Ibn 'AdilAn‑Nisa · 4:56–58

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:56–58

4:56Page 87

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِيهِمۡ نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُودًا غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمٗا ٥٦

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a fire. Every time their skins are roasted through, We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allāh is ever Exalted in Might and Wise.

قرأ الجمهورُ: «نصليهم» بِضَمِّ النونِ مِنْ أصْلَى، وحُمَيْدٌ: بِفَتْحِهَا مِنْ صَلَيْتُ ثُلاثِيَّا. قال القَرْطُبِيُّ: ونَصْبُ: «ناراً» على هذه القراءةِ، بِنَزْعِ الخَافِضِ تقديرهُ: بنارٍ. وقَرأ سَلاَّم، ويَعْقُوبُ: «نصليهُم» بضَمِّ الهَاءِ، وَهِيَ لُغَةُ الحِجَازِ، وقد تَقَدَّمَ تَقْرِيرهُ.

وقال سِيبويْهِ: «سوف» [كَلِمَةٌ] تُذكَرُ لِلتَّهديدِ، والوَعِيدِ: يُقَالُ: سَوْفَ أفْعَلُ، وَينوبُ عَنْهَا حرفُ السين؛ كقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: 26] وقد يردُ «سوف» و «السِّينُ» : في الوَعْدِ أيْضاً: قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ [الضحى: 5] ، وقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي﴾ [مريم: 47] ، وقال: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي﴾ [يوسف: 98] ، قِيلَ، أخَّرَهُ إلى وقْتِ السَّحر؛ تَحْقِيقاً للدعاءِ، وبالجملةِ، فالسَّينُ، وسَوْفَ: مَخْصُوصَتَانِ بالاسْتِقْبَالِ.

فصل في معنى قوله «بآياتنا»

يَدْخُلُ في الآيات كُلُّ مَا يَدُلُّ على ذاتِ اللهِ تعالى وصفته، وأفْعالِهِ، [وأسْمَائِه] ، والملائكةِ، والكُتُبِ، والرسُلِ؛ وكُفْرُهُم قدْ يكونُ بالجَحْدِ، وقد يكونُ بِعَدَمِ النَّظْرِ فيها، وقد يكونُ بإلقاءِ الشكُوكِ والشُّبُهَاتِ فيها، وقَدْ يكونُ بإنْكَارِهَا؛ عِنَاداً، أو حَسَدَاً.

وقوله: «نَصْلِيهم» أيْ: نُدْخِلُهم النارَ، لكن قولُه: ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ فيه زِيَادَةٌ على ذلك، فإنَّهُ بمنزلَةِ شَوَيتُهُ بالنارِ، يُقالُ شَاةٌ مَصْليَّةٌ، أيْ: مَشْوِيَّةٌ.

قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ ، ﴿كُلَّمَا﴾ : ظَرْفُ زَمَانٍ، والعَامِلُ فيها ﴿بَدَّلْنَاهُمْ﴾ ، والجملةُ في مَحَلِّ نصبٍ على الحَالِ، مِنَ الضميرِ المنْصُوبِ في ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ ، ويجوزُ أنْ يكونَ صِفَةً ل «ناراً» والعائِدُ محذوفٌ، ولَيْسَ بالقَوِيِّ، و «ليذوقوا» مُتعلِّقٌ ب «بدلناهم» .

قال القُرْطُبِيُّ: يُقالُ: نَضِجَ الشَّيْءُ نُضْجاً ونَضجاً، وفلانٌ نَضِيجُ الرَّأي: أيْ: مُحْكَمُهُ.

فصل في معنى قوله ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾

﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ [جُلُودُهُمْ﴾ أيْ:] كلما احْترقَتْ جُلودهم، بَدلنَاهُم جُلُوداً غيْرَ الجلودِ المُحْترقَةِ.

قال ابنُ عَبَّاسٍ: يُبَدِّلُونَ جُلُوداً بِيضاً، كأمثالِ القَرَاطِيسِ. رُوي أنَّ هذه الآيةَ قُرِئَتْ عند عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فقال عُمرُ للقارئ: أعِدْهَا، فأعَادَهَا، وكان عِنْدَهُ مُعَاذُ ابنُ جَبَلٍ، فقال مُعَاذُ بنُ جَبَل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عِندي تَفْسِيرُها: تُبدَّلُ في الساعَةِ مائةَ مرَّةٍ، فقال عمرُ: هكذا سَمِعْتُ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.

قال الحَسَنُ: تأكُلُهمُ النارُ كُلَّ يومٍ سَبْعِينَ ألْفَ مرَّةٍ، كُلَّما أكَلَتْهُم، قِيلَ لَهُمْ: عُودُوا، فيعُودُونَ كَمَا كَانُوا.

رَوَى أبُو هُرَيرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ما بَيْنَ مِنْكبي الكافِرِ مَسِيرةُ ثلاثَةِ أيَّامٍ، للرّاكِبِ المًسْرِعِ» .

وعن أبي هُرَيْرة، قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ضِرْسُ الكَافِر، أو نابُ الكَافر، مِثْلُ أحُدٍ وغِلَظُ [جِلْدِه] مَسِيرةُ ثلاثَةَ أيَّامٍ» .

فَإنْ قِيل: إنَّهُ تعالى قادِرٌ على إبْقَائِهِمْ أحْياء في النَّارِ أبَدَ الآبَادِ فَلِمَ لَمْ يُبْقِ أبْدانهمُ في النَّارِ مَصُونةً عن النضْجِ، مع إيصالٍ الألم الشديد إليها، مِنْ غيْرِ تَبْدِيلٍ لَهَا؟ فالجوابُ: أنَّهُ لا يُسْألُ عما يفعلُ، بل نقولُ: إنَّهُ قَادِرٌ على أنْ يُوصِلَ إلى أبْدانِهم آلاماً عظيمةً، من غيرِ إدْخَالِ النَّارِ، مع أنه تعالى أدْخلَهم النَّارِ، فإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعَذَّبُ جُلُوداً لم تكن في الدنيا ولم تَعْصِهِ؟ فالجوابُ من وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنه يُعَادُ الأولُ في كُلِّ مَرَّةٍ، وإنَّما قال غيرَها، لتبدل صفتها، كما تقولُ: صَنَعْتُ مِن خَاتَمِي خَاتَماً غيرَهُ، فالخَاتَمُ الثَّانِي هُوَ الأولُ؛ إلاَّ أنَّ الصناعةَ، والصِّفَةَ تبدَّلتْ.

الثاني: المعذَّبُ هو الإنسانُ في الجِلْدِ، لا الْجِلْدُ، بل الجِلْدُ كالشَّيءِ الملتَصِقِ به، الزَّائِدِ على ذَاتِهِ، فإذا جُدِّدَ الجِلْدُ، صَارَ ذلك الجلدُ سَبَباً لوصولِ العذاب إلَيْهِ، فالمعذبُ لَيْسَ إلاَّ العَاصِي؛ يدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿لِيَذُوقُواْ العذاب﴾ ولَمْ يَقُلْ: ليَذُوقَ.

الثالثُ: قال السُّدِّيُّ: يُبَدَّلُ الجِلْدُ جِلْداً غَيرَهُ مِنْ لَحْمِ الكَافِرِ.

الرابعُ: قال عَبْدُ الْعَزِيز بنُ يَحْيَى: إنَّ اللهَ - تعالى - يُلبِسُ أهْلَ النَّارِ جُلُوداً لا تألَّمُ، بل هي تُؤلِمُهُم: وَهِيَ السَّرَابِيلُ فكُلَّمَا [احترق] جِلْدٌ بدّلَهُم جِلْدَاً غَيْرَهُ. طعن القَاضِي في هذا فقال: إنه تَرْكٌ للظَّاهِرِ، وأيضاً السَّرَابِيلُ مِنَ القَطرَانَ لا تُوصَفُ بالنُّضْجِ، وإنما تُوصَفُ بالاحْتِراقِ.

الخَامِسُ: يمكنُ أنْ يكونَ هذا استعارةً عن الدَّوَامِ، وعّدّمِ الانْقِطَاعِ؛ يُقالُ للموصوفِ بالدَّوام: كُلَّمَا انْتَهى فقد ابْتَدَأ، وكُلَّمَا وَصَلَ [إلى آخره] فقد ابتدَأ من أوله، فكذلك قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ يَعْني: أنهم كُلّما ظَنُّوا أنهم نَضِجُوا واحْتَرقُوا وانتهوا إلى الهلاكِ، أعْطَيناهُم قُوَّةً جَديدةً من الحياة؛ بحيثُ ظنُّوا أنَّهم الآنَ وجدُوا، فيكونُ المقصودُ بيانَ دَوَام العَذَابِ.

فإن قيل: قوله: «ليذوقوا العذاب» إنما يُقالُ: فلانٌ ذَاقَ الشَّيءَ، إذَا أدْرَكَ شَيْئاً قَلِيلاً منه، والله تعالى قَدْ وَصَفَهُمْ بأنهم كانوا في أشدِّ العذابِ، فكيْفَ يَحْسُنُ أن يذكرَ بعد ذلك أنَّهم ذَاقُوا العذابَ؟

فالجوابُ: المقصودُ مِنْ ذِكْرِ الذَّوْقِ، الإخبارُ بأنَّ إحساسَهُم بذلك العذابِ، في كُلِّ حالٍ، يَكُونُ كإحْسَاسِ الذَّائِقِ بالنذُوق من حيثُ إنه لا يَدْخُلُ فيه نُقْصَانٌ، ولا زَوَالٌ، بِسَبَبِ ذلك الاحتراقِ.

ثُمَّ قال تعالى: ﴿إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ، فالعزيزُ: القادِرُ الغَالِبُ، والحَكِيمُ: الذي لا يَفْعَلُ إلاَّ الصَّوابَ، وما تَقْتَضِيه الحكمةُ؛ لأنَّهُ قد يَقَعُ في القَلْبِ تَعَجُّبٌ مِنْ كَوْنِ الكريمِ الرَّحيمِ يُعَذِّبُ هذا الشخص الضَّعِيفَ إلى هذا الحدِّ العَظيمِ أبَدَ الآبادِ.

فقيل: ليس هذا [بَعِجب] ؛ لأنه القادِرُ الغَالِبُ، فكما أنه رحيمٌ فهو أيضاً حَكِيمٌ، والحكمةُ تَقْتَضِي ذلك.

4:57Page 87

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَنُدۡخِلُهُمۡ ظِلّٗا ظَلِيلًا ٥٧

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ .

تعلمْ أنَّ الوعْدَ والوعيدَ مُتلازِمَانِ في الذِّكْرِ غَالِباً، فإنَّ عَادَة القرآنِ إذا ذَكَرَ الوعِيدَ أنْ يذكر مَعَهُ الوَعْدَ.

قوله: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ:

أظهرُهَا: أنه مبتدأٌ، وخبرُهُ ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ .

والثاني: أنَّه في مَحلِّ نَصْبٍ؛ عَطْفاً على اسْمِ «إنَّ» وهُوَ ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ ، والخَبَرُ أيْضاً: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ ويصيرُ هذا نَظِير قولِكَ: إنَّ زَيْدَاً قَائِمٌ وعمراً قَاعِدٌ، فعطفتَ المنصُوبَ على المنصُوبِ، والمرفوعَ على المرفوعِ.

والثالث: أنْ يكونَ في محلِّ رَفْع؛ عطفاً على مَوْضِعِ اسْم «إنَّ» ؛ لأن مَحَلَّهُ الرفعُ، قالهُ أبُو البَقَاءِ؛ وفيه نَظَرٌ، مِنْ حَيْثُ الصناعةِ اللَّفْظِيَّةِ، حَيْثُ يُقالُ: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ عطفاً على ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ ، وأتى بجملةِ الوعيدِ مُؤكِّدةً ب «إن» ؛ تنبيهاً على شِدَّةِ ذلك، وبجملةِ الوَعْدِ حَاليَّةً مِنْه؛ لتحققها وأنه لا إنْكَارَ لذلك، وأتَى فيها بحرفِ التَّنْفِيسِ القَريبِ المدَّة تنبيهاً على قُرْبِ الوَعْدِ.

فصل في أن الإيمان غير العمل

دلت هذه الآيةُ، على أنَّ الإيمانَ غيرُ العَمَلِ؛ لأنه تعالى عَطَفَ العملَ على الإيمانِ، والمعطوفُ مُغَايِرٌ لِلْمَعطُوفِ عليه.

قال القَاضِي: مَتَى ذُكِرَ لفظُ الإيمانِ وَحْدَهُ، دخل فيه العَمَلُ، ومَتى ذُكِرَ مَعَهُ العَمَلُ، كان الإيمانُ هو التَّصْديقَ، وهذا بعيدٌ، لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الاشتراك، وعدمُ التغييرِ ولوْلاَ أنَّ الأمْرَ كذلك، لخرج القرآنُ عن كونِهِ مُفيداً، فلَعَلَّ هذه الألفاظَ التي تَسْمَعُها في القرآنِ، يَكُون لِكُلِّ وَاحدٍ منها مَعْنَى سِوَى ما نَعْلَمُ، ويكونُ مرادُ الله [تعالى] ذلِكَ المعْنَى.

قوله: «سندخلهم» قَرَأ النَّخعِيُّ: سَيْدخلُهم، وكذلك: «ويدخلهم ظلاً» بِيَاءِ الغَيْبَةِ؛ رَدَّا على قوله: «إن الله كان عزيزاً» ، والجمهورُ بالنون رَدَّاً على قوله: «سوف نصليهم» ، وتقدَّم الكلامُ على قوله: «جنات تجري من تحتها الأنهار» .

وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ:

أحدُهَا: أنه حالٌ من الضمير المنصُوبِ في ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ .

والثَّاني: وأجازَهُ أبُو البَقَاءِ: أنْ يكونَ حالاً من ﴿جَنَّاتٍ﴾ .

[قال: لأن فيها ضميراً لكُلِّ واحدٍ منهما، يَعْنِي: أنه يجوزُ أنْ يكونُ حالاً من] مفعول ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ كما تقدَّمَ، أوْ «من جنات» ؛ لأنَّ في الحَالِ ضميريْنِ:

أحدُهُمَا: مَجْرُورٌ ب «في» العائِدِ على ﴿جَنَّاتٍ﴾ فصح أنْ يُجْعَلَ حالاً مِنْ كُلٍّ واحدٍ؛ لوجودِ الرَّابِطِ، وهو الضميرُ، وهذا الذي قالُ فيه نظرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أحدُهُمَا: أنه يَصِيرُ المعنى: أنَّ الجناتِ خالداتٍ في أنفُسِهَا؛ لأنَّ الضَّميرَ في فيها عائذٌ عليْهَا. فكأنه قِيلَ: جناتٍ خَالِدَاتٍ في الجنَّاتِ أنفُسِهَا.

والثَّاني: أنَّ هذا الجمعَ شَرْطُهُ العَقْلُ، ولد أُرِيد ذلك، لقيل: خَالِدَاتٍ.

والثالثُ: أنْ يَكُونَ صِفَةً ل ﴿جَنَّاتٍ﴾ أيضاً. قال أبُو البَقَاءِ: على رَأي الكُوفيِّينَ يعْنِي أنَّهُ جَرَتْ الصِّفَةُ على غَيْرِ مِنْ هِيَ لَهُ في المعنى، ولم يَبْرُزُ الضَّمِيرُ، وهذا مَذْهَبُ الكوفيِّينَ، وهو انَّهُ إذَا جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هي له، وأمِنَ اللِّبْسُ، لم يَجبْ بُرُوزُ الضميرِ كهذه الآيةِ.

ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ: وُجُوبُ بروزِهِ مُطْلَقَاً، فكان يَنْبَغِي أنْ يُقَالَ عَلَى مَْهلِهمْ: «خالدين هم فيها» ، ولمّا لَمْ يَقُلْ كذلك، دَلَّ على فَسَادِ القَوْلِ، وقد تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ذلك.

[فإن قُلْتَ:] فَلْتَكُنِ المسْألَةُ الأولَى كذلِكَ، أعني: أنَّكَ إذا جعلت ﴿خَالِدِينَ﴾ حالاً من ﴿جَنَّاتٍ﴾ ، فيكون حَالاً مِنْهَا لفظاً، وهي لغيرها مَعْنَى، ولم يَبْرُزْ الضَّميرُ على رَأي الكُوفيِّينَ، ويَصِحُّ قول أبي البَقَاءِ.

فالجواب: أنَّ هذا، لو قيلَ به لَكَانَ جيِّداً، ولكن لا يَدْفَعُ الرَّدَّ عن أبِي البَقَاءِ، فإنَّهُ خَصَّصَ مَذْهبَ الكُوفيينَ بوجه الصِّفَةِ، دون الحالِ.

فصل

ذكر الخُلُودِ والتَّأبِيد: فيه ردٌّ على جَهْم بْنِ صفْوَانَ، حيث يقُولُ: إنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ وعَذَابَ الآخِرَةِ يَنْقَطِعَانِ، وأيضاً فَذِكْرُهُ الخُلُودَ مع التَّأبيد؛ يَدُلُّ على أنَّ الخُلودَ غَيْر التَّأبْيد وإلا لزم التكرارُ، وهو غير جَائِزٍ؛ فدَلَّ على أنَّ الخُلُودَ لَيْسَ عِبَارَة عن التَّأبيدِ، بلِ اسْتِدْلاَلُ المُعْتزِلَةِ بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ [النساء: 93] على أنَّ صاحب الكَبيِرَةِ يبقى في النَّارِ أبَداً، لأنَّ هذه الآية دَلَّتْ على أنَّ الخُلُودَ طولُ المُكْثِ لا التَّأبيدِ.

قوله: ﴿لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ [مُّطَهَّرَةٌ﴾ ] مبتدأ وخبر، وَمَحَلُّ هذه الجُمْلَةِ، إمَّا النَّصْب أو الرَّفْعُ.

فالنَّصْبُ إمَّا على الحَالِ مِنْ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ، أو مِنْ الضَّميرِ في ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ وإما على كَوْنِهَا صِفَةً ل ﴿جَنَّاتٍ﴾ بعد صِفَةٍ.

والرَّفْعُ على أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.

فصل

المُرَادُ: طَهَارتُهُنَّ من الحَيْضِ والنّفاسِ، وجميع أقْذَارِ الدُّنْيَا، كما تَقَدَّمَ في سُورةِ البَقَرَةِ.

وقوله «وندخلهم ظلاَّ ظليلاً» .

قال الوَاحِدِيُّ: الظَّلِيلُ ليس يُنبِئُ عن الفِعْلِ، حتى يُقالَ: إنَّهُ بمعنى: فاعِلٍ، أو مَفْعُولٍ، بل هو مُبَالَغةٌ في نَعْتِ الظِّلِّ، مثل قولهم: «لَيْلٌ ألْيَلٌ» .

قال المُفَسْرُونَ: الظَّلِيلُ: الكَثيفُ الَّذِي لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، ولا يؤذيهم بَرْدٌ، ولا حَرٌّ.

قال ابْنُ الخَطِيبِ: واعلَمْ أنَّ بلاد العَرَبِ كانت في غَايَةِ الحَرَارَةِ، وكانَ الظِّلُّ عندهم مِنْ أعْظَمِ أسْبَابِ الرَّاحَة، ولها المَعْنَى؛ جَعَلٌوه كِنَايَةً عن الرَّاحَةِ.

قال عليه الصَّلاة والسلامُ: «السُّلْطَانُ ظِلُّ الله فِي الأرْضِ» .

وإذَا كان الظّل عِبَارَةً عن الرَّاحَة؛ كَانَ كِنَايَةً عن المُبَالَغَةِ العَظِيمَةِ في الراحة، وبهذا يَنْدَفِعُ سُؤالُ مَنْ يَقُولُ: إذا لم يَكُنْ شَمْسٌ تُؤْذِي بحرِّهَا، فما فائِدَةُ وَصْفِهَا بالظِّلِّ الظَّلِيلِ؟

وأيضاً نرى في الدُّنْيَا أنَّ المَوَاضِعَ الَّتِي يَدُومُ الظِّلُّ فيها، ولا يَصِلُ نُورُ الشَّمْسِ إليْهَا، يكُونُ هَوَواؤهَا فَاسِداً مُؤْذِياً فما معنى وَصْفِ الجَنَّةِ بذلك، فعلى هذا الوَجْهِ الَّذِي لَخَّصْنَاهُ تَنْدَفَعُ هذه الشُّبُهَاتِ.

4:58Page 87

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ٥٨

Indeed, Allāh commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allāh instructs you. Indeed, Allāh is ever Hearing and Seeing.

لما شَرَحَ أحوالَ الكُفَّارِ، وشرحَ وعِيدَهُم؛ عاد إلى التَّكْلِيف، وأيضاً لمّا حكى عن أهْل الْكِتابِ أنَّهُم كَتَمُوا الحَقَّ، حيث قالُوا للذين كَفرُوا ﴿هَؤُلاءِ أهدى مِنَ الذين آمَنُواْ سَبِيلاً﴾ [النساء: 51] أمَرَ المُؤمنينَ في هذه الآيةِ بأداء الأمَانَاتِ في جميع الأمور، سواء كانَتْ دِينيَّةٌ، أو دُنْيَويَّة.

قوله: ﴿أَن تُؤدُّواْ﴾ مَنْصُوبُ المحلّ، إمَّا على إسْقَاطِ حَرْفِ الجَرّ؛ لأن حذفه يطَّرِدُ مع «أنْ» ، إذَا أمِنَ اللَّبْس؛ لطولهما بالصِّلَةِ، وإما لأنَّ «أمر» يتعدى إلى الثَّاني بنفسه، نحو: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، فعلى الأوَّل يَجْري [الخلاف في مَحَلَّها، أهي في مَحَلّ نصب، أم جر، وعلى الثَّاني هي في محلِّ نصب فقط، وقرئ «الأمانة» ] .

فصل: فيمن نزلت الآية؟

نزلت في عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنَ أبِي طَلْحَةَ الحجبي مِنْ بَني عبْدِ الدَّارِ، وكان سادِنَ الكَعْبَةِ، فلمَّا دَخَلَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ أغْلَقَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بَابَ الكَعْبَةِ، وصَعَدَ السَّطْحَ، فطلبَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المفتاح فقيلَ: إنَّه مع عثمان، فَطَلَبَهُ منه فأبى، وقال: او عَلِمْتُ أنَّهُ رسولُ اللهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ] لمْ أمْنَعْهُ المِفْتَاحَ، فَلَوَى عليُّ بن أبي طالب يده، وأخذ منه المفتاح، ودخل رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ البيت، وصلّى فيه ركعتين، فلمّا خَرَجَ سألَهُ العَبَّاسُ [المفتاحً] أن يعطيه، ويجمع له بين السِّقَايَةِ، والسِّدَانة، فأنزل اللهُ - تعالى - هذه الآية، فأمَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عليّاً أنْ يردَّ المِفْتَاحَ إلى عُثْمَانَ، وَيَعْتَذِرَ إليه، ففعل ذلك عليٌّ، فقال عثمان: أكْرَهْتَ، وآذَيْتَ، ثم جئْتَ تَرْفُق، فقال: لقَدْ أنْزَلَ اللهُ في شأنِكَ، وَقَرَأ عليه الآية، فقال عُثْمَانُ: «أشْهَدُ [ألا إله إلاّ الله و] أنَّ مُحَمّداً رسُولُ اللهِ، وأسْلَمَ، وكانَ المِفْتَاحُ معه، فلما مَاتَ دفعه إلى أخيه شَيْبَةَ، فالمِفْتَاحُ والسِّدَانَةُ في أولادهم إلى يَوْمِ القِيَامَةِ.

وقيل: المرادُ من الآية جميعُ الأمَاناتِ.

واعْلمْ أنَّ معاملة الإنْسانِ إما أنْ تكُونَ مع رَبِّه، أو مع العِبَادِ، أوْ مع نفسه. فمعاملة الرَّبِّ فهو: فعل المأمُورَات، وترك المَنْهيَّاتِ.

قال ابْنُ مَسْعُودٍ: الأمَانَةُ في كُلِّ شَيٍْ لازمةٌ؛ في الوُضُوءِ، والجَنَابَةِ، والصَّلاةِ، والزَّكَاةِ، والصَّوْم.

[قال أبُو نُعِيْم الحَافِظُ في» الحِلْيَةِ» : ومِمَّنْ قال إنَّ الآية عامّة في الجميع: البَرَاءُ ابْنُ عَازِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبَّاسٍ، وأبيُّ بْنُ كَعبٍ.

قالوا: الأمَانَةُ في كُلِّ شَيءٍ لازمةٌ، في الوُضُوءِ، والجَنَابَة، والصّلاة، والزكاةِ، والصّوم، والكيل، والوزن، والودائع.

قال ابْنُ عبَّاسٍ: لم يرخص اللهُ لمُعْسِرِ، ولا لمُؤمِنٍ أن يُمْسِكَ الأمَانَة] .

وقال ابْنُ عُمَرَ: «إنَّهُ - تعالى - خَلَقَ فَرْجَ الإنسان، قال:» هذَا أمانةٌ [خَبَّأتُهَا] عِنْدَكَ، فاحْفَظْهَا إلاَّ بِحَقِّهَا» .

فأمانة اللِّسَانِ ألاّ يستعمله في الكذِبِ، والغيبةِ، والنَّميمَةِ، والكُفْرِ، والبدعةِ، والفُحْشِ، وغيرها.

وأمانة العَيْنِ ألاّ يَسْتَعْمَلَهَا في النَّظَرِ الحَرَامِ، وأمَانَةَ السَّمْعِ ألاّ يَسْتَعْمِلَهُ في سَمَاعِ المَلاَهِي، والمَنَاهِي، وسماع الفُحْشِ، والأكاذيبِ، وغيرها.

وكذا جميع الأعْضَاءِ، وأمَّا الأمَانَةُ مع سَائِرِ الخَلْقِ فلردِّ الوَدَائِعِ، وتركِ التَّطفيفِ في الكَيْلِ، والوزْنِ، وعدْلِ الأمرَاءِ في الرَّعِيَّةِ، وعدلِ العُلَمَاءِ في العَوَامِ: بأن يُرْشِدُوهم إلى الاعتِقَاداتِ، والأعْمَالِ الَّتي تنفعهم في دُنْيَاهُم وأخْرَاهُم، ولا يحملوهم عَلَى التَّعصُّبَات البَاطِلَةِ، وأمَانَةُ الزَّوْجَةِ للزَّوْجِ في حفظ فَرْجِهَا، وألا تُلْحِقَ به وَلَداً من غَيْرِهِ، وفي إخبارِها عن انْقِضَاءِ عدَّتها، ونهي اليهود عن كِتْمَانِ أمر محمد عليه الصَّلاة والسلام - وأما أمَانَته مع نفسه، فهو ألا يَخْتَارُ [لِنَفْسِهِ] إلاّ الأنْفَعَ، والأصْلَحَ، في الدِّين والدُّنْيَا، وألا يقدم بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ، والغَضَبِ على مَا يَضُرُّهُ في الآخِرَةِ قال أنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: قلَّ ما خَطَبَنَا رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلا قال «لا إيْمَانَ لَمنْ لا أمَانَةَ لَهُ، وَلاَ دِينَ لمَنْ لا عَهْدَ لَهُ» ، وقال تعالى ﴿لاَ تَخُونُواْ الله والرسول وتخونوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: 27] ، وقد عظَّم الله أمْرَ الأمَانَةِ فقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان﴾ [الأحزاب: 72] .

[ويروي أنَّ الله - تعالى - خَلَقَ الدُّنْيَا كالبُسْتَانِ، وزينها بخمسة أشْيَاء:

عِلْمَ العُلَمَاءِ، وعَدْلِ الأمَرَاءِ، وعِبَادَةِ العُلَمَاءِ، ونَصِيحَةِ المُسْتَشَارِ، ودفع الخيانة] .

فصل في الخلاف في ضمان الوديعة

الأكْثَرُونَ على أنَّ الوديعةَ غير مضمونةٍ عند عَدَمِ التَّفْرِيطِ، وعن بعض السَّلَفِ أنَّهَا مَضْمُونَةٌ.

روى الشَّعْبِيُّ عن أنَسٍ قال: اسْتَحْمَلَنِي رَجُلٌ بضاعةً، فضاعت من بين ثيابي. فضمنني عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -.

وعن أنسٍ قال: كان لإنسان عندي وديعَةٌ سِتَّةُ ألاف درهَمٍ، فذهبت فقال عُمَرُ: «ذهب لك معها شيء» ؟ [قلت: لاَ] فألزمني الضَّمَان.

وحجة الجُمْهُورِ ما رَوَى عمرة بنُ شُعَيْبٍ عن أبيه قال: قالَ رَسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «لا ضَمَانَ عَلَى دَاع، ولا [على] مُؤتَمَنٍ» ، وأما فِعْلُ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -[فهو] محمولٌ على أنَّ المودع اعترف بفعل يوجب الضمان.

فصل في الخلاف في ضمان العارية

قال الشافعيُّ وأحمد: العاريةُ مَضْمُونَةٌ بعد الهَلاَكِ لقوله تعالى ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات [إلى أَهْلِهَا﴾ ] والأمر لِلوُجُوبِ، وقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «على اليَد مَا أخَذْتْ حَتَّى تُؤديهُ» وخصت منه الوديعَةُ، فيبقى العامُّ بَعْدَ التَّخْصيصِ حجة، وأيضاً فإنَّا أجمعْنَا على أنَّ المستام مَضْمُونٌ، وأنَّ المودع غيره مَضْمونٍ والعَارِيَة وقعت في البين، ومشابهتها لِلْمُسْتَام أكثر؛ لأنَّ كلاّ منهما أخذه الأجنبي لغرض نفسه، والوديعة أخذها لِغَرَضِ المالِكِ، فظهر الفَْقُ بيْنَ العاريةِ والوديعة.

وقال أبُو حنيفةَ: [العارية] ليست مضمونة كقوله عليه السلامُ «لاَ ضَمانَ عَلَى مُؤتَمنٍ»

وجوابه مَخصوصٌ بالمستام، فكذا في العَارِيَةِ، ودليلنا ظاهِرُ الْقُرآنِ.

قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل﴾ [فيكون] قوله ﴿أَن تَحْكُمُواْ﴾ معطوف على ﴿أَن تُؤدُّواْ﴾ أي: يأمرُكُمْ بتَأدِيةِ الأمَانَاتِ والحكم بالعَدْلِ، فيكونُ قد فصل بَيْنَ حرف العَطْفِ، والمعطوف بالظَّرْفِ. وهي مسألة خلاف ذَهَبَ الفَارِسِيُّ إلى منعها لإلاّ في الشِّعْرِ.

وذهب غَيرُهُ إلى جَوازِهَا مُطْلَقاً، ولنصححّ مَحَلّ الخلافِ أولاً: فنقولُ: إن حرف العطف إذا كان على حَرْفٍ واحدٍ كالواو، والفاء هل يجوزُ أن يفصل بينه، وبين ما عطفه بالظَّرف وشبهه أم لا؟

فَذَهَبَ الفَارسِيُّ إلى منعه مُسْتَدِلاً بأنَّهُ إذا كانَ على حَرْفٍ واحدٍ، فقد ضَعُفَ، فلا يتوسّط بينه، وبين ما عطفه إلاّ في ضَرُورةٍ كقوله: [المنسرح]

1810 - يَوْماً تَرَاهَا كَشِبْهِ أرْدِيَةِ الْ ... عَصْبِ وَيَوْماً أديمَهَا نَغِلاَ

تقديره: وترى أديمها نغلاً يوماً، [ففَصَل ب «يَوْماً» ] ، وذَهَبَ غَيْرَهُ إلى جَوَازَهُ مُسْتَدِلاّ بقوله: ﴿رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201] ، ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: 71] ، ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً [ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً] فَأغْشَيْنَاهُمْ﴾ [يس: 9] ﴿الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 12] . ﴿أَن تُؤدُّواْ الأمانات﴾ [الآية] ، وقالَ صَاحِبُ هذا القول: إنَّ المَعْطُوفَ عليه إذَا كانَ مَجْرُوراً بِحَرْفِ، أُعيدَ ذلك الحَرْفُ المعطوف نحو: امرر بزيدٍ وغداً بِعَمْرو، وهذه الشَّواهدُ لا دَليلَ فيها.

أمَّا «في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة» ، وقوله ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: 9] ، فلأنه عطف على شَيْئَيْنِ: عطف الاخرة على الدُّنْيَا بإعَادَةِ الخافض وعطف حسنة الثانية على حَسَنة الأولى، وكذلك عطف «من خلفهم» على «من بين أيديهم» و «سدَّا» على «سدَّا» ، وكذلك البيت عطف فيه «أديمها» على المفعول الأوَّل ل «تَرَاها» ، و «نَغلاً» على الثاني وهو كشبه و «يوماً» الثَّاني على «يَوْماً» الأوَّلِ، فلا فصل فيه حينئذٍ، [وحينئذ] يقال: [ينبغي] لأبي عَلِيٍّ أنْ يمنعَ مطلقاً، ولا يستثنى الضَّرُورَةَ، فإن ما استشهده به مُؤوَّل على ما ذكرناه.

فإن قيل: إنَّما لم يجعله أبُو عَلِيّ من ذلك؛ لأنَّهُ يُؤدِّي إلى تخصيص الظَّرْفِ الثَّاني بما وقع في الأوَّلِ، وهو أنَّه تراها كشبه أردية العصب في اليوم الأوَّلِ والثاني؛ لأنَّ حُكْمَ [المعطُوف حكم] المعطوف عليه، فهو نَظِيرُ قولك: ضَرَبْتَ زَيْداً يَوْمَ الجُمْعَةِ، ويوم السَّبْت، ف «يَوْمَ» السَّبْت مُقيّدٌ بضرب [زيد كما يُقَيَّدُ به يَوْمَ الجٌمعة، لكن الغَرَضَ أنَّ اليومَ الثَّانِي في البيت مُقَيَّدٌ بِقَيْدٍ آخر] وهو رُؤيَةُ أديمها نغلاً.

فالجوابُ: أنه لو تركنا [و] الظَّاهر من غير تَقْييدِ الظّرف الثَّاني بمعنى آخر كان الحكم كما ذكرت [لأن الظاهر كما ذكرت] في مثالك: ضربت زيداً يوم الجُمعَةِ [وعَمراً] يَوْمَ السَّبْتِ [أما إذا قيَّدته بشيءِ آخر، فقد تركت ذلِكَ الظَّاهِرَ لهذا النص، ألا تَرضاكَ تَقُولُ: ضربتُ زيداً يَوْمَ الجُمْعَة، وعمراً يوم السَّبت] ، فكذلك هَذَا، وهو مَوْضِعٌ يحتاجُ لِتَأمُّلِ.

وأما «فبشرناها بإسحاق» ، فيعقوب ليس مجروراً عَطْفاً على إسْحَاق، بل منصوباً بإضْمَارِ فعل أي: ووهبنا لها يعقوبَ، وَيَدُلُّ عليه قراءةُ الرَّفِع، فإنَّهَا مؤذنة بانْقطَاعِهِ من البِشَارَة [به] ، كيف وقد تَقدَّم أنَّ هذا القائل يَقُولُ: إنَّهُ متى كان المَعْطُوفُ عليه مجروراً، أُعيدَ مع المَعْطُوفِ الجار. [و] أما «أن يؤدوا الأمانات» ، فلا دلالة فيها أيضاً؛ لأن «إذَا» ظرف لا بُدَّ من عامل، وعامله إما ﴿أَن تَحْكُمُواْ﴾ وهو الظَّاهِرُ من حيث المعنى، وإما ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ فالأوَّلُ ممتنع، وإن كان المعنى عليه؛ لأنَّ ما في حيز الموصول لا يتقدَّمُ عليه عند البصريين، وأمّا الكُوفِيُّون فيجوِّزونَ ذلك، ومنه الآية عِنْدَهُم، واستَدَلُّوا بقوله: [الرجز]

1811 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... كَانَ جَزَائِي بالْعَصَا أنْ أجْلَدَا

وقد جاء ذلِكَ في المفعول الصَّريح في قوله: [الكامل]

1812 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وَشِفَاءُ غَيِّكِ خَابِراً أنْ تَسْألِي فكيف بالظرف وشبهه.

والثاني ممتنعٌ أيضاً؛ لأنَّ الأمْرَ ليس واقعاً وَقْتَ الحكم، كذا قاله أبُو حَيَّان وفيه نَظَرٌ وإذا بَطَلَ هذا فالعامِلُ فيه مُقَدَّرٌ يُفَسَِرُهُ ما بَعْدَهُ تَقْدِيره: «وأن تحكموا إذا حكمتم» ، و «أن تحكموا» الأخيرة دالة على الأولى.

قوله «بالعدل» يجوزُ فيه وجهان:

أحَدُهُمَا: أنْ يتعلَّقَ ب «تحكموا» ، فتكونُ البَاء للتَّعدية، والثانية: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من فاعل تحكموا، فتكونُ الباء للمصاحبة، أي: ملتبسين بالعَدْلِ مصاحبين له.

والمعنيان مُتَقَارِبَان.

فصل

اعْلَمْ أن الأمانة عبارة عن أداء ما وَجَبَ عليك لِغَيْرِكَ، والحكم بالحق عما إذا وجب لإنْسَانٍ على غيره حق، فأمر من وَجَبَ عليه ذلك الحقّ بأن يدفعه إلى مَنْ له ذلك الحق.

ولما كان التَّرْتيب الصَّحيحُ أن يبدأ الإنسان بِنَفْسِهِ في جلب المَنَافِعِ، ودفع المضار، ثم يشتغل بغيره، لا جَرَمَ أمر تعالى بِأدَاءِ الأمَانَةِ أوّلاً، ثم ذكر بعد الأمر الحكم بالحَقّ، وهذا من اللَّطَائِف المودعة في ترتيب القرآن.

فصل في وجوب حكم الإمام بالعدل

أجّمعُوا على أنَّهُ يَجِبُ على الحَكِمِ أنْ يَحْكُم بالعَدْلِ، لهذه الآية، ولقوله تعالى ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ [النحل: 90] وقوله ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا﴾ [الأنعام: 152] وقوله ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ [ص: 26] ، وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لا تَزَالُ هذه الأمَّةُ بخَيْرٍ ما إذَا قَالَتْ صَدَقَتْ، وإذَا حَكَمَتْ عَدَلَتْ وإذَا اسْترْحَمتْ رَحِمَتْ» وقال عليه الصَّلاةُ والسلامُ «المُقْسِطُونَ عِند اللهِ علَى منابر مِنْ نُورٍ عن يمينِ الرَّحمن، وكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ؛ هُمُ الذين يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وأهْلِيهِمْ ما وُلُّوا» وقال عليه الصَّلاة والسلامُ «إنَّ أحَبَّ النَّاس إلى اللهِ يومَ الْقِيَامَةِ، وأقْرَبَهَمْ مِنْهُ مَجْلِساً إمامٌ عادِلٌ وإنَّ أبْغَضَ النَّاسِ إلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وأشَدّهُمْ عَذَاباً إمامٌ جَائِرٌ»

وقال عليه الصَّلاةُ والسلامُ «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ القِيَامَةِ أيْنَ الظَّلَمَةُ، فَيُجْمَعُونَ عَلَيْهِ في النَّارِ» .

يحقق ذلك قوله تعالى ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: 22] وقوله ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ [إبراهيم: 42] .

فصل فيما يجب على القاضي نحو الخصمين

يجب على القاضي أن يسوِّي بَيْنَ الخصمين في الدُّخُول عيه، والجُلُوس بَيْنَ يَدَيْهِ، والإقبال عَلَيْهِمَا، والاستماعِ منهما، والحكم بَيْنهُمَا، وينبغي إلا يلقِّنَ أحدهُمَا حُجَّةً، ولا شاهداً شهادته، ولا يلقّن المدّعي الدَّعْوَى، والاستخلافَ، ولا يلقنَ المُدَّعى عليه الإقْرَارَ، ولا الإنْكارَ، ولا يَضِيفَ أحَد الخَصْمَيْنِ دُونَ الأخر، ولا يُجِيبَ هو إضَافَةَ أحدهِمَا، ولا إلى إضافتهما مَا دَاما مُتَخَاصِمَيْنِ، وعليه التَّسْوِيَة بينهما في الأفْعَالِ دون القلب؛ لأنَّهُ لا يمكنُ أنْ يتحرَّز من ميل قلبه.

قوله: ﴿إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ قد تقدَّمَ الكلامُ على ما المتصلة ب «نعم» ، و «بئس» إلا أنَّ ابْن عَطِيَّة نقل هنا نَقْلاً لا يَبْعُدُ مِنْ وَهْمٍ! . قال: و «ما» المُرْدَفَةُ على نعم، وبئس إنَّمَا هي المُهيئَةُ لاتّصَالِ الفِعْلِ كما هي في رُبَّمَا، ومما في قوله: وكان رَسُولُ الله مما يحرك شَفَتَيْه وكقول الشَّاعر: [الطويل]

1813 - وإنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً ... عَلَى رَأسِهِ تُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَمِ

وفي هذا بمنزِلَةِ رُبَّمَا، ومنزلتها مخالفة في المَعْنَى؛ لأنَّ رُبَّمَا للتَّعْلِيلِ، ومما للتَّكْثِيرِ ومع إنما هي موطّئة، فهي بمعنى الَّذي، وما وطَّأتْ إلاّ وهي اسمٌ. ولكن المقصد إنما هو لا يليها من المَعْنَى الذي في الفِعْل.

قال أبُو حَيَّان وهذا متهافتٌ؛ لأنه من حَيْثُ جعلها مُوَطِّئَةً مُهَيَّئَةً، لا تكونُ أسماء، ومن حَيْثُ جعلها بمعنى الَّذِي يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اسْماً، فتدافعا.

فصل: في معنى قوله «نعما يعظكم»

المعنى: نِعْمَ شَيئاً يعظكم به، أو نِعْمَ الشَّيء الذي يعظكُم بِه.

والمخصوص بالمدح مَحْذُوفٌ، أي: نِعْمَ ما يَعِظُكُم بِهِ ذلك، وهو المأمور به: من أدَاءِ الأمَانَاتِ والحُكْمِ بالعَدْلِ، أي: بالقسط، ثم قال: ﴿إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ، أي: إذا حكمت بالعدل، فهو يَسْمَعُ ذلِكَ، لأنَّهُ سميعٌ لِكُلّ المَسْمُوعاتِ، وإنْ أدَّيْتَ الأمَانَةَ، فهو بَصِيرٌ بكُلِّ المبصرات يبصر ذلك، وهذا أعْظَمُ أسْبَابِ الوَعْدِ للمطيع، وأعظم أسْبَابِ الوعيدِ للعاصي. وإليه الإشارة بقوله - عليه الصَّلاة والسَّلامُ - «اعْبُد اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لَمْ تكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском