Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:75–81
5:75Page 120
مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥
The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food.1 Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ [آل عمران: 144] . و «قَدْ خَلَتْ» صفةٌ له كما في الآيةِ الأخرى، وتقدَّم معنى الحصر أي: ما هُو إلاَّ رسول من جنسِ الذين مَضَوْا من قَبْلِهِ، وليْسَ بإله، كما أنَّ الرُّسُل الذين مَضَوْا لم يكونوا آلهَةً، وجاء بالبَيِّنَات من اللَّهِ كما أتَوْا بأمْثَالِهَا، وإنَّ إبراءَ عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وإحْيَاء الموتى فبإذْنِ اللَّهِ على يدهِ من اللَّه، كما أحيا مُوسَى العَصَا، وجعلها حَيَّة تَسْعَى، وفُلِقَ له البحر، وضرب الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً، وإن كان خلقَهُ من غير ذكرٍ، فقد خلق اللَّهُ - تعالى - آدَمَ من غَيْرِ ذكرٍ ولا أنْثَى.
وقوله تعالى: «وأمُّهُ صدِّيقةٌ» ابتداءٌ وخبرٌ، ولا محلَّ لهذه الجملة من الإعراب، و «صِدِّيقةٌ» تأنيثُ «صدِّيق» ، وهو بناءُ مبالغةٍ ك «فعَّال» و «فَعُول» ، إلا أنه لا يعملُ عمل أمثلةِ المبالغة، فلا يقال: «زَيْدٌ شِرِّيبٌ العسلَ» ؛ كما يقال: «شرَّابٌ العَسَل» ، وإن كان القياس إعماله، وهل هو مِنْ «صَدَقَ» الثلاثيِّ، أو من «صَدَّقَ» مضعَّفاً؟ القياسُ يقتضي الأولَ، لأنَّ أمثلةَ المبالغةِ تطَّرِدُ من الثلاثي دون الرباعيِّ، فإنه لم يَجيء منه إلا القليلُ، وقال الزمخشري: «إنه من التَّصْديقِ» ، وكذا ابنُ عطية، إلا أنَّه جعله محتملاً، وهذا واضحٌ لقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا﴾ [التحريم: 12] ، فقد صرَّح بالفعل المسند إليها مضعَّفاً، وعلى الأول معناه أنَّها كثيرةُ الصِّدْقِ.
وقوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام﴾ لا محلَّ له؛ لأنه استئنافٌ وبيان لكونهما كسائر البشرِ في احتياجهما إلى ما يحتاج إليه كلُّ جِسْمٍ مُولدٍ، والإلهُ الحقُّ سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن ذلك، وقال بعضهم: «هو كنايةٌ عن احتياجهما إلى التَّغَوُّطِ» وهُو ضعيفٌ مِنْ وُجُوه:
الأول: أنَّهُ ليْسَ كُلُّ من أكل أحْدَث، فإنَّ أهل الجَنَّةِ يأكلون ولا يُحْدِثُون.
الثاني: أنَّ الأكْلَ عبارةٌ عن الحاجَةِ إلى الطَّعَامِ وهذه الحاجَةُ من أقْوى الدَّلائلِ على أنَّهُ ليس بإله، فأي حَاجَةٍ إلى جَعْلِهِ كِنَايَةً عن شَيْءٍ آخر؟
الثالث: أنَّ الإله هو القادِرُ على الخَلْقِ والإيجَادِ، فلو كانَ إلهاً لقدر على دَفْعِ ألَم الْجُوعِ عن نَفْسِهِ بِغَيْرِ الطَّعَامِ، فلمَّا لم يقدر على دَفْعِ الضَّررِ عن نَفْسِه، كيف يُعْقَلُ أن يكُون إلهاً للعالمين؟!
والمقصودُ من هذا: الاستِدلاَلُ على فَسَادِ قَوْلِ النَّصَارَى، فإنّ من كان له أمٌّ فقد حَدَثَ بَعْدَ أن لَمْ يكُنْ، وكلُّ من كان كذلك كان مَخْلُوقاً لا إلهاً، وكُلُّ من احْتَاجَ إلى الطَّعَام أشَدَّ الحاجَةِ لَمْ يكن إلهاً؛ لأنَّ الإله هُوَ الَّذِي يكونُ غَنِيّاً عن جَمِيعِ الأشْيَاء، وبالجُمْلَةِ فسادُ قولِ النَّصَارى أظْهَرُ من أن يُحْتَاجَ فيه إلى دَليلٍ.
قوله تعالى: «كَيْفَ» منصوب بقوله: «نُبَيِّنُ» بعده، وتقدم ما فيه في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: 28] وغيره، ولا يجوز أن يكون معمولاً لما قبله؛ لأن له صدر الكلام، وهذه الجملة الاستفهامية في محلِّ نصبٍ؛ لأنها معلِّقةٌ لفعل قبلها، وقوله: ﴿ثُمَّ انظر أنى يُؤْفَكُونَ﴾ كالجملةِ قبلَها، و «أنَّى» بمعنى «كَيْفَ» ، و «يُؤفَكُونَ» ناصبٌ ل «أنَّى» ويُؤفَكُونَ: بمعنى يُصْرَفُونَ.
وفي تكرير الأمر بقوله: «انْظُرْ» «ثُمَّ انْظُرْ» دلالةٌ على الاهتمام بالنظرِ، وأيضاً: فقد اختلف متعلَّقُ النظريْنِ؛ فإنَّ الأولَ أمرٌ بالنظَرِ في كيفية إيضاح الله تعالى لهم الآياتِ، وبيانها؛ بحيث إنه لا شكَّ فيها ولا ريب، والأمرُ الثاني بالنَّظَر في كونهم صُرِفُوا عن تدبُّرها والإيمان بها، أو بكونِهِم قُلِبُوا عمَّا أريدَ بهم، قال الزمخشريُّ: «فإنْ قلت: ما معنى التراخي في قوله:» ثُمَّ انْظُرْ «؟ قلت: معناه ما بين التعجُّبَيْنِ، يعني: أنه بيَّن لهم الآياتِ بياناً عجباً، وأنَّ إعراضهم عنها أعْجَبُ منه» . انتهى، يعني: أنه من باب التراخِي في الرُّتَبِ، لا في الأزمنةِ، ونحوه ﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] وسيأتي.
فصل في معنى الإفك
يُقَالُ: أفَكَهُ يأفِكُهُ إفْكاً إذا صَرَفَهُ، والإفْكُ: الكَذِبُ؛ لأنَّهُ صَرْفٌ عَنِ الحَقِّ، وكُلُّ مَصْرُوفٍ عَنِ الشَّيْء مأفوكٌ عنه.
وقد أفَكَت الأرْضُ، إذا صُرِفَ عَنْهَا المَطَرُ.
والمعنى: كَيْف يصرفون عن الحَقِّ؟
قال أهْلُ السُّنَّةِ: دلَّتِ الآيَةُ على أنَّهُمْ مَصْرُوفُون عن تَأمُّلِ الحَقِّ، والإنْسَان يمتنع أن يَصْرِفَ نَفْسَهُ عن الحقِّ والصِّدْق إلى البَاطِلِ والجَهْلِ والْكَذِب، لأنَّ العاقل لا يختار لِنَفْسِه ذلك، فَعَلِمْنَا أنَّ الله تعالى صَرَفَهُمْ عن ذلك.
5:76Page 120
قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦
Say, "Do you worship besides Allāh that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allāh who is the Hearing, the Knowing?"
وهذا دَلِيلٌ أيضاً على فَسَادِ قول النَّصارَى وذلك من وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ اليَهُود كانوا يعادُونَ عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، ويَقْصُدُونَهُ بالسُّوءِ، فما قَدرَ على إضْرَارِهِمْ، وكان له أيضاً أنْصَارٌ وصَحَابَةٌ يُحِبُّونَهُ، فما قَدَرَ على إيصَالِ نَفْعٍ من منَافِعِ الدُّنْيَا إليْهِمْ، والعاجِزُ عن الإضْرار والنَّفْعِ كَيْفَ يُعْقَلُ أن يكُون إلهاً؟ ﴿ الثاني: أن مذْهَبَ النَّصَارى - لعنهم اللَّهُ -: أنَّ اليهود صَلَبُوه ومَزَّقُوا أضْلاَعَهُ، ولما عَطِشَ وطلبَ الماءَ مِنْهُم صبُّوا الخَلَّ فِي مَنخريْهِ، ومن كان في الضَّعْفِ هكذَا، كَيْفَ يُعْقَل أن يكُون إلهاً؟﴾
الثالث: أنَّ إلهَ العالم يَجِبُ أنْ يكُون غَنِيًّا عن كل ما سواهُ مُحْتَاجاً إليه، فلو كان عيسَى كذلك لامْتَنَعَ كَوْنُهُ مَشْغُولاً بعبادة الله تعالى؛ لأنَّ الإله لا يَعْبُدُ شَيْئاً، إنَّمَا العبد هو الذي يَعْبُدُ الإله، فلما عُرِفَ بالتَّوَاتُرِ أنَّهُ كانَ مُوَاظِباً على الطَّاعَات والعبادَاتِ، عَلِمْنَا أنَّهُ كان يفعلها لكونه مُحْتَاجاً في تَحْصِيل المَنَافِعِ، ودفْعِ المضَارِّ إلى غيره، ومن كان كذلك كيْفَ يَقْدِرُ على إيصال المَنَافِعِ إلى العِبَادِ، ودَفْعِ المضارّ عنهم؟! وإذَا كان كذِلكَ كان عَبْداً كَسَائِرِ العَبيدِ، وهذا هو عَيْنُ الدَّليلِ الذي حَكَاهُ اللَّهُ تعالى عن إبراهيم - عليه السلام - حيث قال: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً﴾ [مريم: 42] .
قوله تعالى: ﴿مَا لاَ يَمْلِكُ﴾ : يجوزُ أن تكون «مَا» بمعنى «الَّذِي» ، وأن تكون نكرةً موصوفةً، والجملةُ بعدها صلةٌ، فلا محلَّ لها، أو صفةٌ، فمحلُّها النصبُ، وفي وقوع «مَا» على العاقلِ هنا؛ لأنه أُريد به عيسَى وأمُّه وجوهٌ:
أحدها: أنه أُتِي ب «مَا» مراداً بها العاقلُ؛ لأنها مبهمةٌ تقعُ على كل شيء، كذا قاله سيبويه، أو أُريد به النوعُ؛ كقوله: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ [النساء: 3] ، أي: النوع الطَّيِّبَ، أو أُريدَ به العاقلُ مع غيره؛ لأنَّ أكثر ما عبد من دون اللَّهِ غيرُ عاقلٍ؛ كالأصنامِ والأوثانِ والكواكبِ والشَّجَرِ، أو شبهُهُ على أولِ أحواله؛ لأنه في أولِ حاله لا يُوصفُ بعقلٍ، فكيف يُتَّخَذ إلهاً معبوداً؟
قوله تعالى: ﴿والله هُوَ السميع العليم﴾ «هو» : يجوزُ أن يكون مبتدأ ثانياً، و «السَّميعُ» خبرُه، و «العَلِيمُ» خبرٌ ثانٍ أو صفةٌ، والجملة خبرُ الأوَّل، ويجوزُ أن يكون فَصْلاً، وقد عُرِفَ ما فيه، ويجوزُ أن يكونَ بدلاً، وهذه الجملةُ الظاهرُ فيها: أنها لا محلَّ لها من الإعراب، ويحتمل أن يكون في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ من فاعلِ «تَعْبُدونَ» ، أي: أتعبُدُونَ غير الله، والحالُ أن الله هو المستحقُّ للعبادة؛ لأنه يَسْمَعُ كلَّ شيء ويعلمه، وإليه ينحو كلامُ الزمخشريِّ؛ فإنه قال: ﴿والله هُوَ السميع العليم﴾ متعلِّق ب «أتَعْبُدُونَ» ، أي: أتشركون بالله ولا تَخْشَوْنَهُ، وهو الذي يسمَعُ ما تقولُونَ ويعلَمُ ما تعتقدُونَ؟ أتعبدون العاجزَ، واللَّهُ هو السميعُ العَلِيم؟ . انتهى، والرابطُ بين الحالِ وصاحبها الواوُ، ومجيء هاتين الصفتين بعد هذا الكلام في غاية المناسبة؛ فإنَّ السميع يسمع ما يُشْكَى إليه من الضُّرِّ وطلب النفْعِ، ويعلم مواقعهما كيف يكُونَانَ؟
5:77–78Page 121
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧
Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."
لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨
Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.
لما تكلَّمَ أوَّلاً على أباطيلِ اليهُودِ، ثم تكلَّم ثانياً على أباطيلِ النَّصَارى، وأقَامَ الدَّلائل على بُطْلانِها وفسادِهَا، فعند هذا خاطب مجمُوعَ الفريقَيْنِ، فقال تعالى: ﴿ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ ، أي: لا تتجاوَزُوا الحَدَّ، والغُلُوَّ نَقيضُ التَّقْصِير، ومعْنَاهُ: الخُرُوجُ عَنِ الحَدِّ.
قوله تعالى: «غَيْرَ الحَقِّ» : فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: لا تَغْلُوا في دينكُمْ غُلُوًّا غَيْرَ الحقِّ، أي: غُلُوًّا باطلاً، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره.
الثاني: أنه منصوبٌ على الحال من ضمير الفاعلِ في «تَغْلُوا» ، أي: لا تَغْلُوا مُجاوِزينَ الحَقَّ، ذكره أبو البقاء.
الثالث: أنه حالٌ من «دينكُمْ» ، أي: لا تغلُوا فيه وهو باطلٌ، بل اغْلُوا فيه وهُوَ حَقٌّ؛ ويؤيِّد هذا ما قاله الزمخشريُّ؛ فإنه قال: «لأنَّ الغُلُوَّ في الدين غُلُوَّانِ: حقٌّ؛ وهو أنْ يُفْحَصَ عن حقائقه، ويُفَتَّشَ عن أباعدِ معانيه، ويُجْتَهَد في تحصيله حُجَجه، وغُلُوٌّ باطلٌ؛ وهو أن يتجاوز الحقَّ ويتخطَّاه بالإعْرَاضِ عن الأدلَّة» .
الرابع: أنه منصوبٌ على الاستثناء المتَّصل.
الخامس: على الاستثناء المنقطع، ذكر هذين الوجهين أبو حيان عن غيره، واستبعدَهُما؛ فإنه قال: «وأبعد من ذهب إلى أنها استثناءٌ متَّصِلٌ، ومن ذهب إلى أنها استثناءٌ منقطعٌ، ويقدِّره ب» لَكِنَّ الحقَّ فاتَّبِعُوهُ «قال شهاب الدين: والمستثنى منه يَعْسُرُ تعيينُه، والذي يظهر فيه: أنه قوله تعالى:» في دينكُمْ «؛ كأنه قيل: لا تَغْلُوا في دينكُم إلا الدِّينَ الحقَّ، فإنه يجوز لكم الغلوُّ فيه، ومعنى الغلُوِّ فيه ما تقدَّم من تقرير الزمخشريِّ له.
وذكر الواحديُّ فيه الحالَ والاستثناء، فقال: وانتصابُ» غَيْرَ الحَقِّ «من وجهين:
أحدهما: الحالُ والقَطْعُ من الدِّينِ؛ كأنه قيل: لا تَغْلُوا في دينِكُمْ مخالِفيَن للحَقِّ؛ لانهم خالَفُوا الحقَّ في دينهمْ، ثم غلوْا فيه بالإصْرارِ عليه.
والثاني: أن يكون منصوباٌ على الاستثناء، فيكون» الحَقّ «مستثنًى من المَنْهِيِّ عن الغلوِّ فيه؛ بأنْ يجوزَ الغلوُّ فيما هو حقٌّ على معنى اتباعه والثبات عليه، وهذا نصٌّ كما ذكرنا من أنَّ المستثنى هو» دِينُكُمْ «.
وتقدَّم معنى الغُلُوِّ في سورة النساء [الآية 171] فظاهرُ هذه الأعاريب المتقدِّمةِ: أنَّ» تَغْلُوا «فعلٌ لازمٌ، وكذا نصَّ عليه أبو البقاء، إلا أن أهل اللغةِ يفسِّرونهُ بمعنى متعدٍّ؛ فإنهم قالوا: معناه لا تتجَاوَزُوا الحدَّ، قال الراغب: الغُلُوُّ تجاوزُ الحَدِّ، يقال ذلك إذا كان في السِّعْرِ» غَلاَءً» ، وإذا كان في القَدْرِ والمنزلةِ «غُلُوًّا» ، وفي السهم «غَلْواً» ، وأفعالها جميعاً غَلاَ يَغْلُو؛ فعلى هذا: يجوز أن ينتصب» غَيْرَ الحَقِّ «مفعولاً به، أي: لا تتجاوَزُوا في دينكُمْ غير الحقِّ، فإنْ فسَّرنا» تَغْلُوا «بمعنى تتباعَدُوا من قولهم:» غَلاَ السَّهْمُ» ، أي: تباعدَ كان قَاصِراً، فيحتمل أن يكون من قال بأنه لازمٌ، أخذه من هذا لا من الأوَّل.
فصل في معنى الآية
قال بعضُ المُفَسِّرين: معنى قوله «غَيْرَ الحَقِّ» أي: في دينِكُمُ المُخالِف للحَقِّ؛ لأنَّهُمْ خَالَفُوا الحقَّ في دينهِمْ، ثُمَّ غَلَوْا فيه بالإصْرَار عَليْه.
وقال ابْنُ الخَطيبِ: مَعْنَى الغُلُّو الباطل: أن تَتَكَلَّفَ الشُّبَهَ وإخْفَاءَ الدَّلائلِ، وذلك الغُلُوُّ أنَّ اليهُودَ - لعنُهُم اللَّهُ - نَسَبُوا سَيِّدنَا عيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - إلى الزِّنَا وإلى أنَّهُ كَذَّابٌ والنَّصارى - لعنهم اللَّهُ - ادَّعَوا فيه الإلَهِيَّةِ.
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تتبعوا أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ﴾ الآية.
الأهْوَاء: جمْعُ الهَوَى، وهو ما تَدْعُو إلَيْه شهوةُ النَّفْسِ.
والمراد هَاهُنَا: المذاهِبُ الَّتِي تدعو إليها الشَّهْوةُ دُونَ الحُجَّة.
قال الشَّعْبِيُّ: ما ذكر اللَّهُ بلفظ الهوى في القُرآن إلاَّ ذَمَّهُ.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ [ص: 26] ، ﴿واتبع هَوَاهُ فتردى﴾ [طه: 16] ، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى﴾ [النجم: 3] ، ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ [الفرقان: 43] .
قال أبُو عُبَيْدٍ: لم نجدِ الهوى يوضع إلا في مَوْضِعِ الشَّرِّ، لا يقال: فلانٌ يَهْوَى الخَيْر، إنما يقال: يريدُ الخَيْر ويُحِبُّهُ.
وقال بعضُهم: الهَوَى إلهُ يعبدُونَهُ من دُونِ اللَّهِ.
وقيل: سُمِّي الهَوَى هَوى؛ لأنَّهُ يَهْوِي بَصَاحِبِه في النَّارِ وأنْشَدُوا في ذَمِّ الهَوَى قوله: [الكامل]
2029 - إنَّ الهَوَى لَهُوَ الْهَوَانُ بِعَيْنِهِ ... فَإذَا هَوِيتَ فَقَدْ لَقِيتَ هَوَانَا
وقالَ رَجُلٌ لابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي جَعَل هَوَايَ على هواك، فقال ابنُ عبَّاس: «كُلَّ هوى ضلالةٌ» .
قوله تعالى: ﴿وَأَضَلُّواْ كَثِيراً﴾ في نصب «كثيراً» وجهان:
أحدهما: أنه مفعولٌ به، وعلى هذا أكثرُ المتأوِّلين؛ فإنهم يفسِّرونه بمعنى: وأضلُّوا كَثِيراً مِنْهُمْ أو مِنَ المُنَافِقِينَ.
والثاني: أنه منصوبٌ على المصدرية، أي: نعت لمصدرٍ محذوف، أي: إضلالاً كثيراً، وعلى هذا، فالمفعولُ محذوف، أي: أضَلُّوا غَيْرَهُمْ إضْلالاً كَثِيراً.
فصل
اعلم أنَّهُ تعالى وَصَفَهُمْ بثلاثِ دَرَجَات في الضَّلالِ، فَبَيَّنَ أنَّهُم كانوا ضَالِّين من قبل.
والمراد رُؤسَاء الضَّلالةِ من فَرِيقَيِ اليهُود والنَّصَارى لِمَا تَبَيَّنَ، والخطاب لِلَّذِين في عَصْرِ النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، نُهُوا عن اتِّباعِ أسلافِهِم فيما ابْتَدَعُوه بأهْوَائِهِم، فتبيَّن أنهم كانوا مُضِلِّينَ لغيرهم، ثم ذكروا أنَّهُمْ استَمَرُّوا على تلك الحَالَةِ، حتى أنَّهم الآن ضَالُّون كما كَانُوا، ولا نجد حالةً أقْرَبَ إلى البُعْدِ من اللَّه تعالى، والقُرْب من عِقَابِ اللَّهِ من هذه الحالة - نعُوذُ باللَّه منها -.
ويحتَملُ أن يكُون المُرَاد أنَّهُم ضَلُّوا وأضَلُّوا، ثمَّ ضلُّوا بسبب اعتقادِهِمْ في ذلك الإضلال أنَّهُ إرشادٌ إلى الحقِّ، ولمَّا خَاطَبَهُمْ بهذَا الخطابِ وصَفَ أسلافهم، فقال تعالى: ﴿لُعِنَ الذين كَفَرُواْ مِن بني إِسْرَائِيلَ على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ .
قال أكثر المفسِّرِين: يعني أهْلَ «أيلة» لمَّا اعْتَدُوا في السَّبْتِ قال داوُدُ: «اللَّهُمَّ الْعَنْهُم واجْعلْهُم آيَةً» فَمُسِخُوا قِرَدَةً، وأصحاب المائدة لما أكلُوا من المائدة، ولم يُؤمِنُوا، قال عيسى - عليه السلام -: اللَّهُمَّ العَنْهُم كما لَعَنْتَ أصْحَابَ السَّبْتِ، فأصْبَحُوا وقد مسخوا خنازير، وكانوا خمسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فيهمُ امْرأةٌ ولا صَبِيٌّ.
قال بعضُ العُلَماء: إنَّ اليَهُود كانُوا يفْتَخِرُون بأنَّهُم من أوْلاد الأنْبِيَاء، فَذَكَر اللَّهُ هذه الآيَة؛ لتَدُلَّ على أنَّهُمْ مَلْعُونِين على ألْسِنَةِ الأنْبِيَاءِ - عليهم الصلاة والسلام -.
وقيل: إنَّ داوُد وعيسى - عليهما الصلاة والسلام - بَشَّرَا بِمُحَمَّدٍ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، ولعنَا من يُكَذِّبُه وهو قولُ الأصَمِّ.
قوله تعالى: ﴿مِن بني إِسْرَائِيلَ﴾ : في محلِّ نصْبٍ على الحال، وصاحبُها: إمَّا «الَّذينَ» وإمَّا واو «كَفَرُوا» وهما بمعنى واحدٍ، وقوله: ﴿على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى﴾ المرادُ باللسانِ الجارحةُ، لا اللغةُ، كذا قال أبو حيان، يعني: أنَّ الناطِقَ بلعْنِ هؤلاء لسانُ هذيْن النبيَيْنِ، وجاء قوله «عَلَى لِسَانِ» بالإفرادِ دون التثنيةِ والجَمْعِ، فلم يَقُلْ: «عَلَى لِسَانَيْ» ولا «عَلَى ألْسِنَةِ» لقاعدةٍ كليةٍ، وهي: أن كلَّ جزأيْنِ مفردَيْنِ من صاحبيهما، إذا أُضِيفَا إلى كليهما من غير تفريقٍ، جازَ فيهما ثلاثةُ أوجه: لفظُ الجمعِ - وهو المختارُ -، ويليه التثنيةُ عند بعضهم، وعند بعضهم الإفرادُ مقدَّمٌ على التثنية، فيقال: «قطَعْتُ رُءُوسَ الكَبْشَيْنِ» ، وإنْ شئْتَ: رَأسَي الكَبْشَيْن، وإن شئْتَ: رَأسَ الكَبْشَيْنِ، ومنه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4] .
فقولي «جُزْأيْن» : تحرُّزٌ من شيئين ليْسَا بجزأيْن؛ نحو: «دِرْهَمَيْكُمَا» ، وقد جاء: « مِنْ بُيُوتِكُمَا وعَمَائِمِكُمَا وأسْيَافِكُمَا» لأمْنِ اللَّبْسِ.
وبقولي: «مُفْردَيْنِ» : من نحو: «العَيْنَيْنِ واليَدَيْنِ» ، فأمَّا قوله تعالى: ﴿فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] ففُهِم بالإجْماعِ.
وبقولي: «مِنْ غَيْرِ تَفريقٍ» : تحرُّزٌ من نحو: قطعْتُ رَأسَ الكَبْشَيْنِ: السَّمِين والكَبْشِ الهَزيلِ؛ ومنه هذه الآية، فلا يجوزُ إلا الإفرادُ، وقال بعضهم: «هُوَ مُخْتَارٌ» ، أي: فيجوز غيرُه، وقد مضى تحقيقُ هذه القاعدةِ.
قال شهاب الدين: وفي النفسِ من كونِ المرادِ باللسان الجارحةَ شيءٌ، ويؤيِّد ذلك ما قاله الزمخشريُّ؛ فإنه قال: «نَزَّلَ اللَّهُ لَعْنَهُمْ في الزَّبُورِ على لسانِ دَاوُدَ، وفي الإنجيلِ على لسانِ عيسى» ، وقوةُ هذا تأبَى كونه الجارحةَ، ثم إنِّي رأيتُ الواحديَّ ذكر عن المفسِّرين قولين، ورجَّح ما قلته؛ قال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «وقال ابن عبَّاس: يريد في الزَّبُور وفي الإنجِيلِ، ومعنى هذا: أنَّ اللَّهَ تعالى لَعَنَ في الزَّبُور من يكْفُرُ مِنْ بني إسرائيل، وكذلك في الإنجيلِ، وقيل: على لسان دَاوُدَ وعيسَى؛ لأنَّ الزبورَ لسانُ داوُدَ، والإنجيلَ لسانُ عيسى» ، فهذا نصٌّ في أن المراد باللسانِ غيرُ الجارحَةِ، ثم قال: «وقال الزَّجَّاج:» وجائزٌ أن يكون داوُدُ وعيسَى عَلِمَا أنَّ محمَّداً نَبِيٌّ مبعوثٌ، وأنهما لَعَنَا من يَكْفُرُ به» ، والقول هو الأوَّل، فتجويزُ الزجَّاجِ لذلك ظاهرٌ أنه يرادُ باللسانِ الجارحةُ، ولكن ليس قولاً للمفسِّرين، و «عَلَى لسانِ» متعلِّقٌ ب» لُعِنَ «قال أبو البقاء:» كما يُقال: جَاءَ زَيْدٌ على فَرَسٍ» ، وفيه نظرٌ؛ إذ الظاهر أنه حالٌ، وقوله: «ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا» قد تقدَّم نظيره، وقوله: «وَكَانوا يَعْتَدُونَ» في هذه الجملةِ الناقصةِ وجهان:
أظهرهما: أن تكون عطفاً على صلةِ» مَا «وهو» عَصَوْا» ، أي: ذلك بسبب عصيانِهم وكونهم معتدين. والثاني: أنها استئنافيةٌ، أي: أخبر الله تعالى عنهم بذلك، قال أبو حيان: «ويُقَوِّي هذا ما جاءَ بعده كالشَّرْحِ له، وهو قولُه: كانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ» .
5:79–81Page 121
كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩
They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.
تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠
You see many of them becoming allies of those who disbelieved [i.e., the polytheists]. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allāh has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.
وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨١
And if they had believed in Allāh and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.
قوله تعالى: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ﴾ التَّنَاهِي هاهُنَا له مَعْنَيَانِ: أحدهما: الذي عَلَيْه الجُمْهُور أنَّهُ تَفَاعُل من النَّهي أي: كان لا ينهى بَعْضُهُم بَعْضاً.
روى ابنُ مسعُود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن النبي - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - قال: «كَانَ فِيمَنْ كانَ قَبْلَكُم مِنْ بَني إسْرَائِيلَ إذا عَمِلَ العَامِلُ بالخَطِيئَةِ نَهَاهُ النَّاهِي تعذيراً، فَإذَا كَانَ مِنَ الغَدِ جَاءَ لَهُ وواكلَهُ وشَارَبَهُ، كَأنَّهُ لَمْ يَرَهُ على الخَطِيئَةِ بالأمْسِ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُم ضَرَبَ قُلُوبَ بَعْضِهِم عَلَى بَعْضِ، وجَعَلَ مِنْهُم القِرَدَةَ والخَنَازِيرَ، ولَعَنَهُمْ على لِسَانِ دَاوُدَ وعيسَى ابْنِ مَريمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ لَتَأمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكر ولتأخُذُنَّ عَلَى يَدِ السَّفِيهِ ولَتأطرنَّه على الحقِّ أطْراً أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيَلْعَنُكُم كَما لَعَنَهُم» .
المعنى الثاني: التَّنَاهِي بمعنى الانتِهَاء، يُقَال: انْتَهَى الأمر، وتَنَاهَى عَنْهُ إذا كَفَّ عَنْه.
وقوله تعالى: ﴿عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ : متعلِّقٌ ب «يَتَناهَوْنَ» و «فَعَلُوهُ» صفةٌ ل «مُنْكَرٍ» ، قال الزمخشريُّ: «ما معنى وصفِ المنكرِ ب» فَعَلُوهُ «، ولا يكونُ النَّهْيُ بعد الفِعْلِ؟ قلتُ: معناه لا يتناهَوْنَ عن معاودةِ منْكَرٍ فعَلُوهُ، أو عن مِثْلِ مُنْكَر فَعلُوهُ، أو عن منْكرٍ أرادُوا فِعْلَهُ، كما ترى أماراتِ الخَوْضِ في الفسْقِ وآلاتِه تُسوَّى وتُهَيَّأُ، ويجوز أن يُرادَ: لا ينتهون ولا يمتنعونَ عن مُنْكَرٍ فعلُوه، بل يُصِرُّونَ عليه ويُداوِمُونَ، يقال: تناهَى عن الأمر وانتهى عنه، إذا امتنع منه» .
وقوله تعالى: «لَبِئْسَمَا» : و «بِئْسَمَا قَدَّمَتْ» قد تقدَّم إعرابُ نظيرِ ذلك [الآية 9 في البقرة] ؛ فلا حاجة إلى إعادته، وهنا زيادةٌ أخرى؛ لخصوصِ التركيب يأتي الكلامُ عليها.
قوله تعالى: ﴿ترى كَثِيراً مِّنْهُمْ﴾ قيل: مِنَ اليَهُود كَعْبُ بنُ الأشْرَف، ﴿يَتَوَلَّوْنَ الذين كَفَرُواْ﴾ مُشْرِكي مَكَّةَ حين خَرَجُوا إليهم يجيشون على النَّبِي - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -.
وقال ابنُ عبَّاس والحَسَنُ ومُجَاهِد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: «مِنْهُمْ» يعني المُنَافِقِين يَقُولُون لِلْيَهُود: «لِبِئْسَ ما قدَّمَتْ لَهُمْ أنْفُسُهُمْ» ، بِئسَ مَا قَدَّموا من العَملِ لمعَادِهِم في الآخِرَة.
قوله تعالى: ﴿أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ﴾ في محلِّه أوجهٌ:
أحدها: أنه مرفوعٌ على البدلِ من المخصُوصِ بالذمِّ، والمخصوصُ قد حُذِفَ، وأُقيمَتْ صفتُه مقامه، فإنك تُعْرِبُ «مَا» اسماً تامّاً معرفةً في محلِّ رفعٍ بالفاعلية بفعلِ الذمِّ، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، و ﴿قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ جملةٌ في محلِّ رفع صفةً له، والتقديرُ: لَبِئْسَ الشيءُ شَيءٌ قَدَّمَتْهُ لَهُمْ أنْفُسُهمْ، ف ﴿أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ﴾ بدلٌ من «شَيْء» المحذوفِ، وهذا هو مذهبُ سيبويه؛ كما تقدَّم تقريرُه.
الثاني: أنه هو المخصوصُ بالذمِّ، فيكونُ فيه الثلاثةُ أوجه المشهورة:
أحدها: أنه مبتدأٌ، والجملةُ قبله خبرُه، والرابطُ على هذا العمومُ عند مَنْ يَجْعَلُ ذلك، أو لا يحتاج إلى رابط؛ لأن الجملةَ عينُ المبتدأ.
الثاني: أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ لأنك لمَّا قلت: «بِئْسَ الرَّجُلُ» قيل لك: مَنْ هو؟ فقلتَ: فلانٌ، أي: هُوَ فلانٌ.
الثالث: أنه مبتدأ، خبرُه محذوفٌ، وقد تقدَّم تحريرُ ذلك، وإلى كونه مخصوصاً بالذمِّ ذهب جماعةٌ كالزمخشريِّ، ولم يذكر غيره، قال: ﴿أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ﴾ هو المخصوصُ بالذمِّ؛ كأنه قيل: لبِئْسَ زادُهُمْ إلى الآخرة سخطُ اللَّهِ تعالى عليْهِمْ، والمعنى: مُوجِبُ سُخط الله» ، قال شهاب الدين: وفي تقدير هذا المضاف من المحاسنِ ما لا يَخْفَى على متأمِّلِهِ؛ فإنَّ نفسَ السُّخْطِ المضاف إلى الباري تعالى لا يقالُ هو المخصوصُ بالذمِّ، إنما المخصوصُ بالذمِّ أسبابُه، وذهبَ إليه أيضاَ الواحديُّ ومكي وأبو البقاء، إلاَّ أنَّ أبا حيان بعد أنْ حكى هذا الوجه عن أبي القاسم الزمخشريِّ قال: «ولَمْ يَصِحَّ هذا الإعرابُ إلا على مذهبِ الفرَّاءِ والفارسيِّ في جَعْلِ» مَا» موصولةً، أو على مذهب من يجعلُ «مَا» تمييزاً، و «قَدَّمَتْ لَهُمْ» صفتها، وأمَّا على مذهبِ سيبويه، فلا يتأتَّى ذلك «ثم ذكر مذهبَ سيبويه.
والوجه الثالث من أوجه» أنْ سَخِطَ» : أنه في محلِّ رفع على البدلِ من «مَا» ، وإلى ذلك ذهب مكي وابنُ عطية، إلا أن مكِّيًّا حكاه عن غيره، قال: «وقيل: في موضعِ رفع على البدلِ من» مَا» في «لَبِئْسَ» على أنها معرفةٌ» ، قال أبو حيان - بعد ما حكى هذا الوجه عن ابن عطيَّة -: «ولا يَصِحُّ هذا، سواءٌ كانت» مَا» تامَّةً أو موصولةً؛ لأنَّ البدلَ يَحُلُّ محلَّ المبدل منه، و «أنْ سَخِطَ» لا يجوزُ أنْ يكونَ فاعلاً ل «بِئْسَ» ؛ لأنَّ فاعل «بِئْسَ» لا يكونُ أن والفِعْلَ «وهو إيرادٌ واضحٌ كما قاله.
الوجه الرابع: أنه في محلِّ نصْبٍ على البدلِ من» مَا» ، إذا قيل بأنها تمييزٌ، ذكر ذلك مكي وأبو البقاء، وهذا لا يجوزُ ألبتة؛ وذلك لأنَّ شرطَ التمييز عند البصريين أن يكون نكرةً، و «أنْ» وما في حيِّزها عندهم من قبيل أعرف المعارفِ؛ لأنَّها تُشْبِهُ المُضْمَرَ، وقد تقدم تقريرُ ذلك، فكيف يَقعُ تمييزاً؛ لأنَّ البدلَ يَحُلُّ محلَّ المبدَلِ منه؟ وعند الكوفيين أيضاً لا يجوزُ ذلك؛ لأنَّهم لا يُجيزون التمييزَ بكلِّ المبدَلِ منه؛ وعند الكوفيين أيضاً لا يجوزُ ذلك؛ لأنَّهم لا يجيزون التمييزَ بكلِّ معرفةٍ خُصُوصاً أنْ والفعل.
الخامس: أنه في محلِّ نصبٍ على البدل من الضمير المنصوب ب «قَدَّمَتْ» العائدِ على «مَا» الموصولةِ أو الموصوفة؛ على حسبِ ما تقدَّم، والتقديرُ: قدَّمَتْهُ سُخْطَ الله؛ كقولك: «الذي رَأيْتُ زَيْداً أخُوكَ» وفي هذا بحثٌ يذكَرُ في موضعه.
السادس: أنه في موضع نصب على إسقاط الخافض؛ إذ التقديرُ: لأنْ سخطَ، وهذا جارٍ على مذهب سيبويه والفراء؛ لأنهما يَزْعُمان أنَّ محل «أنْ» بعد حذْفِ الخافض في محلِّ نصب.
السابع: أنه في محلِّ جرٍّ بذلك الخافضِ المقدَّرِ، وهذا جارٍ على مذهبِ الخليلِ والكسائيِّ؛ لانهما يَزْعُمان أنَّها في محل جرٍّ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك غيرَ مرَّةٍ، وعلى هذا، فالمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، أي: لَبِئْسَمَا قدَّمَتْ لَهُمْ أنفُسُهُمْ عَملُهُمْ أو صُنْعُهُمْ، ولامُ العلَّةِ المقدَّرة معلَّقَةٌ إمَّا بجملةِ الذمِّ، أي: سببُ ذَمِّهِمْ سُخْطُ اللَّهِ عليهم، أو بمحذوفٍ بعده، أي: لأنْ سخطَ اللَّهُ عليْهِمْ كَانَ كَيْتَ وكَيْتَ.
و «تَرَى» يجوز أنْ تكونَ مِنْ رؤية البَصَر، ويكونُ الكثيرُ المعاصرين لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأن تكونَ العلميَّةَ، والكثيرُ على هذا أسلافُهم، فمعنى «تَرَى» : تَعْلَمُ أخبارَهم وقصَصَهم بإخبارنا إيَّاك، فعلى الأوَّل يكون قوله «يَتَوَلَّوْن» في محلِّ نصبٍ على الحال، وعلى الثَّاني يكون في محلِّ نصبٍ على المفعول الثاني.
قوله تعالى: «ولو كانوا» : الظاهرُ أنَّ اسم «كَانَ» وفاعل «اتَّخَذُوهُمْ» عائدٌ على «كَثِيراً» من قوله:» ﴿ترى كَثِيراً مِّنْهُمْ﴾ ، والضميرُ المنصوب في «اتَّخَذُوهمْ» يعودُ على» الَّذِينَ كَفَرُوا «في قوله: ﴿يَتَوَلَّوْنَ الذين كَفَرُواْ﴾ .
والمعنى: لوْ كانُوا يُؤمِنُون باللَّه، والنَّبِيِّ، وهو مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، وما أُنْزِلَ إليهِ ما اتَّخَذُوا المُشْركين أوْلِيَاء؛ لأنَّ تَحْريمَ ذلك مُتَأكدٌ في التَّوْرَاة، وفي شَرْع مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فلمَّا فَعَلُوا ذلك، ظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُمْ تَقْرِير دين مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بل مرادُهُمُ الرِّياسَةُ والجَاهُ، ويسعونَ في تَحْصيلهِ بأيِّ طريقٍ قدروا عليه، وبهذا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بالفِسْقِ، فقالَ تعالى: ﴿ولكن كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ .
وأجاز القفَّالُ أن يكون اسم» كَانَ «يعودُ على» الَّذِينَ كَفَروا» ، وكذلك الضميرُ المنصوبُ في «اتَّخَذُوهُمْ» ، والضميرُ المرفوعُ في «اتَّخَذُوهُمْ» يعودُ على اليهود، والمرادُ بالنبيِّ [محمدٌ] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والتقديرُ: ولو كان الكافرون المُتَولَّوْنَ مؤمنينَ بمحمَّدٍ والقرآنِ، ما اتخذَهُمْ هؤلاء اليهودُ أولياءَ، والأولُ أوْلَى؛ لأن الحديثَ عن كثيرٍ، لا عن المتولَّيْنَ، وجاء جواب» لَوْ «هنا على الأفصحِ، وهو عدمُ دخولِ اللام عليه؛ لكونه منفيًّا؛ ومثله قول الآخر: [البسيط]
2030 - لَوْ أنَّ بالعْلمِ تُعْطَى مَا تَعِيشُ به ... لَمَا ظَفِرْت مِنَ الدُّنْيَا بِثُفْرُوقِ
وقوله تعالى: ﴿ولكن كَثِيراً مِّنْهُمْ﴾ هذا الاستدراكُ واضحٌ بما تقدَّم، وقوله تعالى:» كَثِيراً» هو من إقامةِ الظاهرِ مقام المضمر؛ لأنه عبارةٌ عن «كَثِيراً منهم» المتقدِّم؛ فكأنه قيل: تَرَى كثيراً مِنْهُمْ، ولكنَّ ذلك الكَثِيرَ، ولا يريدُ، ولكنَّ كثيراً من ذلك الكَثِيرِ فَاسِقُون.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences