Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:28–36
36:28–32Page 442
۞ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ٢٨
And We did not send down upon his people after him any soldiers from the heaven, nor would We have done so.
إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ ٢٩
It was not but one shout,1 and immediately they were extinguished.
يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٠
How regretful for the servants. There did not come to them any messenger except that they used to ridicule him.
أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٣١
Have they not considered how many generations We destroyed before them - that they to them1 will not return?
وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٣٢
And indeed, all of them will yet be brought present before Us.
قوله (تعالى) : ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السمآء﴾ لما تمنى أن يعلم قومه أن الله غفر له وأكرمه ليرغبوا في دين الرسل فلما قتل حبيب غضب الله وعجل لهم النَّقْمة وأمر جبريل - عليه (الصلاة و) السلام - فصاح بهم صيحةً واحدةً فماتوا عن آخرهم فذلك قوله: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السمآء﴾ يعني الملائكة.
قوله: «وما كنا منولين» في (ما) هذه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنها ناقية كالتي قبلها فتكون الجملة الثانية جارية مَجْرى التأكيد للأولَى.
والثاني: أنها مزيدة قال أبو البقاء: اي وقد كنا منزلين وهذا لا يجوز البتة لفساده لفظاً ومعنى.
الثالث: أنها اسم معطوف على «جُنْدٍ» قال ابن عطية: أي من جند من الذين كُنَّا مُنْزِلينَ وردّه أبو حيان بأن «مِنْ» مزيدة، وهذا التقدير يؤدي إلى زيادتها في الموجب جار لمعرفة ومذهب البصريين غير الأخفش أن يكون الكلام غير موجب وأن يكون المجرور نكرة، قال شهاب الدين: فالذي ينبغي عند من يقول بذلك (أن) يقدرها بنكرة أي: ومن عذاب كُنَّا مُنْزليه والجملة بعضها صفة لها وأما قوله إن هذا التقدير يؤدي إلى زيادتها في الموجب فليس بصحيح البتة وتعجَّبْتُ كَيْفَ يَلْزُم ذَلِكَ؟! .
فصل
قال ههنا «وما أنزلنا» بإسناد الفعل إلى النفس، وقال في بيان حال المؤمن: «قِيلَ ادْخُل الجَنَّة» بإسناد القول إلى غير مذكور لأن العذاب من الهيئة فقال بلفظ التعظيم وأما إدخال الجنة فقال: قيل: (ليكون كالمهنأ بقول الملائكة وبقول كل صلاح يراه ادخل الجنة خالداً كالتهنئة له، وكثيراً ما ورد) في القرآن قوله تعالى: «وقيل ادخلوا» إشارة إلى أن الدخول يكون دخولاً بإكْرَامِ. فإن قيل: لم أضاف القوم إليه مع أن الرسل أولى بكون الجمع قوماً لهم لأن الرسول لكونه مرسلاً يكون جميع الخلق أو جميع من أرسل إليهم قوماً لهم؟ .
فالجواب: تبين الفرق بينه وبنيهم لأنهما من قبيلة واحدة وأيضاً فالعذاب كان مختصاً بهم أكرم أحدهما غاية الإكرام بسبب الإيمان وأُهين الآخر غاية الإهانة بسبب الكفر ونسبهما نم قبلية واحدة وأيضاً فالعذاب كان مختصاً بهم وهم أقاربه لأن غيرهم من قوم الرسل آمنوا بهم فلم يُصِبْهُم العذاب.
فإن قيل: لم خصص عدم الإنزال بما بعده والله تعالى لم ينزل عليهم جنداً قبله أيضاً فما فائدة التخصيص؟ .
فالجواب: أن استحقاقهم العذاب كان بعده حيث أصروا واستكبروا فبين حال الإهلاك.
فإن قيل: قال: «من السماء» وهو تعالى لم ينزل عليهم ولا أرسل إليهم جنداً من الأرض فما فائدة التقييد؟ .
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن يكون المراد ما أنزل عليهم جنداً بأمر من السماء فتكون للعموم.
والثاني: أن العذاب نزل عليهم من السماء فبين أن النازل لم يكن جنداً وإنما كان بصيحة أخذتهم وخربت ديارهم.
فإن قيل: أي فائدة في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ مع قوله: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا﴾ وهو يستلزم أن لا يكون من المنزلين؟ .
فالجواب: أنه قوله: «وما كنا» أي ما كان ينبغي أن ينزل لأن الأمر كان يتم بدون ذلك والمعنى وما أنزلنا وما كنا محتاجين إلى الإنزال أو وما أنزلنا وما كمنا منزلين في مثل تلك الواقعة جنداً في غير تلك الواقعة أي وما أنزلنا على قومه من بعده أي على قوم حبيب من بعد قتله من جنده وما كنا منزلين ما ننزله على الأمم إذا أهلكناهم كالطُّوفَانِ والصَّاعِقَةِ والرِّيح.
فإن قيل: فكيف أنزل الله جنوداً في يوم «بدر» وفي غير ذلك حيث قال تعالى: ﴿رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: 9] .
فالجواب: أن ذلك تعظيماً لمحمد - عليه (الصلاة والسلام) وإلاَّ لكان تحريك رِيشَةٍ من جَنَاح ملكٍ كافياً في استئصالهم ولم تكن رسل (عيسى) عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ في درجة محمد عليه السلام ثم بين الله تعالى عقوبتهم فقالك «إنْ كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً واحَدِةً» .
قوله: ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً﴾ العامة على النصب على أنَّ «كان» ناقصة واسمها ضمير الأَخْذ لدلالة السِّياق عليها و «صَيْحَةً» خبرها وقرأ أبو جعفر وشيبَةُ ومُعاذ القَارئ برفعها على أنها التامة أي إن وَقَعَ وحَدَثَ وكان ينبغي أن لا يلحق تاء التأنيث للفصل «بإلا» بل الواجب في غير ندور واضطرار حذف التاء نحو: مَا قَامَ إلاَّ هِنْدٌ وقد شذ الحسن وجماعة فقرأوا: ﴿لاَ يرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: 25] كما سيأتي إن شاء الله تعالى وقوله:
4175 - ... ... ... ... ... ... وَمَا بَقِيَتْ إلاَّ الضُّلُوعُ الجَرَاشِعُ
وقوله:
4176 - مَا بَرِئَت مِنْ رِيبَة وَذَمّ ... فِي حَرْبِنَا إلاَّ بَنَاتُ العَمّ
قال الزمخشري: أصله إن كان شيء إلا صيحة فكان الأصل أن يذكر لكنه تعالى أنّث لما بعده من المفسر وهو الصيحة وقوله: «وَاحِدَةٌ» تأكيد لكون الأمر هيّناً عنده وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُون﴾ إشارة إلى سرعة الهلاك فإن خمودهم كان من الصيحة في وقتها لم يتأخر ووصفهم بالخمود في غاية الحسن لأن الحي فيه الحرارة الغريزية وكلما كانت الحرارة أوفر كانت القوة الغضبية والشهوانية أتم وهم كانوا كذلك أما الغضب.
فإنهم قتلوا مؤمناً كان ينصحهم وأما الشهوة فلأنهم احتلموا العذاب الدائم بسبب استيفاء اللذات الخالية فإذن كانوا كالنار الموقَدَة لأنهم كانوا جبارين ومستكبرين كالنار ومن خلق منها «فَإذَا هُمْ خَامِدُونَ» ميتِّون. قال المفسرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة ثم صح بهم صيحة واحدة فإذا هُمْ خامدن ميتون.
قوله
: ﴿ياحسرة ﴾ العامة على نصبها وفيه وجهان:
أحدهما: أنها منصوبة على المصدر والمنادى محذوف تقديره يا هؤلاء تَحسَّرُوا حَسْرَةً.
والثاني: أنها منونة لأنها منادى منكر فنصبت على أصلها كقوله:
4177 - فَيَا رَاكِباً إمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغاً ... نَدَامَاي مِنْ نَجْرَانَ أَنْ لاَ تَلاَقِيَا
ومعنى النداء هنا على المجاز، كأنه قيل: هذا أوانك فاحضري وقرأ قتادة وأبيّ - في أحد وجهيه - يا حسرة بالضم جَعَلها مقبلاً عليها وأبيّ أيضاً وابن عباس وعلي بن الحُسَيْن «يَا حَسْرَةً العِبادِ» بالإضافة فيجوز أن تكون مضافاً لفاعله أي تَتَحَسَّرُونَ على غيرهم لما يرون من عذابهم وأن يكون مضافاً لمفعوله أي يَتَحَسَّرُ عليهم (من) غيرهم. وقرأ أبو الزناد وابن هُرْمز وابن جُنْدُب «يا حَسْرَهْ» بالهاء ( المهملة) المبدلة من تاء التأنيث وصلاً وكأنهم أَجْروا الوَصْل مُجْرَى الوقف وله نظائر مرت وقال صحب اللوامح وقفوا بالهاء مبالغة في التحسر لما في الهاء من التَّاهَةِ بمعنى التأوه ثم وصلوا على تلك الحال وقرأ ابن عباس أيضاً: يا حَسْرَة بفتح التاء من غير تنوين ووجهها أن الأصل يا حسرتا فاجتزئ بالفتحة عن الألف كما اجتزئ بالكسرة عن الياء ومنه:
4178 - وَلَسْتُ براجِعِ مَا فَاتض مِنِّي ... بِلَهْفَ وَلاَ بِلَيْتَ وَلاَ لَوَانِّي
أي بلهفها بمعنى لهفي وقرئ: يا حَسْرتَا بالألف كالتي في الزمر وهي شاهدة لقراءة ابن عباس وتكون التاء لله تعالى، وذلك على سبل المجاز دلالة على فرط هذه الحسرة وإلا فاللَّه تعالى لا يوصف بذلك قوله: «مَا يَأْتِيهِمْ» هذه الجملة لا محل لها لأنها مفسِّرة لسبب الحسرة عليهم وهذا الضمير يجوزأن يكون عائداً إلى قوم حبيب أي ما يأتيهم من رسول من الرّسلِ الثلاثة. ويجوز: أن يعود إلى الكفار المصرين وقوله: «إلاَّ كَانُوا» جملة حالية من مفعول «يَأْتِيهِمْ» .
فصل
الألف واللام في العبادة قيل: للعهدوهم الذين أخذتهم الصيحة فيا حسرة على أولئك. وقيل: لتعريف الجنس أي جنس الكفار المكذبين وقيل: المراد بالعبادة الرسل الثلاثة كأنه الكافرين يقولون عند ظهور اليأس يا حسرةً عليهم يا ليتهم كانوا حاضرين لنؤمن بهم ثانياً وهم قوم (حبيب) وفي التحسر وجوه:
الأول: لا متحسر أصلاً في الحقيقة إذا المقصودُ بيانُ (أن) ذلك وقت طلب الحسرة حيث تحققت الندامة عن تحقق العذاب وههنا بحث لغوي وهو أن المفعول قد يرفض كثيراً إذا كان الغرض غير متعلق به يقال: فلان يعطي ويمنع ولا يكون هناك شيء مُعْطًى ولا شخص معطى، إذا المقصود أن له المنع والإعطاء، ورفض المفعول كثير وما نحو فيه رفض الفاعل وهو قليل. والوجه فيه أن ذكر التحسر غير مقصود وإنما المقصود أن الحسرة متحققة في خلال الوقت.
الثاني: أن القائل يا حسرة هو الله على الاستعارة تعظيماً لللأمر وتهويلاً له وحينئذ يكون كالألفاظ التي وردت في حقل اله كالضِّحِك والسُّخْرية والتعجيب والتّمنِّي.
أو يقال لي معنى قوله يا حسرة أو يا ندامة أن القائل متحسر أو نادم بل المعنى أنه مخبرٌ عن الوقوع وقوع الندامة ولا يحتاج إلى التجوز في كونه تعالى قائلاً يا حسرة بل تجْريه على حقيقته إلا في الندامة فإن النداء مجاز والمراد الإخبار.
الثالث: أن المتلهفين من المسلمين والملائكة لما حكى عن حبيب أنه حين القتل كان يقوله اللَّهم اهد قومي وبعد ما قتلوه وأدخل الجنة قال يا ليت قومي علمون فيجوز أن يتحسر المسلم لكافر ويندم له وعليه وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هذا سبب الندامة.
فصل
قال الزهري الحسرة لا تدعى، ودعاءها تنبيه للمخاطبين، وقيل العرب تقول: يا حَسْرَتَا ويا عَجَبَا على طريق المبالغة. والنداء عندهم بمعنى التنبيه فكأنه يقول: أيها العجبُ هذا وقتُكَ وأيتها الحسرة هذا أوَانُكِ وحقيقة المعنى أن هذا زمان الحسرة والتَّعَجُّب قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ لما بين حال الأولين قال للحاضرين: ألَمْ يَرُوا الباقون ما جرى على من تقم منهم قوله: «كم أهلكنا» كم هنا خبرية فهي فعول بأهلكنا «تقديره كثيراً من القرون أهلكنا وهي مُعَلِّقة» ليَرَوْا «ذهاباً بالخبرية مذهب الاستفهامية، وقيل: بل» يَرَوا «علمية» وكم «استفهامية كما سيأتي بيانه و» أَنَّهُمْ إلَيْهِمْ لا يرجعون» فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من «كم» قال ابن عطية و «كم» هنا خبرية و «أنهم» بدل منها، والرؤية بصرية قال أبو حيان وهذا لا يصح لأنها إذا كانت خبرية (كانت) في موضع نصب» بأهلكنا «ولا يسوغ فيها إلا ذلك وإذا كانت كذلك امتنع أن يكون» أنهم «بدلاً منها لأن البدل على نية تكرار العامل ولو سلطت» أهلكنا (هم) «على» أنهم «لم يصح ألا ترى أنك لو قلت: أهلكنا انتفى رجوعهم أو أهلكنا كونهم لا يرجعون لم يكن كلاماً لكنَّ ابْنَ عطية توهم أن (يَرُوْا) مفعولة» كم «فتوهم أن قوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ بدل منه لأنه لا يسوغ أن يسلط عليه فتقول: ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون. وهذا وأمثاله دليل إلى ضعفه في (عِلْم) العربية قال شهاب الدين: وهذا الإنحاءُ عليه تحامل عليه لأنه لقائل أن يقول: كم قد جعلها خبرية والخبرية يجوز أن تكون معمولة لما قبلها عند قوم فيقولون:» مَلَكْتُ كم عبدٍ «فلم يلزم الصدر فيجوز أن يكون بناء هذا التوجيه على هذه اللغة وجعل» كم «منصوبة» بيَرَوا «و» أنهم» بدل منها وليس هو ضعيفاً في العربية حينئذ.
الثاني: أن «أنَّهُمْ» بدل من الجملة قبله الزجاج وهو بدل من الجملة والمعنى ألم يروا أن القرون التي أهلكناهم أنهم لا يرجعون لأن عدم الرجوع والهلاك بمعنى قال أبو حيان ولي بشيء لأنه ليس بدلاً صناعياً وإنما فسر المعنى ولم يلحظ صناعة النحو قال شهاب الدين: بل هو بدل صناعي لأن الجملة في قوة المفسر إذ هي سادة مسد فعلوي «يروا» فإنها معلقة لها كما تقدم.
الثالث: قال الزمخشري: أَلَمْ يَرَوا الم يعلموا وهو معلَّقٌ عن العمل في «كَمْ» لأن «كم» لا يعمل فيها عامل قبلها سواه كانت للاستفهام (أو للخبر، لأن أصلها الاستفهام) إلا أنَّ معناها نافد في الجملة كما نفذ في قولك: (ألَمْ يَرَوْا) إن زيداً لمُنْطَلِقٌ و «أن» لم يعمل في لفظه و «أنَّهُمْ إِلَيْهمْ لاَ يَرْجِعُون» بدل من «كَمْ أهلَكْنَا» على المعنى لا على اللفظ تقديره: ألم يروا كَثْرَة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.
قال أبو حيان قوله «لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها كانت للاستفهام أو للخبر» ليس على إطلاقه لأن إذا كانَ حرف جر أو اسماً مضافاً جاز أن يعمل فيها نحو: عَلَى كَمْ جِذْع بَيْتُكَ؟ وأيْن كم رئيس صَحِبْتَ؟ كَمْ فَقير تَصَدَّقْت أرجو الثواب؟ وأين كم شهيد في سبل الله أحسنت إليه. وقوله أو الخبرية الخبرة فيها لغة الفصيحة كما ذكر لا يتقدمها عامل إلا ما ذكرنا من الجار، واللغة الأخرى حكاها الأخفض يقولون: مَلَكْت كَمْ غُلاَم اي ملكت كثيراً من الغِلمان فكما يجوز تقدم العامل على كثيراً كذلك يجوز على «كم» لأنها بمعناها. وقوله: لأنها أصلها الاستفهام والخبرية ليس اصلها الاستفهام بل كل واحدة أصل ولكنهما لفظان مشتركان بين الاستفهام والخبر وقوله: لأن معناها نافذ في الجملة يعني معنى «يَرَوْا» نافذ في الجملة لأنه جعلها معلقة وشرح «يروا» بيعلموا، وقوله: كما نفذ في قولك: «أَلمَمْ يَرَوا إِنًّ زيداً لَمُنْطلِقٌ» يعني أنه لو كان معمولاً من حيث اللفظ لامتنع دخول اللام ولفتحت «أن» فإن «إن» التي في خبرها اللام من الأدوات المعلقة لأفعال القلوب، وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إلَيْهِمْ﴾ إلى آخر كلامه لا يصح أن يكون بدلاً على اللفظ ولا على المعنى أما على اللفظ فإن زعم أن «يروا» معلقة فتكون كم استفهامية فيه معمولة «لأهْلَكْنَا» و «أهلكنا» لا يتسلط على «أنَّهُمْ إلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ» كما تقدم.
وأما على المعنى فلا يصح أيضاً لأنه قال تقديره: أي على (هذا) العنى ألميروا كثرة إهلاكنا القرونَ من قبلهم كَوْنَهم غيرَ راجعين إليهم. فكونهم غير كذا ليس كثرة الإهلاك فلا يكون بدل كل من كل وليس بعض الإهلاك فلا يكون (بدل بعض من كل ولا يكون) بدل اشتمال لأن بدل الاشتمال يصيح أنْ يُضَافَ إلى ما أبدل منه وكذلك بدل بعض من كل وهذا لا يصيح هنا لا نقول: ألم يروا انتفاء رجوع كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم وفي بدل الاشتمال نحو: أعجبتني الجارية ملاحتها وسُرقَ زيد ثوبُه يصح أعجبتني ملاحةُ الجارية وسُرق ثَوْبُ زَيْدٍ.
الرابع: أن يكون أنهم بدلاً من موضع «كم أهلكنا» والتقدير ألم يروا أنهم إليهم قاله أبو البقاء ورده أبو حيان بأن «كم أهلكنا» لي بمعمول «ليروا» قال شهاب الدين: وقد تقدم أنها معمولة لها على معنى أنه معلقة لَهَا.
الخامس: وهو قول الفراء: أن يكون «يروا» علاماً في الجملتين من غير إبدال ولم يبين كيفية العمل وقوله الجملتين يجوز لأن «أنهم» ليس بجملة لتأويله بالمفرد إلا أنه مشتمل على مُسْنَدٍ ومُسْنَدٍ إليه.
السادس: (أن) «أنَّهُم» معمول لفعل محذوف دل عليه السِّيَاق والمعنى تقديره: قَضَينَا وحَكَمْنَا أنَّهُمْ إليهم لا يرجعون ويدل على صحة هذا قول ابنِ عباس والحسن إنَّهُمْ بكسر الهمزة على الاستئنانف والاستئناف قطع لهذه الجملة عما قبلها فهما مقولان تكون معمولة لفعل محذوف يقتضي انقطاعها عما قبلها والضمير في «أنهم» عائد على معنى كم، وفي «إليهم» عائد على ما عاد عليه واو «يَرَوا» (وقيل: بل الأول عائد على ما عاد عليه واو يَرَوْا «والثاني عائد على المُهْلَكِينَ.
فصل
المعنى ألم يخبروا أهل مكة كم أهلكنا قبلهم من القرون والقرن أَهْلُ كُلِّ عَصْرٍ سموا بذلك لاقترانهم في الوجود أنَّهُمْ إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ أي لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعبترون وقيل: لا يرجعون أي الباقون لا يرجعون إلى المُهْلَكين بنسب ولا ولادة أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم ولا شك أنَّ الإهلاك الذي يكون مع قطع النّيل أتم وأعم والأول أشه نقلاً والثاني أظهر عقلاً.
قوله: ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ﴾ تقدم فيهود تشديد» لمَّا «وتخفيفها والكلام في ذلك، وقال ابن الخطيب في مناسبة وقع» لما «المشددة موقع» إلا» : إن لما كأنَّهَا حَرْفا نفي جمعاً وهما: «لَمْ» و» مَا «فتأكد النفي وإلا كأنها حرفا نفي:» إن ولاَ» فاستعمل أحدهما مكان الآخر انتهى وهذا يجوز أن يكون أخذه من قول الفراء في إلا في الاستثناء إنها مركبة من «إنْ ولاَ» إلا أنَّ الفراء جعل إنْ مخففة من الثقيلة وجعلها نافية وهو قول ركيك رَدَّهُ عليه النحويون وقال الفراء أيضاً إنّ لما هذه أصلها لَمْمَ فخففت بالحذف وتقديم هذا كله مُوَضِّحاً.
و «كل» مبتدأ و «جميع» خبره و «مُحْضَرُونَ» خبر ثاني لا يختلف ذلك سواء شددت «لما» أم خففتها، لا يقال: إن جميعاً تأكيد لا خبر (لأن) «جميعها» هنا فَعِيل بعنى مفعول أي مجموعون فكل يدل على الإحاطة والشمول وجميع يدل على الاجتماع فمعناها حمل على لفظها كما في قوله: ﴿جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ [القمر: 44] وقدم «جميع» في الموضعين لأجْل الفَوَاصِل و «لَدَيْنا» متعلق «بمُحْضَرُونَ» فمن شدد «فلما» بمعنى إلا وإنْ نافية كما تقدم والتقدير: ومَا كُلُّ إلاَّ جميعٌ ومن خفَّفَ «فَإنْ» مخففة (من الثقيلة) واللام فارقة وما مزيدة هذا قولا البصريين والكوفيون يقولون: إنَّ «إنْ» نافية واللام بمعنى إلا كما تقدم مراراً.
فصل
لما بين الإهلاك بين أن من أهْلَكَهُ ليس بتارك له بل بعده جمع وحبس وحساب وعقابٌ ولو أن من أهلك ترك لكان الموت راحةً ونعْمَ ما قال القائل:
4179 - ولو أنّا إذا ما متْنَا تُرِكْنَا ... لَكَانَ المَوْتُ رَاحَة كُلِّ حَيِّ وَلكِنَّا إِذا مِتْنا بُعِثْنا ... وَنُسْأَلُ بَعْدَهَا عَنْ كُلِّ شَيِّ
قال الزمخشري: إن قال قائل: «كل وجميع» بمعنى واحد فكيف جعل جميعاً خبراً ل «كلّ» حيث أدخل اللام عليه إذ التقدير وإن كل لجميعٌ؟ نقول معنى «جميع» مجموع ومعنى «كل» أي كل فرد مجمع مع الآخر مضموم إليه ويمكن أن يقال: «مُحْضَرُونَ» يعني كما ذكره وذلك لأنه لو قال: وإن جميع لجميع محضرون لكان كلاماً صحيحاً. قال ابن الخطيب: ولم يوجد ما ذكره من الجواب بل الصحيح أنَّ مُحْضَرُونَ كالصفة للجمع فكأنه قال جميعٌ جميعٌ محضرون كما نقُول: الرجلُ رجلٌ عالم والنبيُّ نبيُّ مرسل. والواو في «وَإنْ كُلّ» يعطف على الحكاية كأنه يقول: بَيَّنْتُ لك ما ذكرت وأبين أن كُلاًّ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ.
36:33–36Page 442
وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ ٣٣
And a sign for them is the dead earth. We have brought it to life and brought forth from it grain, and from it they eat.
وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ ٣٤
And We placed therein gardens of palm trees and grapevines and caused to burst forth therefrom some springs -
لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٣٥
That they may eat of His fruit.1 And their hands have not produced it,2 so will they not be grateful?
سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦
Exalted is He who created all pairs1 - from what the earth grows and from themselves and from that which they do not know.
قوله: ﴿وَآيَةٌ﴾ خبر مقدم و «لَهُمْ» صفتها أو متعلقة «بآية» ؛ لأنها (بمعنى) علامة. و «الأرض» مبتدأ وتقدم تخفيف «الميتة» وتشديدها في أول (آل) عمران.
ومع أبو حيان أن يكون «لأهم» صفة لآية ولم يبين وَجْهَةُ ولا وجه له وأعرب أبو البقاء «آية» مبتدأ و «لهم» الخبر و «الأرض الميتة» مبتدأ وصفته و «أَحْيَيْنَا» خبره، والجملة مفسرة «لآيةٍ» .
وبهذا بدأ ثم قال: وقيل؛ فذكر الوجه الأول وكذلك حكى مَكِّيٌّ أعني أن تكون «آية» ابتداء و «لهم» الخبر وجوز مكي أيضاً أن تكون «آية» متبدأ و «الأرض» خبره وهذا ينبغي أن لا يجوز؛ لأنه لا يُتْرَكُ المعرفة من الابتداء بها ويبتدأ بالنَّكِرَة إلاَّ في مَوَاضِعَ للضَّرُورَةِ.
قوله: «أحييناها» تقدم أنه يجوز أن يكون خبر «الأَرْضِ» ويجوز أيضاً أن يكون حالاً من «الأَرْضِ» إذا جعلناها مبتداً و «آية» خبر مقدم وجوز الزمخشري في «أَحْيَيْنَاهَا» وفي «نَسْلخُ» أن يكونا صفتين للأرض والليل وإن كانا معرفين بأل لأنه تعريف بأل الجنسيَّة فهما في قوة النكرة قال كقوله:
4180 - وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي..... ... ... ... ... . .
لأنه لم يقصد لئيماً بعينه، ورده أبو حيان بأن فيه هدماً للقواعد من أنّه لا تنعت المعرفة بنكرة قال: وقد تبعه ابنُ مالك ثم خرج أبو حيان الحمل على الحال أي الأرض مُحْيَاةً والليل مُنْسَلِخاً منه النهار واللئيم شاتماً لي، قال شهاب الدين: وقد اعتبر النحاة ذلك في مواضع فاعتبروا معنى المعرف بأل الجنسية دون لفظه فَوَصَفُوهُ بالنَّكرة الصَّرِيحَة، نحو: يا لرجل خير منك على أحد الأوجه. وقوله: ﴿إِلاَّ الذين﴾ [العصر: 3] بعد ﴿إِنَّ الإنسان﴾ [العصر: 2] وقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [النور: 31] و «أهْلَكَ النَّاسُ الدِّينَارُ الحُمْرُ والدِّرْهَمُ البيضُ» كل هذا ما روعي فيه المعنى دون اللفظ، وإن اختلف نوع المراعاة، ويجوز أن يكون «أحْيَيْنَاهَا» استئنافاً بين به كونَها آيةً.
فصل
وجه التعلق بما قبله من وجهين:
أحدهما: أنه لما قال: كان ذلك (إشارة) إلى الحشر فذكر ما يدل على إمكانه قطعاً لإنكارهم واستعبادهم وإصرارهم وعنادهم فقال: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا﴾ كذلك يُحْيِي المَوْتَى.
وثانيهما: أنه لما ذكر حال المرسلين وإهلاك المكذِّبين وكان شُغْلُهم التوحيد ذكر ما يدل عليه وبدأ بالأرض لكونها مكانَهم لا مفارقة لهم منها عند الحركة والسكون؟
فإن قيل: الأرض آية مطلقة فلم خصها بهم حيث قال: «وآيَةٌ لَهُمْ» ؟ .
فالجواب: الآية تعدد وتردد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه أما من عرف الشيء بطريق الرؤية لا يذكر له لدليل فالنبي - عليه (الصلاة و) السلام - وعباد الله المخلصين عرفوا الله قبل الأرض والسماء فليست الأرض معرفة لهم وهذا كما قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ [فصلت: 53] وقال: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] يعني أنت كفاك الله معرفاً به عرفت كل شيء فهو شهيدٌ لك على كل شيء وأما هؤلاء نبين لهم الحق بالآفاق والنفس وكذلك ها هنا الأرض آية لهم، فإن قيل: إن قُلْنا الآية مذكروة للاستدلال على جَوَاز إحياء المَوْتَى فيكفي قوله: «أحْيَنْنَاهَا» ولا حاجة إلى قوله: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً﴾ وغير ذلك وإن قلنا: إنه للاستدلال على وجود الإله ووحدانيته فلا فائدة في قوله: ﴿الأرض الميتة﴾ فقوله: ﴿الميتة أَحْيَيْنَاهَا﴾ كافٍ في التوحيد فما فائدة قوله: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً﴾ ؟ فالجواب: هي مذكورة للاستدلال عليها ولكلّ ما ذكره الله تعالىً فائدة أما فائدة قوله: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّا﴾ فهو بالنسبة إلى بيان إحياء الموتى لأنه لما أحيا الأرض وأخرج منها حباً كان ذلك إحياء تامًّا لأن الأرض المُخْضرَّة التي لا تنبت الزرع ولا تخرج الحَبَّ دون ما تنبيه الحياةُ، فكأنه تعالى قال: الذي أحيا الأرض إحياء كاملاً منبتاً للزّرع يحي الموتى إحياء كاملاً بحيث يدري الأمور وأما بالنسبة إلى التوحيد فلأن فيه تقرير النعمة، كأنه يقول: آية لهم الأرضُ فإنها مكانُهم ومَهْدُهُم الذي فيه تحريكهم وإسكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم لا بد لهم منها في نعمة ثم إحياؤها نعمة ثانية فإنها تصير أحسن وأنزه ثم إخراج الحبِّ منها نعمة ثالثة فإن قوتهم تصير في مكانهم وكان يمكن أن يجعل رزقهم في السماء أو الهواء فلا يحصل لهم الوُثُوقُ ثم جعل الحياة منها نعمة رابعة لأن الأرض تنبت الحَبَّ في كل سنة والأشجار بحيث يوجد منها الثِّمار فيكون بعد الحبِّ وجوداً ثم فجر منها العيون ليحصل لهم الاعتمال بالحصول ولو كان ماؤها من السماء لحصل ولكن لم يعلم أنها أين تغرس وأين (يقع) المطر.
فصل
المعنى «أَحْيَيْنَاها» بالمطر «وأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا» يعني الحِنْطَة والشعير وما أشبههما «فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ» أي من الحب «وَجَعَلْنَا فِيها جَنَّاتٍ» بساتين «مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وفَجَّرْنا فِيهَا» في الأرض «مِنَ العُيُونِ لِيَأْكُلُوا منْ ثَمَرِهِ» الحاصل بالماء.
قوله: {وَفَجَّرنَا «العامة على التشديد تكثيراً لأنها مخففة متعدّية، وقرأ جَنَاحُ بْنُ حبيش بالتخفيف، والمفعول محذوف على كلتا القراءتين أي يَنْبُوعاً كما في آية: «سًبْحَانَ» .
قوله: ﴿مِن ثَمَرِهِ﴾ قيل: الضمير عائد على النخيل؛ لأنه أقرب مذكور وكان من حق الضمير أن يثنى على هذا لتقدم شيئين وهما الأعْنَاب والنَّخِيل إلا أنه اكتفى بذكر أحدهما، وقيل يعود على جنات وعاد بلفظ المفرد ذهاباً بالضمير مَذْهَبَ اسم الإشارة كقول رؤبة:
4181 - فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبلَقْ ... كَأَنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
فقيل له، فقال: أردت كأن ذاك وتلك، وقيل: عائد على الماء المدلول عليه بعيون وقيل: بل عاد عليه لأنه مقدر أي من العيون. ويجوز أن يعود على العيون ويعتذر عن إفراده بما تقدم في عوده على جنات، ويجوز أن يعود على الأعناب والنخيل معاً ويعتذر عنه بما تقدم أيضاً وقال الزمخشري وأصله من «ثَمَرِنَا» لقوله: «وفَجَّرْنَا» و «أَيْدِينَا» فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريق الالتفات. والمعنى ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر. فعلى هذا يكون الضمير عائداً على الله تعالى ولذلك فسر معناه بما ذكر، وتقدمت هذه القراءات في هذه اللفظ في سورة الأَنْعَام.
قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ في «ما» هذه أربعة أوجه:
أحدها: أنها موصولة أي ومن الذي عملته أيديهم من الغَرْس والمُعَالَجَة. وفيه تجوز على هذا.
والثاني: أنها نافية أي لم يعلموه هم بل الفاعل له هو الله سبحانه وتعالى، أي وجدها معمولة ولا صنع لهم فيها. وهو قول الضحاك ومقاتل. وقيل: أراد العيون والأنهار التي لم تعلمها يدُ خلقٍ مثل الدِّجْلة والفرات والنيل ونحوها. وقرأ الأخوان وأبو بكر بحذف الهاء والباقون: وما عملته بإثباتها. فإن كانت «ما» موصولة فعلى قراءة الأخوين وأبي بكر حذف العائد كما حذف في قوله: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ [الفرقان: 41] بالإجماع وعلى قراءة غيرهم جيء به على الأصل، وإن كانت نافيةً فعلى قراءة الأخوين وأبي بكر لا ضمير مقدر ولكن المفعول محذوف أي ما عَمِلَتْ أيْدِيهم شَيْئاً من ذلك وعلى قراءة غيرهم الضمر يعود على «ثَمَرِهِ» وهي مرسومة بالهاء في غير مصاحف الكوفة وبحذفها فيما عداها، فالأخوان وأبو بكر وافقوا مصاحفهم والباقون غير حفص وافقوا (ها) أيضاً وحفص خالف مصحفه وهذا يدل على أن القراءة متلقاةٌ من أفواه الرجال فيكون عاصم قد أقرأها لأبي (بكر) بالهاء كالكلام في الموصولة.
والرابع: أنها مصدرية أي ومن عمل أيديهم والمصدر واقع موقع المفعول به فيعود المعنى إلى معنى الموصولة أو الموصوفة.
فصل
إذا قلنا: «ما» موصولة يحتمل أن يكون المعنى وما عملته أيديهم بالتِّجَارة كأنه ذكر نَوْعَيْ ما يأكل الإنسان وهما الزراعة والتجارة (أ) ومن النبات ما يؤكل من غير عمل الأيدي كالعِنَبِ والتَّمْر وغيرهما ومنه ما يعمل فيه عمل فيؤكل كالأشياء التي لا تؤكل إلا مطبوخةأو كالزيتون الذي لا يؤكل إلا بعد إصلاح ثم لما عدد النعم أشار إلى الشكر قوله: ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ وذكر بصيغة الاستفهام لما تقدم في فوائد الاستفهام قوله: ﴿سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا﴾ أيا لأصناف و «سبحان» عَلَمٌ دال على التسبيح تقديره: سُبِّح تَسْبِيحَ الِّذِي خلق الأزواج.
ومعنى (سبح) نَزَّهَ (و) وجه تعلق الآية بما قبلها هو أنه تعالى لما قال: ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ وشكر الله بالعبادة وهم تركوها وعبدوا غيره فقال: سُبْحَانَ الذي خلق الأزواج كلها وغيره لم يخلق شيئاً. أو يقال: لما بين أنهم أنركروا الآيات ولم يشكروا (بين) ما ينبغي علهي أن يكون عليه العامل فقال ﴿سُبْحَانَ الذي خَلَق﴾ تَنَزَّهَ عن أن يكونَ له شَرِيكٌ أو يكون عاجزاً عن إِحياء الموتى.
قوله: ﴿مِمَّا تُنبِتُ الأرض﴾ من الثِّمار والحُبُوب والمعادن ونحوها، «وَمِنْ أَنْفُسهِمْ» يعين الذكور والإناث والدلائل النفسية «وَمِمَّا» لاَ يَعْلَمُونَ «يدخل فيه ما في أقطار السموات وتخوم الأرض.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences