Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:33–50
30:33–35Page 408
وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٣٣
And when adversity touches the people, they call upon their Lord, turning in repentance to Him. Then when He lets them taste mercy from Him, at once a party of them associate others with their Lord,
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٤
So that they will deny what We have granted them.1 Then enjoy yourselves, for you are going to know.
أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ ٣٥
Or have We sent down to them an authority [i.e., a proof or scripture], and it speaks of what they have been associating with Him?
قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ﴾ قَحْطٌ وشدّة، ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ بالدعاء، لما بين التوحيد بالدليل وبالمثل بين أن لهم حالة يعترفون بها، وإن كانوا ينكرونه في وقت ما وهي حالة الشدة، ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ ، خصْبٌ أو نعمة، يعني إذا خلصناهم من تلك الشدة ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ، وقوله: «مِنْهُ» أي من الضر؛ لأن الرحمة غير مطلقة لهم إنما هي على ذلك الضر وحده، وأما الضر المؤخر فلا يذوقون منه رحمة ويحتمل أن يكون الضمير في «منه» عائد إلى الله تعالى، والتقدير ثم إذا أذاقهم اللَّهُ من فضله رحمةً خلصهم بها من ذلك الضر.
قوله: «إذَا فَريقٌ» هذه «إذا» الفُجَائِيَّة، وَقَعَتْ جَوَابَ الشرطِ؛ لأنها كالفاء في أنها للتعقيب ولا يقع أول كلام، وقد تجامعها الفاء زائدةً.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ ، وقال في موضع: ﴿فَلَمَّا نَجَاهُمْ إِلَى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشرِكُونَ﴾ ولم يقل: فَرِيقٌ.
فالجواب: أن المذكور هناك غير معين، وهو ما يكون من هَوْل البحر، والتخلص منه بالنسبة إلى الخلق قليل، والذي لا يشرك منهم بعد الخلاص فرقة منهم فهم في غاية القلة، فلم يجعل المشركين فريقاً لقلة من خرج من الشرك وأما المذكور ههنا الضر مطلقاً فيتناول ضُرَّ البحر والأمراض والأهوال، والمتخلص من أنواع الضر خلقٌ كثير بل جميع الناس يكونون قد وقعوا في ضر ما فتخلصوا منه والذي لا يبقى بعد الخلاص مشركاً من الناس يكونون قد وقعوا في ضر ما فتخلصوا منه والذي لا يبقى بعد الخلاص مشركاً من جميع الأنواع إذا جمع فهو خلق عظيم وهو جميع المسلمين فإنهم تخلصوا من ضُرّ ولم يبقوا مشركين، وأما المسلمون فلم يتخلصوا من ضُرّ البحر بأجمعهم فلما كان الناجي من الضر المؤمن جمعاً كثيراً سمى الباقي فريقاً.
قوله: «لِيَكْفُرُوا» يجوز أن تكون لام «كي» وأن تكون لام الأمر ومعناه التهديد كقوله: ﴿اعملوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40] ثم خاطب هؤلاء الذين فعلوا هذا خطاب تَهْديدٍ فقال: «فَتَمَتَّعُوا» .
قرأ العامة بالخطاب فيه، وفي «تَعْلَمُونَ» ، وأبو العالية بالياء فيهما، والأول مبني للمَفْعُولِ. وعنه أيضاً «فَيَتَمَتَّعوا» بياء قبل التاء، وعن عبد الله «فلْيَتَمَتَّعُوا» بلام الأمر، والمعنى: فسوف تعلمون حالكم في الآخرة.
قوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي بُرْهَاناً وحُجَّةً، فإن جعلناهُ حقيقة كان يتكلم مجازاً، وإن جعلناه على حذف مضاف أي ذا سلطان كان يتكلم حقيقة، وقال أبو البقاء هنا: وقيل: هو جميع سليط كرغيف ورغفان انتهى.
قال شهاب الدين: وهذا لا يجوز لأنه كان ينبغي أن يقال فهم يتكلمون. و «فَهُوَ يَتَكَلَّمُ» جواب الاستفهام الذي تضمنته «أم» المنقطعة، وهذا استفهام بمعنى الإِنكار أي ما أنزلنا بما يقولون سلطاناً، قال ابن عباس: حجة وعُذْرا، وقال قتادة: كتاباً يتكلم بما كانوا به يشركون «أي ينطق بشركهم» .
30:36–38Page 408
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ ٣٦
And when We let the people taste mercy, they rejoice therein, but if evil afflicts them for what their hands have put forth, immediately they despair.
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣٧
Do they not see that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.
فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٣٨
So give the relative his right, as well as the needy and the traveler. That is best for those who desire the face [i.e., approval] of Allāh, and it is they who will be the successful.
قوله: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً﴾ أي الخِصْب وكَثْرة المطر «فَرِحُوا بِهَا» يعني فرح البطر لما بين حال الشرك الظاهر شركه، بين حال الشرك الذي دونه وهو من تكون عبادته للدنيا، فإذا أعطاه رَضِيَ، وإِذا منه سَخِطَ وقَنَطَ، ولا ينبغي أن يكون كذلك بل ينبغي أن يعبد الله في الشدة وزالرخاء.
فإن قيل: الفرح بالرحمة مأمور به قال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: 58] وهَهُنَا ذمهم على الفرح بالرحمة.
فالجواب: هناك قال افْرَحُوا برحمة الله من حيث إنها مضافة إلى الله، وهَهُنَا فرحوا بنفس الرحمة حتى لو كان المطر من غير الله لكان فرحهم به مِثْلَ فرحهم إذا كان مِنَ الله.
قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي الجَدْبُ وقلَّةُ المَطَر، وقيل: الخوف والبَلاَء ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من السيئات ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ يَيأَسُوا من رحمة الله، وهذا خلاف وصف المؤمنين فإنهم يشركونه عند النعمة، ويرجُونَه عند الشدةِ.
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ ألم يعلموا أن الكل من الله فالمحق ينبغي أن لا يكون نظره إلى ما يُوجَد بل إِلى من يُوجد وهو الله، فلا يكون له تبدل حال وإنما يكون عنده الفرح الدائم ولذلك قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
قوله: ﴿فَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ﴾ من البرِّ والصلة، و «المِسْكِين» بأن يُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وابْنَ السَّبِيل «يعني المسافر، وقيل: الضيف. وخص هذه الأصناف الثلاثة بالذكر دون بقية الأصناف الثمانية المذكورة في الصدقات، لأنه أراد ههنا بيان من يجب الإحسان إليه على كل من له مال، سواه كان زَكَوِيّاً أو لم يكن وساء كان قبل الحَوْلِ أم بعده؛ لأن المقصودَ هنا الشفقة العامة وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم وإن لم يكن للأنسان مالٌ زائد أما القريب فتجب نفقته عليه إذا كان له مالٌ وإن لم يَحُلْ عليه الحَوْلُ والمسكين كذلك، فإن من لا شيءَ له إذا وقع في الحاجة حتى بلغ الشدة يجب على القادر دفع حاجته وإن لم يكن عليه زكاة، والفقير داخل في المسكين لأن من أوْصَى للمساكين بشيء يُصْرَفُ إلى الفقير أيضاً وإذا نظرتَ إلى الباقين من الأصناف رأيتهم لا يجب صرف المال إليهم إلا على الذين وَجَبت الزكاةُ عليهم وقدم القريب لأن دفع حاجته واجبٌ سواء كان في مَخْمَصَةٍ أو لم يكن فلذلك قُدِّمَ على من لا يجب دفع حاجته من غير مال الزكاة إلا إذا كان في شدة، وأما المسكين فحاجته ليست مختصة بموضع، فقدم على من حاجته مختصة بموضعٍ دُونَ مَوْضِعٍ.
قوله:» ذَلِكَ خَيْرٌ» يحتمل أنْ يُرادَ: «خير من عنده» ، وأن يكون ذلك خير في نفسه ﴿لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله﴾ أي يطلبون ثواب الله مما يعملون ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ .
فإن قيل: كيف قال: ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ ؟ مع أن لِلإفلاح شرائطَ أخرى مذكورة في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ؟ ﴿. فالجواب: كل وصف مذكور هنا يفيد الإفلاح، وكذا الذي آتى المال لوجه الله يفيد الإفلاح اللَّهُمَّ إلا إذا وُجِدَ مانعٌ من ارتكاب محظورٍ أو تركِ واجبٍ. فإن قيل: لِمَ لَمْ يذكُرْ غيره من الأفعال كالصلاة وغيره؟ فالجواب: الصلاة مذكورة من قبل وكذا غيرها في قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ [الروم: 30] ، وقوله ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ واتقوه وَأَقِيمُواْ الصلاة وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المشركين﴾ [الروم: 31] .
فإن قيل: قوله في البقرة: «فَأُولَئِكِ هُمُ المُفْلِحُونَ» إشارة إلى من أقام الصلاة وآتى الزكاة، وآمن بما أنزل على الرسول وبما أنزل من قبل وبالآخرين فهو المفْلح، وإذا كان المفلح منحصراً في «أولئك» فهذا خارج عنهم فكيف يكون مفلحاً؟} .
فالجواب: هذا هو ذاك لأن قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ أمر بذلك، فإذا أتَى بالصلاة، وآتى المال، وأراد وجه الله ثبت أنه منم مُقِيمِي الصلاة ومُؤتِي الزكاة ومعترف بالآخرة.
30:39–40Page 408
وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ ٣٩
And whatever you give for interest [i.e., advantage] to increase within the wealth of people1 will not increase with Allāh. But what you give in zakāh,2 desiring the face [i.e., approval] of Allāh - those are the multipliers.3
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٠
Allāh is the one who created you, then provided for you, then will cause you to die, and then will give you life. Are there any of your "partners" who does anything of that? Exalted is He and high above what they associate with Him.
قوله: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً﴾ ، قرأ ابن كثير أَتَيْتُمْ مقصوراً، وقرأ الآخرون بالمد أي أعْطَيْتُم ومن قصر فمعناه جِئْتم من رباً ومجيئهم ذلك على وجه الإعطاء كما تقول: أتيت خطأ، وأتيت صواباً وهو يؤول في المعنى إِلى قول من مَدَّ.
قوله: «لِيَرْبُو» العامة على الياء تحت مفتوحة، أسند الفعل لضمير «الرِّبَا» أي لِيَزْدادَ، ونافعٌ ويعقوبٌ بتاءٍ من فوق مضمومةً خطاباً للجماعة، قَالُوا وعلى الأول لامُ الكلمة، وعلى الثاني كلمةٌ، وعلى الثاني كلمةٌ، ضميرُ الغائبينَ.
فصل
ذكر هذا تحريصاً يعني أنكم إذا طلب منكم واحد باثنين (تَرْ) غَبُونَ فيه وتُؤْثِرُونَهُ، وذلك لا يربو عند الله فاختطاف أموال الناس والزكاة تنمُو عند الله كما أخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقعُ في يَدِ الرَّحْمنِ فَتَرْبُوا حَتَّى تَصِيرَ مِثْلَ الجَبَلِ» فينبغي أَن يكون إقْدَامكُمْ على الزكاة أكثرَ واختلفوا في معنى الآية قال سعيد بين جبير، ومجاهد وطاوس وقتادة والضحاك وأكثر المفسرين: هو الرجل يعطي عبده العطيَّة لِيُثيبَ أكثر منها، فهذا جائز حلالاً، ولكن لا يثاب عليه في الفقه فهو معنى قوله تعالى: ﴿فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله﴾ وكان هذا حراماً على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خاصة لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 9] أي لا تعطِ وتطلب أكثر مما أعطيتَ، وقال النخعي: هو الرجل يعطي صديقة وقريبه ليكثر ماله، ولا يريد به وجه الله. وقال الشعبي: هو الرجل يَلْتَزِقُ بالرجل فيجزيه ويسافر معه فيحصل له ربح ماله التماس عونه لا لوجه الله فَلاَ يَرْبُو عند الله؛ لأنه لم يُردْ به وَجْهَ الله ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍَ﴾ أعطيتم من صدقة تريدون وجه الله.
قوله: ﴿فأولئك هُمُ المضعفون﴾ أي أصحاب الأضعاف، قال الفراء: نحو مُسْمِن ومُعْطِشٍ أي ذي إبل سِمَانٍ وعِطَاشٍ، وتقول العرب: القوم مُهْزِلُونَ ومُسْمِنُونَ، إذا هَزِلَتْ وسَمِنَتْ، فالمُضْعِفُ ذو الأضْعَافِ من الحسنات وقرأ «أبيّ» بفتح العين، وجعله اسم مفعول. وقوله: ( «فَأُولَئِكَ هُمْ» قال الزمخشري: «التفات حسن كأنه قال لملائكته وخواص خلقه) فأولئك الذين يريدون وجه الله بصدقاتهم» هم المُضْعِفُون «والمعنى هم المُضْعِفُونَ به لأنه من ضمير يرجع إلى (» مَا انتهى) يعني أن اسم الشرط مَتَى كان غير ظرف وَجَبَ عودُ ضميرٍ من الجواب عليه. وقد تقدم ذلك في البقرة عند: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: 97] ثم قال: «ووجه آخر: وهو أن يكون تقديره فمُؤْتُوه فأولئك هم المضعفون، والحذف لباقي الكلام من الدليل عليه» ، وهذا أسهل مأخذاً، والأول أملأ بالفائدة.
قوله: ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ﴾ يجوز في خبر الجلالة وجهان:
أظهرهما: أنه الموصول بعدها.
والثاني: أنه الجملة من قوله: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ﴾ والموصول ( صفة) للجلالة، وقدر الزمخشري الرابط المبتدأ، والجملة الرافعة (خبراً) فقال: «من ذلكم» هو الذي ربط الجملة بالمبتدأ، لأن معناه من أفعاله. قال أبو حيان: والذي ذكره النحويون أن اسم الإشارة يكون رابطاً إذا أشير به إلى المبتدأ، وأما ذلك هنا فليس بإشارة إلى المبتدأ لكنه شبيه بما أجازه الفراء من الرَّبْطِ بالمعنى وذلك في قوله: ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: 234] قال: التقدير يَتَرَبَّصْنَ أزواجُهُمْ، فقد الرابط بمضاف إلى ضمير «الذين» فحصل به الربط كذلك قدر الزمخشري «من ذلكم» من أفعاله بمضاف إلى الضمير العائد إلى المبتدأ.
قوله: «الَّذِي خَلَقَكُمْ» أوجدكم ﴿رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ﴾ جمع في هذه الآية بين الحشر والتوحيد، أما الحشر فقوله: «يُحْيِيكُمْ» ، وأما الدليل فقدرته على الخلْق ابتداءً وأما التوحيد، فقوله: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي سبحوه تسبحياً ونزهوه ولا تصفوه بالإشراك «. وقوله» : تَعَالَى «أي لا يجوز ذلك عليه.
قوله:» مِنْ شُرَكَائِكُمْ» خبر مقدم و «مِنْ» لِلتَّبْعيض» مَنْ يَفْعَلُ «هو المبتدأ، و» ذلِكُمْ» متعلق بمحذوف، لأنه حال من «شَيء» بعده فإنه في الأصل صفة له و «مِنْ» الثانية مزيدة في المفعول به؛ لأنه في حَيِّز النفي المستفاد من الاستفهام والتقدير ما الذي يفعل شيئاً مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شركائكم؟ .
وقال الزمخشري: «ومن الأولى والثانية كل واحدة مستقلة تأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم» .
وقال أبو حيان: ولا أدري ما أراد بهذا الكلام؟ وقرأ الأعمش» تشركون «بتاء الخطاب.
30:41–44Page 408
ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١
Corruption has appeared throughout the land and sea by [reason of] what the hands of people have earned so He [i.e., Allāh] may let them taste part of [the consequence of] what they have done that perhaps they will return [to righteousness].
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ ٤٢
Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how was the end of those before. Most of them were associators [of others with Allāh].
فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ ٤٣
So direct your face [i.e., self] toward the correct religion before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. That Day, they will be divided.1
مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ ٤٤
Whoever disbelieves - upon him is [the consequence of] his disbelief. And whoever does righteousness - they are for themselves preparing,
قوله: ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر﴾ وجه تعلق الآية بما قبلها أن الشرك سبب الفساد كَمَا قَالَ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] وإذا كان الشرك سببه جعل الله إظهارهم الشرك مورثاً لظهور الفساد ولو فعل (بهم) ما يقتضيه قولهم لفسدت السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً﴾ [مريم: 90، 91] ولهذا أشار بقوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ﴾ ، واختلفوا في قوله: ﴿فِي البر والبحر﴾ ، فقيل: المراد خوف الطوفان في البحر والبر، وقيل: عدم إنبات بعض الأرض وملحة مياه البحار. وقيل: المراد قحط المطر وقلة النبات، وأراد بالبرّ البوادي والمَفَاوِز وبالبحر المدائن والقُرَى التي على المِياه الجَارِيةِ.
قال عكرمة: العرب تسمي المِصْرَ بَحْراً تقول: أجدب البر وانقطعت مادة البحر.
قوله: «بما كسبت» أي بسب كسبهم، والباء متعلقة «بظَهَرَ» أو بنفس الفساد. وفيه بُعْد (والمعنى بشؤم ذنوبهم) وقال (ابن) عَطِيَّة، البر ظهر الأرض الأمصار وغيرها، والبحر هو البحر المعروف، والفساد قلة المطر يؤثر في البر والبحر أما تأثيره في البر فهو القحط وأما تأثيره في البحر فيخلوا أجواف الأصداف؛ لأن الصدف إذا جاء المطر يرتفع إلى وجه البحر ويفتح فاه فما يقع فيه من المطر صار لؤلؤاً. قال ابن عباس وعركمة ومجاهد: الفساد في البرِّ قتل أحد ابني آدم أخاه وفي البحر غَضْب الملك الجائر السفينة. وقال الضحاك: كانت الأرض خَضِرَةً مونقة لا يأتي ابن آدم بشجرة إلا وجد عليها ثمرةً وكان ما في البحر عَذْباً وكان لا يقصد الأسد البقر والغنم فلما قتل قابيلُ هابيلَ اقْشَعَرَّت الأرض وشَاكَتِ الأشجار، وصار ماء البحر ملحاً زُعَاقاً وقصد الحيوان بعضه بعضاً. وقال قتادة: هذا قبل مَبْعَث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - امتلأت الأرض ظلماً وضلالة فلما بعث الله محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رجع الراجعون من الناس ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس﴾ من المعاصي «يعني كفار مكة» .
قوله: «لِيُذِيقَهُمْ» اللام للعلة متعلق «بظَهَرَ» ؛ وقيل: بمحذوف، أي عَاقَبَهْمْ بذلك لِيُذِيقَهُمْ وقيل: اللام للصيرورة. وقرأ قُنْبُلُ: «لنُذِيقَهُمْ» بنون العظمة والباقون بياء الغيبة والمعنى: لنذيقهم عُقُوبة بعض الذي عملوا من الذنوب «لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» عن الكفر وأعمالهم الخبيثة، قوله: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض﴾ لما بين حالهم بظهور الفساد في أحوالهم بسبب فساد أقوالهم بين لهم ضلال أمثالهم وأشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم فقال: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلُ﴾ أي قوم نوحٍ وعادٍ وثَمودَ لِيَ ﴿َوْا مَنَازِلَهُمْ ومساكنهم خاوية {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ فأهلكوا بكفرهم.
قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ القيم﴾ لما (نهى) الكافرين عما هم عليه، أمر المؤمنين بما هم عليه وخاطب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليعلم المؤمن فضيلة من هو مُكَلَّفٌ به فإنه أمر بما شرف الأنبياء الدِّين القيم أي المستقيم وهو دين الإسلام.
قوله: ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ﴾ المرد مصدر «رَدَّ» و «من الله» يجوز أن يتعلق ب «يأتِي» أو بمحذوف يدل عليه المصدر أي لا يرده من الله أحَدٌ، ولا يجوز أن يعمل فيه «مرد» لأنه كان ينبغي أن يُنَوَّنَ؛ إِذْ هُوَ من قَبِيل المُطَوَّلاَتِ، والمراد يوم القيامة لا يقدر أحد على رده من الله هوغيره عاجز عن رده، فلا بد من وقوعه. «يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ» أي يتفرقون فريق في الجنة، وفريق في السعير، ثم أشار إلى التفرق بقوله: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي وبال كفره ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي يُوَطئُونَ المضاجعَ ويُسَوُّونها في القبور. قوله: «فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ» و «يَمْهَدُونَ» تقديم الجارين يفيد الاختصاص يعني أنَّ ضرر كفر هذا، ومنفعة عمل هذا لا يتعداه، ووحد الكناية في قوله: «فعليه» وجمعها في قوله: «فلأنفسهم» إشارة إلى أن الرحمة أعم من الغضب فتشمله وأهله وذريته، وأما الغضب فمسبوق بالرحمة لازم لمن أساء وقال: «فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ» ولم يبين قوال في المؤمن: «فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ» تحقيقاً لكمال الرحمة، لإإنه عند الخير بَيَّن بشارة وعند غير أشار إليه إشَارةً.
30:45–47Page 409
لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٥
That He may reward those who have believed and done righteous deeds out of His bounty. Indeed, He does not like the disbelievers.
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦
And of His signs is that He sends the winds as bringers of good tidings and to let you taste His mercy [i.e., rain] and so the ships may sail at His command and so you may seek of His bounty, and perhaps you will be grateful.
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
And We have already sent messengers before you to their peoples, and they came to them with clear evidences; then We took retribution from those who committed crimes, and incumbent upon Us was support1 of the believers.
قوله: «لِيَجْزِيَ» في مُتَعَلَّقِهِ أوجه:
أحدها: «يمهدون» .
والثاني: «يَصِّدَّعُونَ» .
والثالث: محذوف. (و) قال ابن عطية: تقديره: «ذلك لِيَجْزِيَ» وتكون الإشارة إلى (ما تقدر مِنْ) قوله: «من كفَر ومَنْ عَمِلَ» .
هَذا قوله وجعل أبو حيان قسيم قوله: ﴿الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ محذوفاً لدلالة قوله ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين﴾ عليه هذا إذا علقت اللام ب «يَصَّدَّعُونَ» أو بذلك المحذوف، قال: تقديره «ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله والكافرين بعدله» .
فصل
قال ابن عباس: ﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم﴾ .
قوله: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات﴾ لما ذكر ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح ولم يذكر أنه سببب العمل الصالح لأن الكريم لا يذكر لإحسانه عوضَاً ويذرك لإضراره سبباً لئلا يتوهم (بِهِ) الظلم فقال: ﴿يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ﴾ قيل: بالمطر كما قال تعالى: ﴿بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [النمل: 63] ، أي قبل الفطرة، وقيل مبشرات بصلاح الأَهْوِية والأحوال؛ فإن الرياح لو لم تَهُبّ لظهر الوباء والفساد وقرأ العامة: «الرياح» جميعاً لأجل «مبشرات» ، والأعمش بالإفراد، وأراد الجنس لأجل «مبشرات» .
قوله: «وَلِيُذِقَكُمْ» إما عطف على معنى مبشرات لأأن الحال والصفة يُفْهما العلة فكان التقدير: «ليبشّر وليذيقكم» وإما أن يتعلق بمحذوف أي وليذيقكم أَرْسَلَها، وإما أن يكون الواو مزيدة على رأي فتتعلق اللام بأن يرسل.
قوله: ﴿وليذيقكم من رحمته﴾ (نعمته) بالمطر أو الخَصْب «وَلَتْجِرِيَ الفُلْكُ» لما أسند الفعل إلى الفلك عقبه بقوله «بأَمْرِهِ» أي الفعل ظاهر عليه ولكنه بأمر الله، والمعنى في ولتجري الفلك في البحر بهذه الرياح بأمره وكذلك لما قال: «وَلتَبْتَعوا» مسنداً إلى العباد ذكر بعده «مِنْ (فَضْلِهِ) .
أي لا استقلال لغيره بشيء، والمعنى لتطلبوا من رزقه بالتجارة في البحر» ولعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ «هذه النعم.
فصل
قال تعالى:؟ هر الفساد - ليذيقهم بعض الذي عملوا» (وقال ههنا: «وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ» فخاطبهم ههنا تشريفاً، ولأن رحمته قريب من المحسنين والمحسنين قريب فيخاطب والمسمّى مُبْعَد فلم يُخَاطَبْ وقال هناك: ﴿بَعْضَ الذي عَمِلُواْ﴾ [الروم: 41) فأضاف ما أصابهم إلى أنفسهم، وأضاف ما أصاب المؤمن إلى رحمته فقال: «من رحمته» ؛ لأن الكريم لا يذكر لرحمته وإحسانه عوضاً فلا يقول أعطيتك لأنك فعلت كذا بل يقول هذا لك مني، وأما ما فعلت من الحسنة فجزاؤه بعد عندي، وأيضاً فلو قال: أرسلت بسبب فعلكم لا يكون بشارة عظيمة، وأما إذا قال من رحمته كان غاية البشراة وأيضاً فلو قال: بما فعلتم لكان ذلك موهماً لنُقْصَان ثوابهم في الآخر، وأما في حق الكفار فإذا قال بما فعلتم إنما عن نُقْصَانِ عقابهم وهو كذلك وقال هناك: «لعلهم يَرْجِعُونَ» وقال ههنا: ولعلكم تشكرون، قالوا وإشارة إلى توفيقهم للشكر في النعم فعطف على النعم.
(قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بالبينات﴾ لما بين الأصلين) بالبراهيم ذكر الأصل الثالث وهو النبوة فقال: {ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً} أي إرسالهم دليل رسالتك فإنهم لم يكن لهم شُغْلٌ غير شُغْلِكَ ولم يظهر عليهم غير ما أظهر عليك، ومن آمن بهم كان له (الانتصار) ومن كَذَّبهم أَصَابَهُمْ البَوَارُ، وفي تعلق الآية وجه آخر وهو أن الله لما بين بالبراهين ولم ينتفع بها الكفار سَلَّى قلب النبي عليه (الصلاة و) السلامَ وقال: حالك كحاكل من تقدمكم كان كذلك وجاءُوا بالبينات أيضاً: أي بالدلائل والدّلاَلاَتِ الواضحات على صدقهم وكان في قومهم كافرٌ ومؤمنٌ كما في قومك ﴿فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ﴾ عذبنا الذين كذبوهم ونصرنا المؤمنين.
[قوله:] وَكَانَ حَقّاً، وقف بعضهم على «حقاً» وابْتَدَأَ بما بعده فجعل اسم «كان» مضمراً فيها و «حقاً» خبرها، أي وكان الانتقام حقّاً، قال ابن عطية: وهذا ضعيف لأنه لم (يَدْرِ) قدر ما عرضه في نظم الآية يعني الوقف على «حقاً» ؛ وجعل بعضهم «حقاً» منصوباً على المصدر واسم كان ضمير (الأمر والشأن) و «علينا» خبر مقدم، و «نصر» اسم مؤخر، وجعل بعضهم «حقاً» خبرها و «علينا متعلق» بحقاً» ، أو بمحذوف صفة له، فعلى الأول يكون بشارة للمؤمنين الذين آمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أي علينا نَصْرُكُمْ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ ونصرهم إنجاؤهم من العذاب، وعلى الثاني معناه وكان حقاً علينا؛ أي نصر المؤمنين كان حقاً علينا.
30:48–50Page 409
ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٨
It is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds and spread them in the sky however He wills, and He makes them fragments so you see the rain emerge from within them. And when He causes it to fall upon whom He wills of His servants, immediately they rejoice
وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ ٤٩
Although they were, before it was sent down upon them - before that, in despair.
فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٥٠
So observe the effects of the mercy of Allāh - how He gives life to the earth after its lifelessness. Indeed, that [same one] will give life to the dead, and He is over all things competent.
قوله: ﴿الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي تنشره وتبْسطه في السَّمَاء كيف يشاء سيره يوماً أو يومين وأكثر على ما يشاء و «يَجْعَلُهُ كِسَفاً» قطعاً متفرقة، «فَتَرَى الوَدقَ» المطر ﴿يخرج من خلاله﴾ وسطه ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ بِالوَدقِ ﴿مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي يفرحون بالمطر.
قوله: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي وقد كانوا من قبل أن ينزل عليهم.
وقيل: وما كانوا (إلا) «مُبْلِسِينَ» أي آيسين.
قوله: «مِنْ قَبْلِهِ» فيه وجهان:
أحدهما: أنه تكرير «لِمنْ قَبْلِ» الأولى على سبيل التوكيد.
والثاني: أن يكون غير مُكَرَّر؛ وذلك (أن يجعل) الضمي في «قبله» للسَّحَاب، وجاز ذلك لأنه اسم جنس يجوز تذكيره وتأنيثه، أو للريح فتتعلق ( «مِن» الثانية) بيُنَزِّل. وقيل: يجوز عود الضمير على «كِسَفاً» كذا أطلق أبو البقاء، وأبو حيان، وهذه بقراءة من سَكَّنَ السِّينَ.
وقد تقدمت قراءات «كسفاً» في «سُبْحَانَ» . وقد أبدى الزمخشريُّ ابنُ عَطِيَّةَ (فائدة التوكيد المذكور فقال ابن عطية) أفاد الإعلام بسرعة تقلب قلوب البشر من الإِبلاس إلى الاسْتِبْشَار، وذلك أن قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يحتمل الفُسْحَةَ في الزمان أي من قبل أن ينزل بكثيرٍ كالأيام ونحوه، فجاء قوله: «مِنْ قَبْلِهِ» (بمعنى) أن ذلك متصلٌ بالمطر، فهذا تأكيد مفيد. وقال الزمخشري: ومعنى التأكيد فيه الدلالة على أنَّ عَهْدَهُمْ بالمطر قد نَفَدَ فاستحكم بأسُهُم وتمادى إبلاسهم، فكان استبشارهم على قدر اغتمامهم بذلك، وهو كلام حسن، إِلاَّ أنَّ أبَا حَيَّان لم يَرْتَضِهِ منهما فقال: ما ذكراه من فائدة التأكيد غير ظاهر فإنما هو لمجرد التوكيد ويفيد رفع المجاز انتهى.
قال شهاب الدين ولا أدري عَدَمُ الظُّهُورِ لِمَاذَا.
قال قُطْرُبٌ: وإنْ كَانُوا من قبل التَّنْزِيل من قبلِ المَطَرِ، وقيل التقدير من قبل إنْزَالِ المَطَرِ من قبل أن يزرعوا، ودل المطر على الزرع لأنه يخرج بسبب المطر ودل على ذلك قوله: «فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً» يعني الزرع قال أبو حَيَّانَ: وهذا لا يستقيم؛ (لأن) ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ﴾ متعلق «بمبلسين» ، (ولا يمكنُ من قبل الزرع أن يتعلق «بمبلسين» ) ؛ لأن حَرْفَيْ جَرٍّ لا يتعلقان بعامل واحد إلا بوَسَاطَةِ حرف العَطْفِ (أ) والبَدَل، وليس هنا عطف والبدل لا يجوز إذْ إنزالُ الغَيْثِ ليس هو الزرع ولا الزرع بعضه، وقد يتخيل فيه بدل الاشتمال بتكلف إما لاشتمالِ (الإنزال) على الزرع بمعنى أن الزرع يكون ناشئاً عن الإنزال فكأن الإنزال مشتملٌ عليه، وهذا على مذهب من يقول الأول مشتمل على الثاني.
وقال المبرد الثاني السَّحَاب؛ لأنهم لما رأوا السَّحاب كانوا راجين المَطَرَ انتهى يريد من قبل رؤية السحاب ويحتاج أيضاً إلى حرف عطف ليصح تعلق الحرفين بمبلسين. (وقال الرُّمانِيُّ من قبل الإِرسال) ، وقال الكِرْمَانِيُّ: من قبل الاسْتِبْشَار؛ لأنه قرنه بالإبلاس، ولأنه (مَنَّ) عليهم بالاستبشار ويحتاج قولهما إلى حرف العطف لما تقدم، وادعاء حرف العطف ليس بالسسهل فإن فيه خلافاً بعضهم يَقِيسُه، وبعضُهم لا يَقِيسُه، هذا كله في المفردات، أما إذا كان في الجمل فلا خلاف في اقتياسه.
وفي حرف عبد الله بن مسعود: وإنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ ينزل عَلَيْهِمْ لَمُبُلِسِينَ غير مكرر.
قوله: ﴿فانظر إلى آثَارِ رَحْمَةِ﴾ قرأ أبنُ عامر والأخوانِ وحَفْصٌ بالجمع والباقون بالإفراد: (وَسلاَّمٌ) بكسر الهمزة، وسكون الثاء وهي لغة فيه. وقرأ العامة «كَيْفَ يُحْيِي» بياء الغيبة، أي أثر الرحمة فيمن قرأ بالإفراد، ومن قرأ بالجمع فالفعل مسند لله تعالى وهو يحتمل في الإِفْرَادِ والجَحْدَرِيُّ وأَبو حَيْوَة وابْنُ السَّمَيْقع «تُحْيِي» بتاء التأنيث وفيها تخريجان أظهرهما: ان الفاعل عائد على الرحمة. والثاني: قاله أبو الفصل عائد على «أَثَرِ» وأنت «أثر» لاكتسابه بالإضافة التأنيث كنظائر (له) تقدمت، وَرُدَّ عليه بأن شرط ذلك كون المضاف (بمعنى المضاف) إليه أو من سببه لا اجنبياً، وهذا أجنبي و «كَيْفَ يُحْيِي» معلق «لأنْظُرْ» وهو في محل نصب على إسقاط الخافض. وقال أبو الفتح: الجملة من «كَيْفَ يُحْيي» في موضع نصب على الحال حملاً على المعنى انتهى. وكيف تقع جملة الطلب حالاً؟ وأراد برحمة الله هنا المطر أي انْظُرْ إلى حسن تأثيره في الأرض كيف يحيي الأرض بعد موتها؟! .
قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْييِ الموتى﴾ أي إن ذَلك الذي يُحيِي الأرض لمُحْيِي الموتى، فأَتَى باللام المؤكدة لاسم الفاعل.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences