Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Al-Waqi'ah 56:4–40, continued
أحدها: عطفاً على «ولْدَان» .
أي: أن الحور يطفن عليهم بذلك كالولائد في الدُّنيا.
وقال أبو البقاء: «أي يَطُفْن عليهم للتَّنعيم لا للخِدْمَة» .
قال شهاب الدين: «وهو للخدمة أبلغ؛ لأنهم إذا خدمهم مثل أولئك، فما الظَّن بالمَوطُوءَات» .
الثاني: أن يعطف على الضمير المستكنّ في «متكئين» ، وسوغ ذلك الفصل بما بينهما.
الثالث: أن يعطف على مبتدأ وخبر حذفا معاً، تقديره: «لهم هذا كله وحور عين» قاله أبو حيَّان.
وفيه نظر؛ لأنه إنما يعطف على المبتدأ وحده، وذلك الخبر له، ولما عطف هو عليه.
الرابع: أن يكون مبتدأ خبره مضمر، تقديره: ولهم، أو فيها، أو ثمَّ حور.
وقال الزمخشري: «عطف على وفيها حور عين، كبيت الكتاب» .
يريد: كتاب سيبويه، والمرادُ بالبيت قولهُ: [الكامل]
4686 - بَادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلَى ... إلاَّ رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَبَاء
ومُشَجَّجٌ أمَّا سواءُ قَذالِهِ ... فَبَدا وغيَّر سارهُ المَعْزاءُ
عطف «مشجج» وهو مرفوع على «رواكد» ، وهو منصوب.
الخامس: أن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: نساؤهم حور. قاله أبو البقاء.
قال الكسائي: ومن قال: «وحُورٌ عينٌ» بالرَّفع، وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك في «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» ؛ لأن ذلك لا يطاف به، وليس يطاف إلاَّ بالخمر وحدها.
وأما النصب ففيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: يعطون، أو يؤتون حوراً.
والثاني: أن يكون محمولاً على معنى «يطُوفُ عَليْهِمْ» ؛ لأن معناه: يعطون كذا وكذا، فعطف هذا عليه.
وقال مكي: «ويجوز النَّصب على أن يحمل أيضاً على المعنى؛ لأن معنى» يطوف عليهم ولدان «بكذا وكذا، أي: يعطون كذا وكذا، ثم عطف» حوراً «على معناه» ، فكأنه لم يطلع [على أنها] قراءة.
وأمَّا قراءة: «وحِيرٍ» فلمُجاورتها «عِين» ، ولأن الياء أخف من الواو، ونظيره في التَّعبير للمجاورة قولهم: «أخذه ما قدُم وما حدُث» - بضم دال - «حدُث» لأجل «قَدُم» ، وإذا أفرد منه فتحت داله فقط.
وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ورَبَّ السَّمواتِ وما أظْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطين ومنْ أضْلَلْن» .
[وقوله: «أيَّتُكُنَّ صاحبةُ الجملِ الأدْبَبِ، يَنْبَحُها كلاب الحوْأب» ، فكَّ الأدبب لأجل الحَوأبِ] .
وقرأ قتادة: «وحورُ عِينٍ» بالرفع والإضافة ل «عين» .
وابن مقسم: بالنَّصب والإضافة.
وقد تقدم توجيه الرفع والنَّصْب.
وأما بالإضافة: فمن إضافة الموصوف لصفته مؤولاً.
وقرأ عكرمة: [ «وحَوْرَاء عَيْنَاء» بإفرادهما على إرادة الجنس] .
وهذه القراءة تحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون نصباً كقراءة عبد الله وأبيٍّ.
وأن يكون جرًّا كقراءة الأخوين؛ لأن هذين الاسمين لا يتصرَّفان، فهما محتملان للوجهين.
وتقدم الكلام في اشتقاق العين.
«كأمْثَال» : صفة، أو حال.
و «جزاءً» : مفعول من أجله، أو مصدر، أي: يحزون جزاء.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «حورٌ» بيض، «عينٌ» ضخام الأعين، ﴿كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ أي المخزون في الصدف لم تمسّه الأيدي، ولم يقع عليه الغبار، فهو أشدّ ما يكون صفاء.
وقوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
قالت المعتزلة: هذا يدلُّ على أن يقال: الثواب واجب على الله - تعالى - لأن الجزاء لا يجوز الإخلال به.
وأجيبوا بأنه لو صح ما ذكروا لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة؛ لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح، وعلم بالعقل أن القبيح من الله تعالى لا يوجد، علم أن الله تعالى يعطي هذه الأشياء، لأنها أجزية، وإيصال الثَّواب واجب، وأيضاً فكان لا يصح التمدّح به.
قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ .
قال ابن عبَّاس: باطلاً وكذباً.
و «اللَّغْو» : ما يلغى من الكلام.
و «التأثيم» : مصدر أثمته، أي: قلت له: أثمت.
قال محمد بن كعب: «ولا تأثيماً» ، أي: لا يؤثم بعضهم بعضاً.
وقال مجاهد: ﴿لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً﴾ : شتماً ولا مأثماً.
قوله: «إلاَّ قيلاً» ، فيه قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع، وهذا واضح؛ لأنه لم يندرج تحت اللغو والتأثيم.
والثاني: أنه متصل.
وفيه بعد، وكأن هذا رأى أن الأصل: لا يسمعون فيها كلاماً، فاندرج عنده فيه.
وقال مكّي: وقيل: منصوب ب «يَسْمَعُون» . وكأنه أراد هذا القول.
قوله: ﴿سَلاَماً سَلاَماً﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من «قيلاً» أي: لا يسمعون فيها إلا سلاماً سلاماً.
الثاني: أنه نعت ل «قيلاً» .
الثالث: أنه منصوب بنفس «قيلاً» ، أي: إلاَّ أن يقولوا: سلاماً سلاماً، وهو قول الزَّجَّاج.
الرابع: أن يكون منصوباً بفعل مقدّر، ذلك الفعل محكيّ ب «قيلاً» تقديره: إلا قيلاً سلموا سلاماً.
وقرىء: «سلامٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: «على الحِكايَةِ» .
قال مكي: «ويجوز أن يكون في الكلام الرفع على معنى» سلام عليكم «ابتداء وخبر» وكأنه لم يعرفها قراءة.
فصل في معنى الآية
معنى «قيلاً سلاماً» أي: قولاً سلاماً.
وقال عطاء: يُحَيِّي بعضهم بعضاً بالسَّلام.
قال القرطبي: «والسَّلام الثاني بدل من الأول، والمعنى: إلا قيلاً يسلم فيه من اللغو، وقيل: تحييهم الملائكة، أو يحييهم ربهم عزَّ وجلَّ» .
وكرَّر السَّلام إشارة إلى كثرة السلام عليهم، ولهذا لم يكرر قوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] .
و «القيل» مصدر كالقول.
قال ابن الخطيب: فيكون «قيلاً» مصدراً، لكن لا نظير له في «باب» فعل يفعل من الأجوف.
وقيل: إنه اسم، والقول مصدر.
56:27–40Page 535
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ ٢٧
The companions of the right - what are the companions of the right?
فِي سِدۡرٖ مَّخۡضُودٖ ٢٨
[They will be] among lote trees with thorns removed
وَطَلۡحٖ مَّنضُودٖ ٢٩
And [banana] trees layered [with fruit]
وَظِلّٖ مَّمۡدُودٖ ٣٠
And shade extended
وَمَآءٖ مَّسۡكُوبٖ ٣١
And water poured out
وَفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ ٣٢
And fruit, abundant [and varied],
لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ ٣٣
Neither limited [to season] nor forbidden,
وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ ٣٤
And [upon] beds raised high.
إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ ٣٥
Indeed, We have produced them [i.e., the women of Paradise] in a [new] creation
فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا ٣٦
And made them virgins,
عُرُبًا أَتۡرَابٗا ٣٧
Devoted [to their husbands] and of equal age,
لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٣٨
For the companions of the right [who are]
ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٩
A company of the former peoples
وَثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ٤٠
And a company of the later peoples.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ .
رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم.
فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم.
وقيل: أصحاب القوة.
وقيل: أصحاب النور.
قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ .
قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه.
وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ .
فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ومَا هِيَ؟ .
قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أو لَيْسَ يقولُ:» سِدْرٌ مخْضُودٌ «خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر» » .
وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت.
قال أمية بن أبي الصَّلت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يصف الجنَّة: [الكامل]
4687 - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ
وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً.
وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال.
قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ .
و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة.
وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب.
وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك.
قال الجعديُّ: [الرجز]
4688 - بَشَّرها دليلُها وقَالاَ ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا
ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك.
وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان.
وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل.
وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا.
وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل.
وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب.
قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه.
وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] .
ولما قرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل.
فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله.
قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» .
فصل في المراد بالآية
قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك.
وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى.
والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما.
و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص.
و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها.
قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ .
أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: 45] .
وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه.
قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى.
وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش.
وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة.
وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود.
قال الشاعر: [الكامل]
4689 - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ
وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » .
وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار.
قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ .
أي: مصبوب بكثرة.
وقيل: جارٍ لا ينقطع.
وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً.
وانصب انسكب انسكاباً.
ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم.
قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب.
وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء.
وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك.
قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ .
قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» .
أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة.
قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها.
قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان:
أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها.
والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء.
وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها.
والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها.
وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا.
وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 14] .
قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ .
العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» .
وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة.
و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة.
وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره.
قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» .
وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش.
وقيل: يعود على الحور المتقدمة.
وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق.
وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض.
«وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» .
قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ .
قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة.
وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر.
والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم.
«وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» .
«وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» .
وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» .
وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً» فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ» » .
وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » .
قوله: «عُرُباً» .
جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين.
فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة.
وقيل: الحسناء.
وقيل: المحسِّنة لكلامها.
وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هنّ العواشق.
وأنشد للبيد: [البسيط]
4690 - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ
ويروى: [البسيط] 4691 - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا
وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن.
وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة.
قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» .
«وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى:» عُرُباً» قال: «كلامُهنَّ عَربيٌّ» » .
وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «العَرُوب» الملقة.
قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك.
قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» .
وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال.
وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد.
وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» .
وعنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» .
قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ .
في هذه «اللام» وجهان:
أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين.
والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له.
وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين.
قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ .
رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه.
وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها.
بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» .
وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» .
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء.
فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences