Ibn 'AdilAl‑Fath · 48:11–23

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Al-Fath 48:11–23

48:11–14Page 512

سَيَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ شَغَلَتۡنَآ أَمۡوَٰلُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ بَلۡ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرَۢا ١١

Those who remained behind1 of the bedouins will say to you, "Our properties and our families occupied us, so ask forgiveness for us." They say with their tongues what is not within their hearts. Say, "Then who could prevent Allāh at all if He intended for you harm or intended for you benefit? Rather, ever is Allāh, of what you do, Aware.

بَلۡ ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهۡلِيهِمۡ أَبَدٗا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمۡ وَظَنَنتُمۡ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِ وَكُنتُمۡ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٢

But you thought that the Messenger and the believers would never return to their families, ever, and that was made pleasing in your hearts. And you assumed an assumption of evil and became a people ruined."

وَمَن لَّمۡ يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فَإِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَعِيرٗا ١٣

And whoever has not believed in Allāh and His Messenger - then indeed, We have prepared for the disbelievers a Blaze.

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٤

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ المخلفون مِنَ الأعراب﴾ قال ابن عباس: ومجاهد: يعني أعراب غِفَار، ومُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ، وأشْجَعَ وَأسْلَمَ، وذلك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً اسْتَنفَرَ من حول المدينة من الأعراب، والبَوَدِي ليخرجوا معه حَذَراً من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت فأحرم بالعمرة وساق معه الهَدْي، ليعلمَ الناسُ أنه لا يريد حَرباً فتثاقل كثيرٌ من الأعارب وتخلفوا واعْتَلُّوا بالشغل لظنهم أنه يهزم، فأنزل الله هذه الآية.

قوله: «شَغَلَتْنَا» حكى الكسائي عن ابن مدح أنه قرأ: شَغَّلَتْنَا بالتشديد ﴿أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ يعني النساء والذَّرَارِي أنْ لم يكن لنا من يخلفنا فيهم ﴿فاستغفر لَنَا﴾ تَخَلٌّفَنَا عنك.

فكذبهم الله في اعتذارهم فقال: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الأمر بالاستغفار فإنهم لا يبالون أستغفر لهم النبي أو لا. ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً﴾ قرأ الأخوان ضُرًّا بضم الضاد والباقون بفتحها.

فقيل: هما لغتان بمعى كالفَقْر والفُقْر والضَّعف والضُّعْف، وقيل: بالفتح ضِدُّ النفع، وبالضم سُوء الحال فمن فتح قال: لأنه قابله بالنفع، والنفع ضد الضر، وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدفع عنهم الضر، ويجعل لهم النفع بالسلامة في أموالهم وأنفسهم فأخبرهم أنه إن أراد بهم شيئاً من ذلك لم يقدر واحد على دفعه ﴿بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي بما تعلنون من إظهار أمر وإضمار غيره.

قوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ أي ظننتم أن العدون يستأصلهم ولا يرجعون. قرأ عبد الله: إلَى أهلهم دون ياء، بل أضاف الأهل مفرداً.

قوله: ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ . قرىء: وزين مبنياً للفاعل أي الشيطان أو فِعْلُكُم زين ذلك الظن في قلوبكم ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء﴾ وذلك أنهم قالوا: إن محمداً وأصحابه أكلة رأس فلا يرجعون فأين تذهبون معه؟ انتظروا ما يكون من أمرهم ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ أي صرتم هَلْكَى لا تصلحون لخير. وقيل: كنتم على بابها من الإخبار بكونهم في الماضي كذا. والبُورُ الهلاكُ. وهو يحتمل أن يكون هنا مصدراً أخبر به عن الجمع كقوله:

4490 - يَا رَسُول الإِلَهِ إنَّ لِسَانِي ... رَاتِقٌ مَا فَتقْتُ إذْ أَنَا بُورُ

ولذا يستوي فيه المفرد والمذكر وضدهما. ويجوز أن يكون جمع بَائرٍ كحَائل وحُولٍ في المعتل وبَازِل وبُزْلٍ في الصحيح.

قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بالله﴾ يجوز أن يكون (من) شرطية أو موصولة. والظاهر قائم مقام العائد على كلا التقديرين أي فإنا أعتدنا لهم. وفيه فائدة وهي التعميم كأنه قال: ومن لم يؤمن بالله ورسوله فهو من الكافرين وإنّا أعتدنا للكافرين سعيراً.

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوت والأرض يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ ذكر هذه بعد ذكر من له أجر عظيم من المبايعين ومن له في السعير عذاب أليم من الظالمين الضالين. وذلك يفيد عظمة الأمرين جميعاً، لأن من عظم ملكه يكون أجره وهيبته في غاية العظمة وعذابه وعقوبته في غاية الألم.

48:15–17Page 512

سَيَقُولُ ٱلۡمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقۡتُمۡ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأۡخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعۡكُمۡۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَٰمَ ٱللَّهِۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمۡ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبۡلُۖ فَسَيَقُولُونَ بَلۡ تَحۡسُدُونَنَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَفۡقَهُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥

Those who remained1 behind will say when you set out toward the war booty to take it, "Let us follow you." They wish to change the words of Allāh. Say, "Never will you follow us. Thus did Allāh say before." So they will say, "Rather, you envy us." But [in fact] they were not understanding except a little.2

قُل لِّلۡمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ سَتُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ قَوۡمٍ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ تُقَٰتِلُونَهُمۡ أَوۡ يُسۡلِمُونَۖ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤۡتِكُمُ ٱللَّهُ أَجۡرًا حَسَنٗاۖ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ كَمَا تَوَلَّيۡتُم مِّن قَبۡلُ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦

Say to those who remained behind of the bedouins, "You will be called to [face] a people of great military might; you may fight them, or they will submit.1 So if you obey, Allāh will give you a good reward; but if you turn away as you turned away before, He will punish you with a painful punishment."

لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبۡهُ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٧

There is not upon the blind any guilt or upon the lame any guilt or upon the ill any guilt [for remaining behind]. And whoever obeys Allāh and His Messenger - He will admit him to gardens beneath which rivers flow; but whoever turns away - He will punish him with a painful punishment.

(قوله تعالى) : ﴿سَيَقُولُ المخلفون إِذَا انطلقتم﴾ ﴿امَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ يعني هؤلاء الذين تخلفواعن الحديبية ﴿إِذَا انطلقتم﴾ سرتم وذهبتم أيها المؤمنون ﴿امَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ يعني مغانم خيبر ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ إلى خيبر لنشهد معكم قتال أهلها، وذلك أنهم لما انطلقوا انصرفوا من الحديبية وعدهم الله فتح خير، وجعل عنائمهنا لمن شهد الحديبية خاصة عوضاً من غنائم مكة إذا انصرفوا من الحديبية (منهم على صلح) ولم يصيبوا منهم شيئاً، (لأن قوله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ وعد للمبايعين بالغنيمة وللمخلفين الحالفين بالحرمان) .

قوله: يُرِيدُ (ونَ) يجوزو أن يكون مستأنفاً وأن يكون حالاً من «المخلفون» وأن يكون حالاً من مفعلو «ذَرُونَا» .

قوله: ﴿كَلاَمَ الله﴾ قرأ الأخوان كَلِمَ جمع كلمة والبقاون كَلاَم قيل معناه: يريدون أن يغيروا تواعد الله تعالى لأهل الحديبية، بغنيمة خيبر خاصة وقال مقاتل: يعني أمر الله لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن لا يسيِّر معه منهم أحداً. وقال ابن زيد: هو أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما تخلف القوم أطعله الله على ظنهم وأظهر له نفاقهم وقال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً﴾ [التوبة: 83] . والأولى أصوب وعليه أكثر المفسرين.

قوله: ﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا﴾ إلى خيبر ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب.

قوله: ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ قرأ أبو حيوة تَحْسِدُونَنَا بكسر السين «بَلْ» للإضْراب والمضروب عنه محذوف في الموضعين عنه محذوف الموضعين أما ههنا فتقديره ما قال الله كذلك من قبل بل تحسدوننا أي يمنعكم الحد من أن نصيب منكم العنائم ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ لا يعلمون عن الله ما لهم وعليهم من الدين ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ منهم وهم من صدق الله وروسله.

(فإن قيل: بماذا كان الحسد في اعتقادهم؟

قلنا: كأنهم قالوا: نحن (كنا) مصيبين في عدم الخروج (حيث) رَجَعُوا من الحديبية من غير عدو حاصل، ونحن اسْتَرَحْنَا فإن خرجنا معهم ويكون فيه غنيمة يقولون هم غنموا معنا ولم يتعبوا معنا. ثم قال الله تعالى رداً عليهم كما ردوا عليه: ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي لم يفقهوا من قولك: لا تخرجوا إلا ظاهر النهي، فلم يفهموا حكمة إلاَّ قليلاً فحملوه على ما أرادوه وعللوه بالحسد. .) .

قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعراب سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ﴾ لما قال للنبي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لهم لن تتبعونا، ولن تخرجوا معي أبداً كان المخلفون جمعاً كثيراً من قبائل متشعبة دعت الحاجة إلى بيان قبول توبتهم، فإنهم لم يبقوا على ذلك، ولم يكونوا من الذين مَرَدُوا على النفاق بل منهم من حسن حاله فجعل لقبول توتبهم علامة (وهو أنهم يدعون إلى قوم أولي بأس شديد، ويطيعون بخلاف حال ثَعْلَبَةَ، حيث امتنع من أداء الزكاة، ثم أتى بها ولم يقبل منه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ واستمر عليه الحال، ولم يقبل منه أحد من الصحابة كذلك كان يستمر حال هؤلاء لولا أن الله تعالى بين أنهم يدعون: فإن أطاعوا أعطوا الأجر الحسن.

والفرق بين حال هؤلاء وبين حال ثعلبة من وجهين:

أحدهما: أن ثعلبة يجوز أن يقال حاله لم يكن يتغير في علم الله فلم يبين لتوبته علامة) وحل الأعراب تغيرت، فإن بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يبق من المنافقين على النفقا أحدٌ.

الثاني: أن الحاجة إلى بيان حال الجمع الكثير، والْجَمِّ الغفير، أمسّ؛ لأنه لولا البيان لأفضى الأمر إلى قيام الفتنة بين فِرَق الْمُسْلِمِينَ.

( «فصل»

قال ابن عباس ومجاهد: المراد بقوله ﴿قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ﴾ : هم أصحاب فارس. وقال كعب: الروم وقال الحسن: فارس والروم. وقال سعيد بن جبير: هوازن وثقيف. وقال قتادة: هوازن وغطفان قوم حنين. وقال الزهري ومقاتل وجماعة: هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب. وقال رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم. وقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعد) .

قوله: ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ العامة على رفعه بإثبات النون عطفاً على «تُقَاتِلُونَهُمْ» أو على الاستئناف أي أو هُمْ يُسْلِمُونَ. وقرأ أبيّ وزيدُ بن عليٍّ بحذف النون نصباً بحذفها.

والنصب بإضمار «أن» عند جمهور البصريين، وب «أو» نفسها عند الجَرْمي والكِسَائيِّ، ويكون قد عطف مصدراً مؤولاً على مصدر متوهم كأنه قيل: يكون قتالٌ أو إسلامٌ. ومثله في النصب قول امرىء القيس:

4491 - فَقُلْتُ لَهُ لاَ تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّمَا ... نُحَاوِلُ مُلْكاً أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا

وقال أبو البقاء: أو بمعنى إلاَّ أَنْ، أو حَتَّى.

( «فصل»

معنى قوله: تقاتلونهم أن يسلمون إشارة إلى أن أحدهما يقع؛ لأن «أو» تبين المتغايرين وتُنْبِىءُ عن الحصر، يقال: العدد زوجٌ أو فردٌ، ولهذا لا يصح قوله القائل: هذا زيدٌ أو ابن عمرو؛ أذا كان زيد ابن عمرو؛ إذا علم هذا فقول القائل: أُلاَزِمُكَ أَوْ تَقضينِي حَقِّي معناه أن الزمان انحصر في قسمين: قسم يكون فيه الملازمة، وقسم يكون فيه قضاءُ الحق فيكون قوله: «أُلاَزِمُكَ أو تقضيني» ، كقوله: ألازمك إلى أن تقضيني، لامتداد زمان الملازمة إلى القضاء) .

قوله: ﴿فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً﴾ يعني الجنة ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ﴾ تُعْرِضُوا ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ﴾ عام الحديبية ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ وهو النار، فلما نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة: كيف بنا يا رسول الله؟ فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ﴾ أي في التخلف عن الجهاد ﴿وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ﴾ .

وذلك لأن الجهادَ عبارة عن المقاتلة والكرِّ والفَرِّ، وهؤلاء الثلاثةلا يمكنهم الإقدام على العدو والطلب، ولا يمكنهم الاحتراز والهرب. وفي معنى الأعرج الأَقْطَعُ المُقْعَد بل أولى أن يعذر، ومن به عَرَجٌ لا يمكنه من الكرِّ والفرِّ لا يعذر، وكذلك المرض الذي لا يمنع من الكر والفر كالطّحال والسُّعال وبعض أوجاع المفاصل إذا لم يُضْعِفْهُ عن الكرِّ والفر، فهذه الأعذار في نفس المجاهد، وتبقى أعذار خارجة، كالفقر الذي لا يمكن صاحبه من ستصحاب ما يحتاج له وكذا الاشتغال بمن لولاه لضاع كطفلٍ أو مريضٍ.

والأعذار المبيحة مذكورة في كتب الفقه. وقدم الأعمى على الأعرج، لأن عذر الأعمى يستمر ولو حضر القتال، والأعرج إن حضر راكباً أو بطريق يقدر على القتال بالرمي وغيره.

قوله: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً﴾ قرأ أهل المدينة والشام ندخله ونعذبه بالنون فيهما. وقرآ الآخرون بالياء لقوله: ﴿ومن يطع الله ورسوله﴾ .

48:18–23Page 513

۞ لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا ١٨

Certainly was Allāh pleased with the believers when they pledged allegiance to you, [O Muḥammad], under the tree, and He knew what was in their hearts, so He sent down tranquility upon them and rewarded them with an imminent conquest1

وَمَغَانِمَ كَثِيرَةٗ يَأۡخُذُونَهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٩

And much war booty which they will take. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٗ تَأۡخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمۡ هَٰذِهِۦ وَكَفَّ أَيۡدِيَ ٱلنَّاسِ عَنكُمۡ وَلِتَكُونَ ءَايَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَيَهۡدِيَكُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢٠

Allāh has promised you much booty that you will take [in the future] and has hastened for you this [victory] and withheld the hands of people from you - that it may be a sign for the believers and [that] He may guide you to a straight path.

وَأُخۡرَىٰ لَمۡ تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهَا قَدۡ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢١

And [He promises] other [victories] that you were [so far] unable to [realize] which Allāh has already encompassed.1 And ever is Allāh, over all things, competent.

وَلَوۡ قَٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٢٢

And if those [Makkans] who disbelieve had fought you, they would have turned their backs [in flight]. Then they would not find a protector or a helper.

سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٢٣

[This is] the established way of Allāh which has occurred before. And never will you find in the way of Allāh any change.

قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين ... ﴾ الآية لما بين حال المخلفين بعد قوله: ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: 10] عاد إلى بيان حال المبايعين.

قوله: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ منصوب ب «رَضِيَ» و «تَحْتَ الشَّجَرَة» يجوز أن يكون متعلقاً ب «يُبَايِعُونَكَ» وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول.

( «فصل»

المعنى: يبايعونك بالحديبية على أن يناجزوا قريشاً، ولا يفروا. وقوله: «تَحْتَ الشَّجَرَة» وكانت سمرة قال سعيد بن المسيب: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تحت الشجرة قال: فلما خرجنا من العام المقبل نَسِيناها فلم نقدر عليها. وروي أن عمر بن الخطاب مرّ بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة فقال: أين؟ فجعل بعضهم يقول: ههنا، وبعضهم ههنا، فلما كثر اختلافهم قال: سيروا قد ذهبت الشجرة. وروى جابر بن عبد الله قال: «قَالَ لَنَا رسول الله صلى الله عليه سولم يوم الحديبية أنتم خير أهل الأرض، وكنا ألفاً وأَرْبَعَمِائةٍ ولو كنت أبصر اليوم لأَرَيْتُكُمْ مَكَانَ الشَّجَرَة. وروى سالم عن جابر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: لاَ يَدْخُلُ النار أحَجٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) » .

قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الصدق والوفاء ﴿فَأنزَلَ السكينة﴾ الطمأنينة والرضا «عَلَيْهِمْ»

فإن قيل: الفاء للتعقيب وعلم الله قبل الرضا؛ لأن علم ما في قلوبهم من الصدق فرضي عنهم فكيف يفهم التعقيب في العلم؟

فالجواب: قال ابن الخطيب: إن قوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ كما تقول: «فَرِحْتُ أَمس إِذْ كَلَّمت زَيْداً فَقَامَ لي، وإذْ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَكْرَمِني» فيكون الفرح بعد الإكرام مرتباً كذلك ههنا قال تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ ... فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الصدق إشارة ألى أن الرضا لا يكون عند المبايعة (حَسْب بل عند المبايعة) التي كان معها علم الله بصدقهم. والفاء في قوله ﴿فَأنزَلَ السكينة﴾ للتعقيب المذكور، فإنه تعالى رضي عنهم فأنزل السكينة عليهم.

وفي قوله: «فَعَلِمَ» لبيان وصف المبايعة يكون (ها) معقبة بالعلم بالصدق الذي في قلوبهم.

قوله: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ يعني فتح خيبر. وقوله: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ أي وآتاهم مَغَانِمَ أو أثابهم مغانم. وإنما قدر الخطاب والغيبة لأنه يقرأ: «يَأخُذُونَهَا» بالغيبة، وهي قراءة العامة، و «تَأخُذُونَهَا» بالخطاب وهي قراءة الأعمش وطَلْحَةَ ونافعٍ في رواية سِقْلاَبٍ.

فصل

قيل: المراد بالمغانم الكثيرة مغانم خيبر، وكانت خيبر ذاتَ عَقَار وأموال فقسمها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بينهم.

وقيل: مغانم هجر.

﴿وَكَان الله عَزِيزا﴾ كامل القدرة غنياً عن إعانتكم إياه «حَكِيماً» حيث جعل هلاك أعدائه على أيديهم ليثيبكم عليه، أو لأن في ذلك كان إعزاز قوم وإذلالَ لآخرين فقال: يُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ بِعِزَّتِهِ، ويعز من يشاء بِحِكْمَتِهِ.

قوله: ﴿وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ وهي الفتوح التي تفتح لهم إلىيوم القيامة وليس المغانم كل الثواب، بل الجنة قُدَّامهم، وإنما هي عاجلة عَجَّلَ بها لهم، ولهذا قال: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه﴾ يعني خيبر ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ الناس عَنْكُمْ﴾ وذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قصد خَيْبَرَ وحَاصَرَ أهلها هَمَّ قبائلُ من أَسَدَ، وغَطَفَان، ِأن يُغِيرُوا على عِيَال المسلمين وذَرَارِيهِمْ بالمدينة فكف الله أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم. وقيل: كف أيدي الناس عنكم يعني أهل مكة بالصلح، وليكون كفهم وسلامتكم آية للمؤمنين على صدقك، ويعلموا أن الله هو المتولِّي حياطتهم وحِرَاسَتَهُمْ في مشَهْدِهِمْ ومغيبهم.

قوله: «وَلتَكُونَ» يجوز فيه ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يتعلق بفعل مقدر بعد تقديره: ولِتَكُونَ (فعلك) فعل ذلك.

الثاني: أنه معطوف على علة محذوفة تقديره: وَعَدَ فَعَجَّل وَكَفَّ لينتفعوا ولِيَكُونَ أو لتشكروا ولتكون.

الثالث: أن الواو مزيدة. والتعليل لما قبله أي وَكَفَّ لتكون.

قوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ يثيبكم على الإسلام، ويزيدكم بَصيرَةً ويقيناً بصُلْح الحديبية وفتح خيبر، وذلك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المُحَرَّم، ثم خرج في سَنَةِ سَبع إلىخيبر. روى أنسُ بن مالك (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن بغير بنا حتى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ، فإن سمع أَذَاناً كفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم، قال: فخرجنا إلى خَيْبَرَ، فانتهينا إليهم، فلما أصبح لم يسمع أذاناً (ركب) وركبتُ خلف أبِي طلحة، وإن قدمي لتمَسُّ قدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومَسَاحِيهم فلما رآهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: الله أكبر الله أكبر خَربتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ. وروى إياسُ بْنُ سَلَمَةَ قال حدثني أبي قال: خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: فجعل عمي يَرْتَجِزُ بالقَوم:

4492 - تَاللهِ لَوْلاَ اللهُ مَاأهْتَدَيْنَا ... وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنضا ... وَنَحْنُ مِنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا ... فَثَبِّتِ الأَقَدْامَ إنْ لاَ قَيْنَا ... وَأَنْزِلَننْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مَنْ هَذَ؟ فقال: أنا عامر، قال: غَفَر الله لك ربك. وما استغفر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لإنسان يَخُصُّه إلا استشهد.

قال: فنادى عمرُ بنُ الخَطَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وهُوَ على جمل له: يا نبيّ الله لولا مَتَّعْتَنَا بعامرٍ قال: فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مَرْجَبُ يخطر بسيفه يقول:

4493 - قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلاَح يَطَلٌ مُجَرِّبُ إذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ ... فقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه:

4494 - أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهُ ... كَلَيْثِ غابَاتٍ كَرِيهِ المَنْظَرَه ... أَكِيلُكُمْ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ ... قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه.

(ومعنى أكليكم بالسيف كيل السندرة أي أقتلكم قتلاً واسعاً ذريعاً. والسَّندرة مكيال واسع. قيل يحتمل أن يكون اتخذ من السندرة وهي شجرة يعمل منها النَّبْل، والقِسِيُّ، والسَّنْدرة أيضاً العجلة، والنون زائدة. قال ابن الأثير: وذكرها الجَوْهَرِيُّ في هذا الباب ولم ينبه على زيادتها) .

وروي فتح خيبر من طرق أُخَر في بعضها زيادات وفي بعضها نقصان عن بعض.

قوله: «وأخرى» يجوز فيها أوجه:

أحدها: أن تكون مرفوعة بالابتداء و ﴿لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ صفتها و ﴿قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا﴾ خبرها.

الثاني: أن الخبر «منهم» محذوف مقدر قبلها، أي وَثَمَّ أخرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا.

الثالث: أن تكون منصوبة بفعل مضمر على شريطة التفسير، فتقدر بالفعل من معنى المتأخر وهو ﴿قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا﴾ أي وقَضَى اللهُ أُخَْرَى.

(الرابع: أن تكمون منصوبة بفعل مضمر لا على شريطة التفسير، بل لِدَلاَلة السِّياقِ، أي ووَعَدَ أُخْرَى، أو وآتاكُمْ أخرى.

الخامس: أن تكون مجرورة ب «رُبَّ» مقدرة، ويكون الواو واو «رب» ذكره الزمخشري. وفي المجرور بعد الواو المذكورة خلاف مشهور أهنو برُبَّ مضمرة أم بنفس الواو؟ إلا أبا حيان قال: ولم تأت «رُبَّ» جارة في القرآن على كَثْرة دورها، يعني جارة لفظاً وإلا تقدر. قيل: إنها جارة تقديراً هنا وفي قوله: ﴿رُّبَمَا﴾ [الحجر: 2] على قولنا: إنّ ما نكرة موصوفةٌ) .

قوله: ﴿قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا﴾ يجوز أن يكون خبراً ل «أُخْرَى» كما تقدم، أو صفة ثانية إذَا قِيلَ بأن أخرى مبتدأ وخبرها مضمر أو حالاً أيضاَ.

فصل

قال المفسرون: معناه أي وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقِدروا عليها قد أحاط الله بها حتى يفتحها لكم كأنه حفظها لكم، ومنعها من غيركم حتى تأخذوها. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) علم الله أنه يفتحها لكم. قال ابن الخطيب: تقديره: وعدكم الله مغانم تأخذونها، ومغانم لا تأخذونها أنتم ولا تقدرون عليها، وإنما يأخذها من يجيء بعدكم من المؤمنين. وهذا تفسير الفراء. قال: معنى قوله: ﴿قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا﴾ أي حفظها لمؤمنيني، لا يجري عليها هلاك وفناء إلى أن يأخذها المسلمون كإحاطة الحُرَّاسِ بالخَزَائِنِ.

واختلفوا فيها فقال ابنُ عباس والحسن ومقاتل: هي فارس والرومُ، وما كانت العرب تقدر على قتال فارس والروم، بل كانوا حولاً لهم حتى قدروا عليها الإسلام.

وقال الضَّحَّاكُ وابنُ زيد: هي خيبر وعدها الله عزّ وجلّ نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قبل أن يصيبها ولم يكونوا برجونها. وقال قتادة: هي مكَّة. وقال عِكْرِمَةُ: حُنَيْن. وقال مجاهد: وما فَتَحُوا حتى اليوم، ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ .

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الذين كفَرُواْ﴾ يعني أسداسً وغَطفانَ وأَهْلَ خَيْبَرَ ﴿لَوَلَّوُاْ الأدبار﴾ ، قال ابن الخطيب: وهذا يصلح جواباً لمن يقول: كَفّ الأيدي عنهم كان أمراً اتفاقياً، ولو اجتمع عليهم العرب كما زعموا لمنعوهم من فتح خيبر واغتنام غنائمها، فقال: ليس كذلك بل سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا ينصرون والغلبة واقعة للمسلمين، فليس أمرهم أمراً اتفاقياً، بل هو أمر إلهيٌّ محكوم به محتوم. وثم قال ﴿لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ .

قوله: ﴿سُنَّةَ الله﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة المقدمة، أي سَنَّ اللهُ ذَلك سنةً.

قال ابن الخطيب: وهذا جواب عن سؤال آخر يقوله قومٌ من الجُهَّال وهو: إن الطَّوَالِعَ والتأثيرات والاتِّصالاتِ تأثيراتٌ وتغييرات فقال: ليس كذلك، بل سنة الله نصرة رسوله، وإهلاك عدوه، والمعنى: هذه سنة الله في نصرة أوليائه، وقهر أعدائه ﴿تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском