Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:41–58
27:41–43Page 380
قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرۡشَهَا نَنظُرۡ أَتَهۡتَدِيٓ أَمۡ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهۡتَدُونَ ٤١
He said, "Disguise for her her throne; we will see whether she will be guided [to truth] or will be of those who is not guided."
فَلَمَّا جَآءَتۡ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرۡشُكِۖ قَالَتۡ كَأَنَّهُۥ هُوَۚ وَأُوتِينَا ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهَا وَكُنَّا مُسۡلِمِينَ ٤٢
So when she arrived, it was said [to her], "Is your throne like this?" She said, "[It is] as though it was it." [Solomon said], "And we were given knowledge before her, and we have been Muslims [in submission to Allāh].
وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعۡبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ إِنَّهَا كَانَتۡ مِن قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٤٣
And that which she was worshipping other than Allāh had averted her [from submission to Him]. Indeed, she was from a disbelieving people."
قوله: ﴿قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا﴾ أي: غيّروا لها سريرها إلى حال تُنْكِرُه إذا رأته، وذلك أنه إذا تُرِك على حاله معرفتها لا محالة. وإذا غُيّر دلت معرفتها على فضل عقل.
قوله: «نَنْظُرْ» العامة على جزمه جواباً للأمر قبله، وأبو حيوة بالرفع، جعله استئنافاً.
فصل
روي أنه جعل أسفله أعلاه، وأعلاه أسفله، وجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر، ومكان الأخضر أحمر. «نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي» إلى عرشها فتعرفه، أم تكون من الجاهلين الذين لا يهتدون إليه، وقيل: أتعرف به نبوة سليمان ولذلك قال: ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الذين لاَ يَهْتَدُونَ﴾ إليه، وذلك كالذم، ولا يليق إلا بطريق الدلالة، فكأنه - عليه السلام - أحب أن تنظر فتعرف به نبوته، حيث صار منتقلاً من المكان البعيد إلى هناك، وذلك يدل على كمال قدرة الله تعالى، وعلى صدق سليمان - عليه السلام -. ويعرف بذلك أيضاً فضل عقلها، لأنه روي أنه ألقِي إليه نقصان عقلها، لكي لا يتزوجها - كما ذكر وهب ومحمد بن كعب وغيرهما - أن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، وذلك أن أمّها كانت جنية، وإذا ولدت ولداً لا ينكفون من تسخير سليمان وذريته من بعده، فأساءوا الثناء عليها، ليزهّدوه فيها، وقالوا: إن في عقلها شيئاً، وإن رجلها كحافر الحمار، وإنها شعراء الساقين، فأراد سليمان أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر إلى قدميها ببناء الصرح.
قوله: «أَهَكَذَا» ثلاث كلمات - حرف التنبيه وكأن التشبيه واسم الإشارة - فُصِل (بحرف الجرِّ بيْنَ حرف التنبيه واسم الإشارة، والأصل: أَكَهَذا، أي: (أ) مِثْل هذا عرشُكن ولا يجوز ذلك في غير الكاف لو قُلت: أَبهذا مَرَرْت، وأَلهذا فعلتُ لم يجز أن تفصِل) بحرف الجرّ بين «ها» و «ذا» فتقول: أَهَا بِذَا مَرَرْتُ وأَهَا لِذَا فَعَلْتُ.
قوله: ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ ، قال مقاتل: عرفتْه، ولكنها شبَّهت عليهم كما شبَّهوا عليها، وقال عكرمة: كانت حكيمة لم تقل، ولكنها شبَّهت من أن تكذب، ولم تقل: لا، خوفاً من التكذيب، قالت كأنه هو، فعرف سليمان كمال عقلها، حيث توقفت في محل التوقف، قيل لها: فإنه عرشك، فما أغنى عنك إغلاق الأبواب عليه، وكانت قد أغلقت عليه الأبواب وأخذت مفاتيحها. قوله: ﴿وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه من كلام بلقيس، فالضمير في «قَبْلِهَا» راجع للمعجزة والحالة الدَّالة عليها السياق والمعنى: وأُوتينا العلم بنبوة سليمان من قبل ظهور هذه المعجزة أو من قبل هذه الحالة، وذلك لِمَا رأَت قبل ذلك من أمر الهُدهد ورد الهدية والرسل «من قَبْلِهَا» من قبل الآية في العرض، «وَكُنَّا مُسْلِمِينَ» منقادين طائعين لأمر سليمان.
الثاني: أنه من كلام سليمان وأتباعه، فاضمير في قبلها عائد على بلقيس، فكأن سليمان وقومه قالوا: إنها قد أصابت في جوابها وهي عاقلة، وقد رزقت الإسلام، ثم عطفوا على ذلك قولهم: وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة مثل علمها، وغرضهم من ذلك شكر الله تعالى في أن خصهم بمزيد التقدم في الإسلام، قاله مجاهد.
قوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله﴾ في فاعل «صَدَّ» ثلاثة أوجه:
أحدها: ضمير الباري.
والثاني: ضمير سليمان، أي منعها ما كانت تعبد من دون الله، وهو الشمس، وعلى هذا ف ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ منصوب على إسقاط الخافض، أي: وصدّها الله أو سليما عما كانت تعبدُ من دون الله، قاله الزمخشري مجوزاً له. وفيه نظر من حيث إن حذف الجار ضرورة، كقوله:
3965 - تَمُرُّونَ الدِّيَارَ فَلَمْ تَعُوجُوا ... كذا قاله أبو حيان، وقد تقدم آيات كثيرة من هذا النوع.
الثالثك أن الفاعل هو «ما كانت» أي: صدها ما كانت تعبد عن الإسلام، (أي: صدها عبادة الشمس عن التوحيد) . والظاهر أنّ الجملة من قوله: «وصدّها» معطوفة على قوله «وأُوتِينَا» . وقيل: هي حال من قوله: أم تكون من الذين و (قد) مضمرة، وهذا بعيد جداً. وقيل: هو مستأنف إخباراً من الله تعالى بذلك.
قوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ يعبدون الشمس، والعامة على كسر «إنّها» استئنافاً وتعليلاً: وقرأ سعيد بن جبير وأبو حيوة بالفتح، وفيها وجهان:
أحدهما: أنها بدل من ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ أي: وصدّها «أنّها كانت» .
والثاني: أنها على إسقاط حرف العلة، أي: لأنّها، فهي قريبة من قراءة العامة.
27:44Page 380
قِيلَ لَهَا ٱدۡخُلِي ٱلصَّرۡحَۖ فَلَمَّا رَأَتۡهُ حَسِبَتۡهُ لُجَّةٗ وَكَشَفَتۡ عَن سَاقَيۡهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرۡحٞ مُّمَرَّدٞ مِّن قَوَارِيرَۗ قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَيۡمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٤
She was told, "Enter the palace." But when she saw it, she thought it was a body of water1 and uncovered her shins [to wade through]. He said, "Indeed, it is a palace [whose floor is] made smooth with glass." She said, "My Lord, indeed I have wronged myself, and I submit with Solomon to Allāh, Lord of the worlds."
قوله: ﴿قِيلَ لَهَا ادخلي الصرح﴾ تقدّم الخلاف في الظرف الواقع بعد «دخل» هل هو منصوب على الظرف، وشذّ ذلك مع دخل خاصة - كما قاله سيبويه - أو مفعول به كَهَديت البيت كما قاله الأخفش. والصَّرحُ: القصر، أو صحن الدار، أو بلاط متخذ من زجاج وأصله من التصريح، وهو الكشف، وكذِبٌ «صُرَاحٌ» ، أي: ظاهر مكشوف ولومٌ صُراحٌ. والصريحُ مقابل الكناية، لظهوره واستتار ضده. وقيل: الصريح الخالص من قولهم: لبنٌ صَرِيحٌ بيّن الصراحة والصروحة. وقال الراغب: الصَّرحُ بيت عالٍ مُزوّق، سمي بذلك اعتباراً بكونه صرحاً عن البيوت، أي: خالصاً.
قوله: «سَاقَيْهَا» العامة على ألف صريحة، وقُنْبُل روى همزها عن ابن كثير، وضعَّفَها أبو علي، وكذلك فعل قنبل في جمع ساق في: ص، وفي الفتح، همز واوه، فقرأ «بالسُّؤْقِ والأَعْنَاق» ، ﴿فاستوى على سُوقِهِ﴾ [الفتح: 29] بهمزة مكان الواو، وعنه وجه آخر: السُّؤوق، وسُؤُوقِهِ - بزيادة واو بعد الهمز -، وروي عنه أنه كان يهمزه مفرداً في قوله: ﴿يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: 42] فأما همزة الواو ففيها أوجه: أحدها: أن الواو الساكنة المضموم ما قبلها يقلبها بعض العرب همزة، وتقدم تحقيق هذا أول البقرة عند «يوقِنُونَ» ، وأنشد عليه:
3966 - أَحَبُّ المؤقدينَ إِلَيَّ مُؤْسَى ... وكان أبو حيّة النميري يهمزُ كُلَّ واوٍ في القرآن هذا وصفها.
الثانيك أَنَّ ساقاً على «فَعَل» كأسد، فجمع على «فُعُل» بضم العين، كأسد والواو المضمومة تطلب همزة، نحو: «وُجُوه» ، و «وُقِّتَتْ» ثم بعد الهمزة سكنت.
الثالث: أن المفرد سمع همزه كما سيأتي تقريره، فجاء جمعه عليه.
وأما سؤوق - بالواو بعد الهمزة - فإن ساقاً جمع على سووق بواو، فهمزت الأولى لانضمامها وهذه الرواية غريبة عن قنبل. وأما «ساقها» فوجه الهمزة أحد أوجه: إما لغة من يقلب الألف همزة، وعليه لغة العجاج في: العألم و «الخأتم» ، وأنشد:
3967 - وَخِنْدفُ هَامَة هذَا العَأْلَم ... وسيأتي تقريره في: ﴿مِنسَأَتَهُ﴾ [سبأ: 14]- إن شاء الله - وتقدم طرف منه في الفاتحة، وإما على التشبيه برأس، وكأْسٍ، كما قالوا: حلأْتُ السَّويقَ، حملاً على حلأْته عن الماء، أي: طردته وإما حملاً للمفرد والمثنى على جمعها، وقد تقرر في جمعها الهمز.
فصل
لما حكى تعالى إقامتها على الكفر مع الدلائل المتقدمة، ذكر أنَّ سليمان أظهر أمراً آخر داعياً لها إلى الإسلام، فأمر الشياطين فبنوا صرحاً أي: قصراً من زجاج، كأنه الماء بياضاً وأجري تحته الماء، وألقى فيه كل شيء من دواب البحر من السمك والضفادع وغيرها، ثم وضع سريره في صدره وجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وقيل: اتخذ صحناً من قوارير وجعل تحتها تماثيل من الحيتان والضفادع، فكان الواحد إذا رآه ظنه ماء، فلما جلس على لسرير دعا بلقيس، فلما جاءت قِيل لها: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً، وهي معظم الماء، ﴿وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَاَ﴾ لتخوضه، فقيل كان المقصود من بناء الصرح تهويل المجلس وتعظيمه، وحصل كشف الساق على سيبيل التبع، وقيل: إن سليمان أراد أن ينظر إلى ساقيها من غير أن يسألها كشفها لما قالت الشياطين له إن رجلها كحافر الحمار، وهي شعراء الساقين، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً، إلا أنها كانت شعراء الساقين، فلما رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداها أنّه صرح «مُمرَّد» ، أي: مُمَلَّسٌ، ومنه الأمرد لملاسة وجهه من الشعر وبريَّةٌ مرداء لخلوها من النبات، ورملةٌ مرداء، لا تنبيت شيئاً، والمارد من الشياطين من تَعَرَّى من الخير وتجرد منه.
ومارد حصنّ معروف، وفي أمثال الزَّبَّاء: «تَمَرَّدَ مَارِدٌ وَعَزَّ الأَبْلَقُ» قالتها في حصنين امتنع فتحهما عليها. والقوارير، وهي الزجاج الشفاف، و «مِنْ قَوَارِيرَ» صفة ثانية ل «صرح» .
قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِيَ﴾ قال مقاتل: لما رأت السرير والصرح، علمت أن ملك سليمان من الله، فقالت ربِّ إنِّي ظلمتُ نَفْسِي بعبادة غيرك، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين، وأخلصت لك التوحيد.
وقيلك إنها لما بلغت الصرح وظنته لجة قالت في نفسها إن سليمان يريد أن يغرقني وكان القتل أهون من هذا، فقولها: «ظَلَمْتُ نَفْسِي» تعني ذلك الظن.
واختلفوا: هل تزوجها سليمان أم لا؟ وأنه تزوجها في هذه الحال، ومن قبل أن يكشف عن ساقيها؟ والأظهر من كلام الناس أنه تزوجها، وروي عن ابن عباس لما أسلمت، قال لها: اختاري من قومك من يتزوجك، فقالت: مثلي لا تنح الرجال - مع سلطاني - فقال: النكاح من الإسلام، فقالت: إن كان كذلك فزوجني لتبع ملك همدان، فزوجها إياه، ثم ردهما إلى اليمن.
وروي أن الملك وصل إلى سليمان وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة.
قوله: «مَعَ سُلَيْمَانَ» متعلق بمحذوف على أنه حال، ولا يتعلق: «أَسْلَمْتُ» ، لأنَّ إسلامه سابق إسلامها بزمان، وهو وجه لطيف، وقال ابن عطية: و «مَعَ» ظرف بُني على الفتح، وأمَّا إذا أسكنت العين، فلا خلاف أنه حرفٌ. وقد تقدم القول في ذلك وقال مكي هنا نحواً من قول ابن عطية.
27:45–53Page 381
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمۡ فَرِيقَانِ يَخۡتَصِمُونَ ٤٥
And We had certainly sent to Thamūd their brother Ṣāliḥ, [saying], "Worship Allāh," and at once they were two parties conflicting.
قَالَ يَٰقَوۡمِ لِمَ تَسۡتَعۡجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِۖ لَوۡلَا تَسۡتَغۡفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٦
He said, "O my people, why are you impatient for evil before [i.e., instead of] good?1 Why do you not seek forgiveness of Allāh that you may receive mercy?"
قَالُواْ ٱطَّيَّرۡنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَۚ قَالَ طَٰٓئِرُكُمۡ عِندَ ٱللَّهِۖ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تُفۡتَنُونَ ٤٧
They said, "We consider you a bad omen, you and those with you." He said, "Your omen [i.e., fate] is with Allāh. Rather, you are a people being tested."1
وَكَانَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ تِسۡعَةُ رَهۡطٖ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ ٤٨
And there were in the city nine family heads causing corruption in the land and not amending [its affairs].
قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدۡنَا مَهۡلِكَ أَهۡلِهِۦ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٤٩
They said, "Take a mutual oath by Allāh that we will kill him by night, he and his family. Then we will say to his executor,1 'We did not witness the destruction of his family, and indeed, we are truthful.'"
وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا وَمَكَرۡنَا مَكۡرٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٠
And they planned a plan, and We planned a plan, while they perceived not.
فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ أَنَّا دَمَّرۡنَٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥١
Then look how was the outcome of their plan - that We destroyed them and their people, all.
فَتِلۡكَ بُيُوتُهُمۡ خَاوِيَةَۢ بِمَا ظَلَمُوٓاْۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥٢
So those are their houses, desolate because of the wrong they had done. Indeed in that is a sign for people who know.
وَأَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٣
And We saved those who believed and used to fear Allāh.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ الآية.
قوله: ﴿أَنِ اعبدوا الله﴾ أي: وحدوه، ويجوز في «أَنْ» أن تكون مفسرة وأن تكون مصدرية، أي بأن اعبدوا فيجيء في محلها القولان.
قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ﴾ تقدم الكلام في «إذَا» الفجائية، والمراد بالفريقين قوم صالح، وأنهم انقسموا فريقين: مؤمن وكافر، وقد صرح بذلك في الأعراف في قوله: ﴿قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: 75] . وجعل الزمخشري الفريق الواحد صالحاً وحده والآخر جميع قومه؛ وحمله على ذلك العطف بالفاء، فإنه يؤذن أنه بمجرد إرسالة صاروا فريقين، ولا يصير قومه فريقين إلا بعد زمان ولو قليلاً.
و «يَخْتَصِمُونَ» صفة ل «فَرِيقَان» على المعنى، كقوله: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ [الحج: 19] و ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: 9] واختير هنا مراعاة الجمع، لكونها فاصله.
قوله: ﴿ياقوم لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: قال لهم صالح يا قوم لم تستعجلون بالسيئة بالبلاء والعقوبة، أي أن الله قد مكنكم من التوصّل إلى رحمته وثوابه فلماذا تعدلون عنه إلى استعجال عذابه، وقيل: إنّهم كانوا يقولون إن العقوبة التي يعدّها صالح - إن وقعت على زعمه - تُبْنَا حينئذ واستغفرنا فحينئذ يقبل الله توبتنا، ويدفع العذاب عنا، فخاطبهم صالح على حسب اعتقادهم، فقال: هلاّ تستغفرون الله قبل نزول العذاب، فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر، ووصف العذاب بأنّه سيئة مجازاً، إمّا لأنّ العقاب من لوازمه، أو لأنه يشبهه في كونه مكروهاً، وأمّا وصف الرحمة بأنّها حسنة، فقيل: حقيقة، وقيل: مجاز. ثم إن صالحاً عليه السلام لما قرّر هذا الكلام الحقّ أجابوه بكلام فاسد، فقالوا «اطّيَّرنَا بِكَ» أي: تشاءمنا بك، لأنّ الذي يصيبنا من شدة وقحط شؤمك وشؤم من معك. وقرىء: «تطيّرنّا بِكَ» ، وهو الأصل، وأدغم، وتقدّم تقريره، قال الزمخشري: كان الرجل يخرج مسافراً فيمرُّ بطائر فيزجره، فإن مرّ سانحاً تيمّن، وإن مرَّ بارحاً تشاءم، فلمّا نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان للخير والشر، وهو قدر الله وقسمته، فأجاب صالح - عليه السلام - بقوله: طائركم عند الله، أي السبب الذي يجيء منه خيركم وشركم عند الله، وهو قضاؤه وقدره وهو مكتوب عليكم. سمي طائراً لسرعة نزوله بالإنسان، لأنّه لا شيء أسرع من قضاء محتوم. قال ابن عباس: الشؤم أتاكم من عند الله بكفركم. وقيل طائركم: عملكم عند الله، سمى طائراً لسرعة صعوده إلى السماء، وقيل: إنما قالوا ذلك لتفرق كلمتهم، وقيل: لأنه أمسك عنهم المطر في ذلك الوقت وقطحوا.
قوله: «تُفْتَنُونَ» داء بالخطاب مراعاةً لتقدّم الضمير، ولو روعي ما بعده لقيل «يُفْتَنُونَ» بياء الغيبة، وهو جائز ولكنه مرجوح، ويقول: أنت رجل يفعل وتفعل بالباء والياء، ونحن قوم نقرأ ويقرأون.
والمراد من هذا الكلام أن صالحاً - عليه السلام - بين بهذا الكلام جهلهم بقوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ، فيحتمل أن غيرهم دعاءهم إلى هذا القول، ويحتمل أن المراد أن الشيطان يفتنكم بوسوسته.
وقال ابن عباس: يُخْتَبرون بالخير والشر كقوله: ﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35] ، وقال محمد بن كعب: يعذبون.
قوله: «وكان في المدينة تسعة رهط} يعني: مدينة ثمود، والأكثر أن يتميز، والعدد مجرور ب» من» ، كقوله: ﴿أَرْبَعَةً مِّنَ الطير﴾ [البقرة: 260] وفي المسألة مذاهب:
أحدها: أنه لا يجوز إلا في قليل.
الثاني: أنه يجوز ولكن لا ينقاس.
الثالث: التفصيل بين أن تكون للقلة كرهط ونفر، فيجوز، أو للكثرة فقط، أو لها وللقلة فلا يجوز نحو: تسعة قوم. ونصب سيبويه على امتناع ثلاث غنم.
قال الزمخشري: وإنما جاز تمييز التسعة بالرهط، لأنه في معنى الجمع، كأنه قيل: تسعة أنفس. قال أبو حيان: وتقدير غيره تسعة رجال هو الأولى؛ لأنه من حيث أضاف إلى أنفس كان ينبغي أن يقول: تِسع أنفس - على تأنيث النفس - إذا الفصيح فيها التأنيث، ألا تراهم عدوا من الشذوذ قول الشاعر:
3968 - ثَلاَثَةُ أَنْفُسٍ وثَلاثُ ذَوْدٍ ... قال شهاب الدين: وإنما أراد تفسير المعنى. وقال ابن الخطيب: والأقرب أن يكون المراد تسعة جمع؛ إذ الظاهر من الرهط الجماعة لا الواحد، ثم يحتمل أنهم كانوا قبائل ويحتمل أنهم دخلوا تحت العدد، لاختلاف وصفهم وأحوالهم، لا لاختلاف النسب.
قوله: «يُفْسِدُونَ» يجوز أن يكون نعتاً للمعدود أو العدد، فيكون في موضع جر أو رفع.
قوله: «ولا يصلِحُون» قيل: مؤكد للأول، وقيل: ليس مؤكداً؛ لأن بعض المفسدين قد يصلح في وقت ما، فأخبر عن هؤلاء بانتفاء توهم ذلك، وهم الذي اتفقوا على عقر الناقة، وهم غواة قوم صالح، ورأسهم: قُدَار بن سالف، وهو عاقر الناقة.
قوله: «قَالُوا تَقَاسَمُوا» يجوز في «تَقَاسَمُوا» أن يكون أمراً، قال بعضهم لبعض: احلفوا على كذا، ويجوز أن يكون فعلاً ماضياً، وحينئذ يجوز أن يكون مفسراً ل» قَالُوا «كأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: تقاسموا. ويجوز أن يكون حالاً على إضمار» قد» ، أي: قالوا ذلك متقاسمين، وإليه ذهب الزمشخري، فإنه قال: يحتمل أن يكون أمراً وخبراً في محل الحال بإضمار «قد» . قال أبو حيان: أما قوله: وخبراً. فلا يصح؛ لأن الخبر أحد قِسْمَي الكلام لأنه ينقسم إلى الخبر والإنشاء، وجميع معانيه إذا حققت راجعة إلى هذين القسمين قال شهاب الدين: ولا أدري عدم الصحة مماذا؟ لأنه جعل الماضي خبراً، لاحتماله الصدق والكذب، مقابلاً للأمر الذي لا يحتملهما، أما كون الكلام لا ينقسم إلا إلى خبر وإنشاء وأن معانيه إذا حققت ترجع إيلهما، فأي مدخل لهذا في الرد على الزمخشري.
ثم قال أبو حيان: والتقييد بالحال ليس إلا من باب نسبة التقييد، لا من نسبة الكلام التي هي الإسناد، فإذا أطلق عليها الخبر كان ذلك على تقدير أنها لو لم تكن حالاً لجاز أن تستعمل خبراً، وكذلك قولهم في الجملة الواقعة صلة: هي خبرية، فهو مجاز والمعنى: أنها لو لم تكن صلة لجاز أن تسعتمل خبراً، وهذا فيه عوض.
قال شهاب الدين: مسلم أن الجملة ما دامت حالاً أو صلة لا يقال لها خبرية، بمعنى أنها تستقلّ بإفادة الإسناد، لأنها سيقت مساق القيد في الحال ومساق حد كلمة في الصلة، وكان ينبغي أن يذكر أيضاً الجملة الواقعة صفة، فإن الحكم فيها كذلك، ثم قال: وأما إضمار «قد» فلا يحتاج إليه، لكثرة وقوع الماضي حالاً دون «قد» ، كثرة ينبغي القياس عليها.
قال شهاب الدين: الزمخشري مَشَى مع الجمهور فإنّ مذهبهم أنه لا بدَّ من «قد» ظاهرةً أو مضمرةً لتقرّبه من الحال. وقرأ ابن أبي ليلى: «تَقَسَّمُوا» - دون ألف مع تشديد السين - والتَّقاسم والتقسُّم كالتَّظاهر والتَّظَهُّر.
قوله: «بِاللَّهِ» إن جعلت «تَقَاسَمُوا» أمراً، تعلق به الجار قولاً واحداً، وإن جعلته ماضياً احتمل أن يتعلق به، ولا يكون داخلاً تحت القول، والمقول هو «لنُبَيِّتنَّهُ» (إلى آخره، واحتمل ان يتعلق بمحذوف هو فعل القسم، وجوابه: «لنُبَيِّتَنَّهُ» فعلى هذا يكون ما بعده داخلاً تحت المقول.
قوله: «لنُبيِّتَنَّهُ» ) قرأ الأخوان بتاء الخطاب المضمومة وضم التاء، والباقون بنون المتكلم وفتح التاء. «ثُمَّ لَنَقُولَنَّ» : قرأ الأخوان بتاء الخطاب المضمومة وضم اللام والباقون بنون المتكلم وفتح اللام، ومجاهد وابن وثاب والأعمش كقراءة الأخوين. (إلا أنّه بياء الغيبة في الفعلين، وحميد بن قيس كهذه القراءة في الأول، وقراءة غير الأخوين) من السبعة في الثاني. فأمَّا قراءة الأخوين فإن جعلنا «تقاسموا» فعل أمرٍ، فالخطاب واضح، رجوعاً بآخر الكلام إلى أوله، وإن جعلناه ماضياً، أو أمراً فالأمر فيهما واضح وهو حكاية إخبارهم عن أنفسهم وأمّا قراءة الغيبة فيهما فظاهرةٌ على أن يكون «تَقَاسَمُوا» ماضياً رجوعاً بآخر الكلام إلى أوله في الغيبة، وإن جعلناه أمراً كان «لنُبَيَّتنهُ» جواباً لسؤال مقدر، كأنّه قيل: كيف تقاسموا؟ فقيل: لَنُبَيِّتَنَّه. وأما غيبة الأول والمتكلم في الثاني: فتعليله مأخوذ ممّا تقدّم في تعليل القراءتين، وقال الزمخشري: وقرىء «لتُبَيِّتنَّهُ» بالتاء والياء والنون، ف «تَقَاسَمُوا» مع التاء والنون يصح (فيه الوجهان، يعني يصح) في «تَقَاسَمُوا» أن يكون أمراً وأن يكون خبراً، قال: ومع الياء لا يصح إلاّ أن يكون خبراً.
قال شهاب الدين: وليس كذلك لما تقدّم من أنه يكون أمراً وتكون الغيبة فيما بعده جواباً لسؤال مقد. وقد تابع الزمخشريَّ أبو البقاء على ذلك فقال: «تَقَاسَمُوا» فيه وجهان:
أحدهما: هو أمرٌ أي: أمر بعضهم بذلك بعضاً، فعلى هذا يجوز في «لنُبَيِّتَنَّهُ» النون بتقدير: قولوا لنُبَيِّتَنَّهُ، والتاء على خطاب الأمر المأمور، ولا يجوز التاء.
والثاني: هو فعل ماض، وعلى هذا يجوز الأوجه الثلاثة. يعني بالأوجه: النون والتاء والياء، قال: وهو على هذا تفسير، أي: وتقاسموا على كونه ماضياً مفسّراً لنفس «قَالُوا» وقد سبقهما إلى ذلك مكي - رَحِمَهُ اللَّهُ - وتقدم توجيه ما منعوه ولله الحمد، وتنزيل هذه الأوجه بعضها على بعض مام يصعب استخراجه من كلام القوم، وتقدّم الكلام في «مَهْلِكَ أَهْلِهِ» في الكهف.
فصل
من جعله أمراً فموضع «تَقَاسَمُوا» جزم على الأمر، أي: احلفوا، ومن جعله فعلاً ماضياً فمحله نصب أي: تحالفوا وتوافقوا لنبيتّنه لنقتلنه، بياتاً أي: ليلاً، وأهله: أي: قومه الذين أسلموا معه، ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ : أي لولي دمه، «مَا شَهِدْنَا» ما حضرنا، «مَهْلِكَ أَهْلَهِ» إهلاكهم، ولا ندري من قتله، ومن فتح الميم فمعناه: هلاك أهله، «وَإِنَّا لَصَادِقُونَ» : في قولنا ما شهدنا ذلك.
قوله: «وَمَكَرُوا مَكْرً» غدروا غدراً حين قصدوا تبييت صالح والفتك به، «وَمَكَرْنَا مَكْراً» جازيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم، «وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ» فشبّه إهلاكهم من حيث لا يشعرون بمكر الماكر على سبيل الاستعارة. وقيل: إنّ الله تعالى أخبر صالحاً بمكرهم فتحرز عنهم، فذلك مكر الله في حقهم.
قوله: ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ : قرأ الكوفيون بفتح «أَنَّا» ، والباقون بالكسر، فالفتح من أوجه: أحدها: أن يكون على حذف الجر، لأنَّا دمّرناهم، و «كَانَ» تامّة، و «عَاقِبَةُ» فاعل بها، و «كَيْفَ» : حال.
الثاني: أن يكون بدلاً من «عَاقِبَةُ» ، أي: كيف كان تدميرنا إيّاهم، بمعنى كيف حدث.
الثالثك أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هي أنَّا دمَّرناهم، أي: العاقبة تدميرنا إياهم، ويجوز مع هذه الأوجه الثلاثة أن تكون كان ناقصة، ويجعل «كَيْفَ» خبرها، فتصير الأوجه ستة، ثلاثة مع تمام «كَانَ» وثلاثة مع نقصانها، ونزيد مع الناقصة وجهاً آخر، وهو ان يجعل «عَاقِبَة» اسمها، و «أَنَّا دَمَّرناهُم» خبرها، و «كَيْفَ» : حال، فهذه سبعة أوجه، والثامن: أن تكون «كان» زائدة، و «عاقبة» مبتدأ، وخبره «كَيْفَ» ، و «أَنَّا دَمَّرنَاهُم» بدل من «عاقبة» أو خبر مبتدأ مضمر، وفيه تعسُّف.
التاسع: أنها على حذف الجار أيضاً، إلا أنه الباء، أي: بأنَّا دمَّرناهم، ذكره أبو البقاء.
العاشر: أنها بدل من «كَيْفَ» ، وهذا وهم من قائله، لأن المبدل من اسم الاستفهام يلزم معه إعادة حرف الاستفهام، نحو: كم مالكم أعشرون أم ثلاثون؟ وقال مكي: ويجوز في الكلام نصب «عَاقِبَة» ويجعل «أَنَّا دَمَّرنَّاهُم» اسم كان. انتهى.
بل كان هذا هو الأرجح كما كان النصب في قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ [العنكبوت: 24] ونحوه أرجح، لما تقدّم شبهه بالمضمر، لتأويله بالمصدر، وتقدّم تحقيق هذا. وقرأ أُبيّ: «أنْ دَمَّرْنَاهُمْ» وهي: أن المصدرية التي يجوز أن تنصب المضارع، والكلام فيها كالكلام فيها كالكلام على «أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ» وأمّا قراءة الباقين، فعلى الاستئناف، وهو تفسير للعاقبة، وكان يجوز فيها التمام والنقصان والزيادة، و «كَيْفَ» وما في حيّزها في محل نصب على إسقاط الخافض، لأنّه معلق للنظر، و «أَجْمَعِينَ» : تأكيد للمعطوف والمعطوف عليه.
فصل
قال ابن عباس: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه، فأتى التسعة دار صارح شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة، فقتلتهم. وقال مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضاً، ليأتوا دار صالح، فجثم عليه الجبل فأهلكهم وأهلك الله قومهم بالصيحة.
قوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ العامة على نصب «خَاوِيَةً» حالاً، والعامل فيها معنى اسم الإشارة، وقرأ عيسى: «خَاوِيَةٌ» بالرفع، إمّا على خبر «تلك» ، و «بُيُوتُهُمْ» بدل من «تِلْك» ، وإمّا خبر ثان، و «بُيُوتُهُم» خبر أول، وإمّا على خبر مبتدأ محذوفن أي: هي خاوية، وهذا إضمار مستغنًى عنه، و «بِمَا ظَلَمُوا» متعلق ب «خاوية» ، أي بسبب ظلمهم. و «خَاويَةً» أي: خالية «بِمَا ظَلَمُوا» بظلمهم وكفرهم، ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً﴾ لَعِبْرَةً، «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» قدرتنا: ﴿وَأَنجَيْنَا الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ قيل: كان الناجون منهم أربعة آلاف.
27:54–58Page 381
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٥٤
And [mention] Lot, when he said to his people, "Do you commit immorality1 while you are seeing?2
أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ٥٥
Do you indeed approach men with desire instead of women? Rather, you are a people behaving ignorantly."
۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوٓاْ ءَالَ لُوطٖ مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٥٦
But the answer of his people was not except that they said, "Expel the family of Lot from your city. Indeed, they are people who keep themselves pure."
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَٰهَا مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٥٧
So We saved him and his family, except for his wife; We destined her to be of those who remained behind.
وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٥٨
And We rained upon them a rain [of stones], and evil was the rain of those who were warned.
قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ الآية، «ولُوطاً» إمّا منصوب عطفاً على « صالحاً» أي: وأرسلنا لوطاً، وإمّا عطفاً على «الَّذِينَ آمَنُوا» ، أي: وأنجينا لوطاً، وإمّا «باذْكُر» مضمرة، و «إذْ قَالَ» : بدل اشتمال من «لُوطاً» ، وتقدّم نظيره في مريم وغيرها.
«أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ» استفهام على وجه الإنكار، والتوبيخ بمثل هذا اللفظ أبلغ، و «الفَاحِشَةِ» : الفعلة القبيحة.
قوله: «وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ» جملة حالية من فاعل «تَأْتُونَ» أو من «الفَاحِشَةَ» ، والعائد محذوف، أي: وأنتم تبصرونها لستم عثمياً عنها جاهلين بها، وهو أشْنَعُ. وقيل: المعنى يرى بعضكم بعضاً، وكانوا لا يستترون، عنوّاً منهم. فإن قيل: إذا فسرت «تُبْصِرُونَ» بالعلم، وبعده: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فكيف يكون علماً جهلاً؟ فالجواب:
تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو تجهلون العاقبة، أو أراد بالجهل: السفاهة والمجانة التي كانوا عليها.
قوله: «شَهْوَةً» : مفعول من أجله، أو في موضع الحال، وقد تقدّم.
قوله: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: خبر مقدم، و ﴿إِلاَّ أَن قالوا﴾ في موضع الاسم. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق برفعه اسماً، و ﴿إِلاَّ أَن قالوا﴾ خبر وهو ضعيف، لما تقدّم تقريره. وتقدّم قراءتا «قَدَّرْنَا» تشديداً وتخفيفاً، والمخصوص بالذم محذوف في قوله: ﴿فَسَآءَ مَطَرُ المنذرين﴾ أي: مَطَرُهُمْ.
فصل
لما بيَّن تعالى جهلهم، بيّن أنهم أجابوا بما لا يصلح أن يكون جواباً، فقال: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قالوا أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ، أي: يتطهرون من هذا الصنيع الفاحش. وقيل: قالوا ذلك على وجه الهزء.
﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته قَدَّرْنَاهَا﴾ قضينا عليها وجعلناها بتقديرنا «مِنَ الغَابِرِينَ» ، أي: الباقين في العذاب، و ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً﴾ ، وهو الحجارة ﴿فَسَآءَ مَطَرُ المنذرين﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences