Ibn 'AdilAl‑Ma'idah · 5:3–5

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:3–5, continued

وقوله: ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ﴾ جُمْلةٌ، إمَّا في محلِ جَزْمٍ، أو رفعٍ على حَسَبِ ما قيل في «مَنْ» ، وكذلك القول في الفاء إما واجبةٌ أو جائزةٌ، والعائدُ على كِلاَ التقديرين محذوفٌ، أيْ: «فَإِنَّ الله غَفُورٌ» له، [يعني] : يَغْفِرُ له أكْلَ المُحَرَّمِ عند الاضطرارِ «رَحِيمٌ» بعباده، حَيْثُ أحَلَّ لهم ذلك المحرمَ عند احتياجهم إلى أكْلِهِ، وهذا مِنْ تَمام ما تقدم ذكره في المطاعِمِ التي حَرَّمَها الله تعالى، يَعْنِي: إنها وإنْ كانت مُحرمةً إلا أنها تحل في حالِ الاضطرارِ، ومن قوله: «فِسْق» إلى هاهنا - اعتراضٌ وقع في النَّسَقِ، والغَرَضُ منه تأكيدُ ما ذُكِر مِنْ مَعْنى التحريم، فإن تحريم هذه الخبائثِ من جملةِ الدِّينِ الكاملِ والنعْمةِ الثابتةِ والإسلامِ الذي هو الدينُ المرضيُّ عند الله تعالى.

5:4Page 107

يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٤

They ask you, [O Muḥammad], what has been made lawful for them. Say, "Lawful for you are [all] good foods and [game caught by] what you have trained of hunting animals1 which you train as Allāh has taught you. So eat of what they catch for you, and mention the name of Allāh upon it, and fear Allāh." Indeed, Allāh is swift in account.

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ﴾ الآية.

وهذا أيضاً مُتَّصِلٌ بما قَبْلَهُ من ذِكْرِ المطعُومَاتِ، وقد تقدم الكلامُ على «مَاذَا» [وما قيل فيها فليلتفت إليه] .

وقوله: «لَهُمْ» بلفظ الغَيْبَةِ لتقدمِ ضَميرِ الغَيْبةِ في قوله تعالى: «يَسْألُونَكَ» .

ولو قيل في الكلام: ماذا أحِلَّ لنا؟ لكان جائزاً على حكايةِ الجملةِ، كقولك: أقْسَمَ زَيْدٌ ليَضرْبَنَّ ولأضربَنَّ، بلفظ الغيبة والتكلمِ، إلا أن ضمير المتكلّمِ يَقْتَضي حكايةَ ما قالوا: كما أن «لأضربن» يقتضي حكاية الجملة المقسم عليها، و «ماذا أحِلّ؟» هذا الاستفهامُ معلّق للسؤال، وإن لم يكن السؤالُ من أفعالِ القُلُوبِ إلاَّ أنَّهُ كان سبب العلم، والعلم يعلق، فكذلك سببهُ، وقد تقدم تحريره في «البقرة» .

وقال الزمخشري هنا: في السؤال معنى القول، فلذلك وقع بعده ماذا أحل لهم، كأنه قيل: يقولون: ماذا أحل لهم، ولا حاجة إلى تضمين السؤال معنى القول؛ لما تقدم من أن السؤال يعلق بالاستفهام كمسببه.

وقال ابن الخطيب: لو كان حكاية لكلامهم لكانوا قد قالوا: ماذا أحلَّ لهم، ومعلوم أن ذلك باطل لا يقولونه، وإنما يقولون ماذا أحِلَّ لنا، بل الصحيح أنه ليس حكاية لكلامهم، بل هو بيان كيفية الواقعة.

قال القُرْطُبي: «مَا» فِي مَوْضِعِ رفعٍ بالابتداء، والخبرُ «أُحِلَّ لَهُمْ» ، و «ذَا» زَائِدَةٌ وإنْ شِئْتَ كانت بمعنى «الذي» ، ويكون الخبر {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات» .

فصل في سبب نزولها

قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: نزلت هذه الآيةُ في عديّ بْنِ حَاتِم، وَزَيْدِ بْنِ المُهَلْهِلِ [الطائيين وهو] زَيْدُ الخيل الذي سمَّاه النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ زيد الخيْرِ، فقال: «يا رسول الله، إنّا قَوْمٌ نَصِيدُ بالكِلاَبِ، والبزاةِ، فَمَاذَا يَحِلُّ لَنَا منها؟» . فنزلت هذه الآية.

وقيل: سببُ نزولِها أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما أمر بقتل الكلابِ، قالوا: يا رسول اللَّهِ، ماذا يحلُّ لنا من هذه الأمَّةِ التي أمرت بقتلها؟ فنزلت هذه الآية، فلما نزلت أذِنَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في اقتناءِ الكِلابِ التي يُنْتَفَعُ بها، وَنَهَى عن إمْسَاكِ مَا لاَ يُنْتَفَعُ بها.

قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات﴾ يعني: الذَّبَائح على اسم الله عزَّ وجلَّ.

وقيل: كلُّ ما تستطيبه العرب وتستلذُّه من غير أن يراد بتحريمه نصٌّ من كتاب أو سنة، وكانت العرب في الجاهليةَ يحرمون أشياء [من الطيبات] كالبحيرَة والسَّائِبَةِ والوَصِيلَةِ، والحامِ، فهم كانوا يستطيبونها إلا أنَّهُم كانوا يحرِّمُونَ أكلها لِشُبُهَاتٍ ضعيفة، فذكر تعالى أن كلَّ ما يُسْتَطَابُ فهو حلال، وأكَّدَهُ بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق﴾

[الأعراف: 32] وبقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث﴾ [الأعراف: 157] ، والطَّيب في لغةِ العرب هو المستلذُّ والحلالُ المأذُونُ، يصير - أيضاً - طَيّباً تشبيهاً بما هو مستلذ؛ لأنَّهُما اجتمعا في انتفاء الضَّرورة، ولا يمكن أن يكونَ المرادُ بالطيِّبَاتِ هنا المحللات وإلا لصار تقديرُ الآية: قل [أحِلَّ] لكم المحللات، وهذا ركيك، فوجب حمل الطيبات على المستلذِّ المشتهى.

واعلم أن العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة؛ فإنَّ أهل البادية يستطيبون أكلَ جميع الحيوانات، واعلمْ أنَّ قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً﴾ [البقرة: 29] يقتضي التَّمكن من الانتفاع بكل ما في الأرض، إلا أنَّهُ ورد تخصيصه بقوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث﴾ [الأعراف: 157] ، ونص في هذه الآية على إبَاحَةِ المستلذات والطيبات، وهذا أصل كبير في معرفة ما يحلُّ وما يحرمُ من الاطعمة.

قوله سبحانه: ﴿لطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح مُكَلِّبِينَ﴾ في «ما» هذه ثلاثة أوجه:

أحدها: أنها موصولة بمعنى «الذي» ، والعائد محذوف، أي [ما] علمتموه، ومحلها الرفع عطفاً على مرفوع ما لم يُسَمَّ فاعله أي: وأحل لكم صَيْدُ أو أخذ ما علمتم، فلا بد من حذف هذا المضاف.

والثاني: أنَّهَا شرطيّة فمحلها رفع بالابتداء، والجوابُ قوله: «فَكُلُوا» .

قال أبو حيان: وهذا أظهرُ؛ لأنَّه لا إضمار فيه.

والثالث: أنَّهَا موصولة - أيضاً - ومحلُّها الرفع بالابتداء، والخبر قوله: «فَكُلُوا» وإنَّمَا دخلت الفاء تَشَبُّهاً للموصول باسْمِ الشَّرْطِ، وقوله: من الجَوَارِحِ في محَلِّ نصب، وفي صاحبها وجهان:

أحدهما: أنَّهُ الموصول وهو «ما» .

والثاني: أنَّهُ الهاء العائدة على الموصول، وهو في المعنى كالأوَّل.

والجوارح: جمع جارحة، والهاء للمبالغة سميت بذلك؛ لأنَّهَا تجرح الصيد غالباً، أو لأنَّهَا تكسب والجرح الكَسْب.

ومنه: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار﴾ [الأنعام: 60] والجارحة صفة جارية مجرى الأسماء؛ لأنَّهَا لم تذكر موصوفها غالباً.

وقرأ عبد الله بن عبَّاس، وابن الحنفية «عُلِّمْتُمْ» مبنياً للمفعول، وتخريجها: أن يكون ثَمَّ مضافٌ محذوف، أي: وما علّمكم الله من أمر الجوارح [ «مكلبين» : حال من فاعل «علمتم» ومعنى مكلبين: مؤدبين ومضرين ومعوِّدين، أي: حال تكليبكم] هذه الجوارح، أي: إغرائكم إياها على الصَّيد.

قال أبو حيَّان: وفائدة هذه الحال، وإن كانت مؤكدة لقوله: «عَلَّمتم» - فكان يستغنى عنها - أن يكون المعلم ماهراً بالتعليم، حاذقاً فيه موصوفاً به اه.

وفي جعله هذه الحال مؤكدةً نظر، بل هي مؤسسة.

واشتُقَّت هذه الحالُ من لفظ «الْكَلْب» هذا الحيوان المعروف، وإن كانَتِ الجوارحُ يندرج فيها غيره حتى سِبَاعُ الطيور تغليباً له؛ لأنَّ الصَّيْدَ أكثر ما يكون به عند العَرَبِ.

أو اشتقت من «الكَلَب» ، وهو الضَّراوة، ويقال: هو كَلِبٌ بكذا أي: حريص، وبه كَلَبٌ أي حِرْصٌ، وكأنه - أيضاً - مشتقّ من الكَلْبِ هذا الحيوان لحرصه أو اشتقت من الكَلْبِ، والكَلْبُ: يطلق على السَّبُع - أيضاً -.

ومنه الحديث: «اللهُمَّ سَلِّطْ عليهِ كَلْباً مِنْ كِلابِكَ» فأكله الأسَدُ.

قال أبو حيَّان: وهذا الاشتقاق لا يَصِحُّ؛ لأنَّ كونَ الأسَدِ كَلْباً هو وصف فيه، والتكليب من صفة المعلّم، والجوارح هي سِباعٌ بنفسها، وكلاب بنفسها لا بجعل المُعَلِمِّ، ولا طَائِلَ تحت هذا الرَّدِّ.

وقرئ «مُكْلِبين» بتخفيف اللام، وفَعَّل وأفعل قد يشتركانِ في معنى واحد، إلا أنَّ «كَلَّب» بالتَّشْدِيدِ معناه: عَلَّمها وضَرَّاها، وأكْلب معناه صار ذا كِلاَب.

على أن الزجاج قال: يقال: رجلُ مُكلِّب يعني بالتشديد، ومُكْلِب يعني [من] أكلب وكلاّب يعني بتضعيف اللام أي: صاحب كِلاَبٍ.

وجاءت جملة الجواب هنا فعلية، وجملة السؤال هنا اسمية، وهي ماذا أحل؟ فهي جواب لها من حيث المعنى، لا من حيث اللفظ؛ إذ لم يتطابقا في الجِنْس.

والكلاَّب والمكلِّب هو الذي يعلم الكلاب الصيد.

فمكلِّب صَاحِب الكلابِ كمعلِّم: صاحبِ التَّعليم، ومؤدِّب: صاحب التّأديب.

فصل

معنى الآيةِ وأحِلَّ لكم صَيْدُ ما علمتم من الجوارحِ. واختلفُوا في هذه الجَوَارحِ، فقال الضَّحاكُ والسُّدِّيُّ: [هي] الكلاب دون غَيْرِها، ولا يحلُّ ما صاده غير الكلب إلا أن يُدرِكَ ذكاته، ولا عملَ على هذا، بل عامَّةُ أهلِ العلمِ على أنَّ المرادَ من الجَوَارِحِ الكواسب من سباع البَهَائِمِ كالفهد، والنمر، والكلب، ومن سباعِ الطَّيْر كالبازي والعُقابِ والصَّقْرِ ونحوها مما يقبل التعليم فيحلُّ صيد جميعها.

قوله سبحانه وتعالى: «تُعَلِّمُونَهُنَّ» فيه أربعةُ أوْجُهٍ:

أحدها: أنَّهَا جُملةٌ مستأنَفَةٌ.

الثاني: أنَّهَا جملة في محلِّ نصبٍ على أنَّها حال ثانية من فاعل «عَلَّمتُم» .

ومنع أبُو البقاء ذلك؛ لأنَّه لا يجيز للعامل أنْ يعمل في حالين، وتقدَّم الكلامُ في ذلك.

الثالث: أنَّها حال من الضَّميرِ المستكنِّ في «مكلِّبين» فتكونُ حالاً من حالٍ، وتُسمَّى المتداخلة وعلى كلا التقديرين المتقدمين فهي حال مؤكِّدة؛ لأن معناها مفهوم من «علمتم» ، ومِنْ «مُكَلِّبين» .

الرابعُ: أن تكون جملةً اعتراضيةً، وهذا على جَعْلِ ما شرطيّة أو موصولة خبرها «فَكُلُوا» فيكونُ قد اعترض بين الشَّرْط وجوابه، أو بين المبتدأ وخبره.

فإن قيل: هَلْ يجوز وجهٌ خَامِسٌ، وهو أن تكون هذه الجملة حالاً من «الجَوَارِحِ» ، أو من الجوارح حال كوْنِهَا تُعلمُونَهُنَّ؛ لأنَّ في الجملة ضمير ذِي الحلالِ؟

فالجوابُ: أنَّ ذلك لا يجوزُ لأنه يؤدِّي إلى الفَصْلِ بين هذه الحال وبين صاحبها بأجنبِيٍّ، وهو مُكَلِّبينَ الذي هو حال من فاعل «علمتم» .

وأنث [الضمير في «تُعَلِّمُونَهُنَّ» ] مراعاة للفظِ الجوارحِ؛ إذْ هو جمع جارحةٍ، ومعنى «تُعَلِّمُونَهُنَّ» تؤدبونهن أدبَ أخذ الصَّيد، ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله﴾ أي من العلم الذي «عَلَّمَكُمُ اللَّهُ» .

وقال السدي: أي كما علمكم الله، " من " بمعنى الكاف، والمقصود منه المبالغة في التعظيم.

قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ في " من " وجهان:

أظهرهما: أنها تبعيضية؛ لأن الدم والريش لا يؤكل، كقوله: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر﴾ [الأنعام: 141] وهي صفة لموصوف محذوف هو مفعول الأكل، أي: فكلوا شيئا مما أمسكن عليكم.

والثاني: أنها زائدة لا تزاد في الإثبات، وإنما تزاد في النفي والاستفهام، وهو قياس قول الأخفش.

قال القرطبي: وخطأه البصريون فقالوا: " من " لا تزاد في الإثبات وإنما تزاد في النفي والاستفهام فعلى الأول تتعلق بمحذوف، وعلى الثاني لا تتعلق لها، و" ما " موصولة أو نكرة موصوفة، والعائد محذوف، على كلا التقديرين، أي: أمسكنه كما تقدم، والنون في " أمسكن " للجوارح، و" عليكم " متعلق ب " أمسكن "، والاستعلاء هنا مجاز.

(فصل)

معنى الكلام أن الجارحة المعلمة إذا خرجت بإرسال صاحبها فأخذت الصيد وقتلته حل، والتعليم هو أن يوجد فيه ثلاثة أشياء إذا أشليت استشلت، وإذا زجرت انزجرت، وإذا أخذت الصيد [أمسكت] ولم تأكل، فإذا وجد منها ذلك مرارا وأقله ثلاث مرات كانت معلمة، يحل قتلها إذا خرجت بإرسال صاحبها لما روي عن عدي بن حاتم عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت فأمسك وقتل فكل وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه، فإذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليه فأمسكته وقتلته فلا تأكل، فإنك لا تدري أيها قتل وإذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم، أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإذا وقع في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله، أو سهمك ".

واختلفوا فيما أخذت الصيد، وأكلت منه شيئا، فذهب أكثر العلماء إلى تحريمه.

وروي [ذلك عن] ابن عباس، وهو قول عطاء وطاوس والشعبي، وبه قال الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي، واصح قولي الشافعي - رضي الله عنه - لقوله عليه الصلاة والسلام " فإن أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه " ورخص بعضهم في أكله، روي ذلك عن ابن عمر وسلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص، وقال ماك: لما روي عن [أبي] ثعلبة [الخشني] قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل، وإن أكل منه ".

وروي أن أبا ثعلبة الخشني قال: قلت يا نبي الله: إنا بأرض قوم من أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم فما يصلح لي؟ قال: " أما ما ذكرت من آنية [أهل الكتاب] فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها، وكلوا فيها وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل. وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل ".

قوله تعالى: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ في هذه الهاء ثلاثة أوجه:

أحدها: أنها عائدة على المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل، كأنه قيل: واذكروا اسم الله على الأكل، ويؤيده قوله عليه السلام: " سم الله وكل مما يليك ".

والثاني: أنه يعود على " ما علمتم "، أي: اذكروا اسم الله على الجوارح عند إرسالها على الصيد، وقوله عليه الصلاة والسلام: " إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله عليه ".

والثالث: أنها تعود على " ما أمسكن " أي: اذكروا اسم الله على ما أدركتم [ذكاته مما أمسكته] عليكم الجوارح، وحتى على هذا الإعراب وجوب اشتراط التسمية في هذه المواضع.

ثم قال: ﴿واتقوا الله إن الله سريع الحساب﴾ .

أي: واحذروا مخالفة أمر الله في تحليل ما حلله وتحريم ما حرمه.

(فصل)

قال القرطبي: دلت الآية على جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد، وثبت ذلك في صحيح السنة، وزادت الحرث والماشية، وقد كان [في] أول الإسلام أمر بقتل الكلاب، وقال: " من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية، أو صيد نقص من عمله كل يوم قيراطان ".

قال القرطبي: وهذا المنع إما لترويعه المسلمين وتشويشه عليهم بنباحه.

أو لمنع دخول الملائكة البيت، أو لنجاسته على مذهب من يرى ذلك، وإما لاقتحام النهي على اتخاذ ما لا منفعة فيه.

(فصل)

قال القرطبي: وفي الآية دليل على أن العالم له من الفضيلة ما ليس للجاهل، لأن الكلب الملعم له فضيلة على سائر الكلاب، فالإنسان إذا كان له علم أولى.

5:5Page 107

ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٥

This day [all] good foods have been made lawful, and the food of those who were given the Scripture is lawful for you and your food is lawful for them. And [lawful in marriage are] chaste women from among the believers and chaste women from among those who were given the Scripture before you, when you have given them their due compensation,1 desiring chastity, not unlawful sexual intercourse or taking [secret] lovers. And whoever denies the faith - his work has become worthless, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

قوله تعالى: [ ﴿اليوم] أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات﴾ الآية.

الكلامُ فيه كالكلام فيما قَبْلَهُ، وزعم قوم أنَّ المراد بالثلاثة أيام المذكورة هنا وقت واحد، وإنَّما كرره توكيداً، ولاختلاف الأحداث الواقعة فيه حَسُنَ تكريره، وليس بشيء.

وادَّعَى بعضهم أنَّ في الكلام تَقْدِيماً وتأخيراً، وأنَّ الأصْلَ ﴿فاذْكُرُوا اسم الله عليه﴾ ﴿وكُلُوا مِمَّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا يشبه [قول] من يعيد الضمير على الجوارح المرسلة.

قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ فيه وجهان:

أصحهما: أنَّهُ مبتدأ، وخبره «حِلٌّ لَّكُمْ» وأبرز الإخبار بذلك في جملة اسمية اعتناءً بالسؤال عنه.

وأجاز أبُو البقاء أنْ يكون مرفوعاً عَطْفاً على مرفوع ما لم يسم فاعله وهو «الطيِّبَات» ، وجعل قوله: «حِلّ لَّكُم» خبر مبتدأ محذوف، وهذا ينبغي ألا يجوز البتة لتقدير ما لا يحتاج إليه مع ذهاب بلاغة الكلامِ.

وقوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، وقياس قول أبي البقاءِ أن يكون «طَعَام» عَطْفاً على ما قبله، «وحلّ» خبر مبتدأ محذوف، ولم يذكره، كأنه استشعر الثواب.

فصل

ومعنى ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات﴾ يعني الذّبائح على اسم الله عزَّ وجلَّ، وفي المراد ب ﴿طعام الذين أوتُوا الكتاب﴾ ثلاثة أقوال:

الأوَّلُ: الذَّبائِحُ، يريد ذبائح اليهود والنّصارى ومن دخل في دينهم من سائر الأمَمِ قبل مبعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.

فأمَّا من دَخَلَ في دينهم بعد المبعث فلا تَحِلُّ ذبيحته، فلو ذبح يهوديٌّ أو نصرانيّ على اسم غير الله، كالنَّصراني يذبح على اسم المسيح، فاختلفوا فيه: فقال ابنُ عُمَرَ: لا يحلُّ، وهو قول ربيعةَ. وذهب أكثرُ العلماء إلى أنه يَحِلُّ، وهو قول الشَّعْبِيُّ وعطاء والزهريِّ ومكحولٍ.

وسُئِلَ الشعبيُّ وعطاء عن النصراني يذبح باسم المسيح قالا: يحلُّ، فإن الله تعالى قد أحلَّ ذبائحهم وهو يعلم ما يقولُونَ.

وقال الحسنُ: إذا ذبح اليهوديُّ والنصرانيُّ فذكر اسم غير الله وأنْتَ تسمع فلا تأكله، وإذا غَابَ عنك فَكُلْ، فقد أحَلَّ الله ذلك.

وأما المجوسُ فقد سنَّ فيهم سنةَ أهلِ الكِتابِ في أخذ الجزيَةِ منهم دون أكْلِ ذبائحهم ونكاح نِسَائِهِم.

وعن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنَّهُ استثنى نصارى بني تغلب، وقالوا: ليسوا على النَّصرانيَّة، ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر، وبه أخَذَ الشافعيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعن ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أنَّه سُئل عن ذبائح نصارى العَرَبِ، فقال: لا بأسَ به، وبه أخذ أبو حنيفة.

والقول الثاني: أنَّ المرادَ بطعامهم الخبزُ والفاكِهَةُ، وما لا يحتاج فيه إلى الزكاة، وهو منقولٌ عن بعض أئمَّةِ الزَّيديَّةِ.

القول الثالثُ: أنَّ المراد جميع المطعومات.

وحجَّةُ القول الأوَّلِ: أنَّ ما سوى الذبائح حلال قبل أن كانت لأهل الكتاب، فلا يبقى للتَّخصيص بأهل الكتاب فائدةٌ، ولأن ما قبل هذه الآية في بيان الصيْدِ والذّبائح [ فحمل الآية على الذبائح أوْلَى] وهي التي تصير طعاماً بفعل الذّبائح [فحملُ الآية عليه أولى] وقوله: «وَطَعَامُكمْ» فإنْ قيل: كيف شُرِعَ لهم حلُّ طعامنا وهم كفَّارٌ ليسوا من أهل الشَّرْعِ؟

قال الزَّجَّاجُ: معناه حلالٌ لكم أنْ تطعموهم، فيكون خطاب الحلِّ مع المسلمين؛ وقيل: لأنَّه ذكر عقيبه حكم النِّسَاءِ، ولم يذكر حلَّ المسلمات لهم، فكأنه قال: حلالٌ لكم أنْ تطعموهم حرامٌ عليكم أن تزوّجوهم.

فصل

قوله: ﴿والمحصنات مِنَ المؤمنات﴾ في رفع «المُحْصَنَات» وجهان:

أحدهما: أنَّهُ مبتدأ خبره محذوف، أي: والمحصنات حِلٌّ لكم أيضاً وهذا هو الظاهر.

واختار أبُو البقاءِ أن يكون معطوفاً على «الطِّيبَاتِ» ، فإنَّهُ [قال:] «مِنَ المُؤمِنَاتِ» حال من الضَّميرِ في «المُحْصَنَات» أو من نفس «المُحْصَنَات» إذا عطفتها على «الطَّيِّبَاتِ» و «حلّ» مصدر بمعنى الحلال؛ فلذلك لم يؤنَّث ولم يُثنَّ، [ولم يجمع] لأنه أحسن الاستعمالين في المصادر الواقعة صفة للأعيان، ويقال في الإتباع، حِلٌّ بلٌّ وهو كقولهم: حَسَنٌ بَسَنٌ، وعَطْشَان نَطْشَان.

و «مِنَ المُؤمِنَاتِ» حال كما تقدَّمَ، إما من الضمير في «المُحْصَنَات» ، أو من «المُحْصَنَات» ، وقد تقدَّم [الكلام في] اشتقاق هذه اللفْظَة، واختلاف القراء فيها في سورة النساء.

فصل في معنى المحصنات

هذا منقطع عن قوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ وراجع إلى الأوَّلِ.

واختلفوا في معنى «المُحْصَنَات» ، فذهب أكثر العلماء إلى أنَّ المراد الحَرَائِرُ، وأجازوا [نكاح] كل حَرَّة مؤمنة كانت أو كتابية فاجرة كانت أو عفيفة، وهو قول مجاهد. وقال هؤلاء: لا يجُوزُ للمسلم نكاح الأمة الكتابيّة لقوله: ﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ﴾ [النساء: 25] جَوَّز نكاح الأمة بشرط أنْ تكون مؤمنة ولقوله: ﴿إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ، ومهر الأمة لا يدفع إليها بل إلى سيِّدها، وجوَّزَ أكثرهُم نِكَاحَ الأمة الكتابيّة الحربيّة لقوله: ﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ [النساء: 25] .

وقال ابن عباس: لا يجوز، وقرأ: ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ [التوبة: 29] إلى قوله: ﴿حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] فمن أعطى الجزية حَلّ لنا نساؤهم، ومن لم يعط لم يحلّ لنا نساؤه.

وذهب قومٌ إلى أنّ المراد من «المُحْصَنَات» في الآية العفائفُ من الفريقين حرائر كُنّ، أو إماءً.

وأجازُوا نكاح الأمة الكتابيّة وحرّموا البَغَايا من المُؤمِنَاتِ والكتابيّات وهو قول الحسن، وقال الشعبيُّ: إحصان الكتابية أنْ تستعفَّ عن الزّنا، وتغتسل من الجنابة.

وذهب ابْنُ عُمَرَ إلى أنَّهُ لا يجوز نكاح الذميّة لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] ويقول: لا أعلم شِرْكاً أعظم من قولها: إنَّ [ربَّها] عيسى، وأجاب من قال بهذا القول عن التّمسك بقوله: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ بوجوه:

أحدُها: أنَّ المراد الذين آمنوا منهم، فإنَّهُ كان يحتمل أن يخطر ببال بعضهم أنَّ الكتابية إذا آمنت هل يجوزُ للمسلم التزويج بها أم لا؟ فبين اللَّهُ تعالى بهذه الآية جواز ذلك.

وثانيها: ما روي [عن عطاء] قال: «إنَّما رخّص اللَّهُ - تعالى - في التزويج بالكتابيَّةِ في ذلك الوقت؛ لأنَّه كان في المسلمات قلّة، والآن ففيهن كثرة عظيمةٌ فزالت الحاجة، فلا جَرَمَ زالت الرُّخصة» .

وثالثها: الآياتُ الدّالة على وُجوب مباينة الكفَّارِ، كقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الممتحنة: 1] وقوله ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118] ، ولأنَّ عند حصول الزَّوجيّة ربما قويت المحبَّة فيصير ذلك سبباً لميل الزوج إلى دينها.

قوله سبحانه: ﴿إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ظرف العامل فيه أحد شيئين، إمَّا «أحَلَّ» وإما «حِلّ» المحذوف على حسب ما قُرِّر، والجملة بعده في محلّ خفض بإضافته إليها، وهي - هنا - لمجرَّد الظرفيَّة.

ويجوز أن تكون شرطيةً، وجوابها محذوف، أي: ﴿إذا أتيتموهن [أجورهن] ﴾ حللن لكم.

والأوَّلُ أظهرُ.

و «مُحْصِنينَ» حال، وعاملها أحد ثلاثة أشياء: إما «آتيتمُوهُنَّ» ، وصاحب الحال الضمير المرفوع.

وأما «أحِلّ» المبني للمفعول.

وأما «حل» المحذوف كما تقدَّم.

و «غَيْر» يجوز فيه ثلاثة أوجه:

أحدها: أن ينتصب على أنَّهُ نعت ل «محصنين» .

والثاني: أن ينصب على الحال، وصاحب الحال الضمير المستتر في «مُحْصنِينَ» .

والثالث: أنهُ حال من فاعل «آتيْتُمُوهُنَّ» على أنَّهَا حال ثانية منه، وذلك عند من يجوز ذلك.

فصل

تقييد التحليل بإيتاء الأجور يدلّ على تأكيد وجوهاً، وأن من تزوَّج [امرأة] وعزَمَ أن لا يعطي الزوجة صداقها كان في صورة الزّاني، فتسمية المهر بالأجرة يدلُّ على أنَّ الصّداق لا يتقدر كما أنَّ أقل الأجل في الإجارات لا يتقدَّرُ.

وقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي غير معالنين بالزِّنَا ﴿وَلاَ متخذي أَخْدَانٍ﴾ .

قال الشعبِيُّ: الزِّنَا ضربان:

السفاح [وهو الزِّنَا على سبيل الإعلان، واتَّخاذ الخدن] وهو الزّنا في السرِّ واللَّهُ تعالى حرّمهما في هذه الآية، وأباحَ التمتُّعَ بالمرأة على جهة الإحصان.

قوله تعالى: ﴿وَلاَ متخذي أَخْدَانٍ﴾ يجوز فيه الجَرُّ على أنه [عطف] على «مُسَافحينَ» ، وزيدت [ «لا» ] [تأكيداً للنَّفي] المفهوم من «غَيْر» ، والنَّصب على أنَّهُ عطف على «غير» باعتبار أوجهها الثلاثة، ولا يجُوز عطفها على «محصنين» ؛ لأنَّهُ [مقترن ب «لا» ] المؤكدة للنفي المتقدم، ولا نفي مع «مُحْصِنينَ» ، وتقدَّمَ معاني هذه الألفاظ.

وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان﴾ تقدَّم له نظائر.

وقيل: المراد بالإيمان المؤمن به، فهو مصدر واقع موقع المفعول به كدرْهم ضَرْب الأمير.

وقيل: ثَمَّ مضاف محذوف، أي بموجب الإيمان، وهو الباري - تبارك وتعالى -.

واعلم أنَّ الكَافِرَ إنَّمَا يكفر بالله ورسوله. وأمَّا الكفر بالإيمانِ فهو مُحَالٌ، فلذلك اختلف المفسرون، فقال ابن عباس ومجاهد قوله: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان﴾ أي باللَّهِ الذي يجب الإيمان به، وإنَّما حَسُنَ هذا المجاز؛ لأنَّه يقال: رب الإيمان ورب الشيء قد يسمى باسم ذلك الشيء على سبيل المجاز.

وقال الكلبيُّ: «بالإيْمان» بكلمة التَّوحيد، وهي شهادة أنْ لا إله إلاّ الله؛ لأن الإيمان من لوازمها، وإطلاق الشَّيء على لازمه مجازٌ مشهور.

وقال قتادةُ: إنَّ ناساً من المسلمين، قالوا: كيف نتزوج نساءهم مع كونهم على غير ديننا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمَن يَكْفُرْ﴾ أي بما [نزل] في القرآن، فهو كذا وكذا، فسمّى القرآن إيماناً؛ لأنَّهُ مشتملٌ على [بيان] كلِّ ما لا بُدَّ منه في الإيمان. وقيل: ومن «يَكْفُرْ بالإيمَانِ» أن يستحلَّ الحرامَ ويحرّم الحلالَ «فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» .

فصل

القائِلَونَ بالإحْبَاطِ، قالوا: المراد بقوله: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ فقد حبط، أي: عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثوابِ إيمانِهِ، والذين ينكرون القول بالإحباط قالوا: معناه أن عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان فقد هَلَكَ وضاع، فإنَّهُ إنَّما يأتي بتلك الأعمال بعد الإيمان لاعتقاده أنها خير من الإيمان فإذا لم يكن الأمر كذلك، بل كان ضائعاً باطلاً كانت تلك الأعمال باطلة في نفسها.

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين﴾ الظَّاهر أن الخبر قوله: «مِنَ الخَاسِرينَ» ، فيتعلَّق قوله: «فِي الآخرة» بما تعلَّق به هذا الخبر.

وقال مَكِّيٌّ: العاملُ في الظَّرْفِ محذوفٌ تقديره: هو خاسر في الآخرة، ودَلَّ على المحذوف قوله: «مِنَ الخَاسِرِينَ» فإنْ جعلت الألف واللام في «الخَاسِرِينَ» ليستا بمعنى «الذين» جاز أن يكون العامل في الظَّرْفِ «مِنَ الخَاسِرِينَ» بمعنى أنَّه لو كانت موصولةً لامتنع أن يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ لأنَّ الموصول لا يتقدم عليه ما في حَيِّزِهِ، وهذا كما قالوا في قوله: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ القالين﴾ [الشعراء: 168] ، ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين﴾ [يوسف: 20] .

وتقدير مكيٍّ متعلّق هذا الظرف وهو خاسر، وإنَّما هو بناء على كون «أل» موصولة بدليل قوله: فإن جعلت الألف واللاَّم ليستا بمعنى «الذين» وبالجملة فلا حاجة إلى هذا التقديرِ، بل العامل فيه كما تقدَّمَ العامل في الظرف الواقع خبراً، وهو الكون المطلق، ولا يجوزُ أن يكون «في الإخِرَةِ» هو [الخبر و «من الخاسرين» متعلق بما تعلق به، لأنه لا فائدة في ذلك، فإن جعل] «من الخاسرين» حالاً من ضمير الخبر، ويكون حالاً لازمة جاز، وهو ضعيف في الإعْرابِ، وقد تقدَّم نظير هذه الآية في «البقرة» عند قوله:

﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ [البقرة: 130] .

فصل

قوله: ﴿وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين﴾ مشروطٌ بشرط غير مذكور في الآية، وهو أنْ يموت على ذلك الكفر إذ لو تاب عن الكفر لم يكن في الآخرة من الخاسرين، ويدل على أنَّهُ لا بدَّ من هذا الشّرط قوله: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فأولاائك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة﴾ [البقرة: 217] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском