Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Saba 34:20–30
34:20–23Page 430
وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٠
And Iblees had already confirmed through them1 his assumption,2 so they followed him, except for a party of believers.
وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيۡهِم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يُؤۡمِنُ بِٱلۡأٓخِرَةِ مِمَّنۡ هُوَ مِنۡهَا فِي شَكّٖۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٢١
And he had over them no authority except [it was decreed] that We might make evident who believes in the Hereafter from who is thereof in doubt. And your Lord, over all things, is Guardian.1
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ ٢٢
Say, [O Muḥammad], "Invoke those you claim [as deities] besides Allāh." They do not possess an atom's weight [of ability] in the heavens or on the earth, and they do not have therein any partnership [with Him], nor is there for Him from among them any assistant.
وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٢٣
And intercession does not benefit with Him except for one whom He permits. [And those wait] until, when terror is removed from their hearts,1 they will say [to one another], "What has your Lord said?" They will say, "The truth." And He is the Most High, the Grand.
قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّه﴾ قرأ الكوفيون صَدَّقَ بتشديد الدال والباقون بتخفيفها، فأما الأولى «فظَنَّهُ» مفعول به والمعنى أن طنَّ إبليس ذهب إلى شيء فوافق فصدق هو ظنه على المجاز والاتساع ومثله: كَذَّبْتُ ظَنِّي ونَفْسي وصَدَّقْتُهُمَا وصدَّقَانِي وَكذَّبانِي وهو مجاز شائع سائغ أي ظن شيئاً فوقع وأصله من قوله: ﴿ولأضلنهم﴾ [النساء: 119] وقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17] فصدق ظنه وحققه بفعله ذلك بهم واتباعهم إياه. وأما الثانية: فانصب «ظنه» على ما تقدم من المفعول به كقولهم «أصَبْتُ ظَنِّي، وأَخْطَأت ظَنِّي» أو على المصدر بفعل مقدر أي «يَظُنُّ ظَنَّهُ» أو على إسقاط (الخافض أي) في ظَنَّه، وزيد بن علي والزُّهْريُّ بنصب «إبليسَ» ورفع «ظَنُّهُ» كقول الشاعر:
4130 - فَإنْ يَكُ ظَنِّي صَادِقاً فَهْوَ صَادق..... ... ... ... ... ... ... ... ...
جعل «ظنه» صادقاً فيما ظنه مجازاً واتساعاً، وروي عن أبي عمرو برفعهما وهي واضحة جعل «ظنه» بدل اشتمال من إبليس والظاهر أن الضمير في «عليهم» عائد على أهْلِ سَبَأَ و «إلاَّ فَريقاً» استثناء من فاعل «اتَّبَعُوه» «ومِنَ المُؤمِنِينَ» صفة «فَريقاً» و «مِنْ» للبَيَان لا للتبعيض لئلا يَفْسد المعنى؛ إذا يلزم أن يكون بعض من آمن اتبع إبْليسَ.
فصل
قال المفسرون: صدق عَلَيْهم أي على أهل سبأ. وقال مجاهد: على الناس كلهم إلا من أطاع الله فاتَّبعوه إلاَّ فريقاً من المؤمنين قال السدي عن ابن عباس يعني المؤمنين كلهم لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل الدين وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42] يعني المؤمنين وقيل: هو خالص في المؤمنين الذين يطيعون الله ولا يَعْصُونه. وقال ابن قتيبة: إن إبليس سأل النظرة فأنَظَرَهُ الله قال: لأغويَنَّهُمْ وَلأضِلَّنَّهُمْ لم يكن مستيقناً وقت هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم وإنما قال ظناً فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ﴾ هذا استثناء مفرغ من العلل العامة تقديره: وما كان له عليهم (من سلطان) استيلاء لشيء من الأشياء إلا لهذا وهو تمييز المُحَقِّ من الشَّاكِّ.
قوله: «مِنْهَا» متعلق بمحذوف على معنى البيان أي أعني منها وبِسَبَبِها وقيل: «من» بمعنى «في» وقيل: هو حال من «شَكَّ» وقوله: «مَنْ يُؤْمِنُ» يجوز في «من» وجهان:
أحدهما: أنها استفهامية فتسُدّ مسدَّ معفولي العلم كذا ذكر أبو البقاء وليس بظاهر؛ لأن المعنى إلا لنُمَيِّزَ ويظهر للناس من يؤمن ممن لا يؤمن فعثر عن مقابله بقوله ﴿مِمَّنْ مِنْهَا فِي شَكِّ﴾ لأنه من نتائجه ولوازمه.
والثاني: أنها موصولة وهذا هو الظاهر على ما تقدم تفسيره.
فصل
قال ابن الخطيب: إن علم الله من الأزل إلى الأبد محيط بكل معلوم وعلمه لا يتغير وهو في كونه عالماً لا يتغير ولكن يتغير تعلق علمه فإنّ العلم صلة كاشفة يظهر فيها كل ما في نفس الأمر فعلم الله في الأزل أن العالمَ سَيُوجد فإذا وجد علمه موجوداً بذلك العلم وإذا عدم علمه مَعدوماً كذلك المرآة المصقولة الصافية يظهر فيها صورة زيد إن قابلها ثم إذا قابلها عمور يظهر فيها صورة والمرآة لم تتغير في ذاتها ولا تبدلت في صفاتها وإنما التغيير في الخارجات فكذلك ههنا.
قوله: ﴿إلاَّ لِنَعْلَمَ﴾ أي ليقع في العلم صُدُور الكفر من الكافر، والإيمان من المؤمن وكان علمه فيه أنْ سَيَكْفُرُ زَيْدٌ ويُؤْمِنُ عَمرو قال البغوي: المعنى إلا ليميز المؤمن من الكافر وأراد علم الوقوع والظهور وقد كان معلوماً عنده بالغيب. وقوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ محقِّق، ذلك أن الله تعالى قادر على منع إبليس منهم عالم بما يقع فالحفظ يدخل في مفهومه العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه ولا الجاهل.
قوله: ﴿قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُمْ﴾ مفعول «زعمتم» الأول محذوف هو عائد الموصول، والثاني أيضاً محذوف قامت صفته مقامه أي زَعَمْتُمُوهُمْ شُرَكَاءَ من دون الله ولا جائز أن يكون: «مِنْ دُونِ اللَّهِ» هو المفعول الثاني؛ إذ لا ينعقد منه مع ما قبله كَلاَم لو قلت: هُمْ من دون الله أي من غير نية موصوف لم يجز ولولا قيام الوصف مقامه أيضاً لم يحذف لأنَّ حَذْفَهُ اختصاراً قليلٌ على أن بعضهم منعه.
فصل
لما بين الله تعالى حال الشاكرين وحال الكافرين وذكرهم بما مضى عاد إلى خطابهم فقال لرسوله عليه (الصلاة و) السلام: قُلْ للمشركين «ادْعُوا الَّذِينَ زعَمتُمْ من دون الله) وفي الكلام حذف أي ادعوهم ليكشفوا الضر الذي نزل لكم في سِنِينِ الجُوع ثم وصفها فقال: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض﴾ من خير وشر ونفع وضر» وَمَالَهُمْ «أي الآلهة فيهما أي السموات والأرض» مِنْ شِرْكٍ «أي شركة» وَمَا لَهُ «أي وما لله» مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير «غَوْنٍ.
قوله: ﴿وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ اللام في» لمن «فيها أوجه:
أحدهما: أن اللام متعلقة بنفس الشفاعة قال أبو البقاء: وفيه نظر وهو أنه يلزم أحد أمرين إما زيادة اللام في المفعول في غير موضعها وإما حذف مفعول» تنفع «وكلاهما خلافُ الأصل.
الثاني: أنه استثناء مفرغ من مفعول الشّفاعة المقدر أي لا تنفع الشفاعةُ لأحدٍ إلاَّ لِمَنْ أَذِنَ له ثم المستثنى منه المقدر يجوز أن يكون هو المشفوع له وهو الظاهر والشافع ليس مذكوراً إنما دل عليه الفحوى والتقدير:
لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعة لأحدٍ من المشفوع لهم إلا لِمَنْ أَذِنَ له تعالى للشافعين أن يشفعوا فيه ويجوز أن يكون هو الشافع والمشفوع له ليس مذكوراً تقديره لا تنفع الشفاعة إلا لشافع أذن له أن يشفع وعلى هذا فاللام في» لَهُ» لام التبليغ لا لام العلة.
الثالث: أنه استثناء مفرغ أيضاً لكن من الأحوال العامة تقديره لا تنفع الشفاعةُ إلا كائنة لمن أذن له. وقدره الزمخشري فقال: تقول الشفاعة لزيد على معنى الشافع كما تقول: الكرم لزيد على معنى أنه المشفوع له كما تقول: القيام لزيد فاحتمل قوله: ﴿وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَه﴾ أن يكون على أحد هَذَيْن الوَجْهَينِ أي لا تنفع الشافعة إلا كائنة لمن أذن له من الشافعين ومطلقة له أو لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلا كائنة لمن أذن له أي لشفيعه أو هي اللام الثانية في قولك: «أَذِنَ زَيْدٌ لِعَمْرو» أي لأجله فكأنه قيل: إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله وهذا وجه لطيفٌ وهو الوجهُ. انتهى فقوله: القيام لزيدٍ يعني أنها لام العلة كما هي في: «القيامُ لزيدٍ» وقوله: «أَذِنَ زَيْدٌ لِعَمْرو» أن الأولى للتبليغ والثانية لام العلة، وقرأ الأخَوانِ وأبو عمرو «أُذِنَ» مبنياً للمفعول والقائم مقام الفاعل الجار والمجرور والباقون مبنياً للفاعل أي أذن الله وهو المراد في القراءة الأخرى وقد صرح به في قوله: ﴿إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَآءُ﴾ [النجم: 26] و «إلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَن» .
فصل
معنى الآية إلاَّ لِمَنْ أَذِنَ اللَّهُ له في الشفاعة قاله تكذيباً لهم حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ويجوز أن يكون المعنى إلا لمن أذن الله في أن يَشَفْعَ لَهُ.
قوله: ﴿حَتَّى إذَا﴾ هذه غاية لا بدّ لها من مُغَيَّا وفيه أوجه:
أحدهما: أن قوله: «فَاتَّبعوه» على أن يكون الضمير في «عَلَيْهِمْ» من قوله: «صَدقَ عَلَيْهِمْ» وفي «قُلُوبِهم» عائداً على جمعي الكفار ويكون التفريغ حالة مفارقة الحياة أو يجعل اتباعهم إياه مفارقة إلى يوم القيامة مجازاً. والجملة من قوله «قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زعمتُمْ» معترضة بين الغاية والمغيا. ذكره أبو حيان. وهو حسن.
والثاني: أنه محذوف قاله ابن عطية كأنه قيل: ولا هم شفاء كما تُحبّون أنتم بل هم عبدة أو مسلمون أي منقادون «حَتَّى إذَا فُرِّع عَنْ قُلُوبِهِمْ» انتهى وجعل الضمير في « قُلُوبِهِمْ» عائداً على الملائكة وقدر ذلك وضعف قول من جعله عائداً على الكفار أو على جميع العالم.
وقوله: ﴿قَالُوا مَاذَا﴾ هو جواب «إذا» ، وقوله: ﴿قَالُوا الحَقَّ﴾ جواب لقوله: «مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ» و «الحَقَّ» منصوب بقَال مُضْمَرة أي قالوا: قَالَ رَبُّنَا الحَقَّ أي القَوْلَ الحَقَّ، إلاَّ أنَّ أبا حيان ردّ هذا فقال: وما قدّره ابن عطية لا يصح لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها (و) هم منقادون عنده دائماً لا ينفكون عن ذلك لا إذَا فُرِّع عَنء قُلُوبِهِمْ ولا إذا لم يُفَرَّعْ.
الثالث: أنه «زَعَمْتُمْ» أي زعمتم الكفر في غاية التفريغ ثم تركتم ما زعمتم وقلتم: قال الحق وعلى هذا يكون في الكلام التفات من خطاب في قوله: «زعَمْتُمْ» إلى الغيبة في قوله: «قُلُوبِهِمْ» .
الرابع: أنه ما فهم من سياق الكلام، قال الزمخشري: فإن قلت: باي شيء اتصل قوله: «حَتَّى إذَا فزع» ؟ وأي شيء وقَعَتْ «حَتَّى» غايةً؟ قلتُ: بما فهم من هذا الكلام من أن ثَمَّ انتظاراً للأذن وتوقفاً وتمهلاً وفزعاً من الراجين الشفاعة والشفعاء هل يؤذن لهم أو لايؤذن؟ وأنه لا يطلق الإذن إلاَّ بعد مليِّ من الزمان وطول من التَّربُّص ودل على هذه الحالة قوله - عزّ من قائل - ﴿رَّبِّ السماوات والأرض﴾ [النبأ: 37] إلى قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً﴾ [النبأ: 38] فكأنه قيل: يتربصون ويتوقفون ملِيًّا فزكعين وَجِلينَ حتى إذا فُزِّعَ عن قلوبهم أي كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن تَبَاشَرُوا بذلك وقال بعضهم لبعض: ماذَا قَالَ رَبَّكم قالوا الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى وقرأ ابن عامر فَزَّعَ مبنياً للفاعل. فإن كان الضمير في «قلوبهم» للملائكة فالفاعل في «فزع» ضمير اسم الله تعالى تلقدم ذكره وإن كان للكفار فالفاعل ضمير مُغْويهِمْ. كذا قال أبو حيان والظاهر أنه يعود على الله مطلقاً وقرأ الباقون مبنياً للمفعول والقائم مقام الفاعل الجارّ بعده، وفعل ابتشديد معناه السلب هنا نحوه «قَرَّدْتُ البَعِيرَ» أي أزلتُ قُرَادَهُ كذا هنا أي أزال الفَزَعَ عنها أي كشف الفَزَعَ وأخرجه عن قلوبهم فالتفريعُ لإزالة الفزع كالتَّمْريض والتَّقْرِيد.
وقرأ الحَسَنُ فُزِعَ مبنياً للمفعول مخففاً كقولك «ذُهِبَ بِزَيْدٍ» ، والحسن أيضاً قتادة ومجاهد فَرَّغَ مشدداً مبنياً للفاعل من الفَرَاغِ الفَنَاءُ والمعنى حتى إذا أفنى الله الرجل انتفى بنفسه أو نفى الوجل والخوف عن قلوبهم فلما بني للمفعول قام الجار مَقَامه وقرأ ابنُ مسعود وابنُ عمر افْرُنْقِعَ من الافرنقاع وهو التفرق قال الزمخشري: والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين كما ركب «اقمطَرَ» من حروف القمط مع زيادة الراء، قال أبو حيان: فإن عنى أن العين من حروف الزيادة (وكذا الراء وهو ظاهر كلامه فليس بصحيح لأن العين والراء ليسا من حروف الزيادة) وإن عنى أنَّ الكلمة فيها حروف ما ذكر وزاد إلى ذلك العين والراء والمادة «فَرْقَعَ وقَمْطَرَ» فهو صحيح انتهى، وهذه قراءة مخالفة للشواذ ومع ذلك هي لفظة غريبة ثقيلة اللفظ نص أهل البيان عليها ومثلوا بها وحكي عن عيسى بن عمر أنه غُشِيَ عليه ذات يوم فاجتمع عليه النَّظَّارة فلما أفاق قال: «ما لي أرَاكُمْ تَكَأكأتم عَلَيَّ تكأكؤكم عَلَى ذِي جِنَّةٍ افْرَنْقِعُوا عنّي» أي اجتمعتم عليّ اجتماعكم على المجنون تفرقوا عني فعابها الناس عليه حيث استعمل مثل هذه الألفاظ الثقيلة المستغربة، وقرأ ابن عبلة بالرفع الحق على أنه خبر مبتدأ مضمر أي قالوا: قَوْلُهُ الحَقُّ.
فصل
اختلفوا في الموصوفين بهذه الصفة فقيل: هم الملائكة، ثم اختلفوا في ذلك السبب فقال بعضهم إنَّما يفزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماع كلام الله - عزّ وجلّ - لِمَا روى أبو هريرة أن نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال «إذَا قَضَى اللَّهُ الأمر فِي السَّمَاءِ ضَرَبت المَلاَئِكَةُ بأجْنِحَتِهَا خُضْعَاناً» لِقَوْلِهِ كأنه سلسلة على صَفْوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق هو العلي الكبير وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: «خَوْفاً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإذَا سَمِعَ بِذَلِكَ أهْلُ السَّمَواتِ ضَعُفُوا وخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّداً فيكُونُ أَوّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأسَهُ جبريل فُيَكلِّمهُ مِنْ وَحِيْهِ بَمَا أَرَادَ ثُمَّ يَمُرُّ جِبْريلُ عَلَى المَلاَئِكَةِ كُلَّمَا مَرَّ بسَماءٍ سَأَلَهُ مَلاَئِكَتُهَا ماذَا قَال رَبُّنَا يَا جبريلُ؟ فيقُول جِبْريلُ الحقّ وهُو العَليُّ الكبيرُ قال: فيَقُولُون كُلُّهُمْ مثْلَ مَا قَالَ جبْريل. فَيَنْتَهِي جِبْريلُ بالوحي حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ» وقيل: إنما يفزعون حذراً من قيام الساعة. قال مقاتل والسدي: كانت الفترة بين عيسى ومحمد - عليهما (الصلاة و) السلام - خمسمائة سنة. وقيل: سمتائة سنة لم تسمع الملائكة فيها وحياً فلما بعث الله محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كلَّم جبريل - عليه (الصلاة و) السلام - بالرسالة إلى محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فلما سمعت الملائكة ظنوا أنها الساعة فصعقوا مما سمعوا خوفاً من قيام الساعة فلما انْحدَرَ جبريلُ جعل يمُرُّ بأهل كل سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير وقيل: الموصوف بذلك المشركون. قال الحسن وابن زيد: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت إقامةً للحجة عليهم قالت لهم الملائكة: ماذا قال ربكم في الدنيا؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير فأقروا به حين لم ينفعهم الإقرار.
قوله: «وهو العلي الكبير» فقوله: «الحق» إشارة إلى أنه كامل وقوله: «وهو العلي الكبير» إشارة إلى أنه فوق الكاملين في ذاته وصفاته.
34:24–30Page 431
۞ قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٤
Say, "Who provides for you from the heavens and the earth?" Say, "Allāh. And indeed, we or you are either upon guidance or in clear error."
قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٥
Say, "You will not be asked about what we committed, and we will not be asked about what you do."
قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٦
Say, "Our Lord will bring us together; then He will judge between us in truth. And He is the Knowing Judge."1
قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كـَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧
Say, "Show me those whom you have attached to Him as partners. No! Rather, He [alone] is Allāh, the Exalted in Might, the Wise."
وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٨
And We have not sent you except comprehensively1 to mankind as a bringer of good tidings and a warner. But most of the people do not know.
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٩
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ وَلَا تَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٠
Say, "For you is the appointment of a Day [when] you will not remain thereafter an hour, nor will you precede [it]."
قوله (تعالى) : ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السماوات﴾ المطر «و» من «الأَرْضِ» النبات «قُل اللَّهُ» يعني إن لم يقولوا رازقنا الله فقل أنت رازقكم الله.
قوله: ﴿أو إيّاكُمْ﴾ عطف على اسم «إن» وفي الخبر أوجه:
أحدها: أن الملفوظ به الأول. وحذف خبر الثاني للدلالة عليه أي وإنَّا لعَلَى هُدًى أو في ضلال أو إنكم لَعَلى هدى أو في ضلال.
والثاني: العكس أي حذف الأول والملفوظ به خبر الثاني وهو خلاف مشهور وتقدم تحقيقه عند قوله: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: 62] وهذان الوجهان لا ينبغي أي يحملا على ظاهرهما قطعاً لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لم يشكّ أنه على هدى ويقين وأن الكفار على ضلال وإنما هذا الكلام جارٍ على ما تتخاطب به العرب من استعمال الإنصاف في محاوراتهم على سبيل الفرض والتقدير ويسميه أهل البيان الاسْتِدْرَاجَ وهو أن يذكر المخاطب أمراً يسلمه وإن كان بخلاف ما يذكر حتى يُصْغِي إلى ما يلقيه إليه إذ لو بدأه بما يكره لم يَصْغَ، ونظيره قولهم: أخْزَى اللَّهُ الكَاذِبَ مِنِّي ومِنْكَ ومثله قول الآخر: 4131 - فَأيِّي مَا وأيُّكَ كَانَ شَرًّا ... فَقِيدَ إلَى المُقَامَةِ ولا يَرَاهَا
وقول حسان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
4132 - أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الفِدَاءُ
مع العلم لكل أحد أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خير خلق الله كلهم.
الثالث: أنه من باب الف والنشر والتقدير: وَإنَّا لَعَلَى هُدًى وإنَّكُمْ لَفِي ضَلاَلٍ مُبين ولكن لفَّ الكَلاَمَيْنِ وأخرجهما كذلك لعدم اللبس، وهذا لا يتأتي إلا أن تكون «أو» بمعنى الواو. وهي مسألة خلاف ومن مجيء «أو» بمعنى الواو قوله:
4133 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّرِيخَ رَأَيْتَهُمْ ... مَا بَيْنَ مُلْجِم مُهْرِهِ أَوْ سَافِع
وتقدم تقرير هذا، وهذا الذي ذكرناه منقول عن أبي عبيدة.
الرابع: قال أبو حيان: و «أو» هنا على موضعها لكونها لأحد الشيئين وخبر «إنَّا أَوْ إيَّاكُمْ» هو «لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ» ولا يحتاج إلى تقدير حذف إذ المعنى إن أحدنا لفي أحد هذين لقولك: «زَيْدٌ أو عمرو في القصر أو في المسجد» لا يحتاج إلى تقدير حذف إذ معناه أحد هذين في أحد هذين.
وقيل: الخبر محذوف ثم ذكر ما تقدم إلى آخره، وهذا الذي ذكره تفسير معى لا تفسير إعراب. (والناس) نظروا إلى تفسير الإعراب فاحتاجوا إلى ما ذكرناه.
وذكروا في الهدى كلمة «على» وفي الضلال كلمة «في» لأن المهتدي كأنه مرتَفع مطَّلع فذكره بكلمة «التعالي» والضال منغمس في الظلمة غريق فيها فذكر بكلمة «في» .
قوله: ﴿قُلْ لاَ تُسألون عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ أضاف الإجرام إلى النفس وقال في حقهم: «وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ» ذكر بلفظ العمل لئلا يحصل الإغضاب المانع من الفهم.
قوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنَا﴾ يَوْمَ القِيَامَة «ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الفَتَّاحُ العَلِيمُ» وهاتان صفتا مبالغة وقرأ عيسى بن عمر «الفاتِحُ» اسم فاعل.
قوله: «أَرْوني» فيها وجهان:
أحدهما أنها علمية متعدية قبل النقل إلى اثنين فلما جيء بهمزة النقل تعدت لثلاثةٍ أولها «ياء» المتكلم ثانيها «الموصول» ، ثالثها: «شركاء» وعائد الموصول محذوف أي أَلْحَقْتُمُوهُمْ.
والثاني: أنها بصرية متعدية قبل النقل لواحد وبعده لاثنين أولهما: يَاء المتكلم وثانيهما: الموصول و «شركاء» نصب على الحال من عائد الموصول أي بَصِّرُوني المُلْحَقِينَ به حالَ كونهم شركاء قال ابن عطية في هذا الثاني «ولا غناء» له أي لا مَنْفَعَة فيه يعني أن معناه ضعيف. قال أبو حيان: وقوله: «لا غناء له» ليس بجيد بل في ذلك تبكيت لهم وتوبيخ ولا يريد حقيقة التنزيل بل المعنى الذين هم شركاء لله على زعمكم هم ممن إن أريتموهم افتضحتم لأنه خشب وحجر وغير ذلك.
فصل
الضمير في «به» أي بالله أي أروني الذين ألحقتم بالله شركاء في العبادة معه هل يخلقون وهل يرزقون؟ كلاّ لا يَخْلُقُون ولا يرزقون.
قوله: «بل هو الله» في هذا الضمير قولان:
أحدهما: أنه ضمير عائد على الله تعالى أي ذلك الذي ألحقتم به شركاء هُو الله، و «الْعَزِيزُ الحَكِيمُ» صفتان.
والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن و «اللَّهُ» مبتدأ، و «الْعَزِيزُ والْحَكِيمُ» خبران، والجملة ... خبر «هو» والعزيز هو الغالب على أمره، (و) الحكيمُ في تدبير لخلقه فأنى يكون له شريك في ملكه؟
قوله: «كافَّةً» فيه أوجه:
أحدها: أنه حال من كاف «أَرْسَلْنَاكَ» والمعنى إلا جامعاً للناس في الإبلاغ. والكافة بمعنى الجامع والهادي لله للمبالغة كَهي في «علاَّمَة» و «رَاوِيَة» قال الزجاج: وهذا بناء منه على أنه اسم فاعل من كَفَّ يَكُفُّ، قال أبو حيان: أما قول الزجاج إنّ كافة بمعنى جامعاً، والهاء فيه للمالبغة فإن اللغة لا تساعده على ذلك لأن كف ليس معناه محفوظاً بمعنى «جَمَعَ» يعني أنَّ المحفوظ معناه «مَنَعَ» يقال: كَفّ يكُفُّ أي منع والمعنى إلا مانعاً لهم من الكفر وأن يشِذّوا من تبليغك، ومنه الكف لأنها تَمْنَعُ مَا فِيهِ.
الثاني: أن كافة مصدر جاءت على الفَاعِلَةِ كالعَاقِبَة والعافية وعلى هذا فوقوعها حالاً إما على المبالغة وإما على حذف مضاف أي ذَا كَافَّةٍ لِلنَّاسِ.
الثالث: أن كافة صفة لمصدر محذوف تقديره: إلا إرْسَالَةً كَافَّةً قال الزمخشري: إلاَّ إرْسَالَة عامَّةً لهم محيط بهم لأنهم إذا شَمِلتْهُمْ فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم. قال أبو حيان: أما كافة بمعنى عامة فالمنقول عن النحويين أنها لا تكون إلا حالاً ولم يتصرف فيها بغير ذلك فجعلها صفة لمصدر محذوف خروج عما نقلوا، ولا يحفظ أيضاً استعمالها صفةً لموصوفٍ محذوفٍ.
الرابع: أن «كافة» حال من «لِلنَّاس» أي للناس كافةً إلا أنّ هذا قدره الزمخشري فقال: «وَمَنْ جعله حالاً من المجرور متقدماً عليه فقد أخطأ لأن تقدم حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار وكم ترى من يرتكب مثل هذا الخطأ ثم لا يَقْتَنَعُ به حتى يضُمَّ إليه أن يجعل اللام بمعنى» إلَى «؛ لأنه لا يستوي له الخطأ الأول إلا بالخطأ الثاني فيرتكب الخطأين معاً» . قال أبو حيان: أما قوله كذا فهو مختلف في ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز، وذهب أبو علي وابن كَيْسَانَ وابن بَرْهَانَ وابن مَلْكُون إلى جَوَازِهِ قال: وهو الصحيح قال: ومن أمثله أبي علي: «زيدٌ خَيْراً مَا يكونُ خَيْرٌ مِنْكَ» التقدير: زيد خير منك خَيْراً ما يكون فجعل «خَيْراً ما يَكُونُ» حالاً من الكاف في «منك» وقدمها عليها وأنشد:
4134 - إذَا الْمَرْءُ أَعَيَتْهُ المُرُوءَةُ نَاشِئاً ... فَمَطْلَبُها كَهْلاً عَلَيْهِ شَدِيدُ أي فمطلبها عليه كهلاً، وأنشد أيضاً:
4135 - تَسَلَّيْتُ طُراً عَنْكُمُ بُعْدَ بَيْنِكُمْ ... بِذِكْرَاكُمْ حَتَّى كَأنَّكُمْ عِنْدِي
أي عَنْكُمْ طُرًّا، وقد جاء تقديم الحال على صاحبها المجرور على ما يتعلق به قال الشاعر:
4136 - مَشْغُوفَةً بِكَ قَدْ شُغِفْتُ وإنَّمَا ... حُمَّ الفِرَاقُ فَمَا إلَيْكَ سَبِيلُ
أي قد شغفت بكل مشغوفة وقال الآخر:
4137 - غَافِلاً تَعْرِضُ المِنَيَّةُ لِلْمَرْءِ ... فَيُدْعَى وَلاتَ حِينَ إباءِ
أي تَعْرِضُ المنيةُ للمرء غافلاً قال: وإذا جاز تقديمها على صاحبها وعلى العامل فيه فتقديمها على صاحبها وحده أجْوَز قال: وممن حمله على الحال ابن عطية فإن قال: قدمت للاهتمام والمنقول عن ابن عباس قوله إلى العرب وللعجم ولسائر الأمم وتقديره إلى الناس كافةً وقول الزمخشري: لا يستوي له الخطأ الأول إلى آخره شنيغ لأن القائل بذلك لا يحتاج إلى جعل اللام بمعنى «إلى» لأن «أَرْسَلَ» يتعدى باللام قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ [النساء: 79] وأرسل مما يتعدى باللام وبإلى وأيضاً فقد جاءت اللام بمعنى «إلَى» و «إلَى» بمعناها.
قال شهاب الدين: أما أرسلناك للناس فلا دلالة فيه لاحتمال أن تكون اللام لام المجازيَّة وأما كونها بمعنى «إلى» والعكس فالبصريونَ لا يَتَجَوَّزُونَ في الحروف، و «بَشِيراً» و «نَذِيراً» حالان أيضاً.
فصل
لما بيَّن مسألة التوحيد شرع في الرسالة فقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً﴾ أي الرسالة كافة أي تكُف الناس أنت من الكفر وتمنعهم عن الخروج عن الانقياد لها أو تكف الناس أنت عن الكفر والهاء للمبالغة على ما تقدم. و «لِلنَّاسِ» أي عامةً أحمرهم وأسودهِم «بَشِيراً وَنَذِيراً» أي مبشراً ومنذراً تحثهم بالوعد وتزجرهم بالوعيد «وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ» ذلك لآ لخفائه ولكن لغفلتهم قال - عليه (الصلاة و) والسلام -: «كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلى النَّاسِ عَامَّةً» .
قوله: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني يوم القيامة لما ذكر الرسالة بين الحشر.
قوله: «لكم ميعاد» مبتدأ وخبر. والميعاد يجوز فيه أوجه:
أحدهما: أنه مصدر مضاف لظرفه والميعاد يطلق على الوعد والوعيد. وقد تقدم أن الوعد في الخير، الوعيد في الشر غالباً.
الثاني: اسم أقيم مقام المَصْدَرِ والظَاهر الأول، قال أبو عبيدة: الوَعْدُ والوَعِيدُ والميعاد بمعنى.
الثالث: أنه هنا ظرف زمان (قال الزمخشري: الميعاد ظرف الوعد من مكان أو زمان وهو هنا ظرف زمان) ، والدليل عليه (قراءة) من قرأ: مِيعَادٌ يَوْمٌ يعني برفعهما منونين فأبدل منه «الْيَوْمَ» وأما الإضافة فإضافة تبيين لقولك: سَحْقُ ثَوْبٍ، وبعيرُ سَانِيَةٍ، وقال أبو حيان: ولا يتعين ما قال لاحتمال أن يكون التقدير: لكم ميعاد ميعاد يوم، فلما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه، قال شهاب الدين والزمخشري لو فعل مثل ذلك لسمع به، وجوَّز الزمخشري في الرفع وجهاً آخر وهو الرفع على التعظيم يعني على إضمار مبتدأ وهو الذي يسمى القطع، وسيأتي هذا قريباً، وقرأ ابنُ أبي عَبْلَةَ واليَزيديّ مِيعَادٌ يوْماً بتنوين الأول ونصب «يوماً» منوناً وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الظرف والعامل فيه مضاف مقدر تقديره: لكم إنجازُ وَعْدٍ في يوم صِفَتُهُ كَيْتَ وكَيْتَ.
الثاني: أن ينتصب بإضمار فعل. قال الزمخشري: وأما نصب «اليوم» فعلى التعظيم بإضمار فعل تقديره أعني يوْماً، ويجوز أن يكون الرفع على هذا أعني التعظيم. وقرأ عِيسَى بتنوين الأول ونصب «يَوْم» مضافاً للجُمْلة بعده. وفيه الوجهان المتقدمان النَّصْب على التعظيم أو الظَّرف.
قوله: ﴿لاَ تَسْتَأخِرُونَ عَنْهُ﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون صفة «لِميعَادٍ» إن عاد الضمير في «عنه» عليه أو «لِيَوْم» إن عاد الضمير في «عنه» عليه فيجوز أن يحكم على موضعها بالرفع أو الجر وأما على قراءة عيسى فينبغي أن يعود الضمير في «عنه» على «ميعاد» لأنه نَصُّوا على أنّ الظَّرْفَ إذا أضيفَ إلى جملة لم يَعُدْ منها إليه ضمير إلاَّ في ضرورة كقوله:
4138 - مَضَتْ سَنَةٌ لِعَامٍ وُلِدْتُ فِيهِ ... وَعَشْرٌ بَعْدَ ذَاكَ وَحِجَّتَانِ
فصل
تقدم الكلام في سورة الأعراف أن قوله: ﴿لاَ يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الأعراف: 34] يوجب الإنذار لأن معناه عدم المهلة عن الأجَل ولكن الاستقدام ما وجهه؟ وقد تقدم، ونذكر ههنا أنهم لما طلبوا الاستعدال بين أنه اسْتِعْجَالَ فيه كما أنه لا إمهال وهذا لا يفيد عظَم الأمر، وخَطَر الخطب، لأن الأمر الحقير إذا طلبه من غيره لا يؤخره ولا يُوقفه على وقت بخلاف الأمر الخطير والمراد باليوم يوم القيامة وقال الضحاك: يوم الموت لا يتأخرون عنه ولا يتقدمون بأن يزاد في أجلكم أو ينقص.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences