Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:33–35
4:33Page 83
وَلِكُلّٖ جَعَلۡنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَـَٔاتُوهُمۡ نَصِيبَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٣٣
And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share.1 Indeed Allāh is ever, over all things, a Witness.
«جعلنا» فيه سِتَّةُ أوْجُهٍ، وذلك يَسْتَدْعِي مقدِّمَةً قبله، وَهُوَ أنّ «كُلّ» لا بدَّ لَهَا مِنْ شَيْءٍ تُضَافُ إليْهِ.
قال القُرْطُبِيُّ: «كُلّ» في كلام العربِ مَعْناهَا: الإحَاطَةُ والعموم، فإذا جَاءَتْ مُفْرَدَة، فلا بدَّ وأن يكُونَ في الكَلاَمِ حَذْفٌ عند جميع النحويين «.
واختلفوا في تقديرهِ: فقيل تقدِيرُهُ: ولكلِّ إنسان.
وقيل: لِكُلِّ مال، وقيل: لِكُلِّ قوم، فإنْ كانَ التَّقْديرُ: لكل إنسان، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدُهَا: وَلِكُلِّ إنسانٍ موروثٍ جعلنا موالي، أي: وُرَّاثاً مِمَّا تَرَكَ، ففي» تَرَكَ «ضميرٌ عائد على» كُلّ «، وهنا تمّ الكلام.
وقيل: تَقْدِيرُهُ: ويتعلق» مِمَّا تَرَك «ب» مَوَالي «لما فيه من معنى الوراثة، و» موالي» : مَفْعُولٌ أوَّ ل «جَعَلَ» ، و «جَعَلَ» بمعنى: «صَيَّر» ، و «لِكُلّ» جار ومجرور هو المفعول الثَّاني، قُدِّم على عامِلِهِ، ويرتفع» الوِلْدَان «على خبر مبتدأ محذوف، أو بفعل مقدّر، أي: يرثون مما [ترك] ، كأنه قيل: ومَنْ الوارثُ؟ فقيل: هم الوَالِدَان والأقْرَبُون، والأصل:» وجعلنا لكل ميت وراثاً يرثون مما تركه هم الوالدان والأقربون «.
والثَّانِي: أنَّ التَّقديرَ: ولكلِّ إنْسَانٍ موروث، جعلنا وراثاً مما ترك ذلك الإنسان. ثُمَّ بين الإنْسَان المضاف إليه» كُلّ «بقوله: ﴿الوالدان﴾ ، كأنه قيل: ومن هو هَذَا الإنسان الموروث؟ فقيل: الوالدان والأقربُونَ، والإعراب كما تقدَّمَ في الوَجْهِ قَبْلَهُ، إنَّمَا الفرقُ بينهما أنَّ الوالِدَيْنِ في الأوَّلِ وارثون، وفي الثانِي مورثون، وعلى هذيْنِ الوجْهَيْنِ فالكلامُ جُمْلَتَانِ، ولا ضميرَ، محذُوف في» جعلنا» ، و «موالي» مفعول أول، و «لكل» مفعول ثان.
الثَّالِثُ: أن يكُونَ التَّقدِيرُ: ولكل إنسان وارِث ممَّن تركُ الولِدَانِ والأقْرَبُون جعلنا موالي، أي: موروثين، فَيُراد بالمَولى: الموْرُوثُ، ويرتفع» الوالدان «ب:» ترك» ، وتكون» مَا «بمعنى» مَنْ» ، والجارّ، والمجرورُ صِفَةٌ للمضاف إليه «كُلّ» ، والكلامُ على هذا جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، وفي هذا بُعْدٌ كبير.
الرَّابعُ: إذا كان التَّقديرُ وَلِكلِّ قوْمٍ، فالمعنى: ولكل قوم جعلنهم مَوَالي نصيبٌ مِمَّا تَرَكَهُ والدُهم وأقربوهم، ف» لكل «خبر مقدّم، و» نَصِيب» مُبْتَدَأٌ مُؤخَّرٌ، و «جعلناهم» صفة لقوم، والضَّمِيرُ العَائِدُ عليهم مفعولُ: «جعل» ، و «موالي» : إما ثانٍ وإمّا حالٌ، على أنَّهَا بمعنى «خلقنا» ، و «مما ترك» صفةٌ للمبتدأ، ثم حُذف المُبْتَدَأ، وبقيت صفته، [وحُذِفَ المُضَافُ إليه» كُلّ «وبقيت صفته أيضاً] ، وحُذف العَائِدُ على المَوْصُوفِ.
ونظيره: لِكُلِّ خَلَقَهُ اللَّه إنْسَاناً مِنْ رِزْقِ اللَّه، أي: لِكُلِّ أحدٍ خلقه اللَّه إنْسَاناً نَصِيبٌ من رزقِ اللَّهِ.
الخَامِسُ: إنْ كَانَ التَّقدِيرُ: ولكلِّ مالٍ، فقالوا: يكون المعنى: ولكلِّ مال مِمَّا تركه الوالدانِ والأقربون جعلنا موالي، أي: وُرَّاثاً يلونه، ويحوزونه، وجعلوا» لِكُلّ» متعلقة: ب «جَعَلَ» ، و «مِمَّا ترك» صفة ل «كُلّ» ، والوالدان فَلعِلٌ ب «تَرَكَ» ، فيكونُ الكلامُ على هذا، وعلى الوجهين قبله كلاماً واحداً، وهذا وإنْ كَانَ حَسَناً، إلاّ أنَّ فيه الفَصْلَ بين الصِّفَةِ والموْصُوفِ بجملةٍ عامِلَةٍ في الموْصُوفِ.
قاتل أبُو حَيَّان: «وهو نظير قولك: بكلِّ رَجُلٍ مَرَرْتُ تميميٍّ وفي جواز ذلك نَظَرٌ» .
قال شهَابُ الدِّينِ: «ولا يحتاجُ إلى نَظَرٍ؛ لأنَّهُ قد وُجِدَ الفصلُ بَيْنَ الموْصُوفِ والصِّفَةِ بالجملةِ العَامِلَةِ في المُضَافِ إلى المَوصُوفِ، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السماوات والأرض﴾ [الأنعام: 14] ف ﴿فَاطِرِ﴾ صفة ل ﴿الله﴾ ، وقد فُصِلَ [بينهما] ب ﴿أَتَّخِذُ﴾ العامل في ﴿أَغَيْرَ﴾ فهذا أولى» .
السَّادسُ: أنْ يكُونَ لكلِّ [مال] مفعولاً ثانياً ل «جعَلَ» على أنَّها تصييرية، و «مَوَالي» مفعول أوَّل، والإعرابُ على ما تقدَّمَ.
فصل
«المَولى» لفظ مُشْتَرَكٌ بيْنَ مَعَانٍ:
أحدها: المعتِقُ؛ لأنَّهُ ولي نعمة من أعتقه، ولذلك سمي مولى النعمة. ثانيها: الْعَبْدُ المُعْتَقُ لاتِّصَالِ ولايَةِ مَوْلاَهُ به في إنْعَامِه عليه، وهذا كما سُمِّيَ الطَّالِبُ غرِيماً؛ لأنَّ له اللُّزُوم والمطالبة بحقِّه، ويسمَّى المطلوب غريماً، لِكونِ الدِّينِ لازِماً له.
وثالثها: الحليفُ؛ لأنَّ المحالف يلي أمْرَهُ بِعَقْدِ اليَمينِ.
ورابعُهَا: ابْنُ العَمِّ؛ لأنَّهُ يليه بالنُّصْرَةِ.
وخامسها: المولى لأنَّ يليه بالنُّصْرَةِ، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين آمَنُواْ وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ﴾ [محمد: 11] .
سادسُهَا: العَصَبَةُ، وهو المُرادُ بهذه الآية؛ لقوله عليه السلامُ: «أنا أوْلَى بالمؤمنينَ، مَنْ مَات وتَرَكَ مالاً، فَمَالُهُ لمَوَالِي الْعَصَبَةِ، ومَنْ ترك ديناً؛ فأنَا وَلِيُّه» .
وقال عليه السلامُ: «ألْحِقُوا الفَرَائِضَ بأهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فللأوْلَى عصبَةٍ ذكر» .
قوله ﴿والذين عَقَدَتْ﴾ في محلّهِ أربعة أوجهٍ:
أحدُهَا: أنَّهُ مُبْتدأ والخبر قوله: «فآتوهم» [ودخلت الفاء في الحيز لتضمن الذي معنى الشرط] .
الثَّاني: أنَّهُ منصوبٌ على الاشْتِغالِ بإضمار فعلٍ، وهذا أرجحُ مِنْ حَيْثُ إنَّ بَعْدَهُ طلباً.
والثَّالِثُ: أنَّهُ مرفوعٌ عطفاً على ﴿الوالدان والأقربون﴾ ، فإن أريدَ بالوالدين أنَّهُم موروثون، عادَ الضَّميرُ من «فآتوهم» على «موالي» وإن أُريد أنَّهُم وَارِثُون جازَ عودُه على «موالي» وعلى الوالدَيْنِ وما عُطِفَ عليهم.
الرَّابِعُ: أنَّهُ منصوب عطفاً على «موالي» .
قال أبُو البَقَاءِ: [أي:] «وجعلنا الذين عاقدتْ وُرّاثاً؛ وكان ذلك ونسخ» ، وردّ عليه أبُو حَيَّان بِفَسَادِ العطْفِ، قال: فإن جُعِل من عطْفِ الجُمَل، وحُذِفَ المفعولُ الثَّاني لدلالة المعنى عليه أمكن ذلك أيْ: جعلنا وُرَّاثاً لكلِّ شَيْءٍ من المال، أو لِكُلِّ إنسان، وجَعلنَا الذِينَ عاقَدَتْ أيمانكم وراثاً وفيه بعد ذلِكَ تَكَلُّفٌ.
انتهى.
وقرأ عاصمٌ وحمْزَةُ والكسَائِيُّ: «عقدت» والباقون: «عاقدت» بألف وروي عن حمزة التَّشديد في «عقدت» ، والمفاعلة هنا ظَاهِرَةٌ؛ لأنَّ المَرَادَ المخالفة.
والمفعولُ محذوفٌ على كُلٍّ من القِرَاءاتِ، أي: عاقدْتَهم أو عَقَدْتَ حِلْفهم، ونسبة المُعاقَدَةِ، أو العَقْدِ إلى الأيمان مجاز، سوَاءٌ أُريد بالأيْمَانِ الجَارِحَة، أم القَسمُ.
وقيل: ثمَّ مُضافٌ محذوفٌ، أي: عقدت ذَوُو أيْمَانِكُم.
فصل في: «معنى المعاقدة والأيمان»
المُعَاقَدَةُ المُحالَفَةُ، والأيْمَانُ جمع يَمينٍ من اليد والقسَمِ، وذلك أنَّهُم كانُوا عند المُحالَفَةُ يأخذُ بعضهُمُ يدَ بَعْضٍ، على الوفَاءِ [والتمسك] بالعهد.
فصل الخلاف في نسخ الآية
قال بعضهم: إنَّ هذه الآية مَنْسُوخَةٌ، واسْتدلُّوا على ذلك بوجوه:
أحدها: أنَّ الرَّجُلَ كان في الجاهلِيَّةِ يُعَاقِدُ غيْرَهُ، فيقُولُ: «دَميَ دمُكَ وسِلْمِي سِلْمُك، وَحَرْبِي حَرْبُكَ، وترثُنِي وَأرِثُك، وَتَعْقِلُ عَنِّي، وأعْقِلُ عنك» ، فيَكُونُ لهذا الحليف السّدس [من] الميراثِ، فذلك قوله: «فآتوهم نصيبهم» ، فنُسِخ ذلك بقوله: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ [الأنفال: 75] ، وبقوله: ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ﴾ [النساء: 11] .
وثانيها: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يتَّخِذُ أجنبياً فيجعله ابْناً له، وَهُمُ المُسَمُّوْنَ بالأدْعِيَاء في قوله تعالى: ﴿أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾ ، وكانوا يتوارثون بذلك، ثم نُسِخَ.
وثالِثُهَا: أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يُثْبِتُ المؤاخاة بيْنَ الرَّجلين مِنْ أصحابِهِ، وكان ذلك سَبَباً للِتَّوَارُثِ، ثم نسخ.
وقال آخرُونَ: الآيةُ غير مَنْسُوخَةٍ.
وقال إبْراهيمُ ومُجاهِدٌ: أرادَ: «فآتوهم نصيبهم من النصر والرفادة ولا ميراث» .
وقال الجبَّائِيُّ: تقدير الآية: «ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون» ، «والذين عاقدت أيمانكم» معطوف على قوله: «الوالدان والأقربون» ، وسمى اللَّهُ تعالى الوارث مولى، والمعنى: لا تَدفعُوا المالَ إلى الحليفِ، بل للمولى، والْوَارِثِ.
وقال آخرون: المُرادُ ب «الذين عاقدت أيمانكم» الزَّوْجُ، والزَّوْجَةُ، فأراد عقد النِّكاح قال تعالى ﴿وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح﴾ [البقرة: 235] وهو قول أبِي مُسْلِم الأصفهانيَّ قال: ونظيره آية المواريث، لما بَيَّنَ آية ميراث الوالدَيْنِ، ذكر معهم ميراثَ الزَّوْجِ، والزَّوْجَةِ.
وقيل: أراد بقوله: «الذين عاقدت أيمانكم» : الميراث بِسَبَبِ [الوَلاَء] وقيل: «نزَلَتِ الآيةُ في أبِي بكرٍ الصِّدِّيق، وابنه عبد الرَّحْمن، أمره اللَّه أن يؤتيه نَصِيبَهُ» .
وقال الأصمُّ: المُرادُ بهذا النَّصِيب على سبيل الهِبَةِ، والهديَّة بالشيءِ القَلِيلِ كأمره تعالى لمن حَضَرَ القِسمَةَ أن يجعل لَهُ نصيباً كما تقدّم.
فصل الخلاف في إرث المولى الأسفل من الأعلى
قال جمهور الفُقَهَاءِ: «لا يَرثُ المَولى الأسْفَل من الأعلى» .
وحكى الطَّحَاوِيُّ عن الحسن بنِ زيادٍ أنَّهُ قال: «يَرِثُ» ، لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنَّ رجُلاً أعتق عبداً له؛ فَمَاتَ المُعْتِق، ولم يترك إلا المُعتَق، فجعل رسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ميراثه للغلام المعتق ولأنَّهُ داخلٌ في عموم قوله: «والذين عاقدت أيمانهم فآتوهم نصيبهم» .
وأجيب بأنه لَعَلّ ذلك لما صار لبيت المال دفعه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى الغُلامِ لحاجته، وفقره؛ لأنه كانَ مالاً لا وارث لَهُ، فَسَبيلُهُ أن يُصرف إلى الفُقَرَاءِ.
ثم قال تعالى [ ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] ثم قال] ﴿إِنَّ الله كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ ، وهذه كلمة وعد للمطيعين، ووعيد لِلْعُصَاةِ، والشَّهِيدُ الشَّاهد، والمرادُ إمّا علمه تعالى بجميع المَعْلُومَاتِ، فيكونُ المُرَادُ بالشَّهيدِ العالم، وإمّا شهادته على الخلق يَوْمَ القِيامَةِ، فالمُرَادُ بالشَّهيدِ المخبر.
4:34Page 84
ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا ٣٤
Men are in charge of women1 by [right of] what Allāh has given one over the other and what they spend [for maintenance] from their wealth. So righteous women are devoutly obedient, guarding in [the husband's] absence what Allāh would have them guard.2 But those [wives] from whom you fear arrogance3 - [first] advise them; [then if they persist], forsake them in bed; and [finally], strike them [lightly].4 But if they obey you [once more], seek no means against them. Indeed, Allāh is ever Exalted and Grand.
وجه النَّظْم: أنَّ النِّسَاءَ لمّا تَكلَّمْنَ في تَفْضيل [الله] الرِّجال عليهن في الميراثِ؛ بيَّن في هذه الآيَةِ أنَّهُ إنَّمَا فضَّل الرِّجَال على النِّسَاءِ في الميراث؛ لأنَّ الرِّجالَ قوَّامون على النساء؛ فهم وإن اشْترَكُوا في اسْتِمْتَاعِ كُلّ واحدٍ منهم بالآخر، فاللَّهُ أمَرَ الرِّجَالَ بالْقِيَامِ عليهنَّ والنفقة، ودفع المَهْرِ إليهنَّ.
وَالْقَوَّامُ، والقَيِّمُ بمعنى واحد، والقوام أبْلَغُ، وهو القيم بالمصالح، والتَّدْبِيرِ، والتَّأدِيبِ، والاهتمام بالْحِفْظِ.
قال مُقَاتِلٌ: «نزلت في سَعْد بْنِ الرَّبيعِ، وكان من النقباء وفي امرأته حبيبةَ بِنْتِ [زَيْدِ ابْنِ خارجة بن أبي زهير] .
وقال ابْنُ عَبَّاس، والكلْبِيُّ:» امرأته عَميرَةُ بِنْتُ محمد بْن مَسْلَمةَ، وذلك أنَّها نَشَزَتْ عليه، فَلَطَمَهَا فانْطلقَ أبُوها معها إلى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: أفَرْشْتُهُ كريمَتِي فلطمَهَا، وإنَّ أثَرَ اللَّطْمَةِ بَاقٍ في وَجْهِهَا، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: اقتصِّي منه ثم قال: اصبري حتى أنظر، فنزلت هذه الآية، فقال النبي عليه السلام: أردْنَا أمراً، وأرَادَ اللَّهُ أمْراً، والَّذِي أرَادَ اللَّهُ خَيْر، ورَفَعَ الْقِصَاصَ» .
قوله: ﴿عَلَى النِّسَآءِ﴾ متعلق ب ﴿قَوَّامُونَ﴾ وكذا» بما «والباء للسَّبَبيَّةِ، ويجوز أن تكُونَ لِلْحَالِ، فتتَعلَّق بِمحذُوفٍ؛ لأنَّهَا حَالٌ من الضَّميرِ في ﴿قَوَّامُونَ﴾ تقديره: مُسْتَحِقِّينَ بتفضيل اللِّهِ إيَّاهُمْ، و» مَا» مَصْدَريَّةٌ، وقيل: بمعنى الَّذِي، وهو ضعيفٌ لحذف العائِدِ من غَيْرِ مُسَوِّغ.
والبعضُ الأوَّلُ لمُرادُ به الرِّجالُ، والبَعْضُ الثَّاني: النسَاءُ، وعَدلَ عَنِ الضَّميريْن فلم يَقُل: بما فَضَّلَهم اللَّهُ عَلَيْهِنَّ، للإبهام الذي في بَعْض.
فصل في دلالة الآية على تأديب النساء
دَلَّت الآيةُ عَلَى تأديبِ الرِّجَالِ نساءهم، فإذا حفظن حقوق الرجال، فلا ينبغي أن يسيء الرجل عشرتها.
فصل
اعلم أن فضل الرجال على النِّسَاءِ من وُجُوهٍ كثيرةٍ؛ بعضها صفات حقيقيَّة , وبعضها أحْكَامٌ شرْعيَّةٌ , فالصِّفَاتُ الحقيقيَّة [أن] عُقُولَ الرِّجَالِ وعُلُومَهُم أكْثَر، وقُدْرَتهم على الأعْمَالِ الشَّاقَّة أكْمَل، وفيهم كذَلِكَ من الْعَقْلِ والْقُوَّةِ والكِتَابَةِ في الغالب والفُرُوسيَّةِ، والرَّمْي، وفيهمُ العُلَمَاءُ، والإمَامَةُ الكُبْرَى [والصغرى] ، والجهادُ والأذانُ، والخطبةُ، والجمعةُ، والاعْتِكَافُ، والشَّهَادَةُ على الحدود والقِصَاص، وفي الأنْكِحَةِ عند بعضِهِم، وزيادة نصيب الميراث، والتَّعْصيب، وتحمل الدِّية في قتل الخَطَأ، وفي القَسَامَةِ، وفي ولايةِ النِّكَاحِ، والطَّلاقِ، والرَّجْعَةِ، وعَدَدِ الأزْوَاجِ، وإليهم الانتساب.
وأمّا الصِّفَاتُ الشَّرعيَّةُ فقوله تعالى: ﴿وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ والمرادُ: عطية المَهْرِ، والنَّفَقَة عليها، وكُلُّ ذلك يَدُلُّ على فَضْل الرِّجَالِ على النِّسَاءِ.
قوله تعالى: ﴿وَبِمَآ أَنْفَقُواْ﴾ يَتَعَلَّقُ بما تَعَلَّق به الأوَّلُ، و «مَا» يَجُوزُ أنْ تكُونَ بمعنى» الّذِي «من غير ضَعْفٍ؛ لأنَّ للحذف مسوِّغاً، أي:» وبما أنفقوه من أموالهم» .
﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ متعلّق ب ﴿أَنْفَقُواْ﴾ ، أو بمحذوف على أنَّهُ حال من الضَّمير المحذُوف.
فصل
قال القُرْطبِيُّ: قوله: ﴿وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ يدلُّ على أنَّهُ متى عجز عن نَفَقَتِهَا، لم يَكُن قوَّاماً عليها [وإذا لم يكن قوّاماً] كان لها فَسْخُ العَقْدِ؛ لزوال المَقْصُودِ الَّذي شُرع لأجْلِهِ النِّكَاحُ، فدلَّ ذلك على ثبوت فَسْخِ النِّكَاحِ عند الإعسار بالنَّفَقَةِ، والكِسْوَةِ، وهذا مَذْهَبُ مَالِكٍ والشَّافعيّ، وأحْمدَ.
وقال أبو حنيفة: لا يُفْسَخُ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] .
قوله: ﴿فالصالحات قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ الله﴾ ] «الصَّالحات» مبتدأ، وما يَعْدَهُ خبران لَهُ، و «للغيب» مُتعلِّق ب «حَافظاتٌ» و «أل» في «الغيب» عوض من الضَّميرِ عند الكُوفييِّنَ كقوله: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: 4] ، أي: رأسي وقوله: [البسيط]
1791 - ب - لميَاءُ في شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لَعَسٌ ... وَفِي اللِّثَاتِ وفِي أنْيَابِهَا شَنَبُ
أي: لثاتها.
والجمهور على رفع الجلالةَ من ﴿حَفِظَ الله﴾ وفي «مَا» على هذه القراءة ثلاثَةُ أوْجُه:
أحدُهَا أنَّهَا مَصْدَريَّةٌ، والمعنى: بحظ اللَّه إيَّاهُنَّ أي: بتوفيقه لهن، أو بالوصيَّةِ منه تعالى عليهنَّ.
والثاني: أن تكُونَ بمعنى الذي، والعَائِدُ محذوفٌ، أي: بالَّذي حفظه اللَّهُ لَهُنَّ مِنْ مُهُورِ أزواجهِنَّ، والنّفقة عليهن، قاله الزَّجَّاجُ.
والثَّالِثُ: أن تكُونَ «مَا» نكرة موصوفة، والعَائِدُ محذوفٌ أيضاً، كما تقرَّرَ في المَوْصُولَةِ، بمعنى الَّذِي.
وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بنصب الجَلاَلَةِ. وفي «مَا» ثلاثة أوجه أيضاً:
أحدُهَا: أنَّها بمعنى الَّذِي.
والثَّانِي: [أنها] نكرةٌ موصُوفَةٌ، وفي ﴿حَفِظَ﴾ ضمير يعُودُ على [ «ما» ] أي: بما حفظ من البرِّ والطَّاعَةِ، ولا بدّ من حَذْفِ مضافٍ تقديره: بما حَفِظَ دين اللَّه، أو أمر اللَّه؛ لأنَّ الذَّات المقدَّسة لا يحفظها أحَدٌ.
والثَّالِثُ: أنْ تكُونَ «مَا» مَصْدريَّة، والمعنى: بما حفظن اللَّه في امتثال أمره، وَسَاغَ عَوْدُ الضَِّميرِ مُفْرَداً على جَمْعِ الإنَاثِ؛ لأنَّهُنَّ في معنى الجنس كأنه قيل: «فمن صلح» فَعَاد الضَّميرِ مُفْرداً بهذا الاعتبارِ، ورُدَّ هذا الوجه بِعَدَمِ مُطَابَقَةِ الضَّميرِ لما يعودُ عليه وهذا جوابه، وجعله ابْنُ جِنّي مثل قول الشَّاعِرِ: [المتقارب]
1792 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... فإنَّ الحَوَادِثِ اوْدَى بِهَا
أي: أوْدَيْنَ، وَيَنْبَغِي أن يُقَالَ: الأصْلُ بما حفظت الله، والحوادث أوْدَتْ، لأنَّهَا يَجُوزُ انْ يَعُودَ الضَّميرُ عَلَى [جمع] الإنَاثِ كَعَوْدِهِ عَلَى الوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ، تقول: النِّسَاءُ قَامَتْ، إلاَّ أنَّهُ شَذَّ حذفُ تَاءِ التَّأنيثِ مِنَ الْفِعْلِ المُسْندِ إلى ضَميرِ المُؤنَّثِ.
وقرأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودِ - وهي في مُصْحَفِهِ كَذَلِكَ - «فالصالح قوانت حوافظ» بالتكسير.
قال ابْن جني: وهي أشْبَهُ بالمَعْنَى لإعطائِهَا الكَثْرَة، وَهِيَ المَقْصُودَةُ هُنَا، يعني: أن «فَوَاعِل» من جُمُوعِ الكَثْرَةِ، وجمع التَّصحيح جمع قلَّةٍ، ما لم تَقْتَرِنْ بالألف واللاَّمِ. وظاهِرُ عِبَارَةَ أبِي البَقَاءِ أنه لِلقِلَّةِ، وَإنْ اقْتَرَنَ ب «أل» فإنَّهُ قال: وجمع التَّصحيح لا يدلّ على الكثرة بوضعِهِ، وقد استعمل فيها كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الغرفات آمِنُونَ﴾ [سبأ: 37] .
وفيما قالهُ [أبُو الفتح] وأبُو البقاءِ نَظَرٌ، فإنَّ «الصَّالِحات» في القراءةِ المَشْهُورَةِ مُعَرَّفَةٌ بِأل، وقَد تَقَدَّمَ أنَّه تكُونُ لِلْعُمُومِ، إلاَّ انَّ العموم المفيد للكثرة، ليس مِنْ صيغَةِ الجَمْعِ، بل مِنْ «ألْ» ، وإذا ثَبَتَ أن «الصَّالِحَاتِ» جمع كَثْرَةٍ، لَزِمَ أنْ يكُونَ «قَانِتَات» و «حَافِظَات» للكثرة؛ لأنَّهُ خبرٌ عن الجميعِ، فَيُفِييدُ الكَثْرَةَ، ألا تَرَى أنَّكَ إذا قلت: الرِّجَالُ قَائِمُونَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرِّجَالِ قَائِماً، ولا يجوز أن يكُونَ بعضُهم قاعداً، فإذاً القراءةُ الشَّهيرةُ وافيةٌ بالْمعنى [المقصود] .
فصل
قال الواحديُّ: لفظ القنُوتِ يُفيدُ: الطَّاعَةَ، وَهُوَ عَامٌّ في طَاعَةِ اللهِ، وطاعة الأزْوَاجِ، وما حَالُ المرأةِ عِنْدَ غَيْبَةِ الزَّوْجِ فقد وصفها اللهُ بقوله: ﴿قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾ ، واعْلَمْ أنَّ الغيب، خلاف الشَّهَادَةِ، والمعنى: كَوْنُهنَّ حافِظَاتٌ بموجب الغَيْب، وهو أنْ تَحْفَظَ نَفْسَهَا عن الزِّنَا؛ لئلا يلحق الزَِّوْج الغَائب عار الزِّنَا، ويلحق به الوَلَد المتكون من نُطْفَةِ غيرِهِ، وتحفظ ماله لئلا يضيع، وتحفظ مَنْزِلَهُ عَمَّا لا يَنْبَغِي، قال عليه السَّلامُ: «خَيْرُ النِّسَاءِ امرأةٌ إن نَظَرَتْ إلَيْهَا سَرَّتْكَ، وَإنْ أمرتها أطاعَتْكَ، وإنْ غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ في مَالِكَ ونفسها» وتلا هذه الآية.
قوله: ﴿واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ لما ذكر الصالحات ذكر بعده غير الصّالحات فقال: «واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهنّ» والخَوْفُ عِبَارَةٌ عَن حَالَةٍ تَحْصُلُ في القَلْبِ، عند حُدُوثِ أمر مَكْرُوهٍ في المُسْتَقْبل.
قال الشَّافِعيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: دَلالَةُ النُّشوُزِ قَدْ تكُونُ قَوْلاً، وقد تكُونُ فِعْلاً، فالقول مثل أن تلبيه إذا دَعَاهَا، وتخْضَعُ لَهُ بالقَوْلِ إذَا خَاطَبَهَا ثُم تغيَّرتْ، والفِعْلُ إن كَانَتْ تَقومُ إلَيْهِ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا، أوْ تُسارعُ إلى أمره وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها، ثم [إنها] تغيرت عَنْ كل ذلك، فهذه إمارَاتٌ دالةٌ على النُّشوزِ، فحينئذٍ ظنَّ نُشُوزهَا، فهذه المقدمَاتُ تُوجِبُ خَوْفَ النُّشُوزِ، وأمّا النشوز فهو مغصية الزَّوْج، وُخَالَفَتَهُ، وأصْلُهُ مِنْ قولهم: نَشَزَ الشَّيْئُ إذا ارتفع، ومنه يُقالُ للأرضِ المرتفعة: «نَشَزٌ» ، يُقَالُ: نَشَزَ الرَّجُلُ ينشِز [وينشُز] إذا كان قاعداً فَنَهض قَائِماً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انشزوا فَانشُزُواْ يَرْفَعِ الله﴾ [المجادلة: 11] ارتفعوا أو انهضوا إلى حرب أو أمر من أمور اللهِ تعالى.
وقال أبُو منْصُورٍ اللُّغَويُّ: «النُّشُوزُ كرَاهِيَةُ كُل واحد من الزَّوْجَيْنِ صاحِبَهُ، يقال: نَشَزَتْ تَنْشَزُ، فهي نَاشِزٌ بغير هاء، وهي السَّيِّئَةُ العِشْرَةِ» .
وقال ابْنُ دُرَيْدٍ: «نَشَزَتْ المرْأةُ، وَنَشَسَتْ، ونَشَصَتْ بمعنى واحد» .
قوله: «فعظوهنّ» ، أي: بالتخويف من الله تعالى، فَيُقَالُ: اتَّقي الله فإنَّ عليك حقًّا لي، وارجعي عمّا أنت عليه، واعْلَمِِي أنَّ طاعتي فرضٌ عليك، فإن أصرَّت على النُّشوزِ، فيهجرها في المَضْجَعِ.
قال ابْنُ عَبَّاسٍ «يوليها ظَهْرَهُ في الفِرَاشِ، ولا يُكَلِّمُها» .
وقال غيره: «يَعْتَزِلُ عَنْهَا إلى فِرَاشٍ آخر» .
قال الشَّافعيُّ: «ولا يزيد في هجره في الكلام على ثَلاثٍ، فإذَا هجرها في المَضْجَع، فإن كانت تَبْغَضُه، وافقها ذلك الهجران، فيكونُ ذلك دليلاً على كمال النُّشوزِ» .
ومنهم من حَمَلَ الهِجْرَانَ في المَضَاجِعِ على تَرْكِ المُبَاشَرَةِ.
وقال القرطبي: وقيل: اهْجرُوهُنَّ مِنَ الهُجْرِ، وهو القَبيحُ من الكَلاَمِ، أي: غلظُوا عليْهِنَّ فِي القَوْلِ، ضاجعوهن للجماع وغيره و [قال] معناه سفيان [الثَّوْرِي] ، وروي عن ابْن عَبَّاسٍ.
وقيل: شدّوهن [وثاقاً] في بيوتهن، من قولهم: هجر البعيرَ، أي: ربطه بالهجار، وهو حَبْلٌ يُشَدُّ به البعيرُ، وهذا اختِيارُ الطَّبري، وقدح في سائر الأقْوالِ، ورَدَّ عليه القاضِي أبُو بَكْرٍ بْن العَرَبِيّ وقال: «يا لها من هَفْوَة عالمٍ بالقرآن والسُّنَّةِ، والَّذي حملَهُ على [هذا] التأويلِ حديثٌ غريبٌ، رواه ابْنُ وهب عن مالكٍ: أنَّ أسْمَاءَ بنتَ أبي بكر الصّديق امرأةَ الزُّبَيْرِ بنِ العَوّامِ كانت قد نَشَرَتْ على زوجها فقد شعر واحدة بالأخْرَى ثم ضَرَبَهَا» الحديث.
فرأى الرَّبط والعقد، مع احْتِمَالِ اللَّفْظِ، مع فعل الزُّبَيْرِ، فأقدم على هذا التَّفْسيرِ «.
قال القرطبيُّ: وهذا الهَجْرُ غَايَتُهُ عِنْدَ العُلَمَاءِ شهر، كما فعل النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين أسَرَّ إلى حَفْصَة حديثاً، فأفشته إلى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -.
قوله: ﴿فِي المضاجع﴾ فيه وجهان:
أحدها: أنَّ» في «على بابها من الظرفيَّةِ متعلّق ب ﴿اهجروهن﴾ أي: اتركوا مضاجعتهن، أي: النَّوْمَ مَعَهُنَّ دون كلامِهِنَّ ومؤاكلتهنَّ.
والثَّاني: أنها للِسَّبَبِ. قال أبُو البقاءِ: ﴿واهجروهن﴾ بسبب المضاجع، كما تَقُولُ: في هذه الجِنَايَةِ عُقُوبَةٌ، وجعل مكي هذا الوجه مُتَعَيِّناً، ومنع الأول، قال: ليس ﴿فِي المضاجع﴾ ظرفاً للهجران، وإنَّمَا هو سَبَبٌ لِهِجْرَانِ التَّخَلُّفِ، ومعناه: فاهجروهنّ من أجل تخلفهن عن المُضاجَعَةِ معكم، وفيه نَظَرٌ لا يخفى.
وكلام الوحِدِي يُفْهِم أنَّهُ يجوزُ تعلُّقه ب ﴿نُشُوزَهُنَّ﴾ ، فإنه قال - بعدما حكى عن ابْنِ عَبَّاسٍ كلاماً -: والمعنى على هذا: «واللاتي تخافون نشوزهن في المضاجع» ، والكلامُ الذي حَكاهُ عن ابن عباس هو قوله: هذا كُلُّهُ في المَضْجَعِ، إذا هي عَصَتْ أن تَضْطَجِعَ مَعَهُ، ولكن لا يجوزُ ذلك؛ لئلاّ يلزمَ الفَصْلُ بين المَصْدَرِ ومعموله بأجنبيّ.
وقدّر بعضهم مَعْطُوفاً بعد قوله: «واللاتي تخافون» ، أي: واللاتي تخافون نشوزهن، ونَشَزْنَ، كأنَّهُ يريد أنَّهُ لا يجوُز. ُ الإقدام على الوَعْظِ، وما بعده بِمُجَرَّدِ الخَوْفِ.
وقيل: لا حَاجَةَ إلى ذلك؛ لأنَّ الخَوْفَ بمعنى اليقين [قال تعالى ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً﴾ [البقرة: 182] ، قال ابن عباسٍ: تخافون بمعنى تتيقّنون] ، وقيل: غلبة الظنِّ في ذلك كافِيَةٌ.
قوله: ﴿واضربوهن﴾ يعني: أنَّهُنّ [إن] لم ينزعن مع الهجران فاضربُوهُنَّ، يعني ضرباً غَيْرَ مُبَرَّحٍ، ولا شَائِنٍ.
قال عَطَاءٌ: «[هو] ضَرْب بالسِّواكِ» .
وقال عليه السَّلامُ في حقّ المرْأةِ:
«أنْ تُطْعِمَهَا إذَا طَعِمَتْ، وتكسوها إذا اكْتَسَيت، ولا تضرب الوَجْهُ، ولا تهجر إلاَّ في البَيْتِ» .
قال الشَّافِعيُّ: يكُونُ دون الأرْبَعينَ.
وقال بعضُهُم: لا يَبْلغُ به عِشْرِينَ، لأنَّهُ حدٌّ كامِلٌ في حَقّش العبد، ويكونُ بحيث لا يُفْضي إلى الهَلاَكِ، ويَكُونُ مفرقاً على بدنها، ولا تجوزُ الموالاة في مَوْضِعٍ واحدٍ، ويتقي الوجه.
قال بعضُ العُلَمَاءِ: يكُونُ الضَّرْبُ بمنديلٍ مَلْفُوفٍ، أو بِيَدِهِ، ولا يَضْرِبُهَا بالسِّياطِ، ولا بالعَصَا، وبالجملة فالتَّخفيفُ مراعى في هَذَا البَابِ.
قال الشَّافعيُّ: «الضَّرْبُ مُبَاحٌ وتركُهُ أفْضَلُ» .
واختلفوا: هل هذا الحُكْمُ على الترتيبِ، أم لا؟ قال عَلِيُّ بْنُ أبي طالبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: يَعِظُهَا بِلِسَانِهِ، فإنْ أبَتْ هَجَرَهَا فِي المَضْجَعِ [فإن أبتْ ضَرَبَهَا] ، فإن لم تَتَّعِظْ بالضَّرْبِ بَعَثَ الحكم [مِنْ أهْلِهِ] .
وقال آخرون: هذا الترتيب مراعى عند خَوْف النُّشُوزِ أمّا عند تحقق النشوز، فلا بأس بالجمع بين الكُلِّ.
قوله: « [فإن أطعنكم] فلا تبغوا عليهن سبيلاً» في نَصْبِ «سبيلاً» وجْهَانٍ:
أحدهما: أنه مفعول به.
والثَّانِي: أنَّهُ على إسْقَاطِ الخَافِضِ، وهذان الوَجْهَانِ مبنيان على تفسِير البَغْي هنا ما هو؟ فقيل: هو الظٌّلْمُ من قوله: ﴿فبغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: 76] ، فعلى هذا يَكُونُ لازِماً، و «سبيلاً» منصوب بإسْقَاطِ الخَافِضِ أي: كسبيل.
وقيل: هو الطَّلب، من قولهم: بَغَيْتُه، أي: طلبته، وفي ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ وجهان:
أحدهما: أنه متعلّق ب ﴿تَبْغُواْ﴾ .
والثَّاني: أنَّهُ مُتَعَلِّق بمحذوفٍ على أنَّهُ حالٌ من ﴿سَبِيلاً﴾ ، لأنه في الأصلِ صفة النكرة قُدِّم عليها.
فصل
قال بعضُهُم: معناه: لا تتجنّوا عليهنَّ بقولٍ، أو فِعْلٍ. قال ابْنُ عيينَةَ لا تكِّفوهُنَّ محبتكم، فإنَّ القلب ليس بأيديهن، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ مُتعلياً عن أنْ يكلّف العبادَ ما لا يُطيقُونَهُ، فلذلك لا تُكلفوهنّ محِبَتَكُم، فإنهن لا يطقنَ ذِلكَ.
وقيل: إنَّهُ مع عُلُوِّهِ، وكبريائه لا يُؤاخِذُ العَاصي إذَا تَابَ، فأنتم أولى إذا تابت المرأةُ من نُشُوزِهَا بأن تقبلوا تَوْبَتَهَا، وقيل: إنَّهُنَّ إن وضعن عن دَفْعِ ظلمكم فاللهُ سبحانه كبيرٌ عليٌّ قاهر يَنْتَصِفُ لَهُنَّ مِنْكُمْ.
4:35Page 84
وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا ٣٥
And if you fear dissension between the two, send an arbitrator from his people and an arbitrator from her people. If they both desire reconciliation, Allāh will cause it between them. Indeed, Allāh is ever Knowing and Aware.
لما ذكر الضربَ ذَكَرَ هذه المحاكمة؛ لأنَّ بها يتبينّ المظلومُ من الظَّالِمِ.
قال ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿خِفْتُمْ﴾ أي: علمتم قال: وَهَذَا بِخِلافِ قوله تعالى: ﴿واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ ، فإنَّ ذلك محمول على الظَّنِّ، والفرق بَيْنَ الموضِعَيْنِ في الابْتِدَاءِ يظهرُ له أمارات النُّشُوزِ، فعند ذلِك يحصل الخَوْفُ، وأمّا بَعْدَ الوعْظِ، والهجر والضَّرْبِ إن أصرّت على النُّشُوزِ، فقد حَصَلَ العِلْمُ بالنُّشُوزِ، فَوَجَبَ حملُ الخَوْفِ ههنا على العِلْمِ.
وقال لزَّجَّاجُ: القول بأن الخَوْفَ ها هنا بمعنى اليَقِيِنِ خطأ، فإنّا لو عِلِمْنَا الشقاق عَلَى الحَقيقَةِ لم يحتج إلى الحُكمِ، وأُجيبَ بأن وجود الشقاق وإن كانَ مَعْلُوماً، إلاَّ أنا لا نَعْلم أن ذلك الشِّقاق صدر عَنْ هَذَا، أو عَنْ، ذلك، فالحَاجَة إلى الحَكَمِيْنِ لمَعْرِفَةِ هذا المَعْنَى.
قال ابْنُ الخَطيبِ: ويمكنُ أن يُقالَ: وُجود الشِّقَاقِ ف بالحَالِ مَعْلُومٌ، ومثل هذا لا يَحْصُلُ منهُ خَوْفٌ، إنَّمَا الخَوْفُ في أنَّهُ هل يَبْقَى ذلك الشِّقَاقُ أم لا، فالفَائِدَةُ في بعث الحكمين لِيْسَتْ إزالة الشِّقَاقِ الثَّابِت، فإنَّ ذلك مُحَالٌ، بل الفائِدَةُ إزالة ذلك الشِّقاق في المُسْتَقْبَلِ.
قوله: ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنَّ الشِّقَاقَ مضاف إلى «بَيْنَ» ومعناها الظَّرْفِيَّةُ، والأصْلُ: «شقاقاً بينهما» ، ولكنَّهُ اتَّسع فيه، فأضيف الحَدَثُ إلى ظَرْفِهِ وإضافة المصدر إلى الظرف جائزة لحصوله فيه، وظرفيته باقية نحو: سَرَّنِي مسير اللَّيْلَةِ، ويعجبني صَوْمُ يَوْم عَرَفَةَ، ومنه: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: 33] .
والثَّاني: أنه خَرَجَ عن الظَّرفيَّةِ، وبقي كَسَائِرِ الأسْمَاءِ، كأنه أُريد به المُعَاشرة، والمصاحبة بين الزَّوْجَيْنِ، وإلى مَيْلِ أبي البقاء قال: والبَيْنُ هنا الوَصْلُ الكائنُ بين الزوجين «وللشقاق تأويلان:
أحدهما: أن كل واحد منهما يفعل ما يَشُقُّ على صاحبه.
والثاني: أن كل واحد منهما صار في شق بالعداوة والمباينة.
فصل [معاني الشقاق]
وقد ورد الشِّقاقُ على أربعة أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: بمعنى الخِلاَفِ كهذه الآية، أي: خلاف بينهما.
الثَّاني: الضَّلالُ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظالمين لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: 53] أي: في ضلال.
الثَّالث: أن الشِّقَاقَ: العداوة قال تعالى: ﴿وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شقاقي﴾ هود: 89] أي: عداوتي، و [العداوة] وممّا يشق على صاحبه.
الرابع: أنّ كُلَّ واحدٍ منها صار في شقّ بالعداوة، والمباينة.
فصل [هل البعث خطاب للإمام أم لآحاد الناس]
قوله ﴿فابعثوا﴾ قال بعضهم: هذا خِطَابٌ للإمام، أو نائبة وقال آخرون: هَذَا خطابٌ عامٌّ للجميع، وليس حمله على البَعْضِ أولى من حَمْلِهِ على البَقِيَّةِ، فَوَجَبَ حملُهُ على الكُلِّ، فعلى هذا يكونُ أمراً لآحاد الأمة سواء وجد الإمام، أم لم يُوجَدْ، فللصَّالحين أنْ يَبْعَثُوا حكماً من أهلِهِ، وحكماً من أهْلِهَا للإصلاح، ولأنَّ هذا يَجْرِي مَجْرَى دَفْع الضَّرَر، ولكل أحد أنْ يَقُومَ به.
قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِهِ﴾ فيه وجهان:
أحدُهُمَا: أنه متعلِّق ب ﴿فابعثوا﴾ فهي لابتداء الغاية.
والثَّاني: أن يتعلَّق بمحذُوف؛ لأنَّهَا صفة للنكِرَةِ، أي: كائناً من أهله فهي للتَّبْغيضِ.
فصل
شَرْطُ الحَكَمَيْنِ أن يكونَا عَدْلَيْنِ، ويجعلهما الحَاكِمُ حَكَمَيْنِ، والأولى أنْ يكُونَ [واحد من أهْلِهِ، وواحد من أهْلِهَا، لأنَّ أقاربهما أعرف بحالهما من الأجَانِبِ، وأشدّ طلباً للصلاح، فإن كانا] أجنبيّين [جَازَ] .
وفائدة الحكمين أن يخلو كُلّ واحد منهما بِصَاحِبِه، ويستكشف منه حقيقةَ الحَالِ، ليعرفَ رَغْبَتَهُ في الإقَامَةِ معه على النِّكَاحِ، أو المُفَارَقِةِ، ثمَّ يَجتمعُ الحكمان، فَيَفْعَلاَنِ ما هو المَصْلَحَةُ من طلاقٍ، أو خَلْع.
وهل للحكمين تَنْفِيذُ أمْرٍ يُلْزِمُ الزَّوِجَيْنِ دون إذْنِهِمَا، مثل: أن يطلق حَكَمُ الرَّجل، أو يفتدي حَكَمُ المرْأةِ بشيءٍ من مالِهَا؟
قال أبُو حَنِيفَةَ: لاَ يَجُوزُ.
وقال غيره: يَجُوزُ.
قوله: ﴿إِن يُرِيدَآ﴾ يَجُوزُ أن يَعُودَ الضميران في ﴿إِن يُرِيدَآ﴾ و ﴿بَيْنَهُمَآ﴾ على الزَّوْجَيْنِ، أي: إن يُرد الزَّوجان إصلاحاً يُوفِّق اللهُ بَيْنَ الزوجين، وأنْ يَعُودا على الحَكَمَيْنِ، وأن يُعودَ الأوَّلُ على الحَكَمَيْنِ، والثَّانِي على الزَّوْجَيْنِ، وأنْ يَكُونَ بالعكس وأُضْمِرَ الزَّوجان وإن لم يجر لهما ذكرٌ لدلاَلَةِ ذِكرِ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ عليهما. وجعل أبُو البقاءِ الضَّميرَ في ﴿بَيْنَهُمَآ﴾ عائداً على الزَّوْجَينِ فقط، سَوَاءٌ قيل بأن ضمير ﴿يُرِيدُ الله﴾ عائداً على الحكمين، او الزوجين.
فصل
قال القُرْطُبِيُّ: ويجزي إرسالُ الوَاحِدِ قال: لأن الله - تعالى - حكم في الزنا بأربعة شهود، ثم أرسل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المرأة الزَّانية أنَيْساً وحده، وقالَ له: «إن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» قال: وإذا جَازَ إرسال الواحد فلو حَكَّمَ الزوجان واحداً أجْزَأ إذَا رَضِيَا بذلك، وإنما خاطب الله الحكام دون الزوجين، فإن أرسل الزوجان حَكَمَيْنِ وحَكما نفذ حكمهما؛ لأن التحكيم عندنا جائز، وينفذ فعلُ الحكم في كل مسألة، إذا كان كل واحد منهما عدلاً.
وأصل التوفيق المُوافَقَةَ، وهي المُسَاوَاة في أمْرِ من الأمور، فالتَّوْفِيق اللُّطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة. ثم قال: ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ والمراد: الوعيد للزَّوْجَيْنِ والحَكَمَيْنِ في طريق سُلُوك المُخَالفِ الحق.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences