Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Al-Hadid 57:11–17
57:11–13Page 538
مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١١
Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He will multiply it for him and he will have a noble reward?
يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢
On the Day you see the believing men and believing women, their light proceeding before them and on their right, [it will be said], "Your good tidings today are [of] gardens beneath which rivers flow, wherein you will abide eternally." That is what is the great attainment.
يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣
On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.
قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ . وقد تقدم في «البقرة» .
ندب إلى الإنفاق في سبيل الله.
وقال ابن عطية: هنا بالرَّفع على العطف، أو القطع والاستئناف.
وقرأ عاصم: «فيُضَاعفه» بالنصب بالفاء على جواب الاستفهام، وفي ذلك قلقٌ.
قال أبو علي: لأن السؤال لم يقع على القرضِ، وإنما وقع عن فاعل القَرْض، وإنما تنصب الفاء فعلاً مردوداً على فعل مستفهم عنه، لكن هذه الفرقة حملت ذلك على المعنى، كأن قوله: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ﴾ بمنزلة قوله: «أيقرض الله أحدٌ» . انتهى.
وهذا الذي قاله أبو علي ممنوع، ألا ترى أنه ينصب بعد «الفاء» في جواب الاستفهام بالأسماء، وإن لم يتقدم فعل نحو: أين بيتك فأزورك ومثل ذلك: من يدعوني فأستجيب له، ومتى تسير فأرافقك، وكيف تكون فأصحبك، فالاستفهام إنما وقع عن ذات الدَّاعي، وعن ظرف الزَّمان، وعن الحال لا عن الفعل.
وقد حكى ابن كيسان عن العرب: «أين ذهب زيدٌ فنتبعه، ومن أبوك فنكرمه» .
فصل في المقصود بالقرض
ندب الله تعالى إلى الإنفاق في سبيل الله، والعرب تقول لكل من فعل فعلاً حسناً: «قد أقرض» .
كما قال بعضهم رحمة الله عليه: [الرمل]
4719 - وإذَا جُوزيتَ قَرْضاً فاجزه ... إنَّما يَجزي الفَتَى لَيْسَ الجَمَلْ
وسماه قرضاً؛ لأن القرض أخرج لاسترداد البدل، أي: من ذا الذي ينفق في سبيل الله حتى يبدله الله بالأضعاف الكثيرة.
قال الكلبي: «قرضاً» أي: صدقة.
«حسناً» أي: محتسباً من قلبه بلا منٍّ ولا أدى.
﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ : ما بين سبع إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف.
وقيل القَرْض الحسن هو أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وقال زيد بن أسلم: هو النَّفقة على الأهل.
وقال الحسن: التطوُّع بالعبادات.
وقيل: عمل الخير.
وقال القشيري: لا يكون حسناً حتى يجمع أوصافاً عشرة:
الأول: أن يكون من الحلال، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صلاةً بِغَيْرِ طهُورٍ، ولا صَدَقةً مِنْ غُلُولٍ» .
الثاني: أن يكون من أكرم ما يمكنه؛ ولا يخرج الرديء كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] .
الثالث: أن يتصدق به وهو يحبّه، ويحتاج إليه لقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] وقوله: ﴿وَآتَى المال على حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] .
وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «أفْضَلُ الصَّدقةِ أنْ تُعْطيَهُ وأنْتَ صَحيحٌ شَحِيحٌ تأمْلُ العَيْشَ ولا تمهلُ حتَّى إذا بلغتِ التَّراقي قُلْتَ: لفُلانٍ كذا، ولفُلانٍ كَذَا» .
الرابع: أن تصرف صدقته إلى الأحوج فالأحوج، ولذلك خص تعالى أقواماً بأخذها، وهم أهل المبهمات.
الخامس: أن تخفي الصَّدقة لقوله تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقرآء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 271] .
السادس: ألاَّ يتبعها منًّا ولا أذى، لقوله تعالى: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى﴾ [البقرة: 264] .
السابع: أن يقصد بها وجه الله تعالى، ولا يُرائِي لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى﴾ [الليل: 20] .
الثامن: أن يستحقر ما يعطي وإن كثر؛ لأن الدُّنيا كلها قليلة، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6] في أحد التأويلات.
التاسع: أن يكون من أحبّ الأموال إليه، وأن يكون كثيراً لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «أفْضَلُ الرِّقابِ أغْلاهَا وأنفَسُهَا عِنْدَ أهْلِهَا» .
العاشر: ألا يرى عزَّ نفسه، وذُلّ الفقير، بل يكون الأمر بالعكس.
﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ يعني الجنَّة.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى المؤمنين﴾ .
فيه أوجه:
أحدها: أنه معمول للاستقرار العامل في «له أجر» أي: استقر له أجر في ذلك اليوم.
الثاني: أنه مضمر، أي: اذكر، فيكون مفعولاً به.
الثالث: أنهم يُؤجَرُون «يوم ترى» فهو ظرف على أصله.
الرابع: أن العامل فيه «يسعى» أي: يسعى نور المؤمنين والمؤمنات يوم تراهم هذا أصله.
الخامس: أن العامل فيه «فيُضَاعفه» . قالهما أبو البقاء.
قوله: «يَسْعَى» حال؛ لأن الرُّؤية بصرية، وهذا إذا لم تجعله عاملاً في «يوم» ، و «بين أيديهم» ظرف للسعي، ويجوز أن يكون حالاً من «نورهم» .
قوله: «وبأيمانهم» ، أي: وفي جهة أيمانهم.
وهذه قراءة العامة، أعني بفتح الهمزة جمع يمين.
وقيل: الباء بمعنى «عن» أي: عن جميع جهاتهم، وإنما خص الأيمان لأنها أشرف الجهات.
وقرأ أبو حيوة وسهل بن شعيب: بكسرها.
وهذا المصدر معطوف على الظرف قبله، والباء سببية، أي: يسعى كائناً وثابتاً بسبب أيمانهم.
وقال أبو البقاء: تقديره: وبأيمانهم استحقُّوه، أو بأيمانهم يقال لهم: بُشْرَاكُم.
فصل في المراد بهذا اليوم
المراد من هذا يوم المُحاسبة.
واختلفوا في هذا النور.
فقال الحسن: هو الضياء الذي يمرون فيه «بين أيديهم» أي: قدَّامهم.
«وبأيمانهم» ، قال الفرَّاء: «الباء» بمعنى «في» أي: في أيمانهم، أو بمعنى: «عن أيمانهم» .
وقال الضحاك: النور هُداهم، وبأيمانهم كتبهم، واختاره الطبري.
أي: يسعى إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم، ف «الباء» على هذا بمعنى «في» ، ويجوز على هذا أن يوقف على «بين أيديهم» ولا يوقف إذا كانت بمعنى «عن» .
وعلى قراءة سهل بن شعيب وأبي حيوة: «وبإيمانهم» بكسر الألف، أراد الإيمان الذي هو ضد الكُفر، وعطف ما ليس بظرف على الظَّرف لأن معنى الظرف الحال، وهو متعلق بمحذوف.
والمعنى: يسعى كائناً بين أيديهم، وكائناً بأيمانهم.
وقيل: أراد بالنور: القرآن.
وعن ابن مسعود: «يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنَّخلة ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نوراً من نوره على إبهام رجله، فيطفأ مرة ويوقد أخرى» .
قال الحسن: ليَسْتَضيئُوا به على الصِّراط.
وقال مقاتل: ليكون لهم دليلاً إلى الجنَّة.
قوله: ﴿بُشْرَاكُمُ اليوم جَنَّاتٌ﴾ .
«بُشْرَاكم» مبتدأ، و «اليوم» ظرف، و «جنَّات» خبره على حذف مضاف أي: دخول جنَّات وهذه الجملة في محل نصب بقول مُقدَّر، وهو العامل في الظرف، يقال لهم: بُشراكم اليوم دخول جنَّات.
قال القرطبي: «ولا بُدَّ من تقدير حذف المضاف؛ لأن البُشْرَى حدث، والجنة عين، فلا تكون هي هي» .
وقال مكي: وأجاز الفراء نصب «جنَّات» على الحال، ويكون «اليوم» خبر «بشراكم» قال: «وكون» جنَّات «حالاً لا معنى له؛ إذ ليس فيها معنى فعل، وأجاز أن يكون» بُشْرَاكم «في موضع نصب على» يبشرونهم بالبُشْرَى «، وينصب» جنات «بالبشرى وكله بعيد، لأنه يفصل بين الصلة والموصول باليوم» . انتهى.
وعجيب من الفرَّاء كيف يصدر عنه ما لا يتعقّل، ولا يجوز صناعة، كيف تكون جنات حالاً، وماذا صاحب الحال؟ .
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال من الدخول المحذوف، التقدير: بشراكم اليوم دخول الجنة جنات تجري من تحتها الأنهار مقدرين الخلود فيها.
قال القرطبي: «ولا تكون الحال من» بشراكم «لأن فيه فصلاً بين الصلة والموصول، ويجوز أن تكون مما دلّ عليه البشرى كأنه قال: يبشرون خالدين فيها، ويجوز أن يكون الظَّرف الذي هو» اليوم «خبراً عن» بشراكم» ، و «جنات» بدلاً من البشرى على تقدير حذف المضاف كما تقدم، و «خالدين» حال حسب ما تقدم» .
فصل في العامل في قوله: «خالدين»
قال شهاب الدِّين: «خالدين» نصب على الحال، والعامل فيها المضاف محذوف، إذ التقدير: بُشْرَاكم دخولكم جنات خالدين فيها، فحذف الفاعل وهو ضمير المخاطب، [وأضيف المصدر لمفعوله، فصار دخول جنات] ، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف فيه مقامه في الإعراب، ولا يجوز أن يكون «بشراكم» هو العامل فيها؛ لأنه مصدر، وقد أخبر عنه قبل ذكر متعلقاته، فيلزم الفصل بأجنبي، وظاهر كلام مكي أنه عامل في الحال، فإنه قال: «خالدين» نصب على الحال من الكاف والميم، والعامل في الحال هو العامل في صاحبها فيلزم أن يكون «بشراكم» هو العامل، وفيه ما تقدم من الفصل بين المصدر ومعموله.
فصل في كون الفاسق مؤمناً أم لا
قال ابن الخطيب: تقدم في الكلام البشارة عند قوله: ﴿وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ﴾ [البقرة: 25] . وهذه الآية تدل على أن المؤمنين لا ينالهم أهوال يوم القيامة؛ لأنه تعالى بين أن هذه صفتهم يوم القيامة من غير تخصيص.
قال الكعبي: هذه الآية تدلّ على أن الفاسق ليس بمؤمن؛ لأنه لو كان مؤمناً لدخل تحت هذه البشارة، ولو كان كذلك لقطع بأنه من أهل الجنَّة؛ [ولما لم يكن كذلك ثبت أنه ليس بمؤمن] .
أجاب ابن الخطيب: [بأنا نقطع بأن الفاسق من أهل الجنة] ، لأنه إما أن يدخل النار، أو أنه ممن دخلها، لكنه سيخرج منها، وسيدخل الجنة، ويبقى فيها أبد الآباد، فإذن يقطع بأنه من أهل الجنة، فسقط الاستدلال.
قوله: «ذلك الفوز» هذه الإشارة عائدة إلى جميع ما تقدم من النور والبشرى بالجنَّات المخلدة.
قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات﴾ .
العامل في «يوم» «ذلك الفوز العظيم» .
وقيل: «هو بدل من اليوم الأول» .
وقال ابن الخطيب منصوب ب «اذْكر» مقدًّرا.
واعلم أنه لما شرح حال المؤمنين في موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال المنافقين، فقال: يوم يقول.
قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ . «اللام» للتبليغ.
و ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ قراءة العامة: «انْظُرونَا أمر من النَّظر» .
وحمزة: «أنْظِرُونا» بقطع الهمزة، وكسر الظَّاء من الإنظار بمعنى الانتظار.
وبها قرأ الأعمش، ويحيى بن وثَّاب، أي: انتظرونا لنلحق بكم، فنستضيء بنوركم.
والقراءة الأولى يجوز أن تكون بمعنى هذه، إذ يقال: نظره بمعنى انتظره، وذلك أنَّه يسرع بالخواص على نُجُب إلى الجنة، فيقول المنافقون: انتظرونا لأنَّا مُشَاة لا نستطيع لحوقكم، ويجوز أن يكون من النظر وهو الإبصار؛ لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، فيضيء لهم المكان، وهذا أليق بقوله: ﴿نقتبس من نوركم﴾ . قال معناه الزمخشري.
إلاَّ أن أبا حيان قال: إن النَّظر بمعنى الإبصار لا يتعدى بنفسه إلا في الشِّعر، إنما يتعدى ب «إلى» .
قوله: ﴿نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ أي: نستضيء من نوركم.
و «القَبَس» : الشعلة من النار أو السِّراج.
قال ابن عبَّاس وأبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة.
قال الماوردي: أظنّها بعد فصل القضاء، ثم يعطون نوراً يمشون فيه.
قال المفسّرون: يعطي الله كل أحد يوم القيامة نوراً على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين [نوراً خديعة لهم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] .
وقيل: إنما يعطون النور؛ لأن جميعهم أهل دعوة] دون الكافر، ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه. قاله ابن عباس.
وقال أبو أمامة: يعطى المؤمن النور، ويترك الكافر والمنافق بلا نور.
وقال الكلبي: بل يستضيء المنافق بنور المؤمنين، [فبينما هم يمشون إذ بعث الله ريحاً وظلمة فأطفأ بذلك نور المنافقين، فذلك قول المؤمنين] : ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: 8] خشية أن يسلبوه كما سلبه المنافقون، فإذا بقي المنافقون في الظلمة، فإنهم لا يبصرون مواضع أقدامهم، قالوا للمؤمنين: ﴿انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ . قيل: ارجعُوا «وراءكم» ، أي: إلى المواضع التي أخذنا منها النور، فاطلبوا هناك نوراً لأنفسكم، فإنكم لا تقتبسون من نورنا، فلما رجعوا وانعزلوا في طلبِ النور «ضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ» .
وقيل: معناه هلاَّ طلبتم النور من الدنيا بأن تؤمنوا؟ .
قوله: «وراءكم» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه منصوب ب «ارجعوا» على معنى ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور، فالتمسوا هناك ممن يقتبس، أو ارجعوا إلى الدُّنيا فالتمسوا نوراً بتحصيل سببه، وهو الإيمان، أو يكون معناه: فارجعوا خائبين وتنحّوا عنَّا فالتمسوا نوراً آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور.
والثاني: أن «وَرَاءكُم» اسم للفعل فيه ضمير فاعل، أي: ارجعوا «رجوعاً» قاله أبو البقاء.
ومنع أن يكون ظرفاً ل «ارجعوا» .
قال: لقلّة فائدته؛ لأن الرُّجوع لا يكون إلاَّ إلى وراء.
قال شهاب الدين: «وهذا فاسد؛ لأن الفائدة جليلة كما تقدم شرحها» .
قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ .
العامة على بنائه للمفعول، والقائم مقام الفاعل يجوز أن يكون «بِسُورٍ» وهو الظاهر، وأن يكون الظرف.
وقال مكي: «الباء» مزيدة، أي: ضرب سور. ثم قال: «والباء متعلقة بالمصدر أي: ضرباً بسور» .
وهذا متناقض، إلاَّ أن يكون قد غلط عليه من النساخ، والأصل: والباء متعلقة بالمصدر، والقائم مقام الفاعل الظرف، وعلى الجملة هو ضعيف، والسور: البناء المحيط وتقدم اشتقاقه في أول البقرة.
قوله: «لَهُ بابٌ» . مبتدأ وخبر في موضع جرّ صفة ل «سُور» .
وقوله: ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة﴾ هذه الجملة يجوز أن تكون في موضع جر صفة ثانية ل «سور» ، ويجوز أن تكون في موضع رفع صفة ل «باب» ، وهو أولى لقربه، والضمير إنما يعود إلى الأقرب إلا بقرينة.
وقرأ زيد بن علي، وعمرو بن عبيد: «فضرب» مبنيًّا للفاعل، وهو الله أو الملك.
فصل في المراد بالسور
«السور» : حاجز بين الجنة والنار.
قال القرطبي: «روي أن ذلك السُّور ب» بيت المقدس «عند موضع يعرف ب» وادي جهنم «فيه الرَّحْمَة يعني: ما يَلِي منه المؤمنين، وظاهره من قبله العذاب يعني: ما يلي المنافقين» .
قال كعب الأحبار رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هو الباب الذي ب «بيت المقدس» المعروف ب «باب الرحمة» .
وقال عبد الله بن عمرو: إنه سور ب «بيت المقدس» الشرقي، باطنه فيه المسجد، وظاهره من قبله العذاب، يعني: جهنم ونحوه عن ابن عباس.
وقال زياد بن أبي سوادة: قام عبادة بن الصَّامت على سُور ب «بيت المقدس» الشرقي فبكى، وقال: من هاهنا أخبرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه رأى جهنم.
وقال قتادة: هو حائط بين الجنَّة والنار، ﴿باطنه فيه الرحمة﴾ يعني: الجنة، ﴿وظاهره من قبله العذاب﴾ يعني: جهنم.
وقال مجاهد: إنَّه حجاب. كما في «الأعراف» وقد مضى القول فيه.
وقد قيل: إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي هو في ظاهره ظلمة المنافقين.
وقيل: السُّور عبارة عن منع المنافقين عن طلبِ المؤمنين.
57:14–17Page 539
يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤
They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.
فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥
So today no ransom will be taken from you or from those who disbelieved. Your refuge is the Fire. It is most worthy of you, and wretched is the destination."
۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦
Has the time not come for those who have believed that their hearts should become humbly submissive at the remembrance of Allāh and what has come down of the truth? And let them not be like those who were given the Scripture before, and a long period passed over them, so their hearts hardened; and many of them are defiantly disobedient.
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧
Know that Allāh gives life to the earth after its lifelessness. We have made clear to you the signs; perhaps you will understand.1
قوله: ﴿يُنَادُونَهُمْ﴾ يجوز أن يكون حالاً من الضمير في «بينهم» . قاله أبو البقاء.
وهو ضعيف لمجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع المستثناة.
وأن تكون مستأنفة، وهو الظاهر.
وقوله: ﴿أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ يجوز أن يكون تفسيراً للنداء، وأن يكون منصوباً بقول مقدّر.
فصل في معنى الآية
والمعنى: ينادي المنافقون المؤمنين ﴿ألم نَكُنْ معكم﴾ يعني: في الدنيا نصلّي مثل ما تصلّون، ونغزو مثل ما تَغْزُون، ونفعل مثل ما تفعلون؟ .
«قالوا: بَلَى» ، أي: يقول المؤمنون: بلى، قد كُنتم معنا في الظَّاهر، ﴿ولكنكم فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: استعملتموها في الفتنة.
وقال مجاهد: أهلَكْتمُوهَا بالنِّفاق.
وقيل: بالمعاصي. قاله أبو سنان. وقال أبو نمير الهمداني: بالشهوات واللَّذَّات.
وقوله: «وتربّصتم» أي: بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الموت، وبالمؤمنين الدَّوائر.
وقيل: تربَّصتم بالتوبة.
«وارْتَبْتُمْ» أي: شككتم في التوحيد، أو النبوة، أو البعث.
«وغرَّتكم الأماني» أي: الأباطيل.
وقيل: طول الأمل، وهو ما كانوا يتمنّونه من ضعف المؤمنين، ونزول الدَّوائر بهم.
وقال قتادة: الأماني هنا خدعُ الشيطان.
وقيل: الدنيا، قاله عبد الله بن عباس.
وقال أبو سنان: هو قولهم: «سيغفر لنا» .
وقال بلال بن سَعْدٍ: ذكرك حسناتك، [ونسيانك] سيئاتك غِرَّةً ﴿حتَّى جاء أمر الله﴾ يعني: الموت.
وقيل: نُصْرة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال قتادة: إلقاؤهم في النَّار.
قوله: ﴿وَغَرَّكُم بالله الغرور﴾ .
قرأ العامة: «الغَرُور» بفتح الغين، وهو صفة على «فعول» ، والمراد به: الشَّيْطان، أي: خدعكم بالله الشيطان.
وقرأ أبو حيوة، ومحمد بن السميفع، وسماك بن حَرْب: «الغُرُور» بالضم، وهو مصدر، والمراد به الأباطيل.
«عن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خطَّ لنا خُطُوطاً، وخط منها خطًّا ناحية، فقال:» أتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ هَذَا مِثْلُ ابْنِ آدَمَ ومِثْلُ التمنِّي، وتِلْكَ الخُطُوطُ الآمَالُ، بَيْنَمَا يتمنَّى إذْ جَاءَهُ المَوْتُ «» .
وعن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: «خطَّ لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خطًّا مربَّعاً وخط في وسطه خطًّا، وجعله خارجاً منه، وخط عن يمينه ويساره خطوطاً صغاراً، فقال:» هَذَا ابْنُ آدَمَ وهَذَا أجَلُهُ يُحيطُ بِهِ، وهذا أمَلُهُ قَدْ جَاوَزَ أجَلَهُ، وهذه الخُطُوطُ الصِّغَارُ الأعْرَاضُ فإنْ أخْطَأهُ هذا نَهَشَهُ هذا «» .
قوله: «فَاليَوْمَ» منصوب ب «يؤخذ» ، ولا يبالي ب «لا» النافية، وهو قول الجمهور وقد تقدم آخر «الفاتحة» ثلاثة أقوال. وقرأ ابن عامر: «تؤخذ» بالتأنيث للفظ الفدية.
والباقُون: بالياء من تحت؛ لأن التأنيث مجازي.
فصل في المراد بالفدية
قوله: ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية﴾ أيها المنافقون، ﴿ولا من الذين كفروا﴾ أي: أيأسهم من النَّجاة. والمراد بالفدية قيل: لا يقبل منكم إيمان، ولا توبة؛ لأن التكليف قد زال وحصل الإلحاد.
وقيل: لا يقبل منكم فدية تدفعون بها العذاب عن أنفسكم كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: 123] ، والفدية: ما يفتدى به، فهو يتناول الإيمان والتوبة والمال.
قال ابن الخطيب: وهذا يدلُّ على أن قبُول التَّوبة غير واجب عقلاً على ما يقوله المعتزلة؛ لأنه - تعالى - بين أنه لا يقبل الفدية أصلاً، والتوبة فدية، فتكون الآية دالة على أنَّ التوبة غير مقبولة أصلاً، وإذا كان كذلك لم تكن التوبة واجبة القبول عقلاً.
قوله: ﴿وَلاَ مِنَ الذين كَفَرُواْ﴾ .
عطف الكافر على المنافق، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فيقتضي أن يكون المنافق كافراً؟ .
وأجيب بأن المراد منه الذين أظهروا الكفر، وإلاَّ فالمنافق كافر.
قوله: ﴿مَأْوَاكُمُ النار﴾ أي: هي مصيركم.
وقوله: ﴿هِيَ مَوْلاَكُمْ﴾ يجوز أن يكون مصدراً أي: ولايتكم، أي: ذات ولايتكم.
قال القرطبي: «تملك أمرهم، بمعنى أن الله - تعالى - يركب فيها الحياة والعقل، فهي تتميز غيظاً على الكُفَّار، ولهذا خوطبت في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 30] .
ويجوز أن يكون مكاناً، أي: مكان ولايتكم، وأن يكون بمعنى أولى بكم، كقوله تعالى: ﴿هِيَ مَوْلاَكُمْ﴾ قاله الكلبي، وهو قول الزجاج والفراء وأبي عبيدة» .
قال ابن الخطيب: وهذا الذي قالوه معنى، وليس تفسيراً للفظ، لأنه لو كان «مولى وأولى» بمعنى واحد في اللغة لصحّ استعمال كل واحد منهما مكان الآخر، وكان يجب أن يصحّ أن يقال: هذا أولى فلان، كما يقال: مولى فلان، ولما بطل ذلك علمنا أن الذي قالوه معنًى، وليس بتفسير، وإنما نبَّهنا على هذه الدقيقة؛ لأن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فعليٌّ مَولاهُ» قال: أحد معاني «مولى» أنه أولى. واحتج في ذلك بأقوال أئمة اللغة في تفسير هذه الآية، بأن «مولى» معناه «أولى» إذا ثبت أن اللفظ محتمل له وجب حمله عليه؛ لأن ما عداه إمَّا بَيِّنُ الثبوت ككونه ابن العم والنَّاصر، أو بَيِّنُ الانتفاء كالمعتِق، والمعتَق، فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى الثاني كذباً.
قال ابن الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: وأما نحن فقد بيَّنا بالدليل أن قول هؤلاء في هذا الموضع معنى لا تفسير، وحينئذ يسقط الاستدلال به.
وفي الآية وجه آخر، وهو أن معنى قوله: «هي مولاكم» أي: لا مولى لكم؛ لأن من كانت النار مولاه، فلا مولى له، كما يقال: ناصره الخذلان ومعينه البكاء، أي: لا ناصر له ولا معين، وهذا متأكد بقوله تعالى:
﴿وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ﴾ [محمد: 11] ، ومنه قوله تعالى: ﴿يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل﴾ [الكهف: 29] .
وقوله: ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ أي: هي، ومعناه: ساءت مرجعاً ومصيراً.
قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ .
قرأ العامة: «ألم» . وقرأ الحسن وأبو السمال: «ألمَّا» .
وأصلها «ألم» زيدت عليها «ما» ، فهي نفي كقول القائل: قد كان كذا، و «لم» نفي، كقوله: قد كان كذا.
وقوله: ﴿أَن تَخْشَعَ﴾ . فاعل «يأن» ، أي: ألم يقرب خشوع قلوبهم ويحينُ؛ قال الشاعر: [الطويل]
4720 - ألَمْ يَأنِ لِي يا قَلْبُ أنْ أتْرُكَ الجَهْلاَ ... وأنْ يُحْدِثَ الشَّيْبُ المُبِيْنُ لنَا عَقْلا
وماضيه «أنى» بالقصر «يأني» .
ويقال: «آن لك - بالمد - أن تفعل كذا يَئِينُ أيْناً» أي: مثل «أنى لَكَ» وهو مقلوب منه.
وأنشد ابن السِّكِّيت: [الطويل]
4721 - ألَمَّا يَئِنْ لِي أنْ تُجَلَّى عَمايَتِي ... وأقْصُرُ عَنْ لَيْلَى بَلَى قَدْ أنَى لِيَا
فجمع بين اللغتين.
وقرأ العامة: «يأن» مضارع «أنى» أي: حان وقرب، مثل رمى يرمي.
والحسن: «يئن» مضارع «آن» بمعنى «حان» أيضاً، مثل: «باع يبيع» .
و «اللام» للتبيين. قاله أبو البقاء، فعلى هذا يتعلق بمحذوف، أي: أعني للذين.
فصل في نزول هذه الآية
في «صحيح مسلم» ، عن ابن مسعُود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق﴾ إلا أربع سنين.
قال الخليل: العِتَاب مخاطبة الإذلال، ومذاكرة الموجدة. تقول: عاتبت معاتبة.
«أن تخْشعَ» ، أي: تذل وتلين ﴿قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق﴾ .
«وروي أن المزاح والضحك كثر في أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما ترفهوا ب» المدينة «فنزلت الآية، ولما نزلت هذه الآية قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ:» إنَّ الله يَسْتَبْطِئكُمُ بالخُشُوعِ «فقالوا عند ذلك: خشعنا» .
وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: إنَّ الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن.
وقيل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة، وذلك لما سألوا سلمان أن يحدثهم بعجائب التوراة، فنزلت: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين﴾ [يوسف: 1] إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص﴾ [يوسف: 3] فأخبرهم أن القصص أحسن من غيره، وأنفع لهم، فكفُّوا عن سلمان، ثم سألوه مثل الأول، فنزلت: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا﴾ [الآية، فعلى هذا التأويل يكون ﴿فالذينءَامَنُواْ﴾ في العلانية باللسان] .
وقال السُّدي وغيره: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا﴾ بالظَّاهر وأسرُّوا الكفر ﴿أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله﴾ .
وقيل: نزلت في المؤمنين.
قال سعد: قيل: يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ فنزل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص﴾ [يوسف: 3] فقالوا بعد زمان: لو حدثتنا، فنزل قوله: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث﴾ [الزمر: 23] فقالوا بعد مدة: لو ذكرتنا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله﴾ الآية.
وقيل: هذا خطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد - عليهم الصلاة والسلام - لأنه قال عقيبه: ﴿والذين آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: 19] أي: ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل أن تلين قلوبهم للقرآن، وألاَّ يكونوا كمتقدمي قوم موسى وقوم عيسى؛ إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيهم، فقَسَتْ قلوبهم.
قوله: ﴿وَمَا نَزَلَ﴾ .
قرأ نافع وحفص: «نَزَل» مخففاً مبنيًّا للفاعل.
وباقي السبعة كذلك إلاَّ أنها مشددة.
والجحدري وأبو جعفر والأعمش وأبو عمرو في رواية: «ما نزّل» مشدداً مبنيًّا للمفعول.
وعبد الله: «أنْزَل» مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى.
و «ما» في قراءة «ما نزل» مخففاً، يتعين أن تكون اسمية، ولا يجوز أن تكون مصدرية لئلا يخلو الفعل من الفاعل، وما عداها يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى «الذي» .
فإن قلت: فقراءة الجحدري ومن معه ينبغي أن تكون فيها اسمية لئلاَّ يخلو الفعل من مرفوع؟ فالجواب: أن الجار وهو قوله: «من الحقّ» يقوم مقام الفاعل.
فصل في معنى الآية
قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد بذكر الله، وما نزل من الحق هو القرآن؛ لأنه جامع للوصفين الذِّكر والموعظة، وأنه حق نازل من السماء، ويحتمل أن يكون المراد هو ذكر الله مطلقاً، و ﴿ما نزل من الحقّ﴾ هو القرآن، وإنما قدم الخشوع بالذكر على الخشوع بما نزل من القرآن؛ لأن الخشوع والخوف والخشية لا تحصل إلا عند ذكر الله تعالى، فأما حصولها عند سماع القرآن، فذلك لأجل اشتمال القرآن على ذكر الله.
قوله: ﴿وَلاَ يَكُونُواْ﴾ .
قرأ العامة: بالغيبة جرياً على ما تقدم.
وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: ب «التاء» من فوق على سبيل الالتفات.
قال القرطبي: وهي رواية رويس عن يعقوب، وهي قراءة عيسى، وابن إسحاق.
ثم هذا يحتمل أن يكون منصوباً عطفاً على «يخشع» كما في قراءة الغيبة، وأن يكون نهياً، فتكون «لا» ناهية والفعل مجزوم بها.
ويجوز أن يكون نهياً في قراءة الغيبة أيضاً، ويكون ذلك انتقالاً إلى نهي أولئك المؤمنين عن كونهم مشبهين لمن تقدمهم نحو «لا يَقُمْ زيد» .
قوله: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد﴾ .
قرأ العامة: بتخفيف الدال بمعنى الغاية، كقولك: أمد فلان، أي: غايته.
وقرأ ابن كثير في رواية بتشديدها؛ وهو الزمن الطَّويل.
فصل في معنى الآية
معنى الآية لا تسلكوا سبيل اليهود والنصارى أعطوا التوراة والإنجيل، فطالت الأزمان لهم.
قال ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمدُ قست قلوبهم، فاخترعوا كتاباً من عند أنفسهم استحلته أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم حتَّى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، ثم اصطلحوا على أن يرسلوه إلى عالم من علمائهم، وقالوا: إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد، فإن أبى قتلناه، فلا يختلف علينا بعده أحد، فأرسلوا إليه، فكتب كتاب الله في ورقةٍ، وجعلها في عنقه، ثم لبس عليه ثياباً وأتاهم، فعرضوا عليه كتابهم، وقالوا: أتؤمن بهذا؟ فضرب بيده على صدره وقال: آمنت بهذا - يعني المعلق على صدره - فافترقت بنو إسرائيل على بضع وسبعين [ملة] ، وخير مللهم أصحاب ذي القرن؛ قال عبد الله: ومن يَعِشْ منكم فسيرى منكراً، ويجب على أحدكم إذا رأى المنكر لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه له كارهٌ.
وقال مقاتل: يعني مؤمني أهل الكتاب طال عليهم الأمدُ، واستبطئوا بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ يعني: الذين ابتدعوا الرَّهبانية أصحاب الصوامع.
وقيل: من لا يعلم ما يتديّن به من الفقه، ويخالف من يعلم.
[وقيل: هم من لا يؤمن في علم الله تعالى، وقال ابن عباس: مالوا إلى الدنيا، وأعرضوا عن مواعط الله.
وقيل:] طالت أعمارهم في الغفلة، فحصلت القَسْوة في قلوبهم بذلك السبب.
[وقيل غير ذلك.
وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين،] وكأنه أشار إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفِسْقِ في آخر الأمر.
قوله تعالى: ﴿اعلموا أَنَّ الله يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ .
أي: يحييها بالمطر.
وقال صالح المري: يلين القلوب بعد قسوتها.
وقال جعفر بن محمد: يحييها بالعدلِ بعد الجورِ.
وقيل: المعنى: وكذلك يحيي الكافر بالهدى إلى الإيمان بعد الكفر والضلالة.
وقيل: كذلك يحيي الموتى من الأمم، ويميز بين الخاشع قلبه، وبين الفاسق قلبه.
﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: إحياء الله الأرض بعد موتها دليل على قدرة الله، وأنه يحيي الموتى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences