Ibn 'AdilAl-'Ankabut · 29:36–55

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:36–55

29:36–37Page 400

وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦

And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb, and he said, "O my people, worship Allāh and expect the Last Day and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٣٧

But they denied him, so the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

قوله تعالى: «وإلَى مَدْيَنَ» أي وأرسلنا، أو بعثنا إلى مدين أخاهم «شعيباً» بدل، أو بيان، أو بإضمار: أعني، قيل: مدين: اسم رجل في الأصل وجهل وله ذرية فاشتهر في القبيلة، كتَمِيم، وقيسٍ وغيرهما، وقيل: اسم ما نسب القوم إليه فاشتهر في القوم، والأول أظهر، لأن الله تعالى أضافه إلى مدين بقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ ولو كان اسم الماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقية فالأصل في الإضافة التغاير حقيقة وقوله: «أخاهم» ، قيل: لأن شعيباً كان منهم نسباً.

فإن قيل: قال الله (تعالى) في «نوح» : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: 14] فقدم نوحاً في الذِّكْرِ وعرف القوم بالإضافة إليه وكذلك في إبراهيم، ولوط، وههنا ذكر القوم أولاً، وأضاف إليهم أخاهم «شعيباً» فما الحكمة؟

فالجواب: أن الأصل في الجميع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن الرسل لا تبعث إلا غير معينين، وإنما تبعث الرسلإلى قوم محتاجين إلى الرسل فيرسل إليهم من يختاره، غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص، ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها، فعرفوا بالنبي، فقيل: قوم نوح، وقوم لوط، وأما قوم «شعيب» و «هود» و «صالح» فكان لهم نسبٌ معلوم اشترهوا به عند الناس فجرى الكلام على أصله، وقال الله: ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ ، ﴿وإلى عاد أخاهم هوداً﴾ فإن قيل: لم يذكر عن «لوط» أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد، وذكر عن شعيب ذلك.

فالجواب قد تقدم وهو أن «لوطاً» كان من قوم «إبْرَاهِيمَ» ، وفي زمانه، وكان إبْراهيمُ سبقه بذلك، واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق عن «إبراهيم» فلم يحتج «لوطٌ» إلى ذكره، وإنما ذكر ما اختص به من المنع من الفاحشة وغيرها، وإن كان هو بدأ يأمر بالتوحيد، (إذ ما من رسول إلا ويكون أكثر كلاماً في التوحيد، وأما «شعيب» فكان بعد انقراض ذلك الزمان، وذلك القوم، فكان هو أصلاً في التوحيد) فبدأ به وقال اعبدوا الله.

قوله: ﴿وارجوا اليوم الآخر﴾ ، قال الزمشخري: معناه افعلوا فعل من يَرْجُو اليومَ الآخر؛ إذ يقول القائل لغيره: كن عاقلاً ويكون معناه افعل فعل من يكون عاقلاً، فقوله: ﴿وارجوا اليوم آلآخِرَ﴾ بعد قوله: «واعْبُدُوا اللَّهَ» يدل علي التفضل لا على الوجوب.

قوله: ﴿وارجوا اليوم الآخر﴾ ، تقدم الكلام عليه، ونصب «مفسدين» على المصدر، كقول القائل: اجلس قعوداً.

قوله: ﴿فكذبوه فأخذتهم الرجفة﴾ .

فإن قيل: (ما الحكمة) فيما حكاه الله عن شعيب من أمر ونهي، فالأمر لا يكذب، ولا يصدق، فإن قال لغيره اعبد الله لا يقال له: كذبت؟

فالجواب: كان شعيب يقول: الله واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد محرم فلا تقربوه، وهذه فيها إخبارات، فكذبوه بما أخبر به.

(فإن قيل هنا) قال في الأعراف: «فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ» وقال في هود: «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ» والحكاية واحدة.

(فالحواب) : لا تعارض بينهما، فإن الصيحة كانت سبباً للرجفة، قيل: إن جبريل صاح فتزلزلت الأرض من صيحته، فرجفت قلوبهم، والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب.

فإن قيل: ما الحكمة في أنه حخيث قال: «فأخذتهم الصَّيْحَةُ» قال: «في دِيَارِهِمْ» وحيث قال: «فأخذتهم الرجفة» قال في «دَارِهِمْ» ؟ فالجواب: أنّ المراد من الدارِ هو الديار، والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون بلفظ الجمع، وأن تكون بلفظ الواحد إذا أمِنَ (مِنَ) الالْتِباسِ، وإنما اختلف اللفظ لِلطيفة وهي أن اللطيفة هائلة في نفسها، فلم يحتج إلى تهول بها، وأما الصيحة فغير هائلة في نفسها ولكن تلك الصيحة لما كانت عظيمة حتى أحدثت الزلزلة في الأرض ذكر الديار بلفظ الجمع حتى يعلم هيئتها، والرجفة بمعنى الزلزلة عظيمة عند كل أحد فلم يُحْتَجْ إلى معظِّمٍ لأمرها، وقيل: إن الصيحة كانت أعظم حيث عمت الأرض والجو والزلزلة لم تكن إلا في الأرض فذكر الديار هنا، وهذا ضعيف لأن لادار والديار موضع الجثوم لا موضع الصيحة والرجفة فهم ما أصبحوا جاثمين إلا في ديارهم أو دارهم.

29:38–40Page 400

وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ ٣٨

And [We destroyed] ʿAad and Thamūd, and it has become clear to you from their [ruined] dwellings. And Satan had made pleasing to them their deeds and averted them from the path, and they were endowed with perception.

وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ ٣٩

And [We destroyed] Qārūn and Pharaoh and Hāmān. And Moses had already come to them with clear evidences, and they were arrogant in the land, but they were not outrunners [of Our punishment].

فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٠

So each We seized for his sin; and among them were those upon whom We sent a storm of stones, and among them were those who were seized by the blast [from the sky], and among them were those whom We caused the earth to swallow, and among them were those whom We drowned. And Allāh would not have wronged them, but it was they who were wronging themselves.

قوله تعالى: «وَعَاداً وَثمُوداً» نصب «بأَهْلَكْنَا» مقدراً، أو عطف على مفعول «فَأَخَذَتْهُمْ» أو على منصوب «ولقد فتنا» أول السورة، وهو قول الكسائي. وفيه بعد كثير وتقدم تنوين «ثمود» ، وعدمه في هود، وقرأ ابن وثاب: «وعادٍ وَثُمُودٍ» بالخفض عطفاً على «مَدْيَنَ» عطف لمجرد الدلالة، وإلا يلزم أن يكون شعيبٌ مرسلاً إليهما، وليس كذلك.

قوله: ﴿وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ أي ما حلَّ بهم وقرأ الأعمش: «مَسَاكِنُهُم» بالرفع على الفاعلية بحذف «من» . ثم (بين) سبب (ما) جرى عليهم فقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل﴾ أي عن سبيل الحق، وهو عابدة الله «وكَانُوا مُسْتَبصْرِينَ» قال مقاتل والكلبي وقتادة كانوا معجبين في دينهم وضلالتهم يحسبون أنهم على هدى، وكانوا على الباطل، والمعنى أنهم كانوا عند أنفسهم مستبصرين وقال الفراء: كانوا عقلاء ذوي بصائر. وقيل: كانوا مستبصرين بواسطة الرسل، يعني لم يكن لهم في ذلك عذر لأن الرسل أوضحوا السبل.

قوله: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ عطف على «عاداً وثموداً» أو على مفعول: «فصدهم» ، أو بإضمار: اذكروا، ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ موسى بالبينات﴾ بالدلالات كما قال في عاد وثمود «وكانوا مستبصرين» أي بالرسل. ﴿فاستكبروا فِي الأرض﴾ أي عن عبادة الله، فقوله «في الأَرْضِ» إشارة إلى قلة عقلهم فاسْتكبارهم، لأن من في الأرض أضعف أقسام المكلفين، ومن في السماء أقواهم، ثم إن «من في السماء» لا يستكبرون على الله بالعبادة فكيف ﴿من في الأرض﴾ ، ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي فائتين من عقابنا.

قوله: «فَكُلاًّ» منصوب «بأخذنا» و «بذَنْبِه» أي بسببه أو مصاحباً لذنبه، ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ وهم قوم لوط والحاصب: الريح التي تحمل الحصباء وهي الحصا الصِّغَارُ وقيل: انت حجارة مَحْمِيَّة تقع على واحد منهم وتَنْفُذُ من الجانب الآخر، ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة﴾ يعني ثمود ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض﴾ وهم «قارون» وأصحابه، ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني قوم نوح وفرعون وقومه.

وقوله: «مَنْ أَغْرَفْنَا» عائده محذوف لأجل سنة الفاصلة، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ﴾ يعني لم يظلمهم بالهلاك وإنما ظلموا أنفسهم بالإشراك.

29:41–43Page 401

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١

The example of those who take allies other than Allāh is like that of the spider who takes [i.e., constructs] a home. And indeed, the weakest of homes is the home of the spider, if they only knew.

إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤٢

Indeed, Allāh knows whatever thing they call upon1 other than Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.

وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ ٤٣

And these examples We present to the people, but none will understand them except those of knowledge.

قوله (تعالى) : ﴿مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله (أَوْلِيَآءَ) ﴾ يعني الأصنام يرجون نصرها ونفعها ﴿كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً﴾ لنفسها «بَيْتاً» تأوي إليه، وإن بيتها في غاية الضعف والوهي لا يدفع عنها حراً ولا برداً كذلك الأوثان لا تملك لعابدها نفاً ولا ضرّاً ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت (لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . واعلم أنه تعالى مثل اتخاذهم الأوثان أولياء باتخاذِ العنكبوت) نسجه بيتاً ولم يمثل «نسجه» لأن «نسجه» له فائدة لولاه لما حصل، وهو اصطيادها الذباب من غير أن يفوته ما (هو) أعظم منها واتخاذهم الأوثان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من متاع الدنيا ولكن يفوتهم ما هو أعظم منها وهو الدار الآخرة (التي) هي خير وأبقى، فليس اتخاذهم كنسج العنكبوت. وقوله: ﴿وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون﴾ إشارة إلى ما بينا أن كل بيت ففيه إما فائدة الاستظلال أو غير ذلك، وبيته يضعف عن إفادة ذلك لأنه يَخْرُبُ بأدنى شيء، ولا يبقى منه عينٌ ولا أثر، فذلك عملهم، ﴿لو كانوا يعلمون﴾ . (وَ) العنكبوت معروف، ونونه أصلية،. والواو والتاء مزيدتان بدليل جمعه على «عناكب» وتصغيره عنيكب ويذكر ويؤنث، فمن التأنيث قوله: «اتخذت بيتاً» ومن التذكير قوله:

4030 - عَلَى هَطَّالِهِمْ مِنْهُمْ بُيُوتٌ ... كَأَنَّ العَنْكبُوت هو ابْتَنَاهَا

وهذا مطرد في أسماء الأجناس يذكر ويؤنث.

قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ جوابه محذوف أي لما اتخذوا من يضرب له بهذه الأمثال لِحَقَارَتِهِ ومتعلق يعلمون لا يجوز أن يكون من جنس قوله: ﴿وإنّ أوهنَ البيوت﴾ لأن كل أحد يعلم ذلك، وإنما متعلَّقَهُ مقدر من جنس ما يدل عليه السياق أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم.

قوله: ﴿إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ﴾ ، قرأ أبو عمرو وعاصم «يَدْعُون» بياء الغيبة، والباقون بالخطاب. و «ما» يجوز أن تكون موصولة منصوبة ب «يَعْلَمُ» أي يعلم الذين يدعونهم ويعلم أحوالهم، و «من شيء» مصدر، وأن تكون استفهامية، ويحينئذ يجوز فيها وجهان أن تكون هي وما عملت فيها معترضاً بين قوله: «يَعْلَمُ» وبين قوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ كأنه قيل: أَيُّ شيءٍ تدعون من دون الله.

والثاني: ان تكون متعلقة «لِيَعْلَمَ» فتكون في موضع نصب بها، وإليه ذهب الفارسي وأن تكون نافية و «مِنْ» في «مِنْ شَيْءٍ» مزيدة في المفعول به كأنه قيل: ما تدعون من دون الله ما يستحق أن يطلق عليه شيء.

قال الزمخشري: هذا زيادة توكيد على التمثيل حيث إنهم لا يدعون من دونه من شيء يعني ما يدعون ليس بشيء، وهو عزيز حكيم، فكيف يجوز للعاقل أن يترك القادر الحكيم ويشتغل بعبادة ما ليس بشيء أصلاً وهذا يفهم منه أنه جعل «ما» نافية، والوجه فيه حينئذ أن تكون الجملة معترضة كالأول من وجهي الاستفهامية، وأن تكون مصدرية، قال أبو البقاء: و «شيء» مصدر، وفي هذا نظر، إذ يصير التقدير يعلم دعاءكم في شيء من الدعاء.

قوله: ﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ يجوز أن يكون «نضربها» خبر «تلك الأمثال» و «الأمثال» نعت أو بدل، أو عطف بيان، وأن يكون «الأمثال» خبراً، و «نضربها» حال، وأن يكون خبراً ثانياً.

فصل

وتلك الأمثال: الأشباه، والمَثَل: كلام سائغ يتضمن تشبيه الآخر بالأول، يريد امثال القرآن التي شبه بها أحوال الكفار هذه الأمة بأحوال كفار الأمم المتقدمة «نضربها» تَنْبِيهاً للناس، قال مقاتل: لكفار مكة ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون﴾ أي ما يعقل الأمْثَالَ إلا العلماءُ الذين يعقلون عن الله. روى جابر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تلا هذه الآية ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ قال:» العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته، واجتنب سَخَطَهُ»

فصل

روي أن الكفار قالوا: كيف يضرب خالقُ الأرض والسموات الأمثال بالهوامُ والحشرات كالبعوض والذباب والعنكبوت، فقيل: الأمثال تضربها للناس إذْ لم يَكونوا كالأنعام يحصل لكم منه إدراك ما يوجب نُفْرَتَكُمْ مما أنتم فيه لأن التشبيه يؤثر في النفس تأثيراً مثل تأثير الدليل، فإذا قال الحكيم لمن يغتاب (بالغيبة) كأنك تأكل لحم ميت لأنك وقعت في هذا الرجل الغائب وهو غائب لا يفهم ما تقول ولا يسمع حتى يجيبك كمن يقع في ميت يأكل كما ينفر إذا قال له: إنك توجب العقاب ويورث العتاب.

29:44–45Page 401

خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٤

Allāh created the heavens and the earth in truth. Indeed in that is a sign for the believers.

ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ ٤٥

Recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book and establish prayer. Indeed, prayer prohibits immorality and wrongdoing, and the remembrance of Allāh is greater. And Allāh knows that which you do.

قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق﴾ بالحق وإظهار الحق ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ إن في خلقها «لآيَة لِلْمُؤْمِنِينَ» على قدرته وتوحيده، فإن قال قائل كيف خص الآية في خلق السماوات والأرض بالمؤمنين مع أَن في خَلْقِهَا آية لكل عاقل كما قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزمر: 38] وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ... لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 4] .

فالجواب: خلق السموات والأرض آية لكل عاقل، وخلقهما بالحق آية للمؤمنين فحسب ويدل عليه النقل والنقل، أما النقل فقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بالحق ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: 39] أخرج أكثر الناس عن العلم بكونه خلقهما بالحق مع أنه أثبت للكل بأنه خلقهما بقوله: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ وأما العقل فَ (هُوَ أَنَّ) العاقل أَول ما ينظر إلى خلق السماوات والأرض يعلم أن لها خالقاً وهو الله، ثم (من) يهديه الله لا يقطع النظر عنهما عند مجرد ذلك بل يقول: إنه خلقهما متقناً محماً وهو المراد من قوله: «بالحق» لأن ما لا يكون محكماً يفسد ويبطل فيكون باطلاً، وإذا علم أن خالقهما متقناً يقول: إنه قادرٌ كاملٌ، حيث خلق، فأحكم، وعالم علمه شامل حيث أتقن فيقول: ﴿لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: 3] ولا يعزب عن علمه أجزاء الموجودات في الأرض ولا في السموات، ولا يعجز عن جمعهما كما جمع أجزاء الكائنات والمبدعات فيجوز بعث مَن في القبور، وبعثه الرسل، وهما بالخلق موجودان فيحصل له الإيمان بتمامه من خلق ما خلقه الله على أحسن نظامه.

قوله تعالى: ﴿اتل مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب﴾ يعني القرآن لتعلم أن «نوحاً» و «لوطاً» وغيرهما كانوا على ما أنت عليه بلغوا الرسلة، وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة، وهذا تسلية للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وشرّف وكرّم) .

قوله: ﴿وَأَقِمِ الصلاة إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر﴾ الفحشاء: ما قَبُحَ من الأعمال، والمنكر ما لا يُعْرَف في الشرع. قال ابو مسعود، وابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تهه عن النمنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بُعداً، وقال الحسن وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وَبَالٌ عليه، ورُوِيَ عن أنس بن مالك قال: «كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم (لا) يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه فوصف لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حالُه فقال:» إنَّ صلاته تهاهُ يوماً «فلم يلبث أن تاب وحَسُنَ حاله»

، وقال ابن عون: معنى الآية: إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء وةالمنكر ما دام فيها، وقيل: المراد بالصلاة القرآن كما قال: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت به﴾ [الإسراء: 110] ، أي بقراءتك، وأراد أنه يقرأ القرآن في الصلاة، فالقرآن يَنْهَاهُ عن الفحشاء والمنكر.

قوله: ﴿وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ﴾ أي ذكر الله أفضل الصناعات، قال عليه (الصلاة و) السلام: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بخيرِ أَعْمَالِكُمْ وأزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وأرْفَعِهَا في دَرَجَاتِكُمْ وخَيْرٍ منْ إعَطاءٍ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وأن تَلْقوا عَدُوَّكُمْ فَتَضْربُوا أعْنَاقَهُمْ ويَضْرِبُوا أعْنَاقَكُمْ» قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال: ذِكْرُ الله وسئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أيذ العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: الذَّاكِرُونَ الله كثيراً، قالوا يا رسول الله: ومِنَ الغازي في سبيل الله، فقال: لو ضرب بسيفه الكفارَ والمشركين حتى ينكسر أو يَخْتَضِبَ دماً لكان الذاكرون الله كثيراً أفضل منهُ «وروي أبو هريرة قال:» كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يسير في طرق مكة مرَّ على جَبلٍ يقال له: حَمْدَان، فقال: سيروا هذا حَمْدان. سبق المُفْرَدُونَ، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات»

قيل: معنى قوله: ﴿ولذكر الله أكبر﴾ أي ذكر الله إياكم أفضلُ من ذكركم إياه رُوِيَ ذلك عن عبد الله، وهو قول مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ويروى مرفوعاً عن موسى بن عُقْبة عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال عطاء في قوله: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ من أن يَبْقَى معه معصية ﴿والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ قال عطاء: لا يخفى لعيه شيء.

29:46–49Page 402

۞ وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٤٦

And do not argue with the People of the Scripture except in a way that is best, except for those who commit injustice among them, and say, "We believe in that which has been revealed to us and revealed to you. And our God and your God is one; and we are Muslims [in submission] to Him."

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَمِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٧

And thus We have sent down to you the Book [i.e., the Qur’ān]. And those to whom We [previously] gave the Scripture believe in it. And among these [people of Makkah] are those who believe in it. And none reject Our verses except the disbelievers.

وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٤٨

And you did not recite before it any scripture, nor did you inscribe one with your right hand. Then [i.e., otherwise] the falsifiers would have had [cause for] doubt.

بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٩

Rather, it [i.e., the Qur’ān] is distinct verses [preserved] within the breasts of those who have been given knowledge. And none reject Our verses except the wrongdoers.

قوله تعالى: ﴿وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي لا تخاصمهم إلا بالتي هي أحسن أي بالدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه، وأراد من قبل الجزية منهم لما بين طريقة إرشاد المشركين بين طريقة إرشاد أهل الكتاب.

قوله: ﴿إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ﴾ استثناء متصل، وفيه مَعْنَيَانِ.

أحدهما: إلا الظلمة فلا تجادلوهم ألبتة بل جاهدوهم بالسسيف حتى يسلموا أو يُعْطُوا الجزية.

ومجاز الآية: إلا الذين ظلموكم لأن جميعهم ظالم بالكفر.

والثاني: جادلوهم بغير التي هي أحسن أي أغلظوا لهم كما أغلظوا عليكم، قال سعيد بن جبير: أهل الحرب، ومن لا عهد له، وقال قتادة ومقاتل: نُسِخَتْ بقولِهِ: ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ [التوبة: 29] ، وقرأ بن عباس «أَلاَ» حرف تنبيه أي فجادلوهم.

قوله: ﴿وقولوا آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ وهذا تبين لمجادلتهم بالتي هي أحسن يريد إذا أخبركم واحٌ منهم ممن قبل الجزية بشيء مما في كتبهم فلا تجادلوهم عله ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم ﴿وقولوا آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ، روى أبو هريرة قال: «كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعِبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: لا تصدقوهم ولا تكذبهم وقولوا: آمنا بالله وما نزل إلينا ... الآية» وروى معمر عن الزهري أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جاءه رجل من اليهود ومرّ بجنازة فقالك يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الله) أعلم فقال اليهودي: إنها تتكلم فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تُصَدِّقُوهُم ولا تكذِّبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان باطلاً لم تصدقوه وإن كان حقاً لم تكذبوه»

قوله: «وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا» أي كما أنزلنا إليهم الكتاب أنزلنا إليك الكتاب ﴿فالذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعنى (مُؤْمِني) أهل الكتاب عبد الله بن سلام، (وأصحابه) «ومِنْ هَؤُلاَءِ» يعني أهل مكة ﴿مَنْ يُؤْمِنُونُ بِهِ﴾ وهم مؤمنوا أهل مكة ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الكافرون﴾ وذلك أن اليهود عرفوا أن محمداً نبي، والقرآن حق، فجحدوا، وقال قتادة: الجحود إنما يكون بعد المعرفة وهذا تنفير لهم عما هم عليه يعني إنكم آمنتم بكل شيء وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة إلا هذه المسألة الواحدة، وبإنكارها تلتحقون بهم، وتبطلون مزاياكم، فإن الجاحد بآية يكون كافراً.

قوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل ما أنزلنا إليك الكتاب.

قوله: «مِنْ كِتَابٍ» مفعول «تتلو» و «من» زائدة و «من قبله» حال من «كتاب» أو متعلق بنفس «تتلو» و «تخطّه بيمينك» أي ولا تكتبه أي لم تكن تقرأ ولا تكتب قبل الوحي قوله: «إذاً لاَرْتاب» جواب وجزاء، أي لو تلوت كتاباً قبل القرآن أو كنت ممن يكتب لارتاب المبطلون ولشكّ (المشركون من) أهل مكة، وقالوا: إنه يقرأه من كتب الأولين وينسخه منها، وقال قتادة ومقاتل: المبطلون هم اليهود والمعنى: لشكوا فيك واتهموك، وقالوا: من الذي نجد نعته في التوراة أمي لا يقرأ ولا يكتب وليس هذا على ذلك النعت.

قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ قرأ قتادة «آيَةٌ» بالتوحيد، قال الحسن: يعني القرآن ( «آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ» } ، يعني: «المؤمنين» الذين حملوا القرآن، وقال ابن عباس وقتادة: ( «بل هو» ) يعني: محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب لأنهم يجدونه بنعته وصفته في كتبهم وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الظالمون} .

فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا: «الظالمون» ومن قبل قال: الكافرون؟

فالجواب: أنهم قبل بيان المعجزة قيل لهم: إن لكم المزايا فلا تُبْطِلُوها بإنكار محمد فتكونوا كافرين فلفظ الكافر هانك أبلغ فمنعهم عن ذلك لاستنكافهم عن الكفر، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم إن جحدتم هذه الآيات لزمكم إنكار إرسال الرسل فتلحقوا في أول الأمر بالمشركين حكماً، وتلتحقون عند جحد هذه الآيات بالمشركين حقيقة فتكونوا ظالمين أي مشركين، كما قال: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] فهذا اللفظ هنا أبلغ.

29:50–52Page 402

وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٥٠

But they say, "Why are not signs sent down to him from his Lord?" Say, "The signs are only with Allāh, and I am only a clear warner."

أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥١

And is it not sufficient for them that We revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] which is recited to them? Indeed in that is a mercy and reminder for a people who believe.

قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٥٢

Say, "Sufficient is Allāh between me and you as Witness. He knows what is in the heavens and earth. And they who have believed in falsehood and disbelieved in Allāh - it is those who are the losers."

وله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ كما أنزل على الأنبياء من قبل.

وقرأ الأخوانِ وابنُ كثير، وأبو بكر بالإفراد؛ لأن غالب ما جاء في القرآن كذلك والباقون «آيات» بالجمع لأن بعده ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيات﴾ بالجمع إجماعاً، والرسم يَحْتَمِلُهُ.

فصل

اعلم أنهم قالوا: إنك تقول: إنك أنزل إليك الكتاب كما أنزل إلى موسى وعيسى، وليس كذلك؛ لأن موسى أُوتِيَ تسع آيات بينات علم بها كون الكتاب من عند الله، وأنت ما أوتيت شيئاً منها ثم إنه تعالى أرشد نبيه إلى أجوبة هذه الشبهة منها.

قوله: «أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ» هذا جواب لقولهم: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ قل: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ﴾ ، ففاعل «يكفهم» هو قوله: «أنا أنزلنا» والمعنى: إن كان إنزال الآيات شرطاً في الرسالة فلا يشترط إلا إنْزَالُ «آيةٍ» وقد أنزل القرآن، وهو آية معجزة ظاهرة كافية. وقوله: «أولم يكفهم» عبارة تنبىء عن كون القرآن آية فوق الكفاية وبيانه أن القرآن أتم من كل معجزة لِوُجُوهٍ:

أحدها: أن تلك المعجزات وجدت وما دامت، فإن قلب العصا ثُعْبَاناً، وإحياء الميت لم يبق لنا منه أثر، فلو أنكره واحد لم يمكن إثباتها معه بدون الكتاب، وأما القرآن فهو باقٍ لو أنكره واحد فيقال له: فَأتِ بآيةٍ من مثله.

الثاني: أن قلب العصا ثعباناً كان في آن واحد ولم يره من لم يكن في ذلك المكان، وأما القرآن فقد وصل إلى المشرق والمغرب وسمعه كل واحده، وهنا لطيفه هي أن آيات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كانت أشياء لا تختص بمكان دونَ مكان، لأن من جملتها انشقاق القمر وهو يعم الأرض لأن الخوف إذا وقع عم، وذلك لأن نبوته كانت عامة لا تختص بقطر دون قطر. وغاص بحر «ساوَةَ» في قطر، وسقط إيوان كسرى في قطر (وانْهَدَّت) الكنيسة بالروم في قطر آخر إعلاماً بأنه يكون أمراً عاماً.

الثالث: أن غير هذه المعجزة يقول الكفار المعاند هذا سحر (وعمل بدواء) والقرآن لا يمكن هذا القول فيه. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لَرَحْمَةً﴾ أي في إنزال القرآن ﴿لَرَحْمَةً وذكرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي تذكير وعظمة لمن آمن وعمل به.

قَوْلُهُ (تعالى) : ﴿قُلْ كفى بالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ أني رسوله، وهذا القرآن كتابه، وهذا كما يقول الصادق إذا كذب، وأتى بكل ما يدل على صدقه ولم يصدقه المعاند: «الله يعلمُ صدقي وتكذيبك أيها المعاند وهو على ما أقول شهيد يحكم بيني وبينك» ، كل ذلك إنذار وتهديد ثم بين كونه كافياً، بكونه عالماً بجميع الأشياء، فقال: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ .

فإن قيل: ما الحكمة في أنه أخر شهادة أهل الكتاب في آخر الوعد في قوله: ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ [الرعد: 43] وهنا قدم شهادة أهل الكتاب، فقال: ﴿فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به (ومن هؤلاء من يؤمن به» ﴾ [العنكبوت: 47] أي من الكتاب؟

فالجواب: أن الكلام هناك مع المشركين فاستدل عليهم بشهادة غيرهم (ثم) إن شهادة الله أقوى (في ألزمهم) من شهادة غير الله، وهاهنا الكلام مع أهل الكتاب فشهادة الله على نفسه هو إقراره وهو أقوى الحجج عليه فقدم ما هو ألزم عليهم، ثم (إنه) تعالى لما بين الطريقتين في إرشاد الفرريقين المشركين وأهل الكتاب عاد الكلام الشامل لهما والإنكار العام فقال: ﴿والذين آمَنُواْ بالباطل﴾ ، قال ابن عباس: بغير الله ﴿وَكَفَرُواْ بالله أولئك هُمُ الخاسرون﴾ .

فإن قيل: قوله ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ يقتضي الحصر، أي من أتى بالإيمان (بالباطل) والكفر (بالله) فهو الخاسر فمن يأتي بأحدهما دون الآخر ينبغي أن لا يكون خاسراً.

فالجواب: أنه يستحيل أن يكون الآتي بأحدهما لا يكون آتياً بالآخر لأن المؤمن بما سوى الله مشرك، لأنه جعل غير الله مثله، وغير الله عاجز ممكن باطل فيكون الله كذلك، ومن كفر بالله وأنكره فيكون قائلاً بأن العالم ليس له إله موجود فوجود العالم من نفسه فيكون قائلاً: بأن العالم واجب الوجود، والواجب إله (فَيَكُون قائلاً) بأن غير الله إله فيكون إثباتاً لغير الله وإيماناً به.

فإن قيل: إذا كان الإيما بما سواه كفراً (به) فيكون كل من آمن بالباطل فقد كفر بالله فهل لهذا العطف فائدة (غير التأكيد) الذي في قوله القائل (قم ولا تقعد و «واقتربْ مني ولا تَبْعُدْ» ؟ فالجواب: فيه فائدة) غيرها وهو أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول كقول القائل: أتقولُ بالباطل وتترك الحلق لشأ أن القول بالباطل قيبح.

29:53–55Page 403

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٣

And they urge you to hasten the punishment. And if not for [the decree of] a specified term, punishment would have reached them. But it will surely come to them suddenly while they perceive not.

يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٤

They urge you to hasten the punishment. And indeed, Hell will be encompassing of the disbelievers

يَوۡمَ يَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٥

On the Day the punishment will cover them from above them and from below their feet and it is said, "Taste [the result of] what you used to do."

قوله: «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ» نزلت في النضر بن الحارث حين قال: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: 32] ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ قال ابن عباس: ما وعدتك أني لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة كما قال: ﴿بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: 46] وقيل: يوم بدر. ولولا ذلك الأجل المسمى الذي اقتضته حكمته ﴿لَّجَآءَهُمُ العذاب وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني العذاب. وقيل: الأجل بغتة ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه، وقوله: ﴿وهم لا يشعرون﴾ يحتمل وجهين:

أحدهما: معنى تأكيد قوله: «بغتة» ، كما يقول القائل: أتيته على غفلة منه بحث لم يدرِ.

فقوله: ﴿بحيث لم يدر﴾ أكد معنى الغفلة.

والثاني: أنه يفيد فائدة مستقلة وهي أن العذاب يأتيهم بغتة ﴿وهم لا يشعرون﴾ هذا الأمر، ويظنون أن العذاب لا يأتيهم أصلاً.

قوله: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين﴾ ذكر هذا للتعجب، لأن من توعد بأمر فيه ضرر يسير كلطْمةٍ أو لكمة فيرى في نفسه الجلد ويقول: بسم الله هات، وأما من توعد بإغراقٍ أو إحراقٍ ويقطع بأن المتوعد قادر لا يخلف الميعاد لا يخطر ببال العاقل أن يقول له: هات ما توعدني به فقال ههنا «يستعجلونك بالعذاب» والعذاب بنار جهنم المحيطة (بهم) فقوله ( «يستعجلونك بالعذاب» ) أولاً: إخباراً عنهم، وثانياً: تعجباً منهم.

وقيل: أعادَهُ تأكيداً، ثم ذكر كيفية إحاطة جهنم فقال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ .

فإن قيل: لم يخص الجانبين ولم يذكر اليمين والشمال وخلفَ وقُدَّام؟ فالجواب: أن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا، (ونار) الدنيا تحيط بالجوانب الأربعة فإن من دخلها تكون الشعلة قدامَهُ وخلفَه ويمينَه ويَسَارَه، فأمّا النار من فوق لا تنزل وإنما تصعد من أسفلَ في العادة وتحت الأقدام، ولا تبقى الشعلة بل تنطفىء الشعلة التي تحت القدم، ونار جهنم تنزل من فوق ولا تنطفىء بالدوس موضع القدم.

فإن قيل: ما الحكمة في قوله: ﴿من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ ولم يقل: من فوق رؤوسهم ولا قال من فوقهم «ولا من تحتهم» بل ذكر المضاف إليه عند ذكر «تحت» ولم يذكره عند ذكر «فوق» ؟

فالجواب: أن نزول النار من «فوق» سواء كان من (سميت) الرأس أو موضع آخر عجيب فلهذا لم يخصه بالرؤوس وأما بقاء النار تحت القدم فهو عجيبن وإلا فمن جوابن القدم في الدنيا تكون الشعلة فذكر العجيب وهو ما تحت الأرجل حيث لم ينطق بالدّوس. وأما «فوق» فعلى الإطلاق.

قوله: «وَيَقُولُ ذُوقُوا» قرأ نافع وأهل الكوفة «ويقول» بياء الغيبة أي الله تعالى، أو الملك الموكل بعذابهم، وباقي السبعة بالنون أي جماعة الملائكة، أو نون العظمة لله تعالى، وأبو البَرَهْشَم بالتاء من فوق أي جهنم كقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 30] وعبد الله وابن أبي عَبْلَةَ: «ويُقَالُ» مبنياً للمفعول، وقوله: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلَونَ﴾ أي جزاء ما كنتم تعملون لما بين عذاب أجسامهم بين عذاب أرواحهم وهو أن يقال لهم على سبيل التنكيل والإهانة ﴿ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ جعل ذلك عين ما كانوا يعملون مبالغة بطريق إطلاق اسم المُسبَّب على السَّبَب، فإن عملهم كان سبباً لعذابهم وهذا كثير في الاستعمال.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском