Ibn 'AdilAn‑Nisa · 4:171–175

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:171–175

4:171Page 105

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ١٧١

O People of the Scripture, do not commit excess in your religion1 or say about Allāh except the truth. The Messiah, Jesus the son of Mary, was but a messenger of Allāh and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allāh and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allāh is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.

لمَّا أجابَ عن شُبَهَاتِ اليَهُودِ، تكلَّم بعد ذَلِك مع النَّّصَارَى، والتَّقْدِير: يا أهل الكتابِ من النَّصَارَى لا [تغلُوا في دينكم] ، اي: تُفْرطوا في تَعْظِيم المَسيحِ، والغُلُوُّ: تجاوُز الحدِّ، ومنه: غلْوَة السَّهْم، وغَلاَء السِّعْرِ.

واعلم أنه - تعالى - حَكَى عن اليَهُودِ مُبَالَغَتَهُم في الطَّعْنِ في المَسِيحِ، وهنا حَكَى عن النَّصَارَى مُبَالَغَتَهُم في تعظِيمِه، وهم أصْنَاف اليَعْقُوبِيَّة، والملْكَانِيَّةَ، والنَّسْطُورِيَّة والمُرْقُسِيَّة.

فقالت اليَعْقُوبيَّة: عِيسَى هو اللَّه، وكَذَلِك الملْكَانِيَّة.

وقالت النَّسْطُوريَّة: عيسى ابْنُ اللَّهِ.

وقالت المرقسيّة: ثَالِثُ ثلاثةٍ، فأنْزَل الله هذه الآية.

ويُقالُ: إن المْلكانِيَّة تقُولُ: عيسَى هُو اللَّهُ، واليَعْقُوبِيَّة يقُولُون: ابْنُ الله، والنَّسْطُوريَّة يقُولُون: [ثَالِث] ثلاثة عليهم رَجُلٌ من اليَهُود يُقَال لَهُ: بُولُص، وسيأتِي في سُورةِ التَّوْبَةِ - إن شاء الله تعالى -.

وقال الحسن: يَجُوزُ أن تكُون نزلت في اليَهُود والنَّصَارَى؛ فإنهم جَمِيعاً غَلَواْ في أمْرِ عيسى - عليه السلام - فاليَهُود بالتَّقْصِير، والنَّصَارى بمُجَاوَزَةِ الحدّ، وهو في الدِّين حَرَامٌ.

﴿وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق﴾ وتَصِفُوا اللَّهَ بالحُلُولِ والاتَّحَادِ في بدَنِ الإنْسَانِ أوْ رُوحِهِ.

وقيل: لا تَقُولُوا إنَّ لَهُ شَرِيكاً أوْ وَلْداً، ونزِّهُوهُ عن هَذِه الأحْوَالِ.

قوله: «إلاَّ الحَقَّ» هذا استثناء مُفَرَّغٌ، وفي نصبه وجهان:

أحدهما: أنه مفعول به؛ لأنه تضمَّن معنى القول؛ نحو: «قُلْتُ خُطْبَةً» .

والثاني: أنه نعتُ مصدر محذوف، أي: إلا القولَ الحَقَّ، وهو قريب في المعنى من الأوَّل.

قوله [- سبحانه -] : ﴿إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله﴾ .

قرأ جعفر بن محمَّد: «المِسِّيح» بوزن «السِّكِّيت» ؛ كأنه جعله مثال مبالغة؛ نحو: «شِرِّيب العَسَل» ، و «المسيح» مبتدأ بعد «إنَّ» المكفوفة، و «عِيسَى» بدلٌ منه، أو عطف بيان، و «ابنُ مَرْيَمَ» صفته و «رَسُولُ الله» خبر المبتدأ، و «كَلِمَتُهُ» عطف عليه.

و «ألْقَاها» جملةٌ ماضية في موضع الحال، و «قَدْ» معها مقدرةٌ، وفي عاملِ الحال ثلاثةُ أوجه نَقَلها أبو البقاء: أحدها: أنه معنى «كَلِمة» ؛ لأنَّ معنى وصْفِ عيسى بالكلمة: المُكَوَّنُ بالكلمة من غير أبٍ، فكأنه قال: وَمَنْشَؤُهُ ومُبْتَدَعُهُ.

والثاني: أن يكون التقدير: إذ كان ألقاها، ف «إذْ» ظرفُ زمانٍ مستقبل، و «كان» تامَّة، وفاعلها ضمير الله تعالى، و «ألقاها» حالٌ من ذلك الفاعل، وهو كقولهم: «ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً» .

والثالث: أن يكون حالاً من الهاء المجرورة، والعاملُ فيها معنى الإضافة، تقديره: وكلمةُ اللَّهِ مُلْقياً إيَّاهاَ. انتهى. أمَّا جعله العامل معنى «كلمة» فصحيحٌ، لكنه لم يبين في هذا الوجه من هو صاحبُ الحال؟ وصاحبُ الحال الضميرُ المستتر في كَلِمَتُهُ «العائدُ على عيسى؛ لما تضمَّنَتْهُ من معنى المشتقِّ؛ نحو:» مُنْشَأ ومُبْتَدَع» ، وأمَّا جعلُهُ العاملَ معنى الإضافة، فشيءٌ ضعيفٌ، ذهب إليه بعض النحويِّين، وأمَّا تقديرُه الآية بمثل «ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً» ، ففاسدٌ من حيث المعنى، والله أعلم.

فصل في تفسير الكلمة

قد تقدَّم في تَفْسِير «الكَلِمَةِ» في قوله: ﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ا﴾ [آل عمران: 45] ، والمعْنَى: أنَّهُ وُجِدَ بكَلِمَةِ اللَّهِ وأمْرِه، من غَيْرَ وَاسِطَة [أب] ولا نُطْفَة؛ لقوله [تعالى] : ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن [فَيَكُونُ] ﴾ [آل عمران: 59] .

قوله تعالى ﴿وَرُوحٌ﴾ عطفٌ على «كَلِمَة» ، و «مِنْهُ» صفة ل «رُوح» ، و «مِنْ» لابتداء الغاية مجازاً، وليست تبعيضيَّةً، ومن غريب ما يحكى أن بعض النصارى ناظَرَ عليَّ بْنَ الحُسَيْنِ بن واقدٍ المَرْوزِيَّ، وقال: «في كتاب الله ما يَشهدُ أنَّ عيسى جُزْءٌ مِنَ الله» ، وتلا: «وَرُوحٌ مِنْهُ» ، فعارضه ابنُ واقدٍ بقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13] ، وقال: «يلزمُ أنْ تكونَ تلك الأشياءُ جزءاً من الله تعالى، وهو محالٌ بالاتفاقِ» ، فانقطع النصرانيُّ وأسْلم.

فصل

قيل: معنى «رُوحٌ مِنْهُ» [هي] رُوحٌ كسَائِرِ الأرْواحِ، وإنَّما أضَافَها الله - تعالى - إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفاً.

وقيل: الرُّوحُ هو النَّفْخُ الذي نَفَخَهُ جِبْريل في دِرْعِ مَرْيم -[عليها السلام]- فَحَمَلَتْ بإذْنِ اللَّه، سُمِّي النَّفْخُ «رُوحاً» ؛ لأنَّه ريحٌ يخْرُجُ من الرُّوح، وأضافَهُ إلى نَفْسِهِ؛ لأنه كان بأمْرِهِ.

والرُّوح والرِّيحُ مُتَقَارِبَانِ، فالرُّوحُ: عِبَارَةٌ عن نَفْخِ جِبْرِيلٍ - عليه السلام -، وقوله: «مِنْهُ» يعني: أنَّ ذلِك النَّفْخَ من جِبْرِيل كان بأمْر الله وإذْنه، فَهُو مِنْهُ؛ وهكذا قولُه: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ [التحريم: 12] .

وقيل: «رُوحٌ مِنْهُ» أي: رَحْمَةً مِنْهُ، فكان - عليه السلام - رحْمَة لمن تبعَهُ، وآمَن بِهِ، من قوله -[تعالى]-: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: 22] . أي: برحْمَةٍ مِنْهُ وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إنَّما أنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ» .

وقيل: الرُّوحُ الوَحِي، أوْحَى إلى مَرْيَمَ بالبشَارَة، وإلى جِبْرِيلَ بالنَّفْخِ، وإلى عيسى أن كُنْ فكان؛ كقوله -[تعالى]-: ﴿يُنَزِّلُ الملاائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: 2] . يعني: بالوَحْي؛ وقال - تعالى - في صِفَةِ القُرْآنِ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52] .

وقيل: أراد بالرُّوح: جِبْريل، مَعْنَاهُ: كَلِمتهُ ألْقَاهَا إلى مَرْيَمَ، وألْقَاها - أيضاً - رُوحٌ مِنْهُ بأمْرِهِ، وهو جِبْرِيلُ [- عليه السلام -] ؛ كقوله: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة [والروح فِيهَا] ﴾

[القدر: 4] يعني: جِبْرِيل فيها، وقال: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ [مريم: 17] يعني: جِبْرِيل.

وقيل: لما جَرْت عادَةُ النَّاسِ أنَّهُم إذا وَصَفُوا شيئاً بِغَايَة الطَّهارَة والنَّظَافة، قالوا: إنَّه روحٌ، فلما كان عيسَى لَمْ يتكوَّن مِنْ نُطْفَةٍ، وإنما من نَفْخَة جِبْرِيل - عليه السلام - لا جَرَم وُصِفَ بأنَّهُ روحٌ، والمراد من قوله: «مِنْهُ» التَّشْرِيف والتَّفْضِيل؛ كما يقال: هذه نِعْمَةٌ من الله، أي: تلك النِّعْمَة الكَامِلَة الشَّريفَة.

وقيل: إنه كان سَبَباً لحياة الخَلْقِ في أدْيَانهم، [فوُصِفَ أنَّه رُوحٌ؛ كما وُصِف القُرْآن في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52] ، سمَّاه رُوحاً؛ لمَّا كان سَبَباً لحياةِ الخَلْق في أدْيَانِهِم] .

وقيل: لما أدْخَل التَّنْكِير في لفظِ «رُوحٌ» أفاد التَّعْظِيم، فكان المَعْنَى: رُوحٌ من الأرْوَاح الشَّريفَة القُدسِيَّة العَالِيَة.

وقوله: «مِنْهُ» أضاف ذلك الرُّوح إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفاً، ثم قال: ﴿فآمنوا بالله ورسله﴾ أي: أنَّ عيسَى من رسُلِ اللَّهِ، فآمِنُوا به كإيمَانِكُم بسَائِر الرُّسُل، ولا تَجْعَلُوه إلهاً.

قوله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ﴾ ، أي: لا تَقُولُوا آلهتُنَا ثلاثة، ف «ثَلاَثةٌ» خبر مبتدأ مضمرٍ، والجملةُ من هذا المبتدأ والخبر في محلِّ نصب بالقول، أي: ولا تقولوا: «آلهتنا ثلاثةٌ» قال الزَّجاج: ويدلُّ عليه قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّمَا الله إله وَاحِدٌ﴾ ، وقيل: تقديره: الأقَانِيمُ ثلاثةٌ، أو المعبودُ ثلاثةٌ، وقال الفارسيُّ: تقديره: الله ثالثُ ثلاثةٍ، ثم حُذف المضافُ، وأقيمَ المضافُ إليه مقامَهُ، يريدُ بذلك موافقةَ قوله: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: 73] .

قال الفرَّاء: تقديره: ولا تقُولُوا هم ثلاثة؛ كقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكهف: 22] وكانت النَّصارى [يقُولُون:] أبٌ، وابنٌ، ورُوحُ القُدس.

فصل في بيان تفسير النصارى للتثليث

قال القُرْطُبي: فرقُ النَّصارى مجتمعُون على التَّثْلِيثِ، ويقولون: إن الله جوهرٌ واحدٌ، وله ثلاثةٌ أقَانِيمَ، فَيَجْعِلُون كُلَّ أقْنُوم إلهاً، ويَعْنون بالأقانِيم: الوُجُود والحياة والعِلْم، وربما يُعَبِّرون [عن] الأقانِيمِ بالأبِ، والابْنِ، وروح القُدُسِ، فَيَعْنُونَ بالأبِ الوُجُود، وبالرُّوح الحياة، وبالابْن المسيح، في كلامٍ لهم فيه تَخْبِيطٌ.

ومحصول كلامهم يَئُولُ إلى التَّمَسُّكِ بأنَّ عيسَى إلهٌ؛ بما كان يُجْرِي اللَّه على يَديه من خَوَارِق العَادَاتِ على حَسَبِ دواعِيه وإرادَتِهِ.

قالوا: قد عَلِمْنَا خروجَ هذه الأمُورِ من مَقْدُور البَشَرِ، فينْبَغِي أن يكون المُقْتَدِر عليها مَوْصُوفٌ بالإلهيّة.

فيقال لَهُم: لو كان ذَلِك من مَقْدُوراتِهِ وكان مسْتَقِلاًّ به، كان تَخْليصُ نفسه من أعْدَائِه، ودفع شرِّهم عَنْهُ من مقدُورَاتِهِ، وليس كذلك؛ فإن اعْتَرَفُوا بذل سَقَطَ اسْتِدْلالهم وقولهم: إنه كان يَفْعَلُهَا، وإن لَمْ يُسَلِّموا فلا حُجَّة لهم - أيضاً -؛ لأنَّهم معَارضُون بمُوسى - عليه السلام -، وما كان يُجْري الله - تعالى - على يديه من الأمور العِظَامِ؛ كفلق البَحْر، وقَلْبِ العَصَا ثُعْباناً، واليد البَيْضَاء، وضَرْب الحَجَر فانْفَجَرَت مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَة عَيْناً، وإنْزال المنِّ والسَّلْوَى وغير ذَلِك، وكَذَلِك ما جَرَى على أيْدِي الأنْبِياء - عليهم الصلاة والسلام -، فإن أنْكَرُوا ذَلِك، فيُنكَر ما يدَّعُونَهُ في ظُهُورِه على يَدٍ عيسى - عليه السلام -، ولا يُمْكِنُهم إثْبَات شَيْءٍ من ذلك [لعيسى؛ فإن إثْبَاتَهُ عندنا بِنَصِّ القُرآنِ، وهم يُنْكِرُون القُرْآن ويكذِّبُون من أتى به] ، ولا يُمْكِنُهم إثْبَاتُ ذلك بأخْبَارِ التَّواتُر.

[و] قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿انتهوا خَيْراً لَّكُمْ﴾ نصب «خيْراً» لِنَصْبه فيما تقدَّم في جَمِيع وُجُوهِهِ، ونِسْبته إلى قَائِلِيه، ثم أكَّدَ التَّوْحِيد بقوله: ﴿إِنَّمَا الله إله وَاحِدٌ﴾ ثم نزَّه نَفْسَه عن الولد بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ وتقدِيرُه: من أنْ يكُونَ، أو: عن أنْ يكُون؛ لأنَّ مَعْنى: «سُبْحَان» : التَّنْزِيه: فكأنَّهُ قيل: نَزِّهُوه عن أن يكُون، أو مِنْ أنْ يكُونَ لَهُ ولد، فيجيء في مَحَلِّ «أنْ» الوجهان المَشْهُورَانِ، وقد تقدَّمَتْ دَلاَئِل تَنْزيه اللَّه عن الوَلَدِ في سُورَة «آل عمران» و «واحدٌ» نعت على سبيل التوكيد، وظاهر كلام مكي أنه نعتٌ لا على سبيل التوكيد، فإنه قال: و «الله» مبتدأ، و «إلهٌ» خبره، و «واحدٌ» نعت، تقديره: «إنَّمَا الله مُنْفَرِد في إلهيَّتِهِ» ، وقيل: «وَاحِدٌ» تأكيدٌ بمنزلة ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ [النحل: 51] ، ويجوز أن يكون «إله» بدلاً من «الله» ، و «وَاحِدٌ» خبره، تقديره: إنَّما المعبُودُ وَاحِدٌ، وقوله: ﴿أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ تقديم نظيره [في الآية 47 آل عمران] . وقرأ الحسن: «أَن يَكُونَ» بكسر الهمزة ورفع «يكُونُ» على أنَّ «إنْ» نافية، أي: ما يكونُ له ولدٌ، فعلى قراءته يكونُ هذا الكلامُ جملتَيْنِ، وعلى قراءةِ العامة يكون جملة واحدة.

ثم قال - تعالى -: ﴿لَّهُ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ .

واعلم أنَّه - تعالى - في كل مَوْضِعٍ نَزَّه نَفْسَه عن الولد ذكر كَوْنَه مَلِكَاً ومالِكاً لما في السموات وما في الأرضِ؛ فقال في «مَرْيَم» : ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً﴾ [مريم: 93] ، والمعنى: أن من كان مَالِكاً لما في السَّموات وفي الأرْضِ، ولكُلِّ ما فيها، كان مَالِكاً لعِيسَى ولمَرْيم؛ لأنهما كانا في السَّموات وفي الأرْضِ، ولما هُو أعْظَم مِنْهُمَا في الذَّاتِ والصِّفَات، وإذا كان مَالِكاً لما هُوَ أعْظَم مِنْهُمَا، فبأنْ يكُون هُو أعْظَم مِنْهُمَا في الذَّاتِ والصِّفَاتِ، وإذا كان مَالِكاً لما هُوَ أعْظَم مِنْهُمَا، فبأنْ يكُون مَالِكاً لهُمَا أوْلَى، وإذا كَانَا مَمْلُوكَيْنِ لَهُ، فكَيْفَ يَعْقِلُ مع هذا تَوَهُّم كَونهما وَلَداً وزَوْجَةً.

ثم قال - تعالى -: ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ أي: إن الله - تعالى - كَافٍ في تَدْبِير المَخْلُوقَاتِ، وفي حِفْظِ المحْدَثَاتِ، فلا حَاجَة مَعَهُ إلى القَوْلِ بإثْبَاتِ آله آخرَ، وهو إشارَةٌ إلى ما يَذْكُرُه المتَكَلِّمُون؛ من أنَّهُ لمَّا كَانَ [- تعالى -] عالماً بِجَميع المَعْلُومَاتِ قَادِراً على كل المَقْدُورَاتِ، كان كَافِياً في الإلهِيَّة، فلو فَرَضْنَا آلهاً آخَر، كان مُعَطَّلاً لا فَائِدَة فيه، وذلك نَقْصٌ، والنَّاقِص لا يَكُون إلهاً.

4:172–173Page 105

لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا ١٧٢

Never would the Messiah disdain to be a servant of Allāh, nor would the angels near [to Him]. And whoever disdains His worship and is arrogant - He will gather them to Himself all together.

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧٣

And as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards and grant them extra from His bounty. But as for those who disdained and were arrogant, He will punish them with a painful punishment, and they will not find for themselves besides Allāh any protector or helper.

قوله: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملاائكة المقربون﴾ الآية لمَّا أقام الحُجَّة القَاطِعَة على أنَّ عيسى عَبْدُ الله، لا يَجُوز أن يكُون ابْناً لَهُ، أشَارَ بَعْدَه إلى حِكَايَةِ شُبْهَتِهِم، وأجَابَ عَنْهَا؛ لأنَّ الشُّبْهَة التي عَوَّلُوا عَلَيْها في إثْبَاتِ أنَّهُ ابن اللَّهِ؛ هو [أنَّه] كان يُخْبِرُ عن الغيبيّات، ويأتي بِخَوارقِ العاداتِ من الإبْرَاء والإحْيَاء، فكأنَّهُ - تعالى - قال: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح﴾ بسبب القَدْرِ من العِلْم والقُدْرَة عن عِبَادةِ الله -[سبحانه] وتعالى -، فإن الملائِكَة المقَرَّبينَ أعْلَى حَالاً مِنْهُ في اَلقُدْرَة؛ لأن ثَمَانِيةً منهم حَمَلةُ العَرْشِ على عَظَمَتِهِ، ثم [إنّ] الملائكة مع كمالهم في العُلُوم، لمْ يَسْتَنْكِفُوا عن عُبُودِيَّة الله، فكيف يَسْتَنْكِفُ المَسِيحُ عن عُبُوديَّته بسبب هذا القَدْرِ القَلِيلِ الذي كان مَعَهُ من العِلْمِ والقُدْرَة.

والاسْتنْكَافُ: استفعالٌ من النَّكْفِ، والنَّكْفُ: أن يُقال [له] سوء، ومنه: «وما عليه في هذا الأمْرِ نَكْفٌ ولا وَكْفٌ» ، قال أبو العباس: «واسْتَفْعَلَ هنا بمعنى دفع النَّكْفَ عَنْه» ، وقال غيره: «هو الأنَفَةُ والتَّرفُّع» ، ومنه: «نَكَفْتُ الدَّمْعَ بإصْبَعِي» ، إذا منعته من الجَرْي على خَدِّك، قال: [الطويل]

1910 - فبَانُوا فُلُولاً ما تَذَكَّرُ مِنْهُمُ ... مِنَ الحِلْفِ لَمْ يُنْكَفْ لِعَيْنَيْكَ مَدْمَعُ

فصل

رُوِيَ أن وَفْدَ نَجْرَان قالُوا: يا مُحَمَّد، إنك تَعِيبُ صَاحِبَنَا، فتقول: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ليْسَ بعارٍ لعيسى - عليه السلام - أنْ يكُونَ عَبْداً لِلَّهِ» فنزلَت هذه الآية.

وقرأ عَلِيٌّ: «عُبَيْداً» على التَّصْغِير، وهو مُنَاسِبٌ للمَقَام، وقرأ الجمهورُ «أن يكُون عَبْداً لِلَّهِ» بفتح همزة «أنْ» ، [فهوُ في موضعِ نَصْبٍ، وقرأ الحسن: «إنْ» بكَسْر الهمزة على أنَّها نَفيٌ بمعنى] : ما يكون له ولدٌ، فينبغي رفع «يكونُ» ، ولم يذكره الرواة؛ نقله القرطبيّ.

وقوله تعالى: ﴿وَلاَ الملاائكة﴾ عطف على «المَسِيح» ، أي: ولَنْ يَسْتَنْكِفَ الملائكةُ أن يكُونُوا عَبيداً لله، وقال أبو حيان ما نصُّه: «وفي الكلام حَذْفٌ، التقدير: ولا الملائكةُ المقرَّبون أن يكونُوا عبيداً لله، فإن ضُمِّن» عَبْداً «معنى» مِلْكاً لله» ، لم يَحْتَجْ إلى هذا التقدير، ويكونُ إذ ذاك ﴿وَلاَ الملاائكة﴾ من باب عطف المفردات، بخلاف ما إذا لُحِظَ في «عَبْد» معنى الوَحْدَة، فإن قوله: ﴿وَلاَ الملاائكة﴾ يكون [من] عطف الجملِ؛ لاختلاف الخبر، وإنْ لُحِظَ في قوله: ﴿وَلاَ الملاائكة﴾ معنى: «ولا كلُّ واحدٍ مِنَ الملائِكَةِ» كان من باب عطف المفردات» ، وقال الزمخشريُّ: «فإن قلتَ: علام عُطِفَ» والمَلاَئِكَةُ» ؟ قلت: إمَّا أن يُعْطَفَ على «المَسِيحُ» ، أو اسم «يَكُونُ» ، أو على المستتر في «عَبْداً» لما فيه من معنى الوصْف؛ لدلالته على العبادة، وقولك: «مَرَرْتُ بِرَجُلٍ عَبْدٍ أبُوهُ» فالعطفُ على المسيحِ هو الظاهرُ؛ لأداء غيره إلى ما فيه بعضُ انحرافٍ عن الغرضِ، وهو أن المسيحَ لا يأنَفُ أن يكون هو ولا من فَوقَهُ موصوفين بالعبودية، أو أن يعبُدَ الله هو ومن فوقه» ، قال أبو حيان: «والانحراف عن الغرضِ الذي أشارَ إليه كونُ الاستنكَافِ يكون مختصًّا بالمسيحِ، والمعْنَى التامُّ إشراكُ الملائكة مع المسيح في انتفاء الاستنكَافِ عن العبوديَّة، ويظهرُ أيضاً مرجوحيَّةُ الوجهين من وجه دخُول» لاَ» ؛ إذ لو أُريدَ العطفُ على الضمير في «يكُون» أو في «عَبْداً» لم تَدْخُل «لا» ، بل كان يكون التركيبُ بدونها، تقول: «ما يريدُ زيدٌ أن يكُونَ هُو وأبُوهُ قَائِمَيْن» و «ما يُريدُ زيدٌ أنْ يَصْطَلِحَ هُوَ وعَمْرٌو» ، فهذان التركيبان لَيْسَا من مَظَنَّةِ دخولِ لا، وإن وُجد منه شيءٌ، أوِّل» .

انتهى، فتحصَّل في رفع «المَلاَئِكَةُ» ثلاثة أوجه، أوجَهُهَا الأوَّل.

فصل

اسْتَدَلَّ الجُمهور بهذه الآية: على أنَّ الملكَ أفْضَلُ من البَشَر، وقد تقدَّم الكلام عَلَيْه، في البقرة [آية 34] .

وقال ابن الخطيب: والذي نقُولُه هَهُنَا: إنَّا نُسَلِّم أنَّ اطِّلاع الملائِكَة على المُغَيِّبَاتِ أكْثَرُ من اطلاع البَشَرِ عليهما، ونُسَلِّم أن قُدْرَة الملائِكَة على التَّصرُّفِ في هذا العَالم أشَدُّ من قُدْرة البَشَر، إنما النِّزاعُ في أنَّ ثوابَ طاعَاتِ الملائِكَة أكْثَرُ، أمْ ثوابُ طاعَاتِ البَشَرِ وهذه الآيَةُ لا تَدُلُّ على ذلك؛ وذلك أن النَّصَارَى إنَّما أثْبَتُوا إلهيَّة عِيسَى؛ لأنه أخْبَر عن الغَيْب، وأتى بخَوَارِقِ العَادَاتِ، فإيرادُ الملائِكَة لأجْلِ إبْطَال هذه الشُّبْهَة، إنما يَسْتَقِيم إذا كانت الملائِكَةُ أقْوَى حالاً في هذا العَالَمِ، وفي هذه القُدْرَة من البَشَرِ، ونحن نَقُول بمُوجبهِ.

فأما أن يُقَالَ: المُرادُ من الآية تَفْضِيل الملائِكَة على المَسيحِ في كَثْرَةِ الثَّوَابِ على الطَّاعَاتِ، فذلك ممَّا لا يُنَاسِب هذا الموضعَ، ولا يَليقُ به.

فظهر أنَّ هذا الاستدْلاَل إنَّما قَوِي في الأوْهَام؛ لأن النَّاسَ ما لخّصوا مَحَلَّ النِّزَاع.

وأجاب البغوي عن استدلالهم بهذه الآية؛ فقال: ولا حُجَّة لهم فِيهِ؛ لأنه لم يَقُلْ ذَلِك رَفْعاً لمقامِهِم على مَقَامِ البَشَرِ، بل رَدّاً على الذين يَقُولُون: الملاَئِكَة آلِهَةٌ، لما ردَّ على النَّصَارَى قولهم: المَسِيحُ ابْنُ اللَّه، وقال ردّاً على النَّصارَى بزَعْمِهِم؛ فإنَّهُم يقُولُون بتَفْضِيل الملائِكَة، وهذه الآيَةُ تدُلُّ على أنَّ طبقات المَلاَئكة مُخْتَلِفةٌ؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَلاَ الملاائكة المقربون﴾ .

قوله تعالى ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ الفاءُ يجوز أن تكون جواباً للشَّرْط في قوله: ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ﴾ ، فإن قيل: جوابُ «إن» الشرطية وأخواتها غير «إذا» لا بدَّ أن يكون محتملاً للوقُوعِ وعدمه، وحشرُهُمْ إليه جميعاً لا بُدَّ منه، فكيف وقعَ جَواباً لها؟ فقيل في جوابه وجهان:

أصحهما: أن هذا الكلام تضمَّن الوعد والوعيد؛ لأنَّ حَشْرَهُمْ يقتضي جزاءَهم بالثوابِ أو العقاب، ويَدُلُّ عليه التفصيلُ الذي بعده في قوله: «فَأَمَّا الذِينَ» إلى آخره، فيكونُ التقديرُ: ومن يَسْتَنْكِفْ عن عبادته ويَسْتَكْبِرْ، فيعذبُهُ عند حَشْرِهِ إليه، ومن لم يستنكفْ ولم يستكبر، فيثيبه.

والثاني: أنَّ الجوابَ محذوف، أي: فيجازيه، ثم أخبر بقوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ ، وليس بالبيِّن، وهذا الموضوعُ محتملٌ أن يكون مِمَّا حُمِلَ على لفظةِ «من» تارة في قوله: «يَسْتَنْكِف» [و «يَسْتَكْبِر» ] فذلك أفرد الضمير، وعلى معناها أخرى في قوله: «فَسَيحْشُرُهُم» ولذلك جمعهُ، ويحتمل أنه أعاد الضمير في «فَسَيحْشُرُهُم» على «مَنْ» وغيرها، فيندرجُ المستنكفُ في ذلك، ويكون الرابطُ لهذه الجملةِ باسم الشرط العمومَ المشارَ إليه، وقيل: بل حَذَفَ معطوفاً لفَهْم المعنى، والتقديرُ: فسيحشُرُهُمْ، أي: المُسْتنكفينَ وغيرَهُمْ، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] ، أي: والبَرْدَ.

و «جَميعاً» حالٌ، أو تأكيد عند مَنْ جعلها ك «كُلّ» وهو الصحيح، وقرأ الحسن: «فَسَنحْشُرهُمْ» بنونِ العظمة، وتخفيف باء «فَيُعَذِبُهُمْ» ، وقرئ «فَسَيَحْشِرُهُمْ» بكسر الشين، وهي لغةٌ في مضارع «حَشَرَ» .

وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الذين﴾ : قد تقدَّم الكلامُ على نظيرتها، ولكن هنا سؤالٌ حسنٌ قاله الزمخشريُّ وهو: «فإن قلت: التفصيل غير مطابقٍ للمفصَّلِ؛ لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصَّلُ على فريق واحد، قلتُ: هو مثلُ قولك:» جَمَعَ الإمَامُ الخوارجَ: فمن لم يخرجْ عليه، كساه حُلَّةً، ومن خَرَجَ عليه، نَكَّلَ به «وصحةُ ذلك؛ لوجهين:

أحدهما: أن يحذف ذكرُ أحد الفريقين؛ لدلالةِ التفصيل عليه؛ ولأنَّ ذكرَ أحدهما يدلُّ على ذكر الثاني؛ كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عَقِيبَ هذا: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ﴾ [النساء: 175] .

والثاني: وهو أن الإحسانَ إلى غيرهم مما يَغُمُّهُم؛ فكان داخلاً في جملة التنكيلِ بهم، فكأنه قيل: ومن يَسْتَنْكِف عن عبادته ويَسْتكبرْ فسيعذبُهُم بالحَسْرة، إذا رأوْا أجُورَ العاملين، وبما يصيبُهُم من عذاب الله» . انتهى، يعني بالتفصيل قوله: «فأمَّا» و «أمَّا» ، وقد اشتمل على فريقين، أي: المثابين والمعاقبين، وبالمفصَّل قوله قبل ذلك: «وَمَن يَسْتَنْكِفْ» ، ولم يشتمل إلا على فريقٍ واحدٍ هم المعاقَبُون.

فصل

بيَّن ثواب الَّذِين آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَات أنه يُوَفِّيهم أجُورَهم، ويزيدهُم من فَضْلِه من التَّضعِيف ما لا عيْنٌ رأتْ، ولا أذنٌ سَمِعَت، ولا خطر على قَلْب بَشَر.

قوله: ﴿وَأَمَّا الذين استنكفوا واستكبروا﴾ عن عبادته ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ .

وقدم ثواب المُؤمنين على عقاب المسْتَنْكِفِ لأنَّهم إذا رَأوْا ثواب المُطيعين، ثم شَاهَدُوا بعده عقاب أنفسهم، كان ذلك أعْظَم في الحسرة.

4:174Page 105

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا ١٧٤

O mankind, there has come to you a conclusive proof from your Lord, and We have sent down to you a clear light.1

لما أوْرَد الحُجَّة على جميع الفرق من المُنَافِقِين والكُفَّار واليَهُودِ والنَّصَارَى، وأجَابَ عن شُبُهَاتِهِم عمم الخطاب، ودعا جميع النَّاس إلى الاعْتِرَافِ بِرِسَالةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ن والمراد بالبُرْهَان: محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، وسُمِّي بُرْهَاناً؛ لأن حِرْفَتَهُ إقامَة البُرْهَان على تحْقِيق الحقِّ، وإبْطَال البَاطِل، والنُّور المُبينُ هو القُرآن؛ لأنه سَبَبٌ لوُقُوع نُور الإيمانِ في القَلْبِ.

قوله تعالى: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه مُتَعَلِّق بمَحْذُوفٍ، لأنه صِفَةٌ ل «بُرْهَان» أي: بُرْهَانٌ كائِنٌ من ربكم، و «مِنْ» يجُوز أن تكُون لابتداء الغَايَةِ مَجَازاً أو تَبْعِيضيَّة، أي: من بَرَاهِينِ رَبِّكُم.

والثاني: أنه مُتَعَلِّقٌ بنفس «جَاءَ» ، لابتداء الغَايَةِ كما تقدَّم.

4:175Page 105

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ١٧٥

So those who believe in Allāh and hold fast to Him - He will admit them to mercy from Himself and bounty and guide them to Himself on a straight path.

فالمُراد: أنهم امتنعُوا به من زَيْغِ الشَّيْطَانِ، ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ﴾ .

فصل

قال ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: المراد بالرَّحْمَةِ الجَنَّة، وبالفَضْلِ: ما يَتَفَضَّل به عليْهِم بمَا لا عَين رَأتْ، ولا أذُن سَمِعَتْ، [ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشر] .

﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ .

قوله عزَّ وجَّل: ﴿صِرَاطاً﴾ : مفعولٌ ثان ل «يَهْدِي» ؛ لأنه يتعدَّى لاثنين؛ كما تقدم تحريره، وقال جماعةٌ منهم مَكِّيٌّ: إنه مفعولٌ بفعْلٍ محذوف دلَّ عليه «يَهْدِيهم» ، والتقدير: «يُعَرِّفُهُمْ» . وقال أبو البقاء قريباً من هذا إلا أنه لم يُضْمِرْ فعلاً، بل جعله منصوباً ب «يَهْدِي» على المعنى؛ لأنَّ المعنى يُعرِّفُهُم، قال مكيٌّ في الوجه الثاني: «ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً ل» يَهْدِي «، أي: يَهْدِيهِم صِرَاطاً مستقيماً إلى ثوابه وجزائه» قال شهاب الدين: ولم أدْرِ لِمَ خَصَّصُوا هذا الموضِعَ دُونَ الذي في الفاتِحَةِ [الآية: 3] ، واحتاجوا إلى تقدير فعل، أو تضمينه معنى «يُعَرِّفُهُمْ» ؟ وأجاز أبو عليٍّ أن يكون منصوباً على الحال من محذوف؛ فإنه قال: «الهاءُ في» إليه «راجعةٌ إلى ما تقدَّم من اسم الله، والمعنى: ويَهْديهم إلى صراطه، فإذا جعلنا» صِرَاطاً مُسْتَقِيماً «نصباً على الحالُ، كانت الحالُ من هذا المحْذُوفِ» . انتهى، فتحصَّل في نصبه أربعةُ أوجه:

أحدها: أنه مفعول ب «يَهْدِي» من غير تضمين معنى فعل آخر.

الثاني: أنه على تضمين معنى «يُعَرِّفُهُمْ» .

الثالث: أنه منصوبٌ بمحذوفٍ.

الرابع: أنه نصبٌ على الحال، وعلى هذا التقدير الذي قدَّره الفارسيُّ تقْرُبُ من الحالِ المؤكِّدة، وليس كقولك: «تَبَسَّمَ ضَاحِكاً» ؛ لمخالفتِها لصاحبها بزيادة الصفةِ، وإن وافقته لفظاً، والهاءُ في «إلَيْهِ» : إمَّا عائدةٌ على «الله» بتقدير حذفِ مضافٍ؛ كما تقدَّم من نحو: «ثواب» أو «صِرَاطه» ، وإمَّا على الفضلِ والرحمة؛ لأنهما في معنى شيء واحد، وإما عائدةٌ على الفضل؛ لأنه يُراد به طريقُ الجنان.

قوله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском