Ibn 'AdilAn‑Naml · 27:82–93

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:82–93

27:82–86Page 384

۞ وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ٨٢

And when the word [i.e., decree] befalls them,1 We will bring forth for them a creature from the earth speaking to them, [saying] that the people were, of Our verses, not certain [in faith].

وَيَوۡمَ نَحۡشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ فَوۡجٗا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُمۡ يُوزَعُونَ ٨٣

And [warn of] the Day when We will gather from every nation a company of those who deny Our signs, and they will be [driven] in rows

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبۡتُم بِـَٔايَٰتِي وَلَمۡ تُحِيطُواْ بِهَا عِلۡمًا أَمَّاذَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨٤

Until, when they arrive [at the place of Judgement], He will say, "Did you deny My signs while you encompassed them not in knowledge, or what [was it that] you were doing?"

وَوَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمۡ لَا يَنطِقُونَ ٨٥

And the decree will befall them1 for the wrong they did, and they will not [be able to] speak.

أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِيَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٨٦

Do they not see that We made the night that they may rest therein and the day giving sight? Indeed in that are signs for a people who believe.

قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم﴾ أي: مضمون القول، أو أطلق المصدر على المفعول، أي: المقول. ومعنى وقع القول عليهم: وجب العذاب عليهم، وقال قتادة: إذا غضب الله عليهم ﴿أخرجنا لهم دابة من الأرض﴾ .

قوله: «تُكَلِّمُهُمْ» العامة على التشديد، وفيه وجهان:

أظهرهما: أنه من الكلام والحديث، ويؤيده قراءة أُبيّ: «تُنَبِّئُهُمْ» وقراءة يحيى بن يلام: «تحدثهم» - وهما تفسيران لها.

الثاني: «تجرحهم» ويدل عليه قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد وأبي زرعة والجحدري «تَكْلُمُهُمْ» - بفتح التاء وسكون الكاف وضم اللام - من الكَلْمِ وهو الجرح، وقد قراء «تجرحهم» وجاء في الحديث: إنها تسم الكافر.

قوله: «أنَّ النَّاسَ» قرأ الكوفيون بفتح «أن» والباقون بالكسر، فأما الفتح فعلى تقدير الباء، أي: بأن الناس، ويدل عليه التصرح بها في قراءة عبد الله «بأنَّ النَّاسَ» . ثم هذه الباء يحتمل أن تكون معدية وأن تكون سببيّة، وعلى التقديرين يجوز أن تكون «تُكَلِّمُهُمْ» بمعنييه من الحديث والجرح أي: تحدثهم بأن الناس أو بسبب أن الناس أو تجرحهم بأن الناس، أي: تسمهم بهذا اللفظ أو تسمهم بسبب انتفاء الإيمان. وأما الكسر فعلى الاستئناف، ثم هو يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى - وهو الظاهر - وأن يكون من كلام الدابة، فيعكر عليه «بِآيَاتِنَا» ويجاب عنه إما باختصاصها صح إضافة الآيات إليها، كقولك: اتباع الملوك ودوابنا وخيلنا وهي لملكهم، وإما على حذف مضاف أي: بآيات ربنا، و «تُكَلِّمُهُمْ» إن كان من الحديث فيجوز أن يكون إما لإجراء «تُكَلِّمُهُمْ» مجرى تقول لهم، وإما على إضمار القول أي: فتقول كذا، وهذا القول تفسير لتكلمهم.

فصل

قال السدي: تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام. وقيل: تقول للواحد هذا مؤمن وهذا كافر. وقيل كلامهم ما قال ﴿أَنَّ الناس كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ تخبر الناس أن أهل مكة لم يؤمنوا بالقرآن والبعث. قال ابن عمر: وذلك حين لا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر. قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «بَادِرُوُا بالأَعْمَالِ ستّاً. طلوعَ الشمس من مغربها، والدجالَ، والدخانَ والدابةَ وخاصةَ أحدكم، وأمرَ العامة» وقال عليه السلام: «إنّ أولَ الآياتِ خروجاً طلوعُ الشمس من مغربها، وخروجُ الدابة على الناس ضحًى، فأيتهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على أثرها» وقال عليه السلام: «يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج خروجاً في أقصى المين، فيفشوا ذكرها بالبادية، ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة - ثم تكمن زماناً طويلاً، ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة، فيفشوا ذكرها بالبادية، ويدخل ذكرها القرية - يعني مكة - ثم بينا الناس يوماً في أعظم المساجد على الله حرمه، وأكرمها على الله عزَّ وجلَّ يعني المسجد الحرام، ثم لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد تدنوا وتدنو»

- قال الراوي: ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط من ذلك - «فارفضّ الناس عنها، وثبت لها عصابة عرفوا أنهم لم يعجزوا الله، فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب فمرت بهم فجلت عنهم عن وجوههم، حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب، حتى إن الرجل ليقوم يتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان الآن تصلي، فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه، فيتجاور الناس في ديارهم، ويصطحبون في أسفارهم ويشتركون في الأموال، يُعرَف الكافر من المؤمن، فيقال للمؤمن يا مؤمن، وللكافر يا كافر» وقال عليه السلام: «تخرج الدابة ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالعصا، وتخطم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الخوان ليجتمعوا، فيقولون هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر» وروي عن عليّ قال: ليس بدابة لها ذَنَب، ولكن لها لحية، كأنه يشير إلى أنها رجل، والأكثرون على أنها دابة، لما روى ابن جريج عن أبي الزبير أنه وصف الدابة فقال: رأسها رأس الثور، وعينها عين الخنزير، وأن لها أذناً، قيل: وقرنها قرن أيل وصدرها صدر أسد، ولونها لون النمر، وخاصرتها خاصرة هو، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثني عشر ذراعاً، معها عصا موسى وخاتم سليمان، وذكر باقي الحديث. وروى حذيفة بن اليمان قال: «ذكر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الدابة، قلت: يا رسول الله: من أين تخرج؟ قال:» من أعظم حرمة المساجد على الله بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض تحتهم وينشق الصفا مما يلي المشعر، وتخرج الدابة من الصفا أول ما يبدوا منها رأسها ملمعة ذات وبر وريش لن يدركها طالب ولن يفوتها هارب تسم الناس مؤمناً وكافراً، أما المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري، وتكتب بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فتنكت بين عينيه نكتة سوداء وتكتب بين عينيه: كافر»

وروي عن ابن عباس أنه قرع الصفا بعصا - وهو محرم - وقال: إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه وروى أبو هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «بئس الشعب شعب جياد» ، مرتين أو ثلاثاً، قيل: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: «تخرج منه الدابة، فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين»

وقال وهب: وجهها وجه الرجل، وسائر خلقها خلق الطير فتخبر من رآها أن أهل مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون. قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾ ، أي من كل قرن جماعة. و ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ يجوز أن يكون متعلقاً بالحشر، و «مِنْ» لابتداء الغاية، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «فَوْجاً» لأنه يجوز أن يكون صفة له في الأصل، والفوج الجماعة كالقوم، وقيدهم الراغب فقال: الجماعة المارة المسرعة. وكأن هذا هو الأصل ثم انطلق، ولم يكن مرور ولا إسراع، والجمع. أفواج وفووج. و «مِمَّن يُكَذِّبُ» صفة له، و «مِنْ» في «مِنْ كُلِّ» تبعيضية، وفي «مِمَّن يُكَذِّبُ» تبيينية.

قوله: «فَهُمْ يُوزَعُونَ» أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا ثم يساقون إلى النار، ﴿حتى إِذَا جَآءُوا﴾ يوم القيامة، قَالَ لَهُمُ اللَّهُ: ﴿أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً﴾ ولم تعرفوها حتى معرفتها. والواو في «وَلَمْ تُحِيطُوا» يجوز أن تكون العاطفة وأن تكون الحالية، و «عِلْماً» تمييز. قوله: «أمَّاذَا» أم هنا منقطعة، وتقدم حكمها، و «مَاذَا» يجوز أن يكون برمته استفهاماً منصوباً ب «تَعْملون» الواقع خبراً عن «كُنْتُم» ، وعائده محذوف، أي: أي شيء الذي كنتم تعملونه؟ وقرأ أبو حيوة «أمَا» بتخفيف الميم، جعل همزة الاستفهام داخلة على امسه تأكيداً كقوله:

3972 - أَهَلْ رَأَوْنَا بِوَادِي القُفِّ ذِي الأَكَمِ ...

قوله: ﴿أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حين لم يتفكروا فيها، كأنه قال: ما لم تشتغلوا بذلك العمل المهم فأي شيء كنتم تعملونه بعد ذلك ثم قال: ﴿وَوَقَعَ القول عَلَيْهِم﴾ ، أي: وجب العذاب الموعود عليهم «بِمَا ظَلَمُوا» ، أي بسبب ظلمهم وتكذيبهم بآيات الله، ويضعف جعل «مَا» بمعنى الذي ﴿فَهُمْ لاَ يُنطِقُونَ﴾ ، قال قتادة، كيف ينطقون ولا حجة لهم، نظيره قوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 35 - 36] ، وقيل: «لاَ يَنْطِقُونَ» لأن أفواههم مختومة. ثم إنه تعالى لما خوّفهم بأحوال القيامة ذكر كلاماً يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوة، مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر، فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا الليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً﴾ مضيئاً يبصر فيه. قوله: «لِيَسْكُنُوا فِيهِ» قيل: فقيه حذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول، إذا التقدير: جعلنا الليل و «لتتصرفوا» لدلالة «ليسكنوا» . وقوله: «مُبْصِراً» كقوله: ﴿آيَةَ النهار مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: 12] ، وتقدم تحقيقه في الإسراء، قال الزمخشري: فإن قلت: ما للتقاليل لم يراع في قوله: «لِيَسْكُنُوا» و «مُبْصِرَةٌ» حيث كان أحدهما علة، والآخر حالاً؟ قلت: هو مراعى من حيث المعنى وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف يريد لم لا قال: والنهار لتتصرفوا فيها، وأجاب غيره بأن السكون في الليل هو المقصود (من الليل وأما الإبصار في النهار فليس هو المقصود) لأنه وسيلة إلى جلب المنافع الدينية والدنيوية. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون فيعتبرون، وخص المؤمنين بالذكر - وإن كانت الأدلة للكل - لأن المؤمنين هم المنتفعون، كقوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] .

27:87Page 384

وَيَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۚ وَكُلٌّ أَتَوۡهُ دَٰخِرِينَ ٨٧

And [warn of] the Day the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will be terrified except whom Allāh wills. And all will come to Him humbled.

قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور﴾ هذه العلامة الثانية لقيام القيامة، والصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل، فإذا سمع الناس ذلك الصوت يصيحون ثم يموتون، وهذا قول الأكثرين. وقال الحسن: الصور هو الصوَر، وأول بعضهم كلامه أن الأرواح تجتمع في القرن ثم ينفخ فيه فتذهب الأرواح إلى الأجساد، فتحيا الأجساد. قوله: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ قال: «فَفَزَعَ» بلفظ الماضي ولم يقل فيفزع لتحققه وثبوته وأنه كائن لا محالة، لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل، كقوله: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] . والمعنى: يلقى عليهم الفزع إلى أن يموتوا، قيل: ينفخ إسرافيل في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعف، ونفخة القيام لرب العالمين.

قوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ فالمراد إلا من ثبّت الله قلبه من الملائكة، قالوا: وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وجاء في الحديث: أنهم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش، قال سعيد بن جبير وعطاء عن ابن عباس هم الشهداء، لأنهم أحياء عند ربهم. وعن الضحاك: هم رضوان والحور وخزنة النار وحملة العرش. و «كُلٌّ أَتَوْهُ» أي الذين أُحْيُوا بعد الموت. قوله: «أَتَوْهُ» قرأ حمزة وحفص: «أَتَوْهُ» فعلاً ماضياً ومفعوله الهاء، والباقون: «آتوه» : اسم فاعل مضافاً للهاء، وهذا حمل على معنى «كُلّ» وهي مضافة تقديراً، أي: وكلهم. وقرأ قتادة: «أتَاهُ» ماضياً مسنداً لضمير «كلّ» على اللفظ، ثم حمل على معناها، فقرأ «دَاخِرِين» ، والحسن والأعرج «دَخِرِينَ» بغير ألف أي: صاغرين:

27:88Page 384

وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ ٨٨

And you see the mountains, thinking them motionless,1 while they will pass as the passing of clouds. [It is] the work of Allāh, who perfected all things. Indeed, He is Aware of that which you do.

قوله: ﴿وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا﴾ هذه العلامة الثالثة لقيام القيامة، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ [الكهف: 47] «جَامِدَةً» قائمة واقعة، و «تَحْسَبُهَا جَامِدَةً» هذه الجملة حالية من فاعل «تَرَى» أو من مفعوله، لأن الرؤية بصرية.

قوله: «وَهِيَ تَمُرُّ» الجملة حالية أيضاً، وهكذا الأجرام العظيمة تراها واقفة وهي مارة قال النابغة الجعدي يصف جيشاً كثيفاً:

3973 - بِأَرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسِبُ أَنَّهُمْ ... وُقُوفٌ لِحَاجٍ وَالرِّكَابُ تُهَمْلِجُ

و «مَرَّ السَّحَابِ» : مصدر تشبيهي، قوله: «صُنْعَ اللَّهِ» مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة عامله مضمر، أي: صنع الله ذلك صنعاً، ثم أضيف بعد حذف عامله، وجعله الزمخشري مؤكداً للعامل في ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور﴾ [النمل: 87] وقدره: ويوم ينفخ وكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين وعاقب المسيئين في كلام طويل جرياً على مذهبه، وقيل منصوب على الإغراء، أي: انظروا صنع الله وعليكم به. والإتقان: الإتيان بالشيء على أكمل حالاته، وهو من قولهم: تقن أرضه إذا ساق إليها الماء الخاثر بالطين لتصلح للزراعة، وأرض تقنة، والتقن فعل ذلك بها، والتقن أيضاً: ما رمي به في الغدير من ذلك أو الأرض، ومعنى ﴿أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: أحكمه. ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالغيبة جرياً على قوله «وَكُلٌّ أَتَوْهُ» ، والباقون بالخطاب جرياً على قوله «وتَرَى» ، لأن المراد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وأمته.

27:89–90Page 385

مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَا وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ ٨٩

Whoever comes [at Judgement] with a good deed will have better than it, and they, from the terror of that Day, will be safe.

وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٠

And whoever comes with an evil deed1 - their faces will be overturned into the Fire, [and it will be said], "Are you recompensed except for what you used to do?"

قوله: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ في «خَيْر» وجهان:

أحدهما: أنها للتفصيل باعتبار زعمهم، أو على حذف مضاف، أي: خير من قدرها واستحقاقها «مِنْهَا» في محل نصب، وألا يكون للتفصيل، فيكون (مِنْهَا) في موضع رفع صفة لها. قوله ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ قرأ أهل الكوفة «مِنْ فَزَع» بالتنوين، «يَوْمَئِذٍ» بفتح الميم، وقرأ الآخرون بالإضافة، لأنه أعم فإنه يقتضي الأمن من جمع فزع ذلك اليوم وبالتنوين كأنه فزع دون فزع، ويفتح أهل المدينة الميم من «يومَئذ» وتقدم في هود فتح «يَوْم» وجره و «إِذْ» مضافة للجملة حذفت وعوض عنها التنوين، والأحسن أن تقدر يومئذ جاء بالحسنة، وقيل: يومئذ ترى الجبال، وقيل: يومئذ ينفخ في الصور، والأولى أولى، لقرب ما قدر منه.

فصل

لما تكلم في علامات القيامة شرح - بعد ذلك - أحوال المكلفين بعد قيام القيامة والمكلف إما أن يكوم مطيعاً أو عاصيا، أما (المطيع، فهو) الذي جاء بالحسنة وهي كلمة الإخلاص قال أبو معشر يحلف ما ساتثنى: إنّ الحسنة لا إله إلا الله وقيل: كل طاعة. ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ ، قال ابن عباس: يعني له من تلك الحسنة خير يوم القيامة، وهو: الأمن من العذاب، أما أن يكون له شيء خير من الإيمان، فإنه ليس شيء خيراً من قوله لا إله إلا الله، وقيل: خير منها يعني رضوان الله، قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾ [التوبة: 72] ، وقال محمد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد: خير منها يعني الأضعاف، أعطاه الله بالواحد عشراً، فصاعداً، وهذا حسن، لأن للأضعاف خصائص وقيل: إن الثواب خير من العمل، لأن الثواب دائم والعمل منقض، ولأن العمل فعل العبد، والثواب فعل الله. ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ أي: آمنون من كل فزع، فإن قيل: أليس قال - في أول الآية - ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ ؟ [النمل: 87] فكيف نفى الفزع ههنا؟ فالجواب: أن الفزع الأول ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدة تقع أو هول يفجأ، وإن كان المحسن يأمن وصول ذلك الضرر إليه، وأما الثاني: فهو الخوف من العذاب.

وأما من قرأ «مِنْ فَزَع» بالتنوين، فهو محتمل معنيين: من فزع واحد، وهو خوف العذاب، وإما ما يلحق الإنسان من الرعب عند مشاهدته، فلا ينفك عند أحد. فإن قيل: الحسنة لفظة مفردة معرفة، وقد ثبت أنها لا تفيد العموم، بل يكفي في تحققها حصول فرد من أفرادها، وإذا كان كذلك فلنحملها على أكمل الحسنات شأناً، وأعلاها درجة وهو الإيمان، ولهذا قال ابن عباس: الحسنة كلمة الشهادة، وهذا يوجب القطع بأنه لا يعاقب أهل الإيمان، فالجواب: ذلك الخير هو أن لا يكون عقابه مخلداً. و «أمن» يتعدى بالجار وبنفسه، كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله﴾ [الأعراف: 99] .

قوله: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة﴾ يعني الإشراك ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ ، يجوز أن يكون ذكر الوجه إيذاناً بأنهم يكبون على وجوههم فيها منكبين، يقال: كببت الرجل إذا ألقيته على وجهه فأكب وانكب.

قوله: «هَلْ تُجْزُوْنَ» على إضمار قول، وهذا القول حال مما قبله، أي كُبَّتْ وجوههم مقولاً لهم ذلك القول.

27:91–93Page 385

إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩١

[Say, O Muḥammad], "I have only been commanded to worship the Lord of this city,1 who made it sacred and to whom [belongs] all things. And I am commanded to be of the Muslims [i.e., those who submit to Allāh]

وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ٩٢

And to recite the Qur’ān." And whoever is guided is only guided for [the benefit of] himself; and whoever strays - say, "I am only [one] of the warners."

وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٣

And say, "[All] praise is [due] to Allāh. He will show you His signs, and you will recognize them. And your Lord is not unaware of what you do."

قوله: «إِنَّمَا أُمِرْتُ» أي: قل يا محمد إنما أمرت (أي: أمرت) أن اخص الله وحده بالعبادة، ثم إنه تعالى وصف نفسه بأمرين:

أحدهما: أنه رب هذه البلدة، والمراد مكة، وإنما خصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها احب بلاده ليه وأكرمها، عليه، وأشار إليها إشارة تعظيم لها دالاً على أنها وطن نبيه ومهبط وحيه.

قوله: «الَّذِي حَرَّمَهَا» هذه قراءة الجمهور صفة للربِّ، وابن مسعود وابن عباس «الَّتِي» صفة للبلدة، والسياق إنما هو للرب لا للبلدة، فلذلك كانت قراءة العامة واضحة. والمعنى: جعلها الله حرماً آمناً لا سفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصطاد صيدها ولا يختلأ خلاؤها، وله كل شيء خلقاً وملكاً، وإنما ذكر ذلك لأن العرب كانوا معترفين بكون مكة محرمة، وعلموا أن تلك الفضيلة ليست من الأصنام بل من الله فكأنه قال: لما علمت وعلمتهم أنه سبحانه هو المتولي لهذه النعم وجب عليّ أن أخصه بالعبادات، و ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين﴾ لله.

قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ القرآن﴾ العامة على إثبات الواو بعد اللام، وفيها تأويلان:

أظهرهما: أنه من التلاوة وهي القراءة، وما بعده يلائمه.

والثاني: من التلو وهو الاتباع كقوله: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ﴾ [يونس: 109] ، وقرأ عبد الله: «وَأَنِ اتْلُ» أمراً له عليه السلام، ف «أنْ» يجوز أن تكون المفسرة وأن تكون المصدرية، وصلت بالأمر، وتقدم ما فيه.

فصل

المعنى: وأمرت أن أتلوَ القرآن، ولقد قام بذلك صلوات الله عليه وسلامه أتم قيام «فَمَن اهْتَدَى» فيما تقدم من المسائل، وهي التوحيد والحشر والنبوة، {فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} ، أي منفعة اهتدائه راجعة إليه، «ومَنْ ضَلَّ» عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى، ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ المنذرين﴾ المخوفين فليس عليَّ إلا البلاغ، نسختها آية القتال.

قوله: «وَمَنْ ضَلَّ» يجوز أن يكون الجواب قوله: ﴿فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ﴾ ، ولا بد من حذفِ عائدٍ على اسم الشرط أي: مِنَ المُنْذِرينَ لهُ، لما تقدم في البقرة وأن يكون الجواب محذوفاً أي: فَوَبَالُ ضَلاَلِهِ عليه.

قوله: ﴿وَقُلِ الحمد للَّهِ﴾ على ما أعطاني من نعمة العلم والحكمة والنبوة، أو على ما وفقني من القيام بأداء الرسالة والإنذار، «سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ» القاهرة، «فَتَعْرِفُونَهَا» يعني يوم بدر من القتل والسبي، وضرب الملائكة وجوههم وأديارهم، نظيره قوله تعالى: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: 37] . وقال مجاهد: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ في السَّماواتِ والأَرْضِ وَفِي أَنْفُسِكُم﴾ ، كما قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53] «فتعرفونها» أي تعرفون الآيات والدلالات، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قرىء بالتاء والياء، وهذا وعيد لهم بالجزاء على أعمالهم.

روى أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «من قرأ طس النمل كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق سليمان، وكذب به، وهود وشعيب وصالح وإبراهيم عليهم السلام، ويخرج من قبره وهو ينادي: لا إله إلا الله» سورة القصص

سورة القصص مكية إلا قوله عز وجل: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ [القصص: 52] إلى قوله: ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾ [القصص: 55] ، وفيها آية نزلت بين مكة والمدينة وهي قوله: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ [القصص: 85] وهي ثمان وثمانون آية، وألف وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة، وخمسة آلاف وثمانمائة حرف.

ولقائل أن يقول: لم لا سميت سورة موسى، لاشتمالها على قصة موسى فقط من حين ولد إلى أن أهلك الله فرعون وخسف بقارون، كما سميت سورة نوح، وسورة يوسف لاشتمالها على قصتهما، ولا يقال: سميت (بذلك لذكر) القصص فيها في قوله: ﴿فلما جاءه وقص عليه القصص﴾ [القصص: 25] لأن سورة يوسف فيها ذكر القصص مرتين، الأولى ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ [يوسف: 3] ، والثانية قوله: " لقد كان في قصصهم " فكانت سورة يوسف أولى بهذا الاسم، وأيضا فكانت سورة هود أولى بهذا الاسم، يعني: بسورة القصص؛ لأنه ذكر فيها قصص (سبعة أنبياء) وهذه ليس فيها إلا قصة واحدة، فكان ينبغي العكس، أن تسمى سورة هود سورة القصص، وهذه سورة موسى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском