Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:56–69
29:56–60Page 403
يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦
O My servants who have believed, indeed My earth is spacious, so worship only Me.
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧
Every soul will taste death. Then to Us will you be returned.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨
And those who have believed and done righteous deeds - We will surely assign to them of Paradise [elevated] chambers beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Excellent is the reward of the [righteous] workers
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩
Who have been patient and upon their Lord rely.
وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠
And how many a creature carries not its [own] provision. Allāh provides for it and for you. And He is the Hearing, the Knowing.
قوله (تعالى) : ﴿يا عبادي الذين آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ لما ذكر حال المشركين على حدة، وحال أهل الكتاب على حدةٍ وجمعهما في الإنذار، وجعلهما من أهل النار اشتد عنادهم، وزاد فسادهم، وسعوا في إيذاء المؤمنين، ومنعهم من العبادة، قال مقاتل والكلبي: (نزلت في ضعفاء) مسلمي مكة يقول: إن كنتم في ضَيْقٍ بمكة من إظهار الإيمان فاخْرُجُوا منها إلى أرضٍ واسعة، آمنة، قال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا فيها، وقال سعيد بن جبير: إذا عُمِلَ في أرض بالمعاصي فاخرجوا منها فإن أرضي واسعة، وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا (فإن) أرضي واسعة وكذلك يجب على كل من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث تُهَيَّأُ له العبادة، وقيل: نزلت في قولم تخلفوا عن الهجرة بمكة وقالوا تخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة، فأنزل الله هذه الآية ولم يَعْذرهم بتركَ الخروج، وقال مطرف بن عبد الله: أرضي واسعة: رزقي لكم واسع فاخرجوا.
فصل
قوله: «يا عبادي» لا يدخل فيه الكافر لوجوه:
أحدها: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42] والكافر يحب سلطانة الشيطان فلا يدخل في قوله: «يا عبادي» .
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ [الزمر: 53] .
وثالثها: أن العباد مأخوذ من العِبَادة والكافر لا يعبد الله فلا يدخل في قوله: «عبادي» وإنما يختص بالمؤمنين الذين يعبدونه.
ورابعها: الإضافة بين الله والعبد بقول العبد إلهي، وقول الله عبدي.
فإن قيل: إذا كانت «عباده» لا تتناول إلا المؤمنين فما الفادئة في قوله: «الذين آمنوا» مع أن الوصف إنما يذكر لتمييز الموصوف كما يقال: يا أيها المكلفون المؤمنون، يا أيها الرجلاء العقلاء تتمييزاً بين الكافر والجاهل؟
فالجواب: أن الوصف يذكر لا لتمييز بل لمجرد بيان أن فيه الوصف كما يقال: الأنبياءُ المُكَرَّمُونَ والملائكة المطهَّرُونَ، مع أن كل نبي مكرمٌ، وكل ملك مطهرٌ، فإنما يقال لبيان أن فيهم الإكرامَ والطهارة، ومثله قولنا: الله الله العظيم فهاهنا ذكر لبيان أنهم مؤمنون.
فإن قيل: قوله: «يا عبادي» يفهم منه كونهم عابدين فما الفائدة بالأمر بالعبادة بقوله: «فَاعْبُدُونِ» ؟
فالجواب: فيه فائدتان:
أحدهما: المداومة أي يا من عَبَدْتُمُونِي في الماضي فاعْبُدُوني في المستقبل.
والثانية: الإخلاص أي يا من يعبدني أَخْلِص العمل ولا تَقْبَلْ غيري.
فإن قيل: الفاء في قوله: «فَإِيَّايَ» يدل على أنه جواب لشرطٍ فما ذاك؟
فالجواب: قوله: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ إشارة إلى عدم المانع من عبادته فكأنه قال: إذا كان لا مانع من عبادتي فإياي فاعبدون فهو لترتيب المقتضَى على المقتضي كما يقال: هذا عالمٌ فأكرموه.
فكذلك هاهنا لما أعلم نفسه بقوله: «فَإيَّايَ» وهو لنفسه مستق العبادة، فقال: «فَاعْبُدُونِ» . قال الزمخشري: «هذا جواب شرط مقدر، وجعل تقديم المفعول عوضاً من حذفه مع إفادته للاختصاص» . وقد تقدم مُنَازَعُه أبي حيان له في نظيره.
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ قرأه بالغيبة أبو بكر، وكذا في الروم في قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ وافقه أبو عمرو في الروم فقط والباقون بالخطاب فيها. وقرىء يَرْجعثون مبيناً للفاعل.
فصل
لما أمر الله تعالى المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الأخوان فخوفهم بالموت ليهون عليهم الهجرة أي كل أحد ميت أينما كان فلا تقيموا بدار الشرك خوفاً من الموت فإن كل نفس ذائقة الموت فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله فيجازيكم عليه، فإن إلى الله مرجعكم فيجزيكم بأعمالكم، وفيه وجه دقيق آخر وهو أن قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ أي إذا كانت (معلقة) بغيرها فهو للموت ثم إلى الله ترجع فلا تموت كما قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت﴾ [الدخان: 56] وإذا كان كذلك فمن يريد أن لا يذوق الموت لا يبقى مع نفسه فإن النفس ذائقته بل يتعلق بغيره، وذلك الغير إن كان غير الله فهو ذائق الموت لقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت﴾ و ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] (يريح من الموت) فقال تعالى: «فإياي فاعبدون» أي تعلقوا بي، ولا تتبعوا النفس، فإنها ذائقة الموت ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ أي إذا تعلقتم بي فموتكم رجوعٌ إلي وليس بموت لقوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] ، وقال عليه (الصلاة و) السلام: «المؤمِنونَ لا يَمُوتونَ بل يُنْقَلُون من دار إلى دار» .
قوله (تعالى) : ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ الوجهان المشهوران الابتداء، والاشتغال، وقوله: «لَنُبَوِّئَنَّهُمْ» ، قرأ الأخوانِ بتاء مثلثةٍ ساكنةٍ بعد النون، وياء مفتوحة بعد الواو من الثَّوَاءِ وهو الإقامة، يقال: ثَوَى الرجلُ إذا أقامَ، مفتوحة بعد الواو من المَبَاءَةِ وهي الإنزال أي لنبوئنهم من الجنة غرَفاً.
قوله: «غُرَافاً» على القراءة الأولى إما مفعول به على تضمين «أَثْوَى» أَنْزَلَ فيتعدى لاثنين؛ لأنَّ «» ثوى «قاصرٌ، وأكسبتْهُ الهمزةُ التعدي لواحدٍ، وإما (على) تشبيه الظرف المختص بالمبهم كقوله: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم﴾ [الأعراف: 16] وإما على إسقاط الخافض اتساعاً أي في غُرَفٍ. وأما في القراءة الثانية فمفعول ثانٍ؛ لأن» بوأ «يتعدى لاثنين قال تعالى: ﴿تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: 121] ، ويتعدى باللام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 26] .
وقرىء» لنثوينّهم» بالتشديد مع الثاء المثلثة، عُدِّي بالتضعيف كما عُدِّي بالهمزة، و «تجري» صفة «لِغُرَفاً» ﴿خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ وهذا في مقابلة قوله للكفار: ﴿ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 55]
قوله: «الَّذِينَ صَبَرُوا» يجوز فيه الجر والنصب والرفع كنظائر له تقدمت، والمعنى: الذين صبروا على الشدائد ولم يتركوا دينهم لشدة لحقتهم ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يعتمدون. قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ جوز أبو البقاء في «كأين» وجهين:
أحدهما: أنها مبتدأ و «لا تحمل» صفتها و «الله يرزقها» خبره و «من دابة» تبيين.
والثاني: أن تكون في موع نصب بإضمار فعل يفسره «يرزقها» ويقدر بعد «كأين» يعني لأن لها صدر الكلام، وفي الثاني نظر؛ لأن من شرط المفسرِ العملَ، وهذا المفسر لا يعمل لأنهُ لو عمل لحل محل المفعول لكن لا يحل محله، لأن الخبر (متى كان) فعلاً رافعاً لضمير مفرد امتنع تقديمه على المبتدأ. وإذا أردت معرفة هذه القاعدة فعليك بسورة «هود» عند قوله: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: 8] .
فصل
لما ذكر الله ﴿الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون﴾ ذكر ما يعين على التوكل وهو بيان حال الدواب التي لا تدخر شيئاً لغدٍ، ويأتيها رزقها كل يوم.
واعلم أن (في) كأين (أربع لغات غير هذه كائن على وزن راعٍ، وكَأَى على وزن رَعَى «وكِيءَ» على وزن «رِيعَ» و «كَا» على وزن «رع» ولم يُقْرأ إلا كائن و «كا» قراءة ابن كثير.
فصل
«كأين» كلمة) مركبة من «كاف التشبيه» و «أن» التي تستعمل استعمال «مَن» و «ما» ركبتا، وجعل المركّب بمعنى «كم» ثم لم يكتب إلا بالنون ليفصل بين المركب وغير المركب لأن «كأيّ» مستعمل غير مركب كما يقول القائل: «رأيت رجلاً لا كَأَيِّ رَجُلٍ يكُونُ» (فقد حذف المضاف إليه، ويقال: رأيت رجلاً لا كأي رجل) وحينئذ لا يكون «كي» مركباً. فإذا كان «كأي» ههنا مركباً كتبت بالنون للتمييز، (كما تكتب مَعْدِ يكَرِبَ وبَعْلَبَكَّ) موصولاً للفرق وكما تكتب ثَمَّةَ بالهاء تمييزاً بينها وبين (ثَمَّتَ) .
فصل
روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال للمؤمنين الذين كانوا بمكة وآذاهم المشركون هاجروا إلى المدينة. فقالوا: كيف نخرج إلى المدينة وليس لنا بها دار ولا مال؟ فمن يطعمنا بها ويسقينا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ وكم من دابة ذاتِ حاجة إلى غذاء و ﴿لا تحمل رزقها﴾ لضَعفها، كالقَمْلِ والبُرْغُوث والدود ﴿الله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ حيث ما كنتم «وهو السَّمِيعُ» لأقوالكم: ما نجد ما ننفق بالمدينة، ﴿العَلِيمُ بما في قلوبكم﴾ .
قال سفيان: ليس شيء مما خلق الله نَجْباً إلا الإنسان والفأرة والنَّمْلَة روى بن عمر قال: «دخلت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حائطاً من حوائط الأنصار فجعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يلقط الرُّطَبَ بيده ويأكل، فقال: كُلْ يا ابن عمر، (قلت: لا أشتهيها يا رسول الله قال: لكني أشتهيه، وهذه صبح رابعة لم أطعم طعاماً ولم أجده) فقلت: إنا لله الله المستعان قال يا ابن عمر: لو سألت ربي لأعطاني مثل ملْكِ كِسْرَى وقَيْصَرَ أضعافاً مضاعفة ولكني أجوعُ يوماً وأَشْبع يوماً فكيف بك يا ابن عمر إذا عَمَّرْتَ وبَقِيتَ في أمر الناس يُخْبِّئُونَ رزق سنة ويضعف اليقين فنزلت: ﴿وكأين من دابة لا تحمل رقها﴾ الآية، وقال عليه (الصلاة و) السلام» لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ على اللَّهِ حقَّ تَوَكُّله لَرَزَقكُمْ كما يرزقُ الطيرَ تغدُو خِمَاصاً، وتروحُ بِطَاناً «
29:61–64Page 403
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١
If you asked them, "Who created the heavens and earth and subjected the sun and the moon?" they would surely say, "Allāh." Then how are they deluded?
ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٦٢
Allāh extends provision for whom He wills of His servants and restricts for him. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٦٣
And if you asked them, "Who sends down rain from the sky and gives life thereby to the earth after its lifelessness?" they would surely say, "Allāh." Say, "Praise to Allāh"; but most of them do not reason.
وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٦٤
And this worldly life is not but diversion and amusement. And indeed, the home of the Hereafter - that is the [eternal] life, if only they knew.
قوله تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ» يعني كفار مكة ﴿مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض وَسَخَّرَ الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ الله فأنى يُؤْفَكُونَ﴾ أي هم يعتقدون هذا فكيف يصدفون عن عبادة الله مع أن من عُلِمَ عظمُتُه وَجَب خدمَتُهُ ولا عظم فوق السماوات والأرض، ولا حاقرة فوق حقارة الجَمَاد؛ لأن الجمادَ دونَ الحيوان والحيوانَ دونَ الإنسان، والإنسان دون سكان السماواتِ فكيف يتركون عبادة أعظمِ الموجوداتِ ويشتغلون بعبادة أخسّ الموجودات؟
فصل
لما بين أمر المشرِك مخاطباً معه، (ولم ينتفع به، وأعرض عنه، وخاطب المؤمنين بقوله: «يا عبادي» وأتم الكلام معه ذكر معه) ما يكون إرشاداً للمشرك بحيث يسمعه وهذا طريق في غاية الحسن، فإن السيد إذا كان له عبدان أو الوالد إذا كان ولدان، وأحدهما رشيد، والآخر مفسد ينصح أولاً المفسد فإن لم يسمع يلتفت إلى الرشيد ويعرض عن المفسد، ويقول: إن هذا لا يستحق الخطاب فاسمع أنت ولا يكن منك هذا المفسد فيتضمن هذا الكلام نصيحة الرشيد، وزجر المفسد، فإن قوله هذا لا يستحق الخطاب الموجب نكاية في قلبه، ثم إذا ذكر مع المصلح في أثناء الكلام والمفسد يسمعه إنَ هذا أخاك العجب منه أنه يعلم قبح فعله ويعرف فيه الفساد من الصلاح، وسبيل الرشاد والفلاح ويشتغل بضده يكون هذا الكلام أيضاً داعياً إلى الرشاد ومانعاً له من الفساد فكذلك قال الله للؤمِنِ العجب منهم إنهم إن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولون الله ثم لا يُؤْمِنُونَ.
فصل
ذرك في السماوات والأرض الخلق، وفي الشمس والقمر التسخير، لأن مجرد خلق الشمس والقمر ليس حكمة فإن الشمس لو كانت مخلوقةً بحيث تكون في موضع واحد لا تتحرك ما حصل الليل ولا النهار، ولا الصيف ولا الشتاء فإذن الحكمة في تحريكهما (وتسخيرهما) . واعلم أن في لفظ التسخير دون التحريك فائدة وهي أن التحريك يدل على مجرد الحركة، وليست مجرد الحركة كافية؛ لأنها لو كانت تتحرك مثل حركتنا لما كانت تقطع الفلك في ألُوف من السنين، فالحكمة في تسخيرها تحريكها في قدر ما ينتقل الإنسان آلافاً من الفراسخ، ثم لم يجعل لها حركةً واحدة، بل حركات.
إحداها: حركة من المشرق إلى المغرب في كل يوم وليلة مرة، والأخرى: حركتها من المغرب إلى المشرق ويدل عليها أن الهلال يرى في جانب (المغرب) على بعد مخصوص من الشمس ثم يبعد منها غلى جانب المشرق حتى يُرى القمر في نصف الشهر في مقابلة الشَّمْس، والشمس على أفق المغرب، والقمر على أفق المشرق وأيضاً حركة الأوج، وحركة المائل والتدوير في القمر، ولا الحركة التي من المغرب إلى المشرق لما حصلت الفصول.
واعلم أن أصحاب الهيئة قالوا: الشمس مركوزة في الفلك، والفلك يديرها بدَوَران. وأنكره المفسرون الظَّاهِريُّونَ. واعلم أنه لا بعد في ذلك (إن) لم يقولوا بالطبيعة؛ فإن الله تعالى فاعل مختار إن أَراد أن يحركهما (في الفلك وبالفلك ساكن يجوز، وإن أراد أن يحركهما) بحركة الفلك وهما ساكنان يجوز ولم يرد فيه نص قاطعٌ أو ظاهرٌ. واعلم أنه تعالى ذكر إيجاد الذوات بقوله: ﴿خلق السموات والأرض﴾ وذكر إيجاد الصفات بقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشمس والقمر﴾ ثم قال: ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ لما ذكر الخلق ذكر الرزق؛ لأن بقاء الخلق ببقائه، وبقاء الإنسان بالرزق، فقال المعبود إما أن يعبد لاستحقاق العبادة والأصنام ليست كذلك والله مستحقها وإما لكونه عظيم الشأن والله الذي خلق السماوات عظيم الشأن فله العبادة، وإما لكونه يأمر الإحسان، والله يَرْزُقُ الخَلْقَ فله الفضل والإحسان، والامْتِنَان فله العبادة ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ﴾ يعلم مقادير الحاجات والأرزاق، ولما قال: «يبسط الرزق» ذكر اعترافهم بذلك فقال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله﴾ يعني سبب الرزق، وموجد السبب موجد المسبب فالرزق من الله.
قوله: ﴿قُلِ الحمد لِلَّهِ﴾ على ما أقروا به، ولزوم الحجة عليهم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ (ينكرون التوحيد مع إقرارهم بأنه خالق لهذه الأشياء فقل الحمد لله على ظهور تناقضهم وأكثرهم لا يعقلون) هذا التناقض، وقيل: هذا كلام معترض في أثناء كلام، فإنه قال: ﴿بَلْ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ فذكر في أثناء هذا الكلام الحمد لذكر النعمة كقوله:
4031 - إنَّ الثَّمَانِينَ - وَبُلِّغْتَهَا - ... قَدْ أَحْوَجَتْ سَمْعِي إلَى تَرْجُمَان
قوله (تعالى) : ﴿وَمَا هذه الحياة الدنيآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ «اللهو» هو: الاستمتاع بلذّات الدنيا، و «اللعب» (الْعَبَثُ) ، سميت بها، لأنها فانية، وقيل: «اللهو» الإعراض عن الحق، و «اللعب» في الإقبال على الباطل.
فإن قيل: قال في الأنعام: ﴿وَمَا الحياة الدنيآ﴾ (ولم يقل: «وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ» ) وقال ههنا: ﴿وما هذه الحياة﴾ فما فائدته؟ فالجواب: أن المذكور (من قبل ههنا أمر الدنيا، حيث قال: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأرض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ فقال: هذه، والمذكور قبلها) هناك الآخرة حيث قال: ﴿ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: 31] فلم تكن الدنيا في ذلك الوقت في خاطرهم فقال: ﴿وما الحياة الدنيا﴾ .
فإن قيل: ما الحكمة في تقديمه هناك «اللعب» على «اللهو» وههنا أخر «اللعب» عن «اللهو» .
فالجواب: لما كان المذكور من قبل هناك الآخرة، وإظهارها للحسرة ففي ذلك الوقت ببعد الاستغراق في الدنيا، بل نفس الاشتغال بها فأخذ الأبعد، وههنا لما كان المذكور من قبل الدنيا وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها والاستغراق فيها، اللهم إلا لمانعٍ يمنع من الاستغراق فيشتغل بها من غير استغراق (بها) ، أو لعاصم يعصمه فلا يستغل بها أصلاً، فكان: (ههنا) الاستغراق أقرب من عدمه فقدم اللهو.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله هناك: ﴿وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ﴾ [يوسف: 109] [النحل: 30] وقال هَهنا ﴿وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان﴾ ؟ .
فالجواب: لما كان الحال هناك حال إظهار الحسرة ما كان المكلف يحتاج إلى وازعٍ قويٍّ فقال: الآخرةُ خَيْر ولما كان الحال هنا حال الاستغال بالدنيا احتاج إلى وازع قوي فقال: لا حياة إلا حياة الآخرة.
قوله: ﴿وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان﴾ قدر أبو البقاء وغيره قبل المبتدأ مضافاً أي وإنَّ حَيَاةَ الدارِ الآخرة وإنما قدر ذلك ليتطابق المبتدأ والخبر والمبالغة أحسن و «واو» الحيوان (عن ياءٍ) عند سيبويه وأتباعه، وإنما أبدلت واواً شذوذاً، وكذلك في «حَيَاةٍ» علماً وقال أبو البقاء لئلا يلتبس بالتثنية يعني لو قيل: حَيَيَانِ - قال: ولم تقلب ألفاً لتَحَرُّكِهَا وانفتاح ما قبلها؛ لئلا يحذف إحدى الألفين وغير سيبويه حمل ذلك على ظاهره، فالحياة عند لامُها «واو» . ولا دليل لسيبويه في «حَيِيَ» ؛ لأن الواو متى انكسر ما قبلها قلبت ياءً نحوُ: «عُدِيَ، ودُعِي، وَرَضِيَ» . ومعنى الآية: ﴿وإن الدار الآخرة لهي الحيوان﴾ أي الحياة الدائمة الباقية، والحيوان بمعنى الحياة أي فيها الحياة الدائمة ﴿لو كانوا يعلمون﴾ أي لو كانوا يعلمون أنها الحيوان لما آثروا عليها الدنيا.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله: في الأنعام ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: 32] وقال هنا ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ ؟
فالجواب: أن المُثْبَتَ هناك كون الآخرة، ولأنه ظاهر لا يتوقف إلا على العقل والمثبت هنا أن لا حياة إلا حياة الآخرة. وهذا دقيق لا يُعْلَمُ إلا بِعِلْمِ نَافِعٍ.
29:65–69Page 404
فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ ٦٥
And when they board a ship, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith and hope]. But when He delivers them to the land, at once they associate others with Him
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ وَلِيَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٦٦
So that they will deny what We have granted them, and they will enjoy themselves. But they are going to know.1
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنٗا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَكۡفُرُونَ ٦٧
Have they not seen that We made [Makkah] a safe sanctuary, while people are being taken away1 all around them? Then in falsehood do they believe, and in the favor of Allāh they disbelieve?
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٦٨
And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a [sufficient] residence for the disbelievers?
وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٦٩
And those who strive for Us - We will surely guide them to Our ways.1 And indeed, Allāh is with the doers of good.
قوله: ﴿فإذا ركبوا في الفلك﴾ قال الزمخشري: «فإن قُلتَ» : بم اتصلَ قوله فَإذَا رَكبُوا في الفُلْك؟
قلتُ: بمحذوف دل عليه ما وصفهم (به) وشرح من امرهم معناه هم على ما وصفوا به من الشرك والغفلة فإذا ركبوا.
قوله: «دَعَوُا اللَّهَ» معناه: فإذا خافوا (مِنَ) الغرق دعوا الله مخلصين له الدين، وتركوا الأصنام، وهذا إشارة إلى تحقيق أن المانع من التوحيد هو الحياة الدنيا؛ لأنهم إذا انقطع رجاؤهم عن الدنيا رَجَعُوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد ووحدوا وأخلصوا، وإذا نجاهم وأرجأهم عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا، وأشركوا لقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ وهذا إخبار عنهم بأنهم عند الشدائد يقرون أن القادر على كشفها هو الله - عزّ وجلّ - وحده، وإذا زالت عادوا إلى كفرهم، قال عكرمة: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام فإذا اشتدت عليهم الريح ألقوها في البحر، وقالوا: يا رب يا رب.
قوله: «ليَكْفُرُوا» فيه وجهان:
أظهرهما: أن اللام لام «كي» أي سَيُشْرِكُونَ لِيَكُونَ إشراكُهُم كفراً بنعمة لإنجاء «وَلِيَتَمَتَّعُوا» بسبب الشرك «فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» وبال عملهم.
والثاني: أن تكون لام الأمر، ومعناه التهديد والتوعيد، كقوله: ﴿اعملوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40] أي ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم فسيعلمون فساد ما يعملون.
قوله: «وَلِيَتَمَتَّعُوا» ، قرأ ابو عمرو وابنُ عامر وعاصمٌ وورشٌ بكسرها، وهي محتملة للأمرين المتقدمين، والباقون بسكونها، (وهي) ظاهرة في الأمر، لإإن كانت الأولى للأمر فقد عطف أمراً على مثله، وإن كانت للعلة فيكون عطف كلاماً على كلام، فيكون المعنى لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع بما يستمتعون به في العاجلة من غير نصيب في الآخرة وقرأ عبد الله فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، وأبو العالية «فَيُمَتَّعُوا» بالياء من تحت مبنياً للمَفْعُولِ.
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ وجه تعلقه بما قبله إن الإنسان يكون في البحر على أخوف ما يكون لا سيما غذا كان بيته في بلدٍ حصين فلما ذكر الله حال المشركين عند الخوف الشديد ورأوا أنفسهم في تلك الحالة راجعة إلى الله ذَكَّرَهُمْ حالهم عند الأمن العظيم وهي كونهم في مكة فإنها مدينتهم وبلدهم، وفيها سُكْنَاهُمْ، ومولدهم وهي حصين بحصن الله حيث من دخلها يمتنع من حصل فيها، والحصول فيها يدفع الشرور عن النفوس يعني: إنكم في أخوف ما أنتم دعوتم الله وفي أتم ما حصلتم عليه كفرتم بالله، وهذا متناقض، لأن دعاءكم في ذلك الوقت على سبيل الإخلاص ما كان إلا لِقَطْعِكُم بأن النعمة من الله لا غير وهذه النعمة العظيمة التي حصلت، وقد اعترفتم بأنها لا تكون إلا من الله فكيف تكفرون بها، والأصنام التي قد (قطعتم) في حال الخوف أن لا أمن منها لها كيف أَمِنْتُمْ بها في حال الأمن؟ ثم قال: «أَفِبَالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ» (قرأ العامة) يؤمنون ويكفرون بياء الغيبة، والحسن، والسلمي بتاء الخطاب فيهما، والمعنى: أفبالأَصْنَام والشياطين يؤمنون وبنعمة الله محمد والإسلام يكفرون؟
قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ فزعم أن له شريكاً، والظلم وضع الشيء في غير موضعه فإذا وضعه في موضع لا يمكن ذلك موضعه يكون أظلم، لأن عدم الإمكان أقوى من عدم الحصول.
قوله: ﴿أَوْ كَذَّبَ بالحق لَمَّا جَآءَهُ﴾ أي بمحمد، والقرآن لما جاءه ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ﴾ وهذا استفهام تقرير، كقوله:
4032 - أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا ... وَأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ
والمعنى: أما لهذا الكافر المكذب مأوى في جهنم؟
قوله: «والَّذِينَ جَاهَدُوا» (يجوز) فيه ما جاز في «الذين آمنوا» أول السورة وفيه رد على ثَعْلَب حيث زعم أَنَّ جملة القسم لا تقع خبراً للمبتدأ، والمعنى: والذين جاهدوا المشركين لنُصرة ديننا «لَنَهْدَينَّهُمْ سُبُلَنَا» لَنُثَبَتَنَّهُمْ على ما قاتلوا عليه وقيل: لنَزِيدنهم هدى، كما قال: ﴿وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى﴾ [مريم: 76] وقيل: لَنَهْدِيَنَّهُمْ لإصابة الطرق المستقيمة، والطرق المستقيمة هي التي توصل إلى رضي الله - عزّ وجلّ - قال سفيان بن عيينة: إذا اختلفت الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور، فإن الله قال: ﴿والذين جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ وقيل: المجاهدة هي الصبر على الطاعات قال الحسن: أفصلُ الجهاد مخالفة الهوى، وَقَالَ الفضيل بن عياض ﴿والَّذِينَ جَاهَدُوا في إقامة السنة لنهدينهم سبيل الجنة﴾ .
قوله: ﴿وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين﴾ من إقامة الظاهر مُقَام المضمر، إظهاراً لشرفهم، والمعنى لمع المحسنين بالنصر والمعونة في دنياهم، وبالثواب والمغفرة في عقابهم.
روى أبو أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسناتٍ بعدد المؤمنين والمنافقين» سورة الروم
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences