مشددة فقط، والأظهر أنها نون التوكيد الشديدة، توُصِّلَ بكسرها لياء المتكلم، وقيل: بل هي نون التوكيد الخفيفة أدغمت في نون الوقاية، وليس بشيء لمخالفة الفعلين قبله، وعيسى بن عمر بنون مشددة مفتوحة لم يصلها بالياء.

فصل

قال المفسرون: معنى الآية: ما للهدهد لا أراه، تقول العرب: مالي أراك كثيباً؟ فقال: ما لي لا أرى الهدهد، على تقدير أنه مع جنوده وهو لا يراه، ثم أدركه الشك في غيبته فقال: أم كان من الغائبين، يعني أكان من الغائبين؟ والميم صلة، وقيل: أم بمعنى بل، ثم أوعد على غيبته، فقال: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً﴾ ، فقيل: بنتف ريشه ووضعه لهوام الأرض، وقيل: بحبسه في القفص، وقيل: بأن يفرق بينه وبين إلفه، وقيل: بحبسه مع ضده، ﴿أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ حُجَّة ظاهرة.

قوله: «فَمَكَثَ» قرأ عاصم بفتح الكاف، والباقون بضمها، وهما لغتان، إلا أن الفتح أشهر، ولذلك جاءت الصفة على ماكث، دون كيث، واعتذر عنه بأن فاعلاً قد جاء لفَعُل بالضم، نحو: حَمُضَ فهو حامض، وخَثُر فهو خاثر، وفَرُهَ فهو فاره.

قوله: «غَيْرَ بعِيدٍ» ، يجوز أن يكون صفة للمصدر، أي مكثراً غير بعيد، وللزمان أي: زماناً غير بعيد، وللمكان أي: مكاناً غير بعيد، والظاهر أن الضمير في مكث للهدهد، وقيل: لسليمان - عليه السلام - فقال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ ، والإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، يقول: علمت ما لم تعلم، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك.

قوله: «مِنْ سَبَأ» ، قرأ البزِّيّ، وأبو عمرو بفتح الهمزة، جعلاه اسماً للقبيلة أو البقعة، فمنعاه من الصرف للعلمية والتأنيث، وعليه قوله:

3946 - مِنْ سَبَأَ الحَاضِرِينَ مَأْربَ إِذْ ... يَبْنُونَ مِنْ دُون سَيْلِهِ العَرِمَا

وقرأ قُنْبُل بسكو الهمزة، كأنه نوى الوقف وأجرى الوصل مجراه، والباقون بالجر والتنوين، جعلوه اسماً للحيِّ او المكان، وعليه قوله:

3947 - الوَارِدُونَ وَتَيْمٌ فِي ذُرَى سَبَأٍ ... قَدْ عَضَّ أَعْنَاقَهُمْ جِلْدُ الجَوَامِيسِ وهذا الخلاف جارٍ بعينه في سورة سبأ.

وفي قوله: ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ فيه من البديع التجانس، وهو: تجنيس التصريف، وهو عبارة عن انفراد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف كهذه الآية، ومثله: ﴿تَفْرَحُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: 75] .

وفي الحديث: «الخَيْلُ مَعْقُود بِنَواصِيهَا الخَيْرُ» ، وقال آخر:

3948 - لِلَّهِ مَا صَنَعَتْ بِنَا ... تِلْكَ المَعَاجِرُ وَالمَحَاجِرْ

وقال الزمخشري: وقوله ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ من جنس الكلام الذي سماه المحدثون البديع، وهو من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ بشرط أن يجيء مطبوعاً، أو يصنعه عالم بجوهر هذا الكلام، يحفظ معه صحة المعنى وسداده، ولقد جاء هنا زائداً على الصحة، فحسن وبدع لفظاً ومعنى، ألا ترى أنه لو وضع مكان: «بنبأ» : «بخبر» لكان المعنى صحيحاً، وهو كما جاء أصح لما في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال.

يريد بالزيادة: أن النبأ أخص من الخبر، لأأنه لا يقال إلا فيما له شأن من الأخبار، بخلاف الخبر، فإنه يطلق على ما له شأن، وعلى ما لا شأن له، فكلّ نبأ خبر من غير عكس. وبعضهم يعبر عن نحو: ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ في علم البديع بالترديد، قاله صاحب التحرير، وقال غيره: إن الترديد عبارة عن رد أعجاز البيوت على صدورها، أو ردّ كلمة من النصف الأول إلى النصف الثاني، فمثال الأول قوله:

3949 - سَرِيعٌ إِلَى ابْنِ العَمِّ يَلْطمُ وَجْهَهُ ... وَلَيْسَ إلَى دَاعِي الخَنَا بِسَرِيعِ ومثال الثاني قوله:

3950 - وَاللَّيَالِي إِذَا نَأَيْتُمْ طِوَالٌ ... واللَّيَالِي إذَا دَنَوْتُمْ قِصَارُ

وقرأ ابن كثير في رواية: «مِنْ سباً» مقصوراً منوناً، وعنه أيضاً: «مِنْ سَبْأَ» بسكون الباء وفتح الهمزة، جعله على فَعْل ومنعه من الصرف، لما تقدم. وعن الأعمش: «من سَبَإِ» بهمزة مكسورة غير منونة، وفيها إشكال؛ إذ لا وجه للبناء، والذي يظهر أن تنوينها لا بد وأن يقلب ميماً وصلاً، ضرورة ملاقاته للباء، فسمعها الراوي؛ فظن أنه كسر من غير تنوين. وروي عن أبي عمرو: «مِنْ سَبَا» بالألف صريحة، كقولهم: تفرقوا أيدي سبا. وكذلك قرىء «بِنَبَا» بألف خالصة، وينبغي أن يكونا لقارىء واحد وسبأ في الأًل: اسم رجل من قحطان، واسمه: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وسبأ لقلب له، وإنما لقلب به: لأنه أول من سبأ.

قوله: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ﴾ لما قال الهدهد لسليمان: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ، قال سليمان: وما ذاك؟ قال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ﴾ وكان اسمها بلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها ملك أرض اليمن من نسل يعرب بن قحطان، وكان ملكاً عظيم الشأن، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤاً لي، وأبى أن يتزوج منهم فزوجوه امرأة من الجن يقال لها: ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقيس ولم يكن له ولد غيرها، وفي الحديث: «إن أحد أبوي بلقيس كان جنِّياً» وكانت هي وقومها مجوساً يعبدون الشمس، والضمير في «تملكهم» راجع إلى «سبأ» ، فإن أريد به القوم فالأمر ظاهر، وإن أريد المدينة فمعناه: تملك أهلها، قال عليه السلام لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى: «لن يفلح قوم ولَّوْا أمرهم امرأة» قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على «تَمْلِكُهُمْ» ، وجاز عطف الماضي على المضارع، (لأن المضارع) بمعناه، أي: ملكتهم، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من مرفوع «تملكهم» .

و «قَدْ» معها مضمرة عند من يرى ذلك.

وقوله: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ عام مخصوص بالعقل؛ لأنها لم تؤت ما أوتيه سليمان. قوله: «وَلَهَا عَرْشٌ» يجوز أن تكون هذه جملة مستقلة بنفسها سيقت للإخبار بها، وأن تكون معطوفة على «أُوتِيَتْ» ، وأن تكون حالاً من مرفوع «أُوتِيَتْ» ، والأحسن أن يجعل الحالَ الجارُّ، «وعَرْشٌ» مرفوع به، وبعضهم يقف على «عَرْشٌ» ويقطعه عن نعته. قال الزمخشري: ومن نَوْكى القُصَّاصِ من يقف على قوله: «وَلَهَا عَرْشٌ» ، ثم يبتدىء، «عَظِيمٌ وَجَدْتها» ، يريد: أمرٌ عظيم أَنْ وجدتها، فرَّ من استعظام الهدهد عرشها، فوقع في عظيم، وهي مسخ كتاب الله.

قال شهاب الدين: النَّوكَى: الحمقى جمع َنْوَك وهذا الذي ذكره من أمر الوقف نقله الدّاني عن نافع وقرره أبو بكر بن الأنباري ورفعه إلى بعض أهل العلم، فلا ينبغي أن يقال (نَوْكَى القُصَّاص) ، وخرجه الداني على أن يكون «عَظِيمٌ» مبتدأ، و «وَجَدْتُهَا» الخبر، وهذا خطأ، كيف يبتدىء بنكرة من غير مسوِّغ، ويخبر عنها بجملة لا رابط بينهما وبينه، والإعراب ما قاله الزمخشري من أن عظيماً صفة لمحذوف خبراً مقدماً، و «وَجَدْتُهَا» مبتدأ مؤخراً مقدراً معه حرف مصدري أي: أمر عظيم وجداني إياها وقومها غير عابدي الله.

قوله: «وَجَدْتُهَا» ، هي التي بمعنى لقيت وأصبت، فيتعدى لواحد، فيكون «يَسْجُدُونَ» حالاً من مفعولها وما عطف عليه، فإن قيل: كيف استعظم الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان، وأيضاً: فكيف سوَّى بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف بالعظم؟ .

فالجواب عن الأول: يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان، فاستعظم لها ذلك العرش ويجوز أن يكون لسليمان - مع جلالته - مثله كما قد يكون لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله للسلطان.

وعن الثاني: أنه وصف عرشها بالعظم بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك، وَوَصْفُ عرشِ اللَّهِ بالعظم تعيمٌ له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السماوات والأرض.

قال المفسرون: العرش السرير الضخم كان مضروباً من الذهب مكلّلاً بالدرّ والياقوتالأحمر والزبرجد الأخضر وقوائمه من الياقوت والزمرد، وعليه سبعة أبواب على كل بيت باب مغلق.

قال ابن عباس: كان عرشها ثلاثين ذراعاً في ثلاثين ذراعاً وطوله في السماء ثلاثون ذراعاً. واعلم أن قوله: ﴿الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش العظيم﴾ [النمل: 26] إن قلنا: إنه من كلام الهدهد، فالهدهد قد استدرك على نفسه، واستقلّ عرشها بالنسبة إلى عظمة عرش الله، وإن قلنا: إنه من كلام الله تعالى، فالله رد عليه استعظامه لعرشها.

فصل

طعنت الملاحدة في هذه القصة من وجوه:

أحدها: أَنَّ هذه الآيات اشتملت على أنَّ النملة والهدهد تكلما بكلام لا يصدر ذلك إلاَّ عن العقلاء وذلك يجر إلى السَّفْسَطَة، فإنَّا لوجوَّزنا ذلك لما أمِنّا من النملة التي نشاهدها في زماننا هذا أَنْ تكون أعلم بالهندسة من إقليدس، وبالنحو من سيبويه، وكذا القول في القملة والضئبان، ولجوزنا أن يكون فيهم الأنبياء والمعجزات والتكاليف، ومعلوم أنَّ مَنْ جوّزه كان إلى الجنون أقرب.

وثانيها: أنَّ سليمان - عليه السلام - كان بالشام، فكيف طار الهدهد في تلك اللحظة اللطيفة من الشام إلى اليمن، ثم رجع إليه؟ .

وثالثها: كيف خفي على سليمان (عليه السلام) ؟ تلك المملكة العظيمة مع أنَّ الجن والإنس كانوا في طاعته، وأنه - عليه السلام - كان ملك الدنيا كلها، وكان تحت طاعة بلقيس - على ما يقال - اثنا عشر ألف تحت يد كل واحد منهم مائة ألف، مع ما يقال إنه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلاَّ مسيرة ثلاثة أيام؟

رابعها: من أين حصل للهدهد إنكار سجودهم للشمس وإضافته للشيطان وتزيينه؟

والجواب عن الأول: أنّ ذلك الاحتمال قائم في أول العقل، وإنما يدفع ذلك بالإجماع. وعن البواقي: أنَّ الإيمان بافتقار العالم إلى القادر المختار يزيل هذه الشكوك.

فصل

قالت المعتزلة: قوله ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ يدل على أنَّ فعل العبد من جهته، لأنه تعالى أضاف ذلك إلى الشيطان بعد إضافته إليهم، وأورده مورد الذم، وبين أنهم لا يهتدون.

والجواب من جوه:

أحدها: أَنَّ هذا قول الهدهد فلا يكون حجة.

وثانيها: أنه متروك الظاهر: فإنه قال: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل﴾ ، وعندكم الشيطان، فإنه ما صدّ الكافر عن السبيل، إذ لو صدّه الشيطان عن السبيل لكان معذوراً ممنوعاً، فيسقط عنه التكليف فلم يبق إلاَّ التمسك بالمدح والذم، وجوابه قد تقدم.

قوله: «ألاَّ يَسْجُدُوا» قرأ الكسائي بتخفيف «أَلاَ» ، والباقون بتشديدها، فأمَّا قراءة الكسائي، «أَلاَ» فيها تنبيه واستفتاح، و «يَا» بعدها حرف نداء، أو تنبيه أيضاً على ما سيأتي، و «اسْجُدُوا» : فعل أمرٍ، فكان حق الخط على هذه القراءة أن يكون يَا اسجُدُوا، ولكن الصحابة أسقطوا ألف «يَا» وهمزة الوصل من «اسْجُدُوا» خَطاً لما سقط لَفْظاً، ووصلوا الياء بسين «اسْجُدُوا» ، فصارت صورته «يَسْجُدُوا» كما ترى، فاتحدث القراءتان لفظاً وخطّاً، واختلفا تقديراً. واختلف النحويون في «يَا» هذه، هل هي حرف تنبيه أو للنداء والمنادى محذوف، تقيدره: يَا هَؤُلاَءِ اسْجُدُوا، وقد تقدم ذلك عند قوله في سورة النساء: «يَا لَيْتَنِي» والمُرَجَّحُ أَنْ تكون للتنبيه، لِئَلاَّ يؤدي إلى حذفٍ كثير من غير بقاءِ ما يدلّ على المحذوف، ألا ترى أنَّ جملة النداء حذفت، فلو ادَّعَيْتَ حَّذْفَ المنَادى كَثُرَ الحذف، ولم يبق معمولٌ يدل على عامله؛ بخلاف ما إذا جعلتَها للتنبيه.

ولكن عَارَضنا هنا أَنَّ قبلها حرف تنبيه آخر، وهو «أَلا» وقد اعتُذِر عن ذلك بأنه جُمِعَ بينهما تأكيداً، وإذا كانوا قد جمعوا بين حرفن عاملين للتأكيد، كقوله:

3951 - فَأَصْبَحْنَ لاَ يَسْأَلْنْنِي عَنْ بِمَا بِهِ ... فغير العاملين أولى، وأيضاً فقد جمعوا بين حرفين عاملين مُتّحدي اللفظ والمعنى كقوله:

3952 - فَلاَ وَاللَّهِ لاَ يُلْفَى لِمَا بِي ... وَلاَ لِلما بِهِمْ أَبَداً دَوَاءُ

فهذا أولى، وقد كثر مباشرة «يا» لفعل الأَمر، وقبلها «أَلاَ» التي للاستفتاح، كقوله:

3953 - أَلاَ يَا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ثُمَّتَ اسْلَمِي ... ثَلاَثَ تَحِيَّاتٍ وَإِنْ لَمْ تَكَلَّمِ

وقوله:

3954 - أَلاَ يَا اسْلَمِي دَارَ مَيٍّ عَلَى البِلَى ... وَلاَ زالَ مُنْهَلاًّ بِجَرْعَائِكَ القَطْرُ

وقوله:

3955 - أَلاَ يا اسْلَمِي ذَات الدَّمَالِيحجِ وَالعُقَد ... وذات اللثاث الحُمِّ والفَاحِمِ الجَعْدِ

وقوله:

3956 - أَلاَ يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَكْرِ ... وَإِنْ كَانَ حَيَّانا عِدًى آخِرَ الدَّهْرِ وقوله:

3957 - أَلاَ يَا اسْقِيَانِي قَبْلَ خَيْلِ أَبِي بَكْر ... لَعَلَّ مَنَايانَا قَرُبنَ ولاَ نَدْرِي

وقوله:

3958 - أَلاَ يا اسْقِيانِي قَبْلَ غَارَةٍ سنجال ... [وقوله:

3959 - فَقَالَتْ أَلاَ يَا اسْمَعْ أَعِظْكَ بخطبةٍ ... وقلتُ سمِعْنَا فَانطِقِي وأَصِيبِي]

وقد جاء ذلك وإن لم يكن قبلها «أَلاَ» ، كقوله:

3960 - يا دَارَ هِنْدٍ يَا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ... بِسَمْسَمٍ أَوْ عَنْ يَمِينِ سَمْسَمِ

فعلم أنه قراءة الكسائي قوية، لكثرة دَوْرِها في لغتهم، وقد سمع ذلك في النَّثْر، سُمِعَ بَعْضُهم يقول: أَلاَ يَا ارحَمُوني، أَلاَ يا تصدَّقُوا علينا، وأما قوله:

3961 - يَا لَعْنَةُ اللَّهِ والأَقْوَامِ كُلِّهِم ... والصَّالِحِينَ عَلَى سَمْعَانَ مِنْ جِارِ

فيحتمل أن تكون «يَا» للنداء، والمنادى محذوف، وأن يكون للتنبيه، وهو الأرجح لِمَا مَرَّ. واعلم أَنَّ الوقف عند الكسائي على «يَهْتَدُونَ» تام، وله أن يقف على «أَلاَ يَا» معاً، ويبتدىء «اسْجُدُوا» بهمزة مضمومة. وله أن يقف على «أَلاَ» وحدها، وعلى «يَا» وحدها، لأنهما حرفان منفصلان وهذا الوقفان وقفاً اخْتبارٍ لا اختيار، لأنهما حرفان لا يتم معناهما إلاَّ بما يتصلان به، وإنما فعله القراء امتحاناً وبياناً. فهذا توجيه قراءة الكسائي، والخَطْبُ وفيها سهل. وأما قراءة الباقين فتحتاج إلى إِمْعَان نظرٍ، وفيها أوجه كثيرة:

أحدها: أنَّ «أَلاَّ» أصلها: أَنْ لا، فأَنْ ناصبة للفعل بعدها، ولذلك سقطت نون الرفع، و «لاَ» بعدها حرفُ نَفْي، وأَنْ وما بعدها في موضع مفعول «يَهْتَدُونَ» على إسقاط الخافض أي: إلى أَنْ لا يسجُدُوا، و «لاَ» مزيدة كزيادتها في:

﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: 29] ، والمعنى: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا.

الثاني: أنه بدل من «أَعْمَالَهُمْ» وما بينهما اعتراض تقديره: وزَيَّنَ لهم الشيطانُ عدم السجود لله.

الثالث: أنه بدل من «السَّبِيلِ» على زيادة «لاَ» أيضاً، والتقدير: فَصَدَّهُمْ عن السجود لله.

الرابع: أَنَّ «أَلاَّ يَسْجُدُوا» مفعولاً له، وفي متعلّقه وجهان:

أحدهما: أنه «زَيَّنَ» أي: زيَّنَ لهم لأجل أَلاَّ يسجدوا.

والثاني: انها متعلق ب «صَدَّهُمْ» ، أي: صَدَّهُمْ لأجل أن لاَ يسجُدُوا، وفي «لاَ» حينئذٍ وجهان:

أحدهما: انها ليست مزيدة (بل باقية على معناها من النفي.

والثاني: أنها مزيدة) والمعنى: وزيَّنَ لهم لأجل توقعه سجودهم، أو لأجل خوفه من سُجُودهم، وعدم الزيادة أظهر.

الخامس: أنه خبرأ مبتدأ مضمر، وهذا المبتدأ إما أن يُقَدَّر ضميراً عائداً على «أَعْمَالَهُمْ» ، والقدير هي ألا يسجدوا، فتكون «لاَ» على بابها من النفي، وإما أن يُقَدَّر ضميراً عائداً على «السَّبِيل» ، التقدير: هو أن لا يسجدوا، فتكون «لاَ» مزيدة - على ما تقدم - ليصح المعنى.

وعلى الأوجه الأربعة المتقدمة لا يجوز الوقفُ على «يَهْتَدُونَ» ، لأنَّ ما بعده إمَّا معمول له أو لِمَا قبله من «زَيَّنَ» وصَدَّ «أو بدل مما قبله أيضاً من» أَعْمَالَهُمْ» أو من «السَّبِيل» على ما قُرِّرَ، بخلاف الوجه الخامس، فإنه مَبنيٌّ على مبتدأ مضمر، وإنْ كان ذلك الضمير مُفَسراً بما سبق قبله، وقد كتبت» أَلاَّ «مصولة غير مفصولة، فلم تُكْتَبْ» أَنْ «منفصلة من» لاَ «، فمن ثَمَّ: امتنع أن يُوقَف هؤلاء في الابتلاء والامتحان على» أَنْ «وحدها، لاتصالها بلا في الكتابة، بل يُوقَف لهم على» أَلاَّ «بجملتها، كذا قال القُرَّاءُ، والنحويون متى سُئِلوا عن مثل ذلك وقفوا لأجل البيان على كل كلمةٍ على حدتها. لضرورة البيان، كونها كُتِبَت متصلة ب» لا «غير مانعٍ من ذلك. ثُمَّ قول القُرَّاءِ: كتبت متصلة فيه تجوُّزٌ وتسامُح، لأَنَّ حقيقة هذا أن يُثْبِتُوا صورة نُونٍ ويصلونها بلاء، فيكتبونها» أَنْلاَ» ، ولكن لما أدغمت فيما بعدها لفظاً، وذهب لفظها إلى لفظ ما بعدها قالوا ذلك تسامحاً. وقد رتَّبَ أبو إسحاق على القراءتين حُكْماً، وهو وجوب سجود التلاوة وعدمه، فَأَوْجَبَهُ مع قراءة الكسائي، وكأنه لأجل الأمرِ بِهِ، ولم يوجبه في قراءة الباقين لعدم وجود الأمر فيها، إِلاَّ أَنَّ الزمخشري لم يرتضه منه، فإنه قال: فَإِنْ قُلْتَ: أَسَجدةُ التلاوة واجبة في القراءتين جميعاً أو في واحدة منهما؟ قُلْتُ: هي واجبة فيهما.

وإحدا القراءتين أمر بالسجود والأخرى ذم للتارك، وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد مرجوع إليه.

قال شهاب الدين: وكأن الزجاج أخذ بظاهر الأمر، وظاهره الوجوب وهذا لو خلينا الآية لكان السُّجُودُ واجباً، ولكن دلَّت السنةُ على استحبابه دون وجوبه، على أَنَّا نقول: هذا مبنيٌّ على نظر آخر، وهو أَنَّ هذا الأمر من كلام الله تعالى أو من كلام الهدهد محكيّاً عنه، فإن كان من كلام الله تعالى فيقال: يقتضي الوجوب إلاَّ أَنْ يجيء دليل يصرفه عن ظاهره، وإنْ كان من كلام الهدهد - وهو الظاهر - ففي انتهاضة دليلاً نظر، وهذا الذي ذكروه ليس بشيء، لأنَّ المراد بالسجود ههنا عبادة الله لا عبادة الشمس، وعبادة الله واجبة وليس المراد من الآية سجود التلاوة، وأين كانت التلاوة في زمن سليمان عليه السلام ولم يكن ثم قرآن.

وقرأ الأعمش «هَلاَّ» و «هَلاَ» بقلب الهمزة هاء مع تشديد «لاَ» وتخفيفها، وكذا هي في مصحف عبد الله، (وقرأ عبد الله) «تَسْجُدُونَ» بتاء الخطاب ونون الرفع، وقرىء كذلك بالياء من تحت، فَمَنْ أَثْبَتَ نون الرفع ف «أَلاَّ» بالتشديد أو التخفيف للتحضيض، وقد تكون المخففة للعرض أيضاً نحو أَلاَ تنزلُ عندنا فتحدَّثُ، وفي حرف عبد الله أيضاً ﴿أَلاَ هَلْ تَسْجُدُونَ﴾ بالخطاب. قوله: ﴿الذي يُخْرِجُ الخبء﴾ يجوز أن يكون مجرور المحل نعتاً «للَّه» أو بدلاً منه أو بياناً، و «منصوبة على المدح، ومرفوعة على خبر ابتداءٍ مضمر. و» الخَبْءَ» مصدر خَبَأْتُ الشيء أَخْبَؤُهُ خَبْئاً أي: سَتَرَْتُهُ، ثم أطلِقَ على الشيء المَخْبُوءِ وَنَحْوُهُ ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: 11] قال المفسرون: الخَبْء في السَّمواتِ المطر، وفي الأرض النبات، والخَابِيَةُ من هذا إلاَّ أَنَّهُم التزموا فيها ترك الهمزة كالبَريَّة والذّريّة عند بعضهم. وقيل: الخبء الغيب أي: يعلم غيب السموات والأرض، وقرأ أبيّ وعيسى» الخَبَ «بنقل حركة الهمزة إلى الباء وحذف الهمزة فيصير نحو: رأيت لَبَ، وقرأ عبد الله وعكرمة ومالك بن دينار» الخَبَا «بألفٍ صريحةٍ، وجهها أنه أبدل الهمزة ألفاً فلزم تحريك الباء، وذلك على لغة مَنْ يقف من العرب بإبدال الهمزة حرفاً يجانس حركتها، فيقول: هذا الخَبُو، ورأيت الخبا، ومررت بالخبي، ثم أُجْرِي الوَصْلُ مَجْرَى الوقْفِ، وقيل: إنه لمَّا نَقَلَ حركة الهمزة إلى الساكن قبلها لم يحذفها بل تركها، فَسَكَنَتْ بعد فتحةٍ فَدُبِرَتْ بحركة ما قبلها وهي لغة ثابتة، يقولون: المرأة والكماة بألف مكان الهمزة بهذه الطريقة، وقد طعن أبو حاتم على هذه القراءة وقال: لا يجوز في العربية، لأَنَّه إن حذف الهمزة أَلْقَى حركتها على الباء، فقال الخَبَ، وإن حوَّلَها قال الخَبْي، بسكون الباء وياء بعدها.

قال المبرد: كان أبو حاتم دون أصحابه في النحو، لم يَلْحَقْ بهم إلاَّ أنه إذا خرج من بلدهم لم يلق أَعْلَم منه.

قوله:» في السَّماوَاتِ» فيه وجهان:

أحدهما: أنه متعلق ب «الخَبْءَ» ، أي؛ المَخْبُوءُ في السموات.

والثاني: أنه متعلق ب «يُخْرِجُ» على أنَّ معنى (في) بمعنى (مِنْ) ، أي: يخرجه من السموات، و «مِنْ» و «فِي» يتعاقبان، يقول العرب: لأستخرجن العلم فيكم، أي منكم - قاله الفراء -، وقرأ عبد الله: ﴿يُخْرِجُ الخَبْءَ مِنَ السَّماواتِ﴾ .

قوله: «مَا تُخْفُونَ» قرأ الكسائي وحفص بالتاء من فوق فيهما، والباقون بالياء من تحت، فالخطاب ظاهر على قراءة الكسائي، لأن ما قبله أَمرهُمْ بالسجود وخطابهم به والغيبة على قراءة الباقين غير حفص ظاهرة أيضاً، لتقدم الضمائر الغائبة في قوله: «لَهُمْ» ، و «أَعْمَالَهُمْ» و «صَدَّهُمْ» و «فَهُمْ» وأما قراءة حفص فتأويلها أنه خرج إلى خطاب الحاضرين بعد أن أَتَمَّ قصة أهل سبأ، ويجوز أن يكون التفاتاً على أنه نزل الغائب منزلة الحاضر، فخاطبه ملتفتاً إليه.

وقال ابن عطية: القراءة بيان الغيبة تُعْطِي أَنَّ الية من كلام الهدهد، وبتاء الخطاب تعطي أنها من خطاب الله لأُمّة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقد تقدم أن الظاهر أنه من كلام الهدهد مطلقاً.

27:26–29Page 379

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ۩ ٢٦

Allāh - there is no deity except Him, Lord of the Great Throne."

۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٧

[Solomon] said, "We will see whether you were truthful or were of the liars.

ٱذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ ثُمَّ تَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَٱنظُرۡ مَاذَا يَرۡجِعُونَ ٢٨

Take this letter of mine and deliver it to them. Then leave them and see what [answer] they will return."

قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ ٢٩

She said, "O eminent ones, indeed, to me has been delivered a noble letter.

قوله تعالى: ﴿الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ هل هو من كلام الهدهد استدراكاً منه لمَّا وصف عرش بلقيس بالعظم، أو من كلام الله تعالى رَدّاً عليه في وصفه عرشها بالعظم. والعامة على جر «العَظِيمِ» تابعاً للجلالة، وابن محيصن، بالرفع وهو يحتمل وجهين: أن يكون نعتاً للربّ، وأن يكون مقطوعاً عن تبعيَّةِ «العرش» إلى الرفع بإضمار مبتدأ.

فصل

دلّ قوله: ﴿يُخْرِجُ الخبء فِي السماوات والأرض﴾ [النمل: 25] (على كمال القدرة، وسمي المخبوء بالمصدر ليتناول جميع الأرزاق والأموال، فدلَّ قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: 25] على كمال العلم، وإذا كان قادراً على كل المقدرات عالماً بكل المعلومات، وجب أن يكون إلهاً، والشمس ليست كذلك، فلا تكون إلهاً، وإذا لم تكن إلهاً، لم تستحق العبادة. فإن قيل: إنَّ إبراهيم وموسى عليهما السلام قدما دلالة الأنفس على دلالة الآفاق، فإِنَّ إبراهيم قال: ﴿رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: 258] ، ثم قال: ﴿فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق﴾ [البقرة: 258] ، وموسى - عليه السلام - قال ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ [الشعراء: 26] ، ثم قال: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب﴾ [الشعراء: 28] وههنا قدم خبأ السموات على خبء الأرض، فجوابه، أَن إبراهيم وموسى ناظرا من ادعى إلهية البشر، فابتدءا بإبطال إلهية البشر، ثم انتقلا إلى إلهية السماء، وههنا الكلام مع من ادعى إلهية الشمس، قوله ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله﴾ [النمل: 24] فلا جرم ابتدأ بذكر السماويات، ثم بالأرضيات.

قوله: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ﴾ الجملة الاستفهامية في محل نصب ب «نَنْظُرُ» ، لأنَّها مُعلّقة لها، و «أَمْ» هنا متصلة، وقوله: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين﴾ أبلغ من قوله: «أَمْ كَذَبْتَ» - وإن كان هو الأصل - لأنّ المعنى من الذين اتصفوا وانخرطوا في سلك الكاذبين. وقوله: «سَنَنْظُرُ» من النظر الذي هو التأمل. قوله: «هذَا» يجوز أن يكون صفة ل «كِتَابِي» أو بدلاً منه أو بياناً له.

قال المفسرون: إن سليمان - عليه السلام - كتب كتاباً فيه: «من عند سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ، بسم الله الرحمن الرحيم، السَّلامُ على من اتَّبع الهُدَى، أما بعد، أَلاَّ تَعْلُوا عليَّ وَأْتُوني مُسلمين» . قال ابن جريرج: لم يزد سليمان على ما قصّة الله في كتابه، ثم ختمه بخاتمه، ثم قال للهدهد: «اذْهَبْ بِكَتَابِي هذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ» .

قوله: «فَأَلْقِهِ» ، قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر بإسكان الهاء، وقالون بكسرها فقط من غير صلة بلا خلاف عنه، وهشام عنه وجهان: القصر والصلة، والباقون بالصلة بلا خلاف، وتقدم توجيه ذلك في «آل عمران» و «النساء» وغيرهما، عند

﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75] و ﴿نُوَلِّهِ مَا تولى﴾ [النساء: 115] . وقرأ مسلم بن جندب بضم الهاء موصولة بواو «فَأَلْقِهُو إِلَيْهِمْ» ، وقد تقدمخ ان الضم الأصل، وقال «إليهم» - على لفظ الجمع - لأنه قال: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ [النمل: 24] والمعنى: فألقه إلى الذين هذا دينهم.

قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ ، زعم أبو علي وغيره أن في الكلام تقديماً، وأن الأصل: فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم. ولا حاجة إلى هذا، لأن المعنى بدونه صحيح، أي: قف قريباً منهم لتنظر ماذا يكون.

قوله: «مَاذَا يَرْجِعُونَ» إن جعلنا (انظر) بمعنى: تأمل وتفكر كانت «ما» استفهامية، وفيها حينئذٍ وجهان:

أحدهما: أن يجعل مع «ذا» بمنزلة اسم واحد، وتكون مفعولة ب «يرجعون» تقديره: أي شيء ترجعون.

والثاني: أن يجعل «ما» مبتدأ، و «ذا» بمعنى الذي، و «يرجعون» صلتها، وعائدها محذوف تقديره: أي شيء الذي يرجعونه، وهذا الموصول هو خبر ما الاستفهامية وعلى التقديرين فالجملة الاستفهامية مُعَلِّقة ل «انظر» فمحلّها النصب على إٍقاط الخافض أي: انظر في كذا وفكر فيه وإن جعلناه بمعنى انتظر من قوله ﴿انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: 13] كانت «مَاذَا» بمعنى الذي، (و «يَرْجعُونَ» صلتها وعائدها محذوف) ، والعائد مقدّر كما تقرر وهذا الموصول مفعول به، أي: انتظر الذي يرجعون. قال أبو حيان: و «ماذا» إن كان معنى «فانظُر» معنى التأمل بالفكر كان انظر معلقاً، و «ماذا» إما أن يكون كلمة استفهام في موضع نصب، وإما أن يكون «ما» استفهاما، و «ذا» موصولة بمعنى الذي، فعلى الأول يكون «يرجعون» خبراً عن «ماذا» ، وعلى الثاني يكون «ذا» هو الخبر، و «يرجعون» صلة انتهى.

وهذا غلط إما من الكاتب، وإما من غيره؛ وذلك أن قوله: «فعلى الأول» يعني به أن «ماذا» كلمة استفهام في موضع نصب يمنع قوله: «يَرْجِعُونَ» خبراً عن «ماذا» ، كيف يكون خبراً عنه وهو منصوب به كما تقرر، وقد صرَّح هو بأنه منصوب يعني بما بعده ولا يعمل فيه ما قبله، وهذا نظير ما تقدم في آخر السورة قبلها في قوله: ﴿وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227] في كون اسم الاستفهام معمولاً لما بعده، وهو معلق لما قبله، فكما حكمت على الجملة من «يَنْقَلِبُونَ» وما اشتملت عليه من اسم الاستفهام المعمول لها بالنصب على سبيل التعليق، كذلك يحكم على «يَرْجِعُونَ» فكيف تقول: إنها خبر؟

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском