Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Luqman 31:27–34
31:27–32Page 413
وَلَوۡ أَنَّمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن شَجَرَةٍ أَقۡلَٰمٞ وَٱلۡبَحۡرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦ سَبۡعَةُ أَبۡحُرٖ مَّا نَفِدَتۡ كَلِمَٰتُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٧
And if whatever trees upon the earth were pens and the sea [was ink], replenished thereafter by seven [more] seas, the words1 of Allāh would not be exhausted. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
مَّا خَلۡقُكُمۡ وَلَا بَعۡثُكُمۡ إِلَّا كَنَفۡسٖ وَٰحِدَةٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ٢٨
Your creation and your resurrection will not be but as that of a single soul.1 Indeed, Allāh is Hearing and Seeing.
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٩
Do you not see [i.e., know] that Allāh causes the night to enter the day and causes the day to enter the night and has subjected the sun and the moon, each running [its course] for a specified term, and that Allāh, of whatever you do, is Aware?
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٣٠
That is because Allāh is the True Reality, and that what they call upon1 other than Him is falsehood, and because Allāh is the Most High, the Grand.
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنۡ ءَايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٣١
Do you not see that ships sail through the sea by the favor of Allāh that He may show you of His signs? Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ ٣٢
And when waves come over them like canopies, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith]. But when He delivers them to the land, there are [some] of them who are moderate [in faith]. And none rejects Our signs except everyone treacherous and ungrateful.
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ... ﴾ الآية. لما قال: لله ما في السماوات والأرض أوهم تناهي ملكه لانحصار ما في السموات والأرض فيهما وحكم العَقْلِ الصريح بتناهيهما بين أن في قدرته وعلمه عجائبَ لا نهاية لها فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾ يكتب بها والأبحر مداد لا تغني عجائب صنع الله، قال المفسرون نزل بمكة قوله تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح﴾ [الإسراء: 85] ، إلى قوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأسراء: 85] فلما هاجر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أتاه أحبار اليهود فقالوا «يا محمد: بلغنا أنك تقول: وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً، أفَعَنَيْتَنَا أَمْ قَوْمَكَ؟ فقال - عليه السلام -: كلا قد عنيت. قالوا: ألست تتلو فيما جاءك إنا أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: هي في علم الله قليلٌ، وقد أتاكم ما إن عملتم به انتفعتم قالوا يا محمد: كيف تزعم هذا علم قليل وخير كثير» ؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال قتادة: إن المشركين قالوا: إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ينفدَ فينقطع فنزلت: ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلامٍ» . ووحَّد الشجرة، وجمعَ الأقلام ولم يقل: ولو أن ما في الأرض من الأشجار أقلام ولم يقل من شجرة قَلَم إشارةً إلى التكثير يعني لو أن بعدد كُلِّ شجرة فإن قلت: لم يقيل: من شجرة بالتوحيد؟ قلت: أريد تفصيل الشجرة وتَقَصِّيها شجرةً شجرةً حتى لا يبقى من جنس الشجرة واحدة إلا قد بريت أقلاماً. قال أبو حيان: وهو من وقوع المفرد موقع الجمع والنكرة موضع المعرفة كقوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: 106]
قال شهاب الدين: وهذا يذهب بالمعنى الذي أبداه الزمخشري.
قوله: «والبَحْرُ» قرأ أبو عمرو بالنصب، والباقون بالرفع، فالنصب من وجهين:
أحدهما: العطف على اسم» أنَّ «أي ولو أنَّ البحرَ، و» يَمُدُّهُ» الخبر.
والثاني: النصب بفعل مضمر يفسره «يمده» . والواو حنيئذ للحال، والجملة حالية، ولم يحتج إلى ضمير رابط بين الحال وصاحبها للاستغناء عنه بالواو، والتقدير: ولو أَنَّ الَّذي في الأرض حَالَ كونِ البحر ممدوداً بكذا. وأما الرفع، فمن وجهين:
أحدهما: العطف على» أن «وما في حيّزها، وقد تقدم في» أَنَّ «الواقعة بعد» لو «مذهبان مذهب سيبويه الرفع على الابتداء، ومذهب المبرد على الفاعلية بفعل مقدر وهما عائدان هنا. فعلى مذهب سيبويه يكون تقدير العطف ولو أَنَّ البحرَ، إلا أن أبا حيان قال: إنه لا يلي المبتدأ اسماً صريحاً إلا في ضرورة كقوله:
4053 - لَوْ بِغَيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
وهذا القول يؤدي إلى ذلك، ثم أجاب بأنه يغتفر في المعطوف عليه كقولهم: «رُبَّ رَجُلٍ وَأَخِيهِ يَقُولاَنِ ذَلِكَ» وعلى مذهب المبرد يكون تقديره ولو ثبتَ البحرُ، وعلى التقديرين يكون «يمُدُّهُ» جملة حالية من البحر.
والثاني: أن «البحر» مبتدأ (ويمده) الخبر والجملة حالية كما تقدم في جملة الاشتغال، والرابط الواو، وقد جعله الزمخشري سؤالاً وجواباً وأنشد:
4054 - وَقَدْ أَغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُنَاتِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
و «مِنْ شَجَرَةٍ» حال، إما من الموصول، أو من الضمير المستتر في الجار الواقع صلة، و «أَقْلاَم» خبر «أَنَّ» ، قال أبو حيان: وفيه دليل على من يقول كالزمخشري ومن تعصب له من العجم على أن خَبَر أنَّ الواقعة بعد «لو» لا يكون اسماً البتة لا جامداً ولا مشتقاً بل يتعين أن يكون فعلاً وهو باطل وأنشد:
4055 - ولَوْ َنَّهَا عُصْفُورَةٌ لَحَسِبْتُهَا ... مُسَوَّمَةً تَدْعُو عُبَيْداً وَأَزْنَمَا وقال:
4056 - ما أطْيَبَ العَيْشَ لَوْ أنَّ الفَتَى حَجَرٌ تَنْبُو الحَوَادِثُ عَنْهُ وَهْوَ مَلْمُومُ ... وقال:
4057 - وَلَوْ أَنَّ حَيّاً فَائِبُ المُوْتِ فَإِنَّهُ ... أَخُو الحَرْبِ فَوْقَ القَارِحِ العُدْوَان
قال: وهو كثير في كلامهم، قال شهاب الدين: وقد تقدم أن هذه الآية ونحوهَا يبطل ظاهر قول المتقدمين في «لو» أنها حرف امتنا لامتناع إذ يلزم محذور عظيم وهو أن ما بعدها إذا كان مُثْبَتاً لفظاً فهو مُثْبَتٌ معنى وبالعكس، وقوله: مَا نَفِدت منفي لفظاً فلو كان مثبتاً معنى فسد المعنى، فعليك بالالتفات إلى أول البقرة. وقرأ عبدُ الله: «وبَحْرٌ» بالتنكير وفيه وجهان معروفان، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعقها بعد واو الحال وهو معدود من مسوغات الابتداء بالنكرة، وأنشدوا:
4058 - سَرَيْنَا وَنَجْمٌ قَدْ أَضَاءَ فَمُذْ بَدَا ... مُحْيَّاكَ أخْفَى ضَوْؤُهُ كُلَّ شَارِقِ وبهذا يظهر فساد قول من قال: إن في هذه القراءة يتعين (القول بالعطف على «أن» كأنه يوهم أنه ليس ثَمَّ مُسَوِّغ، وقرأ عبد الله وأبيّ «تَمُدُّهُ» بالتأنيث لأجل «سبعةٍ» والحَسَنُ، وابن هُرْمُز، وابن مِصْرِفٍ «يُمِدُّهُ» بالياء من تحت مضمومة وكسر الميم من أَمَدَّهُ وقد تقدم اللغتان في آخر الأعراف وأوائل البقرة، والأل واللام في البحر لاستغراق الجنس أي (وكل) بحرٍ مدادٍ.
فصل
المعنى والبحر يمده، أي يَزيدُه، وينصب فيه من بعده أي من بعد خلقه سبعةُ أَبْحُر، وهذا إشارة إلى بحارٍ غير موجودة يعني لو مدت البحار الموجودة سبعة أبحر أخرى، وقوله: «سبعة» ليس لانحصارها في سبعة وإنما الإشارة إلى المدد والكثرة، ولو بألفِ بحْر، وإنما خُصّت السبعةُ بالذكر من بين الأعداد لأنها عدد كثير يحصر المعدود في العادة، ويدل على ذلك وجوه:
الأول: أن المعلوم عند كل أحد لحاجته إليه هو الزمان والمكان فالزمان منحصر في سبعة أيام، ولأن الكواكب السيارة سبعة، والمنجمون ينسبون إليها مراراً فصارت السبعة كالعدد الحصر للمُكْثراتِ الواقعة في العادة فاستعملت في كُلِّ كَثِيرٍ.
الثاني: أن في السبعة معنّى يخصها ولذلك كانت السماواتُ سبعاً، والأرضينَ سبعاً، (وأبواب جهنم سبعاً) ، وأبواب الجنة ثمانية لأنها الحسنى وزيادة فالزيادة هي الثامن؛ لأن العرب عند الثامن يزيدون واواً، يقول الفراء: إنها واو الثمانية وليس ذلك إلا للإستئناف؛ لأن العدد تم بالسبعة. واعلم أن في الكلام اختصاراً تقديره: ولَوْ أَنَّ ما فِي الأَرْضِ من شجرةٍ أقلامٌ والبحر يَمُدُّه مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبحُرٍ يكتب بها كلام الله ما نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ.
قوله: «كلمات الله» قال الزمخشري: فإن قلتَ: الكلماتُ جمعُ قلَّةٍ، والموضوع موضع تكثير فهلا قِيلَ: كَلِمٌ؟ قلتُ: معناه أن كلماته لا يقع بكتبها البحار يكفي بِكَلِمِهِ، يعني أنه من باب التنبيه بطريق الأولى. ورده أبو حيان بأن جمع السلامة متى عرف «بأل» (غير العهدية، أو أضيف عَمَّ) . قال شهاب الدين: للناس خلاف في «أل» هل تعم أو لا؟ وقد يكون الزمخشري مِمَّنْ لا يرى العموم ولم يزل الناس يشكون في بَيْت حَسَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -:
4059 - لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحَى..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
ويقولون: كيف أتى بجمع القلة في مقام المدح ولم لم يقل «الجفان» وهو تقرير لما قاله الزمخشري، واعتراف بأن «أل» لا تؤثر في جمع القلة تكثيراً. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ﴾ أي كامل القدرة لا نهاية لمقدوراته «حَكِيمٌ» كامل العلم لا نهاية لمعلوماته، وهذه الآية على قول عطاء بن يسار مدنية، وعلى قول غيره مكية.
قوله: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ لما بين كمال قدرته وعلمه ذكر ما يبطل استبعادهم لحشر فقال: ﴿خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ، فقوله: «إِلا كَنَفْسٍ» خبر «مَا خَلْقُكُمْ» والتقدير: إِلا كَخَلْقِ نفس واحدة وبعثها لا يتعذر عليه شيء ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ «سميع» لما يقولون «بصير» بما يعملون فإذا كان قادراً على البعث ومحيطاً بالأقوال والأفعال وجب الاحتراز الكامل، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل﴾ في النظم وجهان:
الأول: أن الله تعالى لما قال: ﴿ألم تر أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض﴾ على وجه العموم ذكر منها بعض ما فيها على الوجه المخصوص بقوله: ﴿يُولِجُ الليل فِي النهار﴾ وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشمس والقمر﴾ إشارة إلى ما في السموات.
الثاني: أن الله تعالى لما ذكر البعث فكان من الناس من يقوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ [الجاثية: 24] والدهر هو بالليالي والأيام فقال الله تعالى هذه الليالي والأيام التي يَنْسُبون غليها الموت والحياة هي بقدرة الله فقال: ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ثم قال: إن ذلك باختلاف مسير الشمس فتارة تكون القَوْس التي هي فوق الأرض أكبر من التي تحت الأرض فكيون الليل أقصر والنهار أطور وتارة (يكون) العكس (فيكون بالعكس) ، وتارة يتساويان (فيتساويان) فقال (تعالى) : ﴿وَسَخَّرَ الشمس والقمر﴾ يعني إن كنتم لا تعرفون بأن هذه الأشياء كلها من الله فلا بد من الاعتراف بأنها بأسْرِهَا عائدة إلى الله فالآجال إن كانت بالمدّدِ والمدد يسيِّر الكواكب فسير الكواكب ليس إلا بالله وقدرته.
فصل
قال: «يُولج» بصيغة الفعل المستقبل وقال في الشمس والقمر «وسخَّر» بصيغة الماضي؛ لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدد كل يوم وتسخير الشمس والقمر أمر مستمر كما قال تعالى: ﴿حتى عَادَ كالعرجون القديم﴾ [يس: 39] وقال ههنا: «إلى أَجَلٍ» وفي الزمر «لأَجِلٍ» ؛ لأن المعنيين لائقان بالحرفين فلا عليك في أيهما وقَعَ. قال الأكثرون: هذا خطاب للنبي - عليه السلام - والمؤمنين، وقيل: عام، ثم قال: ﴿وَأَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي لما كان الليلُ والنهارُ محلَّ اأفعال بين أن ما يقع في هذين الزمانين اللذين هما بتصرف الله لا يخفى على الله، وقرأ أبو عمرو في رواية - ﴿وأنَّ اللَّهَ بِمَا يَعملون﴾ - بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب. قوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطل﴾ أي ذلك الذي ذكرت، لتعلموا أن الله هو الحق ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطل﴾ أي الزائل يقال: بطل ظله، إذ زال ﴿وَأَنَّ الله هُوَ العلي﴾ أي في ذاته.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله﴾ لما قال ألم تر أن الله يولج الليل في النهار وسخر الشمس والقمر ذكر آية سماوية وأشار إلى السبب والمسبِّب ذكر بعده آية أرضية وأشار إلى السبب والمسبب بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِي فِي البحر﴾ وقوله: «بِنِعْمَةِ اللَّهِ» أي الريح التي هي بأمر الله ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ يعني يريكم بإجرائها «بِنِعْمَةِ اللَّهِ» بعض آياته وعجائبه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ على أمر الله «شَكُور» على نعمه.
قوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل﴾ لما قال: إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكلّ صَبَّارٍ ذكر أن الكُلَّ معترف به غير أن البصير يدركه أولاً ومن في بصيرته ضعف لا يُدْرِكُه أولاً فإذا غَشِيَه موج ووقع في شدة اعترف بأن الكل للَّه ودعاه مخلصاً. وقوله: «كالظلل» قال مقاتل: كالجبال، وقال الكلبي: كالسحاب.
والظلل جمع الظُّلَةِ شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها، وجعل الموج وهو واحد كالظُّلَلِ وهو جمع لأن الموج يأتي منه شيء بعد شيء وقوله: ﴿دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ أي يتركون كل من دعوهم ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر﴾ أي نجاهم من تلك الشدة فمنهم من يبقى على تلك الحالة ووصفهم بقوله: «فَمنْهُمْ مُقْتَصِدٌ» أي عدل موف في البر بما عاهَدَ اللَّهَ عليه في البحر من التوحيد له يعني على إيمانه. قيل: نزلت في عكرمةَ بْنِ أبي جهل هَرَبَ عام الفتح في البحر فجاءهم ريح عاصف فقال عكرمةُ: لئن أنجاني الله من هذا الأمر لأرجعن إلى محمد ولأضع يَدِي في يده. فسكنت الريح فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه، وقال مجاهد: مقتصد في القول أي من الكفار لأن منهم من كان أشد قولاً من بعض.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله في العنكبوت: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65] وقال ههنا: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ ؟! .
فالجواب: لما ذكر ههنا امراً عظيماً وهو الموج الذي كالجبال بقي أثر ذلك في قلوبهم فخرج منهم مقتصد أي في الكفر وهو الذي انزجر بعض الانزجار، ومقتصد في الإخلاص فيبقى معه شيء منه ولم يبق على ما كان عليه من الإخلاص، وهناك لم يذكر مع ركوب البحر معانيه مثل ذلك الأمر فذكر إشراكهم حيث لم يبق عندهم أُر.
قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ﴾ في مقابلة قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ﴾ يعني يعترف بها الصبار والشكور، ويجحدها الختَّارُ الكفور فالصّبَّار في موازنة الختار لفظاً ومعنى، والكفور في موازنة الشكور أمَّا لفظاً فظاهر، وأما معنى فلأن الختار هو الغدار الكثير الغدر، أو شديد الغدر مثال مبالغة من الخَتْر وهو أشد الغدر (قال الأعشى) :
4060 - بِأَبْلَقِ الفَرْدِ مِنْ تَيْمَاءَ مَنْزِلَهُ ... حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتَّارِ
وقال عمرو بن معديكرب:
4061 - فَإِنَّكَ لَوْ رأَيْتَ أَبَا عَمرٍو ... مَلأتَ يَدَيْكَ مِنْ غَدْرٍ وَخَتْرِ
وقالوا: «إنْ مَدَدَتْ لَنَأ مِنْ غَدْرٍ مَدَدْنَا لَكَ بَاعاً منْ خَتر» والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر لأن الصبور إن لم يعقدْ مع أحد لا يُعْهَدُ منه الإضرار فإنه يصبر ويفوض الأمر إلى الله، وأما الغدار فيعاهدك ولا يصبر على العهد فينقضه وأما أن الكفور في مقابلة الشكور معنى ظاهر.
31:33–34Page 414
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٣٣
O mankind, fear your Lord and fear a Day when no father will avail his son, nor will a son avail his father at all. Indeed, the promise of Allāh is truth, so let not the worldly life delude you and be not deceived about Allāh by the Deceiver [i.e., Satan].
إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ ٣٤
Indeed, Allāh [alone] has knowledge of the Hour and sends down the rain and knows what is in the wombs.1 And no soul perceives what it will earn tomorrow, and no soul perceives in what land it will die. Indeed, Allāh is Knowing and Aware.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ﴾ لما ذكر الدلائل من أول السورة إلى آخرها وعظ بالتقوى فقال: ﴿يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِي﴾ لا يقضي، ولا يغني ﴿وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ . قال ابن عباس: كل امرىء تهمه نفسه، واعلم أنه تعالى ذكر شخصين في غاية الشفقة والحنان والحُنُوِّ وهو الوالد والولد، فاستدل بالأولى على الأعلى فذكر الوالد والولد جميعاً لأن من الأمور ما يبادر الأب إلى تحمُّلِهِ عن الولد كدَفْع المال، وتَحَمُّل الآلام والولد لا يبادر إلى تحمله عن الوالد (مثل ما يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد) ، ومنها ما يبادر الولد إليه كالإهانة فإن من يريد (إحضار) والد آخر عند والٍ أو قاضٍ يهُونُ على الابن أن يدفع الإهانة عن والده ويحضر هو بدله وإذا انتهى الأمر إلى الإيلام يهون على الأب أن يدفع الألم عن ابنه وستحمله هو بنفسه. فقوله: ﴿لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ﴾ في دفع الآلام ﴿وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ في دفع الإهانة ثم قال: ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي إن هذا اليوم الذي هذا شأنه هو كائن لأن الله وعد به ووعده حق، وقيل: وعد الله حق بأنه لا يجزي والدٌ عن ولده لأنه وعد بأن لا تَزر وازرةٌ وزر أخرى ووعد الله حق ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا﴾ أي لا تغتروا بالدنيا فإنها زائلة لوقوع اليوم المذكور بالوعد الحق.
﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور﴾ يعني الشيطان يزين في عينه الدنيا ويؤمله يقول: إنك تحصل بها الآخرة أو تلتذ بها ثم تتوب فَتجْتَمِع لك الدنيا والآخرة فنهاهم عن الأمرين.
قوله: «وَلاَ مَوْلُودٌ» دوزوا فيه وجهين:
أحدهما: أنه مبتدأ، وما بعده الخبر.
والثاني: أنه معطوف على «وَالدٌ» وتكون الجملة صفة له. وفيه إشكال وهو أنه نفى عنه أن يَجْزِي ثم وصفه بأنه جازٍ، وقد يجاب عنه: بأنه وإن كان جازياً عنه في الدنيا فليس جازياً عنه يوم القيامة، (فالحالان) باعتبار زمنين. وقد منع المَهْدَوِيُّ أن يكون مبتدأ، قال لأن الجملةَ بعده صفة له فيبقى بلا خبر، ولا مسوغ غير الوصف، وهو سهو لأن النكرة متى اعتمدت على نفي سَاغَ الابتداء بها، وهذا من أشهر مسوغاته، وقال الزمخشري: فإن قلت: (قوله) ﴿وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ هو وارد على طريق من التوكيد لم يرد عليه ما هو معطوف عليه قلتُ: الأمر كذلك لأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية، وقد انضم إلى ذلك قوله: «هُو» وقوله: «مَوْلُودٌ» قال: ومعنى التوكيد في لفظِ المولود أن الواحد منهم لو شفع للوالد الأدنى الذي ولد منه لم يقبل منه، فضلاً أن يشفع لمن فوقه مِنَ أجداده؛ لأن الولد يقع على الولد وولد الولد بخلاف المولود فإنه الذي ولد منك قال: والسبب في مجيئه على هذا السَّنَنِ أن الخطابَ للمؤمنين وعلْيتهِمْ قبض آباؤهم في الكفر فأريد حسم أَطْمَاعِهِمْ وأطماع الناس فيهم.
والجملة من قوله «لاَ يَجْزِي» صفة (ليوم) ، والعائد محذوف أي (فِيهِ) فحذف برُمَّته أو على التدريج، وقرأ عكرمة «لاَ يُجْزَى» مبنياً للمفعول، وأَبُوا السَّمَّالِ، وأبو السّوّار لا يُجْزىء بالهمز من «أجْزَأَ عَنْهُ» أي أغنى، وقوله «شيئاً» منصوب على المصدر وهو من الإعمال، لأن «يَجْزِي» و «جَازٍ» يَطْلُبَانِهِ، والعامل «جَازٍ» على ما هو المختار للحذف من الأول.
قوله: «فَلاَ تَغُرَّنَكُمْ» العامة على تشديد النون، وابنُ أبي إسْحَاق وابنُ أبي عَبْلَةَ ويعقوبُ بالتخفيف وسَمَّاك بنُ حَرْبٍ «الغُرُور» - بالضم - وهو مصدر، والعامة بالفتح صفة مبالغة كَشَكُورٍ صفة مبالغة كَشَكُورٍ وفسر بالشيطان على أنه يجوز أن يكون المضموم مصدراً واقعاً وصفاً للشيطان.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة ... ﴾ الآية، نزلت في الوارثِ بن حارثَة محارب بن خصفة «أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من البادية فسأله عن الساعة ووقتها، وقال إن أرضنا أَجْدَبَتْ فمتى ينزل الغيث؟ وتركت امرأتي حُبْلَى فمتى تلد؟ وقد علمت أَيْنَ ولدت فبأي أرض أموت؟ فأنزل الله هذه الآية روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال:» مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ علمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» قال ابن الخطيب: قال بعض المفسِّرينَ: إن الله تعالى نفى (علم) أمور خمسة عن غيره بهذه الآية وهو كذلك لكن المقصودَ ليس ذلك لأن اللَّهَ يعلمُ الجوهر الفرد والطوفان وتقلب الريح من المشرِق إلى المغرب كَمْ مرةً ويعلم أين هُوَ ولا يعلمه غيره ويعلم أنه (ذَرَّهُ) في بَريَّة لا يسلكها أحد ولا يعلمها غيره فلا وجه لاختصاص هذه الأشياء بالذكر وإنَّ الحق فيه أن نقول لما قال: اخْشَوا يوماً لا يجْزي والد عن ولده وذكر أنه كائن بقوله: ﴿إن وعد الله حق﴾ كأن قائلاً قال: فمَتَى يكون هذا اليوم؟ فأجيب بأن هذا العلم مما لَمْ يَحْصُل لغير الله ولكن هو كائن.
قوله: «مَاذَا تَكْسبُ» يجوز أن تكون» ما «استفهامية فتعلق الدراية، وأن تكونَ موصولة فينتصب بها، وقد تقدم حكم» مَاذَا «أول الكتاب وتكرر في غَضونِهِ.
قوله: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾» بأَيِّ أَرْضٍ» متعلق «بتَمُوتُ» وهو متعلق للدراية فهو في محل نَصْبٍ، وقرأ أُبَيُّ بن كعب وموسى الأهوازيّ «بأية أرض» على تأنيثها، وهي لغة ضعيفة كتأنيث «كُلّ» حيث قالوا: كُلُّهُنَّ (فَعَلْنَ ذَلِكَ) والمشهور بأيِّ أرض؛ لأن الأرض ليس فيها من علامات التأنيث شيء، وقيل: أراد بالأرض المكان. نقله البغوي والباطن فيه بمعنى في أي (في) أرضٍ نحو: زَيْدٌ بِمَكَّةَ أي فيها، ثم قال: ﴿إِنَّ الله عَلَيمٌ خَبِيرٌ﴾ لما خصص أولاً علمه بالأشياء المذكورة بقوله: ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ ذكر أن علمه غير مختصّ بل هو عليم ملطقاً بكل شيء وليس علمه بظاهر الأشياء فقط بل هو خبير بظواهر الأشياء وبواطنها.
روى الثعلبي عن أُبَيِّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرََأ سُورَةُ لُقْمَان كان له لقمانُ رفيقاً يوم القيامة وأعْطِيَ من الحسنات عشراً بعدد من عَمِلَ بالمعروف ونَهَى عن المنكر» سورة السجدة
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences