Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
An-Najm 53:26–32
53:26–30Page 526
۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ ٢٦
And how many angels there are in the heavens whose intercession will not avail at all except [only] after Allāh has permitted [it] to whom He wills and approves.
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ ٢٧
Indeed, those who do not believe in the Hereafter name the angels female names,
وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا ٢٨
And they have thereof no knowledge. They follow not except assumption, and indeed, assumption avails not against the truth at all.
فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٢٩
So turn away from whoever turns his back on Our message and desires not except the worldly life.
ذَٰلِكَ مَبۡلَغُهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ٣٠
That is their sum of knowledge. Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of who is guided.
قوله: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ﴾ «كم» هنا خبرية تفيد التكثير، ومحلها الرفع على الابتداء. و ﴿لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ﴾ هو الخبر. والعامة على إفراد الشفاعة. وجُمعَ الضمير اعتباراً بمعنى «ملك» وبمعنى «كم» . وزيد بن عليّ شَفَاعَتُهُ بإفرادها اعتبر لفظ «كم وملك» . وابن مِقْسِم شَفَاعَاتُهُم بجمعِهَا. و «شَيْئاً» مصدر أي شيئاً من الإغْنَاء.
فصل
المعنى وكم من ملك في السموات ممن يعبدهُمْ هؤلاء الكفار ويرجون شفاعَتَهم عند الله لا تغني شفاعَتُهُمْ شيئاً إلاَّ من بعد أن يأذن الله في الشفاعة ﴿لِمَن يَشَآءُ ويرضى﴾ أي من أهل التوحيد.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه. وجمع الكناية في قوله: «شفاعتهم» والملك واحد؛ لأن المراد من قوله: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ﴾ الكثرة، فهو كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 47] .
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الأنثى﴾ اعلم أن المراد بالذين لا يؤمنون بالآخرة هم الذين لا يؤمنون بالرسل، لأن كل من آمن بالرسل اعترف بالحشر، وذلك أنهم كانوا يقولون: الملائكة وجدوا من الله فهم أولاده بمعنى الإيجاد، ثم رأوا في الملائكة تاء التأنيث، وصحَّ عندهم أن يقال: سَجَدَت الملائكة، فقالوا: بنات الله فسمَّوهُمْ تسميةَ الإناث.
فإن قيل: كيف يصح أن يقال: إنهم لا يؤمنون بالآخرة مع أنهم كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤُنَا عند الله وكان من عادتهم أن يربطوا مركوباً على قبر مَنْ يموت، ويعتقدون أنه يحشر عليه؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنهم ما كانوا يجزمون به، بل كانوا يقولون: إنه لا حشر، فإن كان فلنا شفعاءُ بدليلِ ما حكى الله عنهم ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: 50] .
الثاني: أنهم ما كانوا يعترفون بالآخرة على الوجه الذي ورد به الرسل.
فصل
وأما مناسبة هذه الآية لما قبلها فهي أنهم لما قيل لهم: إنَّ الصَّنَمَ جمادٌ لا يشفع، وبين لهم أن أعظمَ أجناس الخلق لا شفاعة لهم إلا بالإذن قالوا: نَحْنُ لا نَعْبُدُ الأصنام لأنها جمادات وإنما نعبد الملائكة بعبادتها فإنها على صورها ونضعها بين أيدينا لنذكر بالشاهد الغائب فنعظم الملك المقرب فرد الله عليهم بهذه الآية أي كيف تعظموهم وأنتم تسموهم تسمية الإناث؟
فإن قيل: كيف قال تسمية الأنثى ولم يقل: تسمية الإناث؟
فالجواب: أن المراد بيان الجنس وهذا اللفظ أليق بهذا الموضع لمؤاخاة رؤوس الآية. أو يقال: إنه لو قال الإناث لأوهم أعلام إناث، كعائشةَ وفاطمةَ. والمراد إنما هو البنات. وقد تقدمت شبهتهم.
قوله: ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال الزمخشري: الضمير في (به) يعود إلى ما كانوا يقولون.
وقيل يعود إلى ما تقدم من عدم قَبُول الشفاعة.
وقيل: يعود إلى الله أي ما لهم بالله من علم فيُشْرِكُونَ. وقال مكي: الهاء تعود على الاسم لأن التسمية والاسم بمعنًى. وقرأ أبيّ: بِهَا أي بالآخرة أي ما لهم بالآخرة مِنْ علمٍ.
وقيل: بالملائكة. وقيل: بالتسمية. وهذا يقوِّي قول مَكِّيٍّ. فإن قلنا: ما لهم بالآخرة فهو جواب كما قلنا: إنهم وإن كانوا يقولون: إن الأصنام شفعاؤنا عند الله، وكانوا يربطون الإبل على قبور الموتى ليركبوها لكن ما كانوا يقولون به عَنْ عِلْمٍ.
وإنْ قُلْنا بالتسمية ففيه إشكال، وهو أن العلم بالتسمية حاصل لهم فإنهم يعلمون أنَّهم «لَيْسُوا في شكٍّ» .
والجواب: أن التسمية قد يكون واضعها الأول عالماً بأنه وضع، وقد يكون استعمالاً معنوياً يتطرق إليه الصدق والكذب والعِلْم. فمثال الصدق مَنْ وَضَعَ أولاً اسم السماء لموضوعها وقال: هذا سماءٌ، ومثال الكذب إذا قلنا بعد ذلك للماء والحَجَر: هذا سماء، فإنه كذب ومن اعتقد فهو جَاهِل وكذلك قولهم في الملائكة: إنَّهم بنات الله لم تكن تسميةً وضعيةً، وإنما أرادوا به أنهم موصوفون باسم يجب به استعمال لفظ البنات فيهم، وذلك كذب ومعتَقده جاهلٌ، فالمراد التسمية التي هي عن وصفٍ حقيقي لا التسمية الوضْعيَّة؛ لأنهم عالمون بها فهذا هو المراد. قاله ابن الخطيب.
وقوله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ تقدم الكلام عليه.
وقوله: ﴿إِنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً﴾ قيل: الحق بمعنى العلم أي لا يقوم الظنّ مَقَام العلم. وقيل: الحق بمعنى العذاب، أي إنّ ظنهم لا يُنْقِذُهُمْ من الْعَذَابِ.
قال ابن الخطيب: المراد منه أن الظن لا يُغْني في الاعتقادات شيئاً وأما الأفعال العُرْفية أو الشرعية فإنه يتبع عند عدم الوصول إلى اليقين. ويحتمل أن يقال: المراد من الحق هو الله والمعنى أن الظن لا يفيد شيئاً من الله أي أن الأوصافَ الإلهيَّة لا تستخرج بالظنون بدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الحق﴾ [لقمان: 30] .
فإن قيل: أليس الظن قد يصيب فكيف يحكم عليه بأنه لا يغني أصلاً؟
فالجواب: أن المكلف لا يحتاج إلى مميز يُمَيّز الحقَّ من الباطل؛ ليعتقد الحق ويميز الخير من الشر ليفعل الخير لكن في الحق ينبغي أن يكون جازماً لاعتقاد مُطَابَقَتِهِ، والظَّانّ لا يكون جازماً وفي الخير ربما يعتبر الظن في مَواضِعَ.
فصل
اعلم أن الله تعالى منع من الظن في ثلاثة مواضع:
أحدها: قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ [النجم: 23] .
وثانيها: هذه الآية.
ثالثها: في الحجرات وهي قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان وَمَن لَّمْ يَتُبْ فأولئك هُمُ الظالمون﴾
[الحجرات: 11] إلى قوله: ﴿اجتنبوا كَثِيراً مِّنَ الظن﴾ [الحجرات: 12] فالأول: كان المنع عقيب التسمية، والثاني: عقيب الدعاء بالألقاب وكل ذلك دليل على أن حفظ اللسان أولى من حفظ غيره من الأركان وأن الكذب أقبح من السيئات الظاهرة من الأيدي والأرجل. فهذه المواضع الثلاثة دلت على أن الظن فيها مذمومٌ أحدها: مدح ما لا يستحق المدح كاللاَّتِ والعُزَّى من العزة، وثانيها: ذمّ من لا يستحق الذم وهم الملائكة الذين هم عِبَاد الرَّحْمَن يُسَمُّونَهُمْ تسمية الأنثى، وثالثها: ذمّ من لم يعلم حاله، وأما مدح من يُعْلَمُ حاله فلم يقَلْ فيه: لا يتبعون الظن بل الظن معتبر فيه والأخذ بظاهر حال العاقل واجب.
قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا﴾ يعني القرآن. وقيل: الإيمان؛ أي اترك مجادلتهم فقد بلَّغت وأتيت بما عليك.
قال ابن الخطيب: وأكثر المفسرين يقولون: كل ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ﴾ منسوخ بآية القتال، وهو باطل؛ لأن الأمر بالإعراض موافق لآية القتال فكيف ينسخ به؟ وذلك لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في الأول كان مأموراً بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة فلما عارضوه بأباطيلهم أُمر بإزالة شبههم والجواب عن أباطيلهم، وقيل له: ﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] ثم لَمّا لم ينفع قال له ربه: أعْرِضْ عنْهُمْ ولا تقل لهم بالدليل والبرهان فإنهم لا ينتفعون به ولا يتبعون الحق وقاتلهم، فالإعراض عن المناظرة شرط لجواز المُقَاتَلَةِ فكيف يكون منسوخاً بها؟
قوله: ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحياة الدنيا﴾ إشارة إلى إنكارهم الحشر كقوله تعالى عنهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ [الأنعام: 29] وقوله: ﴿أَرَضِيتُمْ بالحياة الدنيا﴾ [التوبة: 38] وذلك أنه إذا تَرَكَ النظر في آلاء الله لا يعرفُهُ فلا يتبع رسوله فلا ينفعه كلامه، وإذا لم يقل بالحشر والحساب لا يخاف فلا يرجع عما هو عليه فلا يبقى في الدعاء فائدة.
واعلم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان كالطبيب للقلوب، فأتى على ترتيب الأَطِبَّاء في أن المرض إذا أمكن إصلاحُهُ بالغذاء لا يستعملون الدواء القوي، ثم إذا عجز عن المداواة بالمشروبات وغيرها عدلوا إلى الحَدِيد والكَيّ كما قيل: «آخِرُ الدَّوَاءِ الكَيُّ» ، فالنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أولاً أمر القلوب بذكر الله حَسْب، فإن بذكْرِ الله تطمئن القلوب، كما أن بالغذاء تطمئن النفوس فالذكر غذاء القلب ولهذا قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أولاً: «قُولُوا لاَ إلَه إلاَّ اللَّهُ» أمر بالذكر، فانتفع مثلُ أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ومن لم ينتفع ذكر لهم الدليلَ وقال ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ﴾ [الأعراف: 184] ﴿قُلِ انظروا﴾ [يونس: 101] ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ﴾ [الغاشية: 17] إلى غير ذلك فلما لم ينتفعوا أتى بالوعيد والتهديد فلما لم ينتفعوا قال: أعْرِضْ عن المعالجة واقطع الفاسد لئلا يفسد الصَّالح.
قوله: «ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ» قال الزمخشري: هو اعتراض (أي فأعرض عنه ولا تُعَامِلْهُ إنَّ رَبَّكَ هُو أَعْلَمُ.
قال أبو حيَّان: كأنه يقول: هو اعتراض) بين «فَأَعْرِضْ» وبين: «إِنَّ رَبَّكَ» ولا يظهر هذا الذي يقوله من الاعتراض.
قال شهاب الدين: كيف يقول: كأنه يقول: هو اعتراض وما معنى الشبيه وهو قد نصَّ عليه وصرح به فقال: أي فأعرض عنه ولا تعامله إنَّ رَبَّكَ. وقوله «وَلاَ يَظْهَرْ» ما أدري عدم الظهر مع ظهور أن هذا علة لذاك أي قوله: «إنَّ رَبَّكَ» علة لقوله «فَأَعْرِضْ» والاعتراض بين العلَّة والمعلول ظاهر وإذا كانوا يقولون: هذا معترض فيما يجيء في أثناء قصَّة فكيف بما بين علة ومعلول؟
فصل
«ذَلِكَ» إشارة إلى نهاية عِلْمهم وقدر عقولهم إن آثروا الدنيا على الآخرة. وقيل: إشارة إلى الظن أي لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكةَ بناتُ الله وأنها تشفع لهم، واعتمدوا على ذلك وأعرضُوا عن القرآن. وقيل: إشارة إلى الإعراض أي فأعرضْ عمَّن تولى؛ وذلك لأن الإعراض غاية ما بلغوه من العلم وعلى هذا يكون المراد من العِلْم المَعْلُوم وتكون الألف واللام للتعريف والعلم المعلوم هو ما في القرآن.
فإن قيل: إنَّ الله تعالى بين أن غايتهم ذلك في العلم ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها والمجنون الذي لا علم له أو الصبي لا يؤمر بما فوق احتماله فكيف يعاقبهم الله؟
فالجواب: أنه ذكر قبل ذلك أنهم تَوَلَّوْا عن ذكر الله فكان عدم علمهم لعدم قبولهم العلم وإنما قدر الله توليهم ليُضَاف الجَهْلُ إلى ذلك فيتحقق العِقَابُ.
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ﴾ جوز مَكِّيٌّ أن يكون على بابه من التفضيل أي هو أعلم من كل أحدٍ بهذين الوصفين وبغيرهما، وأن يكون بمعنى عالِمٍ، وتقدم ذلك مراراً.
فصل
المعنى أن الله عالم بالفريقين فيجازيهم. ووجه المناسبة أن الله تعالى لَمَّا قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعرض وكان النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - شديد الميل إلى إيمان قومه كأنه هجس في خَاطِرِه أن في ذكراهم منفعة، وربما يؤمن من الكفار قومٌ آخرون من غير قتال، فقال له: «ربك أعلم بمن ضل عن سبيله» أي لا يؤمن بمجرد الدعاء أحد المتخلفين وإنما ينفع فيهم وَقْع السيف والقتال فأعرض عن الجدال، وأقبل على القتال. وعلى هذا فقوله: «بِمَنِ اهْتَدَى» أي علم في الأزل من ضل ومن اهتدى فلا يشتبه عليه الأمر، ولا بأسَ في الإعراض.
فإن قيل: قال في الضلال عن سبيله ولم يقل في الاهتداء إلى سبيله.
فالجواب: أنَّ الضلال عن السبيل هو الضلال وهو كافٍ في الضَّلال، لأن الضّلال لا يكون إلاَّ في السبيل وأما بعد الوصول فلا ضلالَ، أو لأن من ضلَّ عن سبيله لا يصل إلى المقصود سواء سلك سبيلاً أو لم يَسْلُكْهُ وأما من اهتدى إلى سبيل فلا وصول له إن لم يسلكه فقال من اهتدى إلى السبيل وسلوكه.
53:31–32Page 527
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى ٣١
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth - that He may recompense those who do evil with [the penalty of] what they have done and recompense those who do good with the best [reward] -
ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَإِذۡ أَنتُمۡ أَجِنَّةٞ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡۖ فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢
Those who avoid the major sins and immoralities, only [committing] slight ones. Indeed, your Lord is vast in forgiveness. He was most knowing of you when He produced you from the earth and when you were fetuses in the wombs of your mothers. So do not claim yourselves to be pure; He is most knowing of who fears Him.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ وهذا معترض بين الآية الأولى وبين قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الذين أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ .
واللام في قوله: «لِيَجْزِي» فيها أوجه:
أحدها: أن يتعلق بقوله: ﴿لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ﴾ [النجم: 26] ذكره مكّي. وهو بعيد من حيثُ اللَّفْظ ومن حيث المعنى.
الثاني: أن يتعلق بما دل عليه قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السماوات﴾ أي له ملكهما يضلّ من يشاء ويهدِي من يشاء ليجزي المُحْسِنَ والْمُسِيءَ.
الثالث: أن يتعلق بقوله: «بِمَنْ ضَلَّ، وَبِمَن اهْتَدَى» واللام للصيرورة أي عاقبة أمرهم جميعاً للجزاء بما عملوا. قال معناه الزمخشري.
الرابع: أن يتعلق بما دل عليه قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ﴾ [النجم: 30] أي حفظ ذلك لِيَجْزِيَ. قاله أبو البقاء.
وقرأ زيد بن علي: لِنَجْزِي بنون العظمة والباقون بياء الغيبة. وقوله: «الَّذِينَ أحْسَنُوا» وحَّدُوا ربهم «بالْحُسْنَى» بالْجَنَّة. وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان مالكاً فلذلك قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ .
قوله: «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ» يجوز أن يكون منصوباً بدلاً أو بياناً أو نعتاً «لِلَّذِينَ [ (أحْسَنُوا) .
فإن قيل: إذا كان بدلاً عن» الَّذِينَ] أحْسَنُوا «فَلِمَ خالف ما بعده بالمُضِيِّ والاستقبال حيث قال» الَّذِين أحْسَنُوا «وقال:» الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ» ولم يقل: اجْتَنَبُوا؟
فالجواب: هو كقول القائل: الَّذِينَ سَأَلُونِي أعْطَيْتُهُم الذين يترددون إليَّ سائلين أي الذين عادتهم التَّرداد للسؤال سألوني وأعطيتهم فكذلك ههنا أي الذين عادتهم ودأبهم الاجتناب لا الذين اجتنبوا مرة واحدة. ويجوز أن يكون الموصول منصوباً بإضمار «أَعْنِي» ، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي هم الذين، وهذا نعت للمحسنين.
وقد تقدم الكلام في كبائر وكبير الإثْم.
قوله: «إلاَّ اللَّمَمَ» فيه أوجه: أحدها: أنه استثناء منقطع؛ لأن اللمم الصغائر فلم يندرج فيما قبلها. وهذا هو المشهور.
الثاني: أنه صفة، و «إلاَّ» بمنزلة غير كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] أي كبائر الإثم والفواحش غيرَ اللَّمم.
الثالث: أنه متصل. وهذا عند من يفسر اللّمم بغير الصغائر، قالوا: إن اللَّمَمَ من الكبائر والفواحش قالوا: معنى الآية إلا أن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب وتقع الواقعة ثم ينتهي. وهو قول أبي هريرةَ ومجاهدٍ والْحَسَن ورواية عطاء عن ابْن عَبَّاس، قال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللَّمم ما دون الشرك.
قال السدي: قال أبو صالح: سئلت عن قول الله عزّ وجلّ: إلاَّ اللَّمم فقلت: هو الرجل يلم الذنب ثم لا يُعَاودُه، فذكرت ذلك لابن عباس فقال: أعانك عليها ملكٌ كريمٌ.
وروى ابن عباس - (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) في قوله: إلاَّ اللمم قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:
4562 - إنْ تَغْفِر اللَّهُمّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لاَ أَلَمَّا؟
وأصل اللمم ما قلَّ وصَغُر، ومنه اللَّمَمُ وهو المسُّ من الجُنُون وألمَّ بالمكان قَلَّ لَبْثُهُ فيه، وأَلَمَّ بالطعام أي قل أكلُهُ منه.
وقال أبو العباس: أصل اللَّمَم أن يلمَّ بالشيء من غير أن يَرْكَبَهُ فقال: أَلَمَّ بكَذَا إذا قاربه، ولم يخالطه. وقال الأزهري: العرب تستعمل الإلمام في معنى الدُّنُوّ والقرب، وقال جرير: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وأرْضَاهُ) :
4563 - بنَفْسِي مَنْ تَجَنِّيهِ عَزِيزٌ ... عَلَيَّ وَمَنْ زِيَارَتُهُ لِمَامُ
وقال آخر:
4564 - مَتَى تَأتِنَا تَلْمُمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا
وقال آخر:
4565 - لِقَاء أَخْلاَءِ الصَّفَا لِمَامُ..... ... ... ... ... ... ... ...
ومنه أيضاً لمّة الشعر لما دون الوَفْرة.
فصل
قال ابن الخطيب: الكبائر إشارة لما فيها من مقدار السيئة.
والفواحش في اللغة مختصة بالقبح الخارج قبحه عن حد الخفاء وتركيب الحروف في التأليف يدل عليه، فإنك إذا قلبتها وقلت: حَشَفَ كان فيه معنى الزيادة الخارجة عن الحد، فَإن الحَشَفَ أرذلُ التَّمر، وكذلك فَشَحَ يَدُلُّ عَلَى حَالَة رَديئةٍ، يُقَال: فَشَحَت النَّاقَةُ إذَا وَقَفَتْ على هيئةٍ مخصوصةٍ للبَوْلِ فالفُحْش يلازمه القبح، ولهذا لم يقل الفواحش من الإثم، وقال في الكبائر من الإثم؛ لأن الكبائر إن لم يميزها بالإضافة في قوله: كَبَائِر الإثم لما حصل المقصود بخلاف الفواحش.
واختلفوا في الكبائر والفواحش؟ فقيل: الكبائر ما وعد الله عليه بالنار صريحاً وظاهراً والفواحش ما أوجب عليه حدًّا في الدنيا. وقيل: الكبائر: ما يُكَفَّرُ مستحلُّها. وقيل: الكبائر ما لا يغفر الله لفاعله إلا بعد التوبة وهو مذهب المعتزلة.
قال ابن الخطيب: كل هذه التعريفات تعريف للشيء بما هو مثله في الخفاء أو فوقه. وقد ذكرنا أن الكبائر هي التي مقدارها عظيم والفواحش هي التي قبحها واضح، فالكبيرة صفة عائدة إلى المقدار والفاحشة صفة عائدة إلى الكيفية.
فصل
اختلفوا في معنى الآية، فقال بعضهم: ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم الله به وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنهم كانوا بالأمس يعملون معاً فأنزل الله هذه الآية. وهذا قول زيدِ بنِ ثابت وزيدِ بن أسلم.
وقيل: هو صغار الذنوب كالنَّظرة والغَمْزَة، والقُبْلَة وما كان دون الزنا. وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة ومسروقٍ، والشَّعْبي ورواية طاوس عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ علَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْن النَّظَرُ، وزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ، والنَّفْسُ تَتَمَنَّى وتَشتهِي والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ» وفي رواية: «والأُذُنَانِ زِنَاهُما الاسْتِمَاعُ، واليَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ والرِّجْلُ زِناها الخُطَى» .
وقال الكلبي: اللمم على وجهين:
[الأوّل] : كل ذنب لم يذكر الله عليه حداً في الدنيا ولا عذاباً في الآخرة فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائرَ والفواحشَ.
والوجه الآخر: هو الذنب العظيم يلمُّ به المسلم المرة بعد المرة فيتوب منه.
وقال سعيد بن المسيب: هو ما لَمَّ على القلب أي خَطَرَ. وقال الحُسَيْنُ بن الفضل: اللَّمَمُ النظرةُ عن غير تعمد فهو مغفورٌ، فإن أعاد النظر فليس بلَمَم بل هُو ذنبٌ.
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المغفرة﴾ ، قال ابن عباس - (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) - لمن يفعل ذلك وتاب. وههنا تَمَّ الكلام.
قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض﴾ في تعلق الآية وجوه: أحدها: هو تصوير لما قال من قبل، فإنه لو قال: هو أعلم بمن فعل كان القائل من الكفار يقول: نحن نعلم أموراً في جوفِ الليل المُظْلمِ، وفي البيت الخالي فكيف يعلمه الله؟ قال: ليس علمكم أخفى من أحوالِكم وأنتم أَجِنَّة في بطون أمهاتكم، فإنّ الله عالمٌ بتلك الأحوال.
الثاني: أنه إشارة إلى أن الضالَّ والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله فإنه عَلِمَ الحق وأنتم في بطون الأمهات فكتب على البعض أنه ضال، وكتب على البعض أنه مُهْتَد.
الثالث: أنه تأكيد لبيان الجزاء، لأنه لما قال: ﴿لِيَجْزِيَ الذين أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ قال الكافرون هذا الجزاء لا يستحق إلا بالحشر وجمع الأجزاء بعد تفرقها وإعادة ما كان لزيدٍ من الأجزاء في بدنه من غير اختلاط، وذلك غير ممكن فقال تعالى هو عالم مماذا أنشأكم فيجمعها بعد ذلك على وفق علمه كما أنشأكم.
فصل
العامل في (قوله) : «إذْ» يحتمل أن يكون «اذْكُرْ» فيكون هذا تقريراً لكونه عالماً ويكون تقديره هو أعلم بكم. وقد تم الكلام ثم يقول: إن كنتم في شك من علمه بكم فاذكروا حال إنشائكم من التراب. وقد تقدم الكلام على قوله: ﴿خلقكم من تراب﴾ بأن كل أحد أصله من التراب، فإنَّه يصير غذاء، ثم يصير دماً ثم يصير نطفة.
فإن قيل: لا بدّ من صرف قوله ﴿إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض﴾ إلى آدم، لأن قوله: ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ عائد إلى غيره، فإنه لم يكنْ جنيناً. وإن قلت بأن قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنشَأَكُمْ﴾ عائد إلى جميع الناس فينبغي أن يكون جميع الناس أجنة في بطون الأمهات وهو قول الفلاسفة؟
فالجواب: ليس كذلك، لأنا نقول: الخطاب مع الموجودين حالة الخطاب، فقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ خطاب مع من حَضَر (وقت) الإنزال وهم كانوا أجنَّةً، وخلقوا من الأرض على ما قررناه.
قوله: «أجنة» جمع جنين وهو الحمل في البطن لاستتاره. و «جَنِينٌ، وأَجِنَّة» كسَرِيرٍ وأَسِرَّةٍ.
فإن قيل: الأجنة هم الذين في بطون الأمهات وبعد الخروج لا يسمى إلا ولداً أو سَقْطاً، فما فائدة قوله تعالى: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ؟
فالجواب: أن ذلك تنبيه على كمال العلم والقدرة، فإن بطون الأمهات في غاية الظُّلْمَةِ ومن علم حالَ الجنين فيها لا يخفى عليه ما يظهر من حال العِبَادِ.
قوله: ﴿فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ﴾ قال ابن عباس - (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) -: لا تمدحوها. وقال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة ﴿فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ﴾ تُبَرِّئُوها عن الآثَام ولا تمدحوها بحسن أعمالها. وقال الكلبي ومقاتل: كان الناس يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون: صلاتُنا وصيامُنا وحَجُّنا فأنزل الله هذه الآية. ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى﴾ أيَ برَّ وأَطَاعَ وأَخْلَصَ الْعَمَلَ.
فصل
يحتمل أن يكون هذا خطاباً مع الكفار، فإنهم قالوا: كيف يعلمنا الله؟ فرد عليهم قولهم ويحتمل أن يكون خطاباً مع كل من كان في زمن الخطاب وبعده من المؤمنين والكفار، ويحتمل أن يكون خطاباً مع المؤمنين وتقريره أن الله تعالى لما قال فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا قال لنبيه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قد علم كونك ومن تَبِعَك على الحق وكون الكفار على الباطل فأعرض عنهم ولا تقولوا نحن على الحق وأنتم على الضلال؛ لأنهم يقابلونكم بمثل ذلك وفوض الأمر إلى الله، فهو أعلم بمن اتقى ومن طغى.
وعلى هذا قول من قال: «فأعرض» منسوخٌ أظهر، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: 24] يعني الله أعلم بجملة الأمر.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences