Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:85–87
4:85Page 91
مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا ٨٥
Whoever intercedes for a good cause will have a share [i.e., reward] therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a portion [i.e., burden] therefrom. And ever is Allāh, over all things, a Keeper.1
في تعلُّق هذه الآية بما قَبْلَها وجوه: أحدها: أنه - تعالى - لمَّا أمَر الرَّسُول -[عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ]- بأن يحرَّض الأمَّة على الجِهَاد، وهو طاعَةٌ حَسَنةٌ، بيَّن في هذه الآية أنَّ من يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة يَكُنْ له نَصِيبٌ مِنْهَا، والغَرَض مِنْه: أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يستَحِقُّ بالتَّحْرِيضِ على الجِهَاد أجْراً عَظِيماً.
وثانيها: أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان يوصِيهم بالقِتَال، ويبالِغُ في تَحْرِيضهم عليه، فكان بَعْضُ المُنَافِقِين يَشْفَع إلى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أن يأذَن لَهُم في التَّخَلُّف عن الغَزْوِ، مَعْصِيَةٍ، كانت مُحَرَّمَة.
وثالِثُها: أنَّه يجُوز أن يَكُون بعض المُؤمِنين راغباً في الجِهَاد، ولا يَجِد أهْبَة الجِهاد، فصار غَيْرُهُ من المُؤمِنين شَفِيعاً له إلى مُؤمِنٍ آخر؛ ليعيِنه على الجِهَاد، وهو طاعَةٌ حَسَنةٌ، بيَّن في هذه الآية انَّ من يَشْفَع شَفَاعة حَسَنَة يَكُنْ له نَصِيبٌ مِنْها، والغَرَض مِنْه: أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يستَحِقُّ بالتَّحْرِيضِ على الجِهَاد أجْراً عَظِيماً.
وثانيها: أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان يوصِيهم بالقِتَال، ويبالِغُ في تَحْرِيضهم عليه، فكان بَعْضُ المُنَافِقِين يَشْفَع إلى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أن يأذَن لَهُم في التَّخَلُّف عن الغَزْوِ، فنهى [الله] عن مثل هَذِه الشَّفَاعَة، وبيَّن أن [هَذِه] الشَّفاعة إذا كَانَت وَسِيلَة إلى مَعْصِيَةٍ، كانت مُحَرَّمَة.
وثالِثُها: أنَّه يجُوز أن يَكُون بعض المُؤمنِين راغباً في الجِهَاد، والشَّفَاعَة مأخُوذَةٌ من الشَّفْع وهو الزَّوْج من العَدَد، ومنه الشَّفِيع، [وهو] أن يَصِير الإنْسَان [نفسه] شَفْعاً لِصَاحب الحَاجَة؛ حتى يجْتَمِع معه على المسألة فِيهَا، [ومنه نَاقَةٌ شَفُوعٌ: إذا جمعت بين مِحْلَبَيْن في حَلبةٍ واحدةٍ، وناقة شَفِيعٌ: إذا اجْتَمع لها حَمْلٌ وولَدٌ يَتْبَعُها، والشُّفْعَةُ: ضم مِلْكِ الشَّريك إلى ملكك، والشَّفَاعة إذا ضَمَّ غَيْرك إلى جاهك، فهي على التَّحقِيق إظهار لمنزلة الشَّفِيع عند المُشْفِّع، وإيصَال المَنْفَعَة إلى المَشْفُوع له] فيكون المُرَادُ: تَحْرِيض النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - إيَّاهم على الجِهَاد؛ لأنه إذا أمَرهُم بالغدو، فقد جَعَل نَفْسَهُ شَفْعاً في تَحْصِيل الأغْرَاضِ المتعلِّقةِ بالجِهَادِ، والتَّحْرِيض على الشَّيءِ عبارة عن الأمر به على وجْه الرِّفْقِ والتَّلَطُّفِ، وذلك يَجْرِي مُجْرَى الشَّفَاعة.
وقي: المُرَاد ما تَقَدَّم من شفاعة بَعْض المُنَافِقِين النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في أن يَأذن لِبَعْضِهِم في التَّخَلُّف.
ونقل الوَاحِديُّ عن ابن عبَّاس؛ ما معناه: أن الشَّفَاعة الحَسَنَة هَهُنا، وهي أن يَشْفَع إيمانهُ بالله بقِتَال الكُفَّار، والشفاعة السَّيِّئَة: أن يَشْفَع كفره بِمُوالاَةِ الكُفَّار، وقيل: الشَّفَاعة الحَسَنَة: ما تقدَّم في أن يَشْفَع مؤمِنٌ لمؤمِنٍ [عند مُؤمِنٍ] آخَرِ؛ في أن يُحَصَّلَ له آلات الجِهَاد، ورُوي عن ابن عبَّاس؛ أن الشفاعة الحَسَنة [هي الإصلاح بين النَّاس، والشَّفَاعة السَّيِّئة، هي النَّمِيمة بين النَّاسِ.
وقيل] : هي حُسْنُ القول في النَّاسِ يُنَال به الثَّوَاب والخير، والسَّيِّئَة هي الغَيْبة والقَوْل السيئ في النَّاسِ يُنَال به الشَّرُّ.
والمراد بالكفل: الوِزْر.
قال الحَسَن مُجَاهِد والكَلْبي وابن زَيْدٍ: المراد شَفَاعة النَّاسِ بَعْضهم لِبَعْض، فإن كان في ما يَجُوز، فهو شَفَاعة حَسَنَة، وإن كان فِيمَا لا يجُوز، فهو شَفَاعَة سَيِّئَة.
قال ابن الخَطيب: هذه الشَّفَاعة لا بُدَّ وأن يكُون لها تَعَلُّقٌ بالجِهَاد، وإلاَّ صَارَت الآية مُنْقَطِعَةِ عما قَبْلَهَا، فإن أرَادُوا دُخُول هذه الوُجُوهِ في اللَّفْظِ العَامِ فيجوز؛ لأن خُصوص السَّبَبِ لا يَقْدَح في عُمُوم اللَّفْظِ.
«والكفل» : النَّصِيب، إلا أنَّ استعماله في الشَّرِّ أكثرن عكس النصيب، وأنْ كان قد استُعْمِل الكِفْلُ في الخَيْرِ، قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: 28] وأصلُه قالوا: مُسْتَعَارٌ مِنْ كِفْلِ البَعير، وهو كساء يُدَارُ حَوْلَ سِنَامِهِ ليُرْكَبَ، سُمِّي بِذَلِك؛ لأنَّه لم يَعُمَّ ظهرهَ كُلَّه بل نَصِيباً منه، ولغلبةِ استِعْمَالِه في الشَّرِّ، واستعمال النَّصِيب في الخير، غاير بَيْنَهُمَا في هذه الآيَة الكَريمة؛ إذ أتى بالكِفْل مع السَّيِّئَة، والنَّصِيب مع الحَسَنة، و «منها» الظَّاهِر أن «مِنْ» هنا سَببيَّة، أي: كِفْلٌ بِسَبِبها [ونَصِيب بسبِبها] ، ويجُوز أن تكُون ابتدائِيةٌ، والمُقِيت: المُقْتَدَر [قال: ابن عباس: مقتدراً مجازياً] ، قال: [الوافر]
1847 - وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ الْوُدَّ عَنْهُ ... وَكُنْتُ عَلَى إسَاءَتِهِ مٌقِيتًا
أي: مقتدراًن ومنه: [الخفيف]
1848 - لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذَا مَا ... قَرَّبُوهَا مَنْشُورَةً وَدُعِيتُ
ألِيَ الْفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذَا حُو ... سِبْتُ «أنَّي عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ
وأنشد نَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: [الطويل]
1849 - تَجَلَّد ولا تَعْجَزْ وَكُنْ ذَا حَفِيظَةٍ ... فَإنِّي عَلَى مَا سَاءَهُمْ لَمُقِيتُ
قال النَّحَّاس:» هو مُشْتَقٌ من القُوتِ، وهو مِقْدَارُ ما يَحْفَظ به بَدَنُ الإنْسَانِ من الهَلاَك «فأصل مُقيت: مُقْوِت كَمُقِيم.
[و] يقال: قُتُّ الرَّجُلَ؛ إذا حَفِظْتَ عليه نَفْسهُ» وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقيت «وفي رواية من رَوَاه هَكَذَا، أي: مَن هو تَحْت قُدْرَته وفي قَبْضَتِه من عِيَالٍ وغيره؛ ذكره ابن عَطِيَّة: يقول: [منه: قُتُّهُ] أقوته قُوتاً، وأقَتُّهُ أقِيتُهُ إقَاتَةً، فأنا قَائِتٌ ومُقِيتٌ.
وأمَّا قول الشَّاعِرِ: [الخفيف]
1850 - ... ... ... ... ... ... ..... ... إنِّي عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ
فقال الطَّبَرِي: إنه من غَيْر هَذا [المعنى المتقدِّم، فإنه بمَعْنَى الموقوفِ،] فأصْل مُقِيت: مُقْوِت كمُقِيم.
وقال مُجَاهِدٌ: معنى مُقِيتاً: شاهداً وقال قتادة: حَفِيظاً، وقيل معناه: على كل حيوان مُقِيتاً، أي: يُوصِل القُوت إلَيْه.
قال القَفَّال: وأي هَذَيْن المعنيين كان فَالتَّأوِيل صَحِيحٌ، وهو أنه - تعالى - قادر على إيصَال النَّصِيب والكفيل من الجَزَاءِ إلى الشَّافِع؛ مثل ما يُوصِلُه إلى المَشْفُوع، إن خيراُ فَخَيْرٌ، وإن شَرَّاً فَشَرٌّ، ولا ينتَقِص بسبَب ما يَصِل إلى الشَّافِع [شيء] من جَزاء المَشْفُوع، وعلى الوَجْه الآخر: أنَّه تعالى - حَافِظُ الأشْيَاء شَاهِدٌ عليها، لا يَخْفَى عليه شَيْءٌ من أحْوَالِهَا، فهو عَالِمٌ بأن الشَّافِع يَشْفَع في حَقِّ [أو في] بَاطِل، حَفِيظٌ عليهم فَيُجَازِي كلاًّ بما عَلِمَهُ منه.
وقوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً﴾ وَلَمْ يقتيه بوقتٍ، والحالُ يدلُّ على أن هذه الصِّفَةِ كانت ثَابِتَة له من الأزَلِ إلى الأبَدِ وليست مُحْدَثة.
4:86Page 91
وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦
And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed Allāh is ever, over all things, an Accountant.
في النَّظْم وجْهَان:
أحدهما: أنَّه لما أمَرَ المُؤمِنِين بالجهاد، أمَرَهُمْ أيضاً بأن الأعْدَاء لو رَضُوا بالمُسَالَمَةِ فكونوا أنْتُم [أيضاً] رَاضِين بها، فقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ كقوله - تعالى -: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا﴾ [الأنفال: 61] .
والثَّانِي: أن الرَّجُل [في الجِهَاد] كان يلْقَّاهُ الرَّجُل في دَارِ الحَرْبِ أو ما يُقارِبُها، فَيُسَّلمُ عليه لا يَلْتَفِتُ إلى سلامِهِ [ويقتله] ، وربَّمَا ظَهَرض أنَّهُ كان مُسْلِماً، فأمرهم بأن يُسَلِّم عليهم أو يُكْرِمهم، فإنهم يقابلونه بمثل ذَلِكَ الإكْرَام أو أزْيَد، فإن كان كَافِراً، لم يَضُرَّ المسلم مُقَابَلَة إكْرَام ذلك الكَافِر بنوع من الإكْرَام، وإن كان مسلماً فَقَتَلَه، ففيهِ أعْظَم المَضَارِّ والمفَاسِدِ، ويقال: التحية [في الأصْلِ] : البَقَاءِ والمِلْكُ.
قال القُرْطُبِي: قال عبد الله بن صالح العِجْليّ: سألت الكسَائِيُّ عن قوله: «التحيات لله» ما مَعْنَاهَا؟ فقال: التَّحِيَّاتُ مثل البَرَكَاتِ، قلت: ما معنى «البركات» ؟ فقالك ما سَمِعْت فيها شيئاً، وسألْت عنها مُحَمَّد بن الحسن [فقال] : هو شَيْءٌ تعبدّ الله به عبادَهُ، فقدِمْتُ الكُوفَة فلقيت عَبْدَ الله بن إدْرِيس: إنه لا عِلْم لهما بالشَّعْرِ وبهذه الأشْيَاءِ، التَّحِيَّة: المُلك وأنْشَدَهُ: [الوافر]
1851 - أؤمُّ بِهَا أيَا قَابُوسَ حَتى ... أُنِيحَ عَلَى تَحِيَّتِهِ بجنْدِي
وقال آخَرَ: [مجزوء الكامل]
1852 - وَلِكُلِ مَا نَالَ الفَتَى ... قَدْ نِلْتُهُ إلاَّ التَّحِيّيهْ
ويقال: التَّحِيَّة: البَقَاء والملك، ومنه: «التحيات لله» ، ثم استُعملت في السلام مَجَازاً، ووزنها، تَفْعِلَ من حَيَّيْت، وكان في الأصْل: تحيية؛ مثل» : تَوْصية وتَسْمِيَة، والعرب تؤثر التَّفْعِلة على التَّفْعيلِ [فيٍ ذَوَاتِ الأرْبَع؛ نحو قوله: ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: 94] .
والأصل: تَحْيِيَة فأدغمت، وهذا الإدغَامُ واجبٌ خِلافاً للمَازِني، وأصْل الأصْل تَحْيِيُّ؛ لأنه مَصْدَر حَيّا، وحَيّا: فَعَّل مَصْدره على التَّفْعِيل، إلا أن يَكُون مُعْتَلَّ اللامِ؛ نحو: زكَّى وغَطَّى، فإنه تحذف إحْدَى اليَاءَيْن ويعوَّض منها تَاء التَّأنيثِ؛ فيقال: تَزْكِيه وتغْطِيَة، إلا ما شَذَّ من قوله: [الرجز] 1853 - بَاتَتْ تُنَزِّي دَلْوَهَا تَنْزِيًّا ... كَمَا تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيَّا
إلا أن هذا الشُّذُوذَ لا يجوزُ مثلُه في نحو: «حَيّا» لاعتلالِ عَيْنه ولامه باليَاءِ، وألحق بعضُهم ما لامُه هَمْزَةٌ بالمُعْتَلِّها، نحو: «نَبّأ تَنْبئةً» و «خَبَّأ تَخْبِئَةً» ؛ ومثلها: أعيِيَة وأعيَّةٌ، جمع عَيِيّ.
وقال الرَّاغِب: وأصلُ التَّحِيَّة من الحياة، ثم جُعِلَ كلُّ دُعَاءٍ تحيَّة؛ لكون جميعه غير خَارجٍ عن حُصُولِ الحياة أو سَبَبِ الحَيَاةِ، وأصل التحية أن تَقُول: «حياك الله» ثم اسْتُعْمِل في الشَّرْعِ في دُعَاءٍ مَخْصُوصٍ.
وجعل التحيَّة اسْماً للسَّلام؛ قال: - تعالى -: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ [الأحزاب: 44] ، ومنه قول المُصَلِّي: «التحيات لله» أي: السَّلامة من الآفاتِ لله. قال [الكامل]
1854 - أ - حُيِّيت مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقال آخر: [البسيط]
1854 - ب - إنَّا مُحَيُّوك يا سَلْمَى فَحيِّينَا ... ... ... ... ..... ... ..... .
فصل في أفضلية «السلام عليكم»
واعلمْ أن قول القائِل لغيْره: السَّلام عليك، أتم من قوله: «حَيَّاك الله؛ لأن الحَيَّ إذا كان حليماً كان حَيَّا لا محالة، وليس إذا كان حَيَّا كان سَلِيماً؛ لأنَّه قد تكون حَيَاتُه مقرونَة بالآفاتِ، وأيضاً فإن السلام اسم من أسْمَاء الله - تعالى -، فالابْتِدَاء بِذِكْر الله - تعالى - أجْمَل من قوله: حيَّاك الله، وأيضاً: فَقَوْل الإنْسَان لغيره: السلام عَلَيْكَ، بشارة لَهُ بالسَّلام، وقوله حيَّاك الله لا يُفِيد ذَلِكَ، قالوا: ومَعنى قوله: السلام عليك، أي: أنْت سَلِيمٌ مِنِّي فاجعلني سَلِيماً مِنْك، ولهذا كَانَت العَرَبُ إيضا أسَاء بعضهم لم يَردُّوا السلام، فإن ردُّوا عليهم السلام، أمِنُوا من شرِّهم، وإن لم يَرُدُّوا عليهم السلام، لم يؤمنوا شَرَّهُم.
فصل في الوجوه الدَّالة على أفضلية السّلاَم
ومما يدل على أفْضَلِيَّة السلام: أنَّه من أسْمَاء الله - تعالى، وقوله -[تعالى]- ﴿يانوح اهبط بِسَلاَمٍ مِّنَّا﴾ [هود: 48] ، وقوله: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ [القدر: 5] ، وقوله: ﴿والسلام على مَنِ اتبع الهدى﴾ [طه: 47] ، وقوله: ﴿قُلِ الحمد لِلَّهِ وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ﴾ [النمل: 59] وقوله: ﴿وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] ، وقوله: ﴿الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملاائكة طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: 32] ، وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين﴾ [الواقعة: 90، 91] ، [وقوله] : ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر: 73] ، وقوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: 23] وقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ [الأحزاب: 44] ، وقوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] .
وأمَّا الأخْبَار: فرُوِي أن عبد الله بن سلام قال: «لمَّا سَمِعْت بقدوم الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، دخَلْتُ في غِمَار النَّاسِ، فأوَّل ما سَمِعْتُ مِنْهُ:» يا أيها الذين آمنوا، أفْشُوا السَّلاَمَ وأطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصِلُوا الأرْحَامَ وصَلُّوا باللَّيْلِ والنَّاس نِيَامٌ تدخلون الجنة بسلام» .
وأما المَعْقُول: قال القتبي: إنما قال: «التحيات» على الجَمْعِ؛ لأنَّه كان في الأرْضِ ملوك يُحَيُّون بِتَحيِّاتٍ مختَلِفَات، [فيقال] لبعضهم: أبيْت اللَّعْنَ، ولبعضهم: اسْلَم وانْعَم، ولبعضهم: عِش ألْفَ سَنَةٍ، فقيل لَنَا: قولوا: التَّحِيَّات لله، أي: الألْفَاظ الَّتِي [تدلُّ] على امُلْك، ويكْنَى بها عن الله - تعالى -:
قالوا: تحية النَّصِارى وَضْع اليَدِ على الفَمِ، وتَحِيّةُ اليهود بعضهم لبعض: الإشارَةُ بالأصَابع، وتحيةُ المجُوس: الانْحِنَاء، وتحيَّةُ العرب بعضهم لِبَعْض قَوْلهم حَيَّاك الله، وللمُلوك أن يَقُولوا: انْعَمْ صَبَاحاً، وتحيَّةُ المُسْلِمين أن يقولوا: السلام عَلَيْكُم ورَحْمَة الله وبركاته؛ وهذه أشرف التَّحِيَّاتِ، ولأن السَّلام مشعِرٌ بالسَّلامة من الآفَاتِ، والسَّعْيُ في تَحْصِيل الصَّون عن الضَّرر أوْلى من السَّعْي في تَحْصِيل النَّفْع.
وأيضاً فإن الوَعْد بالنَّفْع قد يقدر الإنْسَان على الوَفَاءِ به وقَدْ لا يَقْدِر، وأما الوَعْد بترْك الضَّرَر، فإنه يكون قَادِراً عليه لا مَحَالة، والسَّلام يدلُّ عليْهِ.
فصل
من الناس من قال: السلامُ واجبٌ؛ كقوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ [على أَنفُسِكُمْ﴾ ] [النور: 61] ، ولقوله - عليه السلام -:
«أفْشُوا السلام» والأمر للوُجُوب والمَشْهُور أنه سُنَّة. قال بعضهم: السلام سُنَّة على الكِفَايَة.
قوله: «فحيوا» أصل حيُّوا: حَييوا فاستثقلت الضَّمَّةُ على اليَاءِ، فحُذِفَت الضَّمةُ فالتقى ساكنان: الياءُ والواو، فحُذِفَتْ اليَاءُ، وضُمَّ ما قبل الوَاوَ.
وقوله: ﴿بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ أي: بتحيَّةٍ أحْسَن من تِلْك التَّحِيَّة الأوْلَى.
وقوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَآ﴾ أي رُدُّوا مِثْلَها؛ لأن رَدَّ عينها مُحالٌ فَحذفَ المُضَافُ، نحو: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: 82] .
فصل في كيفية السلام
مُنْتَهى الأمْر في السَّلام أن يُقَال: السَّلام عليْكُم ورَحْمَة الله وبركاته؛ بدليل أن هَذَا القَدْر هو الوَارِدُ في التَّشَهُّد.
قال العلماء: الأحْسَن أن المُسْلِم إذا قَال: السلام علَيك، رَدَّ في جوابه بالرَّحْمَة، وإذا ذكر السلام والرَّحْمة في الابْتِدَاءِ، زِيدَ في جَوابِه البَرَكَة وإذا ذكر الثلاثة في الابتداء، أعادها في الجَوَاب.
رُوي: «أن رَجُلاً قال للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ السلام عليك يا رسُول الله، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: وعَلَيك السلام ورحْمَة الله وبركاته، وجاء ثَالثٌ وقال: السَّلام عليك وَرحْمَة الله وبركَاتُه: فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -:» وعَلَيْك السلام ورَحْمَة الله وبَرَكَاتُه» فقال الرَّجل: نقصتني فأين قول الله: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ فقال: عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «ما تَرَكْتَ لِي فَضْلاً فَرَدَدْنَا عَلَيْكَ مَا ذَكَرْت» .
وقيل: معنى قوله: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ إذا كان الذي يُسَلِّم مُسْلِماً،» أو ردوها «رُدُّوا مثلها إذا كان غَيْر مُسْلِمٍ.
فصل
يقول المُبْتَدِئ: السلام عليكم، والمجيب يَقُول: وعليْكُم السلام، وإن شاء المُبْتَدِئُ قال: سلامٌ عَلَيْكم؛ لأن التَّعْرِيف والتَّنْكير ورد في ألفاظِ القْرآن كما تَقَدَّم، لكن التَّنْكِير أكْثَر والكل جَائِزٌ، وأما في التَّحْليل من الصَّلاة، فلا بُدَّ من الألف واللامِ بالاتِّفَاقِ.
فصل
قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -:» السُّنَّة أن يُسلِّم الرَّاكِب على المَاشي، وراكب الفَرَسِ على رَاكِب الحِمَارِ، والصَّغير على الكَبِير، والٌلُّ على الأكْثَر، والقَائِم على القَاعِد» والسُّنَّةُ الجَهْر بالسَّلام؛ لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «أفْشُوا السَّلام» قال أبو يوسف: من قال لأخَرٍ: أقْرئ فلاناً مِنِّي السلام وَجَب عليه أنْ يَفْعَل.
فصل
السُّنة: إذا اسْتَقْبلك رَجَلٌ واحد فقل: سلامٌ عليْكُم، واقْصِد الرَّجُل والملكَيْن؛ فإنهما يَرُدَّان السلام عليك، ومن سَلَّم عليه المَلَكُ فقد سَلِمَ من عَذَابِ الله - تعالى -، وإذا دَخَلت بَيْتاً خَالِياً، فَسَلَّم على من فيه من مُؤْمِني الجِنِّ، والسُّنَّة أن يَكون المُبْتَدِئ بالسَّلام على طَهَارَةٍ وكذلك المُجِيبُ.
روي أن رجلاً سلَّم على النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهو على قَضَاء الحَاجَةِ، فقام وتَيَمَّمَ ثم رَدَّ السلام، والسُّنَّةُ إذا الْتَقَى الرَّجُلاَن المبادرة بالسَّلام.
فصل: المواضع التي لا يُسلَّم فيها
فأما المواضع التي لا يسَلَّم فيها ثمانيةٌ: الأوَّل: قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لا تبدَءُوا اليَهُود بالسَّلام» ، ورخَّصَ بَعْضَ العُلَمَاءِ في ذلك إذا دَعَت إليه حَاجَة، وأما إذا سَلَّمُوا علينا، فقال أكْثَر العُلَمَاءِ: ينبغي أن يُقَال: وعليْكَ؛ لأنَّهم كانوا يَقُولون عِنْد الدُّخُولِ على الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - السَّامُ عَلَيْك، فكان - عليه السلام - يَقُول: وعَلَيْكُم، فجرت السُّنَّةُ بذلك، فإذا قُلْنَا: وعليْكُم السَّلام، فهل يجوز ذِكْر الرَّحْمَة؟ قال الحَسَن: يجُوز أن يُقال للكافِرِ: وعَلَيْكُم السلامَ، ولكن لا يُقَال: ورَحْمَة اللهِ؛ لأنها اسْتِغْفَارٌ.
وعن الشَّعبيّ؛ أنه قال لِنَصْرانيّ وعليْك السَّلام ورَحمة الله، فقيل له فيه، فقال: ألَيْس في رَحْمَة الله [يَعِيشُ] .
الثاني: إذا دَخَل الحَمَّام [فرأى] النَّاس متَّزرين يُسَلِّم عليهم، وإن لم يكُونُوا متَّزرين، لم يُسَلِّم عليهم.
الرابع: ترك السَّلام على القَارِئ؛ لأنه يقطع عليه التِّلاوة؛ وكذلك روايَة الحَدِيث.
الخَامِس: لا يُسَلَّم على المُشْتَغِل بالأذَان والإقَامَةِ.
السادس: لا يسَلَّم [على] لاعب النَّرْدِ، ولا المغَنِّي، ولا مُطَيِّر الحَمَامِ، ولا المستغل بِمَعْصِيَة اللهِ.
السَّابِع: لا يُسَلَّم على المُشْتَغِل بقضاء الحَاجَةِ؛ لما تقدَّم من الحَدِيث، وقال في آخِرِه: «لَولاَ أنِّي خَشِيتُ أنْ يَقُول: سلَّمْت علَيْه فَلَمْ يَرُدَّ الجَوَاب، وإلا لَمَا أجِبْتُك، إذا رَأيْتَنِي على هذه الحَالَةِ، فلا تُسَلِّم، فإنك إن سلَّمْت لم أرُدَّ عَلَيْك» .
الثَّامن: إذا دخل الرَّجُل بَيْتَه فَيُسَلِّم على امْرأته، وإن حَضَرت أجْنَبِيَّة، [لم] يسلم عَلَيْهِمَا.
قال القرطبي: ولا يُسَلِّم على النِّسَاء الشَّابات الأجَانِب؛ خوف الفِتْنَة من مُكَالَمَتِهِن بنزعة شَيْطَانٍ أو خائنة عَيْنٍ، وأما المَحَارِمُ والعجائز فَحَسَنٌ.
فصل
والرَّدُّ فرض كِفَايَة؛ إذا قام به البَعْض سَقَطَ عن البَاقِين، والأوْلى للكُلِّ أن يحيُّوا؛ إذ الرد وَاجِبٌ [على الفَوْر] فإن أخَّر حتى انْقَضى الوَقْت، وأجابه بعد فَوْت [الوقت] ، كان ابْتِداء سَلاَمٍ ولا جَوَاباً، وإذا وَرَد السلام في كِتَاب، فجوابه وَاجِبٌ بالكِتَاب أيْضاً للآية، وإذا سَلَّمت المَرْأة الأجْنَبيَّة عَلَيْه، وكان في رد الجَوَابِ عليها تُهْمَةٌ أو فِتْنَةٌ، لم يجب الردّ، بل الأوْلَى إلا يفعل وحيث قُلْنَا: لا يُسَلِّم، فلو سَلَّم لم يجب الرَّدُّ؛ لأنه أتَى بِفِعْل منهِيٍّ عَنْه، فكان وجوده كَعَدَمِه.
قوله: ﴿إِنَّ الله كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾
قيل: الحِسيب بمعنى المُحَاسِبِ على العَمَل؛ كالأكيل والشَّرِيب والجَليسِ، بمعنى: المؤاكِل والمُشَارِب والمُجَالِس، أي: على كل شَيْءٍ من ردِّ السلام بِمِثلِه وبأحْسن مِنْهُ، «حسيباً» : أي: مُحَاسِباً ومُجَازِياً، وقيل: بمعنى الكَافِي من قَوْلهم: حَسْبي كَذَا، أي: كافياً، قاله أبُو عُبَيْدَة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿حَسْبِيَ الله﴾ [التوبة: 129] ، وقال مُجَاهِد: حَفِيظاً.
4:87Page 92
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧
Allāh - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allāh in statement.
وجه النَّظْمِ أنه - تعالى - يقول: من سَلَّم عليْكُم وحيَّاكم، فاقبلوا سَلامَهُ وأكْرِمُوه وعامِلُوه بناءً على الظَّاهِر، وأما البَوَاطِن فلا يعْلَمُها إلا اللهُ الذي لا إله إلا هُو، وإنما تَنْكَشِفُ بواطن الخَلْقِ في يَوْم القِيَامَة. قوله: «ليجمعنكم» جواب قَسَم مَحْذُوف.
[قال القُرْطُبِيُّ: اللامُ في قوله: «ليجمعنكم» ] لام قَسَم، نزلت في الَّذِين شَكُّوا في البَعْثِ، فأقْسَمَ الله - تعالى - بنفسه، وكلُّ لامٍ بعدها نُونٌ مشَدَّدَةٌ فهي لامُ القَسَم وفي جملةِ هذا القَسَمِ مع جوابه ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدُها: أنها قي مَحَل رفعٍ خَبَراً ثانياً لقوله: «الله» ، و «لا إله إلا هو» : جُمْلَةُ خَبَر أوّل.
والثاني: أنها خَبَر لقوله: «الله» أيضاً، و «لا إله إلا هو» : جملة اعتراضٍ بين المُبْتَدأ وخبره.
والثالث: أنها مُسْتَأنَفةٍ لا محلَّ لها من الإعْرَاب، وقد تقدم إعْرَاب ﴿الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ [البقرة: 255] و ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2] في البقرة.
قوله: ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ فيه ثلاثةُ أوجه:
أحدُها: أنها على بابها من انتهَاءِ الغَايَة، قال أبو حيان: ويكونُ الجَمْع في القُبُور، أو تُضمِّن «ليجمعنكم» معنى «ليحشركم» فيُتَعَدَّى ب «إلى» ، يعني: أنه إذا ضُمِّن الجَمْعُ معنى الحَشْر لم يَحْتج إلى تقدير مَجْمُوع فيه.
وقال أبو البقاءِ - بعد أن جوَّز فيها أن تكون بمَعْنَى «في» -: «وقيل: هي على بابها، أي: ليجمعَنَّكم في القُبُور؛ فعلى هذا يَجُوز أن يكُون مَفْعُولاً به، ويجُوز أن يكون حَالاً، أي: ليجمَعَنَّكم مُفْضين إلى حِسَاب يوم القيامة» يريد بقوله «مفعولاً به» : أنه فَضْلَةٌ كَسَائِر الفضلات، نحو: «سرتُ إلى الكُوفَةِ» ولكن لا يَصِحُّ ذلك إلا بأنْ يُضَمَّنَ الجمعُ مَعْنَى الحَشْرِ كما تقدَّم، وأمَّا تقديره الحَالَ ب «مفضين» فغيرُ جَائزٍ؛ لأنَّه كونٌ مقيَّدٌ.
والثاني: أنَّها بمعنى «فِي» أي: في يوم القِيَامَةِ، ونظيره قولُ النَّابغة: [الطويل]
1885 - فَلاَ تَتْرُكَنِّي بِالوَعِيدِ كَأنَّنِي ... إلَى النَّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القَارُ أجْرَبُ
أي: في النَّاسِ.
والثالث: أنها بِمَعْنَى «مَعَ» ، وهذا غيرُ وَاضِح المَعْنَى.
قال القُرْطِبي: وقيل: «إلى» وصلة في الكلام، والمَعْنَى: «ليجمعنكم» يوم القيامة والقيامة بمعنى القِيام كالطَّلابة والطِّلاب؛ قالوا: ودخلت التاءُ فيه للمُبَالَغَة، كعلاَّمة ونَسَّابَة؛ لِشِدَّةِ ما يَقَعُ فيه من الهَوْل، وسُمِّي بذلك لقيام الناس فيه للحساب؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين﴾ [المطففين: 6] .
وقال الزَّجَّاج: يجُوز أن يُقال: سمِّيت القِيَامَة قِيَامة؛ لقيام الناس من قبورهم؛ قال - تعالى -: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث﴾ [المعارج: 43] .
والجُمْلَة من قوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ فيها وجهان:
أحدهما: أنّضها في مَحَلِّ نَصْبٍ نعتاً لمصدرٍ مَحْذُوف دَلَّ عليه «ليجمعنكم» أي: جمعاً لا رَيْبَ فيه، والضميرُ يعود عليه والأولُ أظهرُ، «ومن أصدق» ، تقدَّم نظيرُ هذه الجُمْلَة، و «حديثاً» نصبٌ على التَّمييز.
وقرأ الحُمْهُور: «أصدق» بصاد خَالِصَة، وحمزة والكسائي: بإشمامها زاياً، وهكذا كلُّ صَادٍ ساكِنَةٍ بعدها دالٌ، نحو: «تصدقون» و «تصدية» ، وهذا كما فعل حَمْزَة في ﴿الصراط﴾ [الفاتحة: 6] و ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22] ، للمجانسة قصد الخِفَّةِ.
فصل
قوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً﴾ أي: قولاً ووَعْداً، وهذا اسْتِفْهَام على سبيل الإنْكَار، والنَقْصُود منه: وجُوب كَوْنه - تعالى - صادقاً، وأن الكَذِب والخُلْفَ في قوله مُحَالٌ.
قال ابن الخَطِيب: ظاهر الآيةِ يدُلُّ على أنَّه - تعالى - أثْبَت أن القِيَامة ستُوجَد لا مَحَالَة، وجعل الدَّلِيل على ذلك مُجَرَّد إخْبَار الله - تعالى - عنه، وهذا حَقٌّ؛ لأن المَسَائل الأصُولِيَّة على قِسْمَين: منها ما العلم بِصِحَّة النبُوَّة يَحْتَاج إلى العِلْم بِصِحَّتِه، ومنها ما لا يكُون كَذَلِك.
فالأوَّل: مثل عِلْمَنا بافتقار العَالِم إلى صَانِعِ عالم بالمَعْلُومَات قادرٍ على كل الممُكِنَات، فإنَّا ما لم نَعْلَم ذلك، لا يمكننا العِلْمُ بصدقِ الأنْبِيَاء، فكل مَسْألة، هذا شَأنُها، فإنه يَمْتَنِعُ إثباتُها بالقُرْآن وإخْبار الأنْبِيَاءِ - عليهم الصلاة والسلام - وإلا وقع الدَّوْر.
وأما القسم الثَّاني: وهو جملة المَسَائِل التي لا يَتَوَقَّف العِلْم بِصَحَّة النُّبُوَّة على العِلْم بصحَّتِها، فكل ذلك مِمَّا يمكن إثْبَاتُه بالقُرْآنِ وبكلام الله - تعالى -، فثبت أن الاستدلالَ على قِيَامِ القِيَامَةِ بإخْبَار الله - تعالى - عنه اسْتِدلال صَحِيحٌ. انتهى.
فصل
استدلت المُعْتَزِلَة بهذه الآية على أنَّ كلام الله - تعالى - مُحْدَثٌ، قالوا: لأنَّهُ تعالى وَصَفَهُ بكونه حَدِيثاً في هذه الآيَةِ وفي قَوْله - تعالى -: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً﴾ [الزمر: 23] ، والحديث: هو الحَادِثُ والمُحْدِث.
والجواب: أنكم تَحْكُمُون بحدُوثِ الكلام الذي هو الحَرْف والصَّوْت، ونحن لا نُنَازعُ في حُدُوثِهِ، إنما [الَّذِي] نَدَّعِي قدمه شَيْء آخَر غير هذه الحُرُوف والأصْوَات، والآيَةُ لا تدل على حُدُوث ذلك الشَّيْء ألْبَتَّةَ بالاتِّفَاقِ منَّا ومنْكُم؛ أمَّا مِنَّا: فظاهِر، وأما منكم: فإنَّكُم تَنْكِرُون وُجُود كلامٍ سوى هذه الحُرُوف والأصْوات، فكَيْف يُمْكِنكُم أن تَقُولوا بدلالة هذه الآية على حُدُوثه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences