Ibn 'AdilAl‑Hadid · 57:18–26

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Al-Hadid 57:18–26

57:18–21Page 539

إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨

Indeed, the men who practice charity and the women who practice charity and [they who] have loaned Allāh a goodly loan - it will be multiplied for them, and they will have a noble reward.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩

And those who have believed in Allāh and His messengers - those are [in the ranks of] the supporters of truth and the martyrs, with their Lord. For them is their reward and their light.1 But those who have disbelieved and denied Our verses - those are the companions of Hellfire.

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠

Know that the life of this world is but amusement and diversion and adornment and boasting to one another and competition in increase of wealth and children - like the example of a rain whose [resulting] plant growth pleases the tillers; then it dries and you see it turned yellow; then it becomes [scattered] debris. And in the Hereafter is severe punishment and forgiveness from Allāh and approval. And what is the worldly life except the enjoyment of delusion.

سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١

Race [i.e., compete] toward forgiveness from your Lord and a Garden whose width is like the width of the heavens and earth, prepared for those who believed in Allāh and His messengers. That is the bounty of Allāh which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات﴾ .

خفف الصاد منهما ابن كثير، وثقلها باقي السَّبعة.

فقراءة ابن كثير من التصديق، أي: صدقوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيما جاء به، كقوله: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: 33] ، وقراءة الباقين من الصدقة وهو مناسب لقوله: «وأقرضوا» والأصل: المتصدّقين والمتصدّقات، فأدغم، وبها قرأ أبي.

وقد يرجح الأول بأن الإقْرَاض مُغنٍ عن ذكر الصدقة.

قوله: «وأقْرَضُوا» فيه ثلاثة أوجه:

[أحدها] : أنه معطوف على اسم الفاعل في «المصدّقين» ؛ لأنه لما وقع صلة ل «ال» حل محل الفعل، كأنه قيل: إن الذين صدقوا وأقرضوا، وعليه جمهور المعربين، وإليه ذهب الفارسي، والزمخشري، وأبو البقاء.

وهو فاسد؛ لأنه يلزم الفصل بين أبعاض الصِّلة بأجنبي، ألا ترى أنَّ «المصدقات» عطف على «المصدقين» قبل تمام الصِّلة، ولا يجوز أن يكون عطفاً على «المصدقات» لتغايُر الضمائر تذكيراً وتأنيثاً.

الثاني: أنه معترض بين اسم «إن» وخبرها، وهو «يضاعف» .

قال أبو البقاء: «وإنما قيل ذلك لئلاَّ يعطف الماضي على اسم الفاعل» .

قال شهاب الدين: «ولا أدري ما هذا المانع؛ لأن اسم الفاعل متى وقع صلة ل» ال «صلح للأزمنة الثلاثة، ولو منع بما ذكرته من الفصل بأجنبي لأصاب، ولكن خفي عليه كما خفي على الفارسي والزمخشري» .

الثالث: أنه صلةٌ لموصول محذوف لدلالة الأول عليه، كأنه قيل: «الذين أقرضوا» ؛ كقوله: [الوافر]

4722 - أمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّه مِنْكُمْ ... ويَنْصُرهُ ويمْدَحهُ سَوَاءُ؟

أي: ومن ينصره، واختاره أبو حيان.

قال ابن الخطيب: وفي الآية إشكال، وهو أن عطفه الفعل على الاسم قبيحٌ، فما فائدة التزامه هنا؟ .

وأجاب بأن الزمخشري قال: «وأقرضوا» معطوف على معنى الفعل في التصديق؛ لأن «اللام» بمعنى «الذين» ، واسم الفاعل بمعنى «صدقوا وأقرضوا» .

قال: وهذا لا يزيل الإشكال، فإنه ليس فيه بيان أنه لم عدل عن ذلك اللفظ [إلى هذا اللفظ] .

والذي عندي فيه أن الألف واللام في «المصدّقين والمصدّقات» للمعهود، فكأنه ذكر جماعة معينين بهذ الموصف، ثم قبل ذكر الخبر أخبر عنهم بأنهم أتوا بأحسن أنواع الصدقة، وهو القرضُ، ثم ذكر الخبر بعد ذلك فقال: «يُضَاعَفُ لَهُمْ» .

فقوله: «وأقرضوا» ؛ كقوله: [السريع]

4723 - إنَّ الثَّمَانينَ وبُلِّغْتَهَا..... ... ... ... ... ... . .

قوله: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ في القائم مقام الفاعل وجهان:

أظهرهما: أنه الجار بعده.

والثاني: أنه ضمير التصديق، ولا بد من حذف مضاف، أي: ثواب التصديق.

وقرأ الأعمش؛ «يُضَاعِفُهُ» بكسر العين، وزيادة هاء.

وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: «يُضَعَّفُ» بتشديد العين وفتحها.

﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ يعني: الجنة.

قوله: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ مبتدأ، و «أولئك» مبتدأ ثانٍ، و «هم» يجوز أن يكون مبتدأ ثالثاً، و «الصديقون» خبره، وهو مع خبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، ويجوز أن يكون «هم» فصلاً، و «أولئك» وخبره خبر الأول.

«والصِّديق» : هو الكثير الصِّدق.

وقال مجاهد: من آمن بالله ورسوله فهو صديق، وتلا هذه الآية.

وقال الضحاك: هم ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة، وتاسعهم عمر بن الخطاب، ألحقه بهم لما عرف من صدق نيته.

قوله: ﴿والشهدآء﴾ . يجوز فيه وجهان:

أحدهما: أنه معطوف على ما قبله، ويكون الوقف على «الشهداء» تامًّا، أخبر عن «الذين آمنوا» أنهم صديقون شهداء.

فإن قيل: الشهداء مخصوصون بأوصاف أخر زائدة على ذلك كالتسعة المذكورين.

أجيب: بأن تخصيصهم بالذكر لشرفهم على غيرهم لا للحصر.

والثاني: أنه مبتدأ، وفي خبره وجهان:

أحدهما: أنه الظرف بعده.

والثاني: أنه قوله «ولهم أجرهم» ، إما الجملة، وإما الجار وحده، والمرفوع فاعل به، والوقف لا يخفى على ما ذكرناه من الإعراب.

والصِّدِّيق: مثال مبالغة، ولا يجيء إلا من ثلاثي غالباً.

قال بعضهم: وقد جاء «مِسِّيك» من «أمسك» ، وهو غلط؛ لأنه يقال: «مسك» ثلاثياً، ف «مسّيك» منه.

فصل في المراد بالصديقين والشهداء

قال مجاهد وزيد بن أسلم: إن الشهداء والصديقين هم المؤمنون، وأنه متصل، وروي معناه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهذا قول ابن مسعود في تأويل الآية.

قال القشيري: قال الله تعالى: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ .

ف «الصديقون» هم الذين يلون الأنبياء.

و «الشهداء» هم الذين يلون الصديقين و «الصالحون» يلون الشهداء، فيجوز أن تكون هذه الآية في جملة من صدق بالرسل.

والمعنى: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء، ويكون المعني بالشهداء من شهد لله بالوحدانية، أنهم شهداء عند ربهم على العباد في أعمالهم، والمراد أنهم عدول في الآخرة الذين تقبل شهاداتهم.

وقال الحسن: كل مؤمن فإنه شهيد كرامة.

وقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: 41] .

وقال ابن جرير: «الشهداء» هم الذين استشهدوا في سبيل الله.

«وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال:» ما تَعُدُّون الشُّهداء فيْكُمْ» ؟ قالوا: المقتول، فقال: «إنَّ شُهَداء أمَّتِي إذاً لقَلِيلٌ» » .

وعلى هذا يكون منقطعاً عما قبله، وتكون «الواو» في «والشهداء» واو الاستئناف، وهذا مروي عن ابن عباس ومسروق.

وقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ مما عملوا من العمل الصالح. و «نورهم» على الصراط.

ثم لما ذكر حال المؤمنين أتبعه بذكر حال الكافرين، فقال: ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا، أولئك أصحاب الجحيم﴾ . ولما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين ذكر بعده ما يدلّ على حقارة الدنيا، وكمال حال الآخرة، فقال:

﴿اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ .

«ما» صلة، أي: حياة هذه الدار لعبٌ باطل لا حاصل له، وهو فرح ثم ينقضي، وزينة ومنظر تتزيَّنُون به.

قوله: ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ .

العامة على تنوين «تَفَاخُر» موصوف بالظرف، أو عامل فيه.

والسلمي أضافه إليه، أي: يفخر به بعضكم على بعض.

قال المفسرون: «اللّعب» : الباطل، «واللَّهْو» : الفرح.

وقال قتادة: «لعب ولهو» : أكل وشرب.

وقال مجاهد: كل لعب لهو.

وقيل: «اللعب» : ما رغب في الدنيا، «واللهو» : ما ألْهى على الآخرة.

قوله: ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الأموال والأولاد﴾ .

قال ابن عبَّاس: يجمع المال في سخطِ الله، ويباهي به على أولياء الله، ويصرفه في مساخط الله، فهي ظلمات بعضها فوق بعض، وكان من عادة الجاهلية أن يتكاثروا بالأموال والأولاد.

قال بعض المتأخرين: «لعب» كلعب الصبيان، «ولهو» كلهو الفتيان «وزينة» كزينة النِّسْوان «وتفاخُر» كتفاخُر الأقران «وتَكاثُر» كتكاثُر الدُّهقان.

وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ل «عمار» : لا تحزن على الدُّنيا، فإن الدنيا ستة أشياء: مأكول، ومشروب، وملبوس، ومشموم، ومركوب، ومنكُوح، فأحسن طعامها العسل، وهو بزقةُ ذبابة، وأكثر شرابها الماء، ويستوي فيه جميع الحيوان، وأفضل ملبوسها الدِّيباج وهو نسج دودة، وأفضل المشموم المِسْك وهو دم فأرة، وأفضل مركوبها الفرس، وعليها يقتل الرِّجال، وأما المنكوح فهو النساء وهو مبال في مَبال، والله إن المرأة لتزين أحسنها يراد به أقبحها.

ثم ذكر تعالى لهذه الحياة مثلاً، فقال: «كمثل غيثٍ» أي: مطر ﴿أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ﴾ .

قال ابن مسعود: المراد ب «الكُفَّار» هنا: الزُّرَّاع.

وقال الأزهري: والعرب تقول للزَّارع: كافر؛ لأنه يكفرُ البَذْر [المبذور في الأرض] بتراب الأرض، أي: يغطّيه.

والمعنى: أن الحياة الدُّنيا كالزَّرع يعجب النَّاظرين إليه لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشيماً كأن لم يكن.

وقيل: المراد بالكُفَّار هنا هم الكُفَّار بالله، وهم أشد إعجاباً بزينة الدنيا من المؤمنين.

وقوله: «نَبَاتُهُ» أي: ما ينبت من ذلك الغَيْث.

قوله: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ .

يجوز أن يكون في موضع نصب حالاً من الضمير في «لعب» ؛ لأنه بمعنى الوصف، وأن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، أي: ذلك كمثل.

وجوز ابن عطية: أن يكون في موضع رفع صفة لما تقدم، ولم يبينه، وقد بينه مكي، فقال: نعت ل «تفاخر» . وفيه نظر لتخصيصه له من بين ما تقدم، وجوز أن يكون خبراً بعد خبر للحياة الدنيا.

وقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يجفّ بعد خضرته ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً﴾ أي: متغيراً عما كان عليه من النَّضارة.

وقرىء: «مُصْفَارًّا» من «اصْفَارّ» وهو أبلغ من «اصْفَرّ» .

قوله: «وفي الآخِرةِ» خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر، أخبر بأن في الآخرة عذاباً شديداً، ومغفرة منه ورضواناً، وهذا معنى حسن، وهو أنه قابل العذاب بشيئين: بالمغفرة والرضوان، فهو من باب لن يغلب عُسْرٌ يُسرينِ.

قال القرطبي: ﴿وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ، أي: للكافر، والوقف عليه حسن، ويبتدأ ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله وَرِضْوَانٌ﴾ أي: للمؤمنين.

وقال الفراء: ﴿وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة﴾ تقديره: إمَّا عذاب شديد، وإمَّا مغفرة، فلا يوقف على «شديد» .

قوله: ﴿وَمَا الحياة الدنيآ إِلاَّ مَتَاعُ الغرور﴾ .

وهذا تأكيد لما سبق، أي: تغرّ الكافر، فأما المؤمن فإن الدنيا له متاع بلاغ إلى الجنة.

وقيل: العمل للحياة الدنيا متاع الغرور تزهيداً في العمل للدنيا، وترغيباً للعمل في الآخرة.

وقال سعيد بن جبير: الدُّنيا متاع الغرور إذا ألْهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة، فنعم المتاع ونعم الوسيلة.

قوله تعالى: ﴿سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية.

أي: سارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم.

وقيل: سارعوا بالتَّوبةِ؛ لأنها تؤدِّي إلى المغفرة. قاله الكلبي.

وقال مكحول: هي التكبيرة الأولى مع الإمام.

وقيل: الصف الأول.

فصل فيمن استدل بالآية على أن الأمر على الفور

احتج القائلون بأن الأمر على الفور بهذه الآية؛ لأنها دلت على وجوب المسارعة، فوجب أن يكون التراخي محظوراً.

قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض﴾ .

﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ﴾ : مبتدأ وخبر، والجملة صفة، وكذلك «أعِدَّتْ» ، ويجوز أن تكون «أعدت» مستأنفة.

فصل في عرض الجنة

قال مقاتل: إنَّ السَّموات السَّبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح، وألزق بعضها إلى بعض لكانت عرض جنة واحدة من الجنَّات، والعرض أقل من الطول، ومن عادة العرب أنها تعبر عن الشيء بعرضه دون طوله؛ قال: [الطويل]

4724 - كَأنَّ بِلادَ اللَّهِ وهْيَ عرِيضةٌ ... على الخَائفِ المطلُوبِ كفَّةُ حَابِلِ

وقال عطاء عن ابن عباس: يريد أنَّ لكل واحد من المطيعين جنَّة بهذه الصِّفة.

وقال السُّدي: إنه - تعالى - شبّه عرض الجنة بعرض السَّموات السبع والأرضين السبع، ولا شك أن طوله أزيد من عرضه.

وقيل: هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه، وأكبر ما في أنفسهم مقدار السموات والأرض.

قاله الزجاج، وهو اختيار ابن عبَّاس.

وقال طارق بن شهاب: قال قوم من أهل «الحيرة» لعمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أرأيت قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض﴾ فأيْنَ النَّارُ؟ قال لهم عمر: أرأيتم الليل إذا ولَّى وجاء النهار، فأين يكون الليل؟ فقالوا: لقد نزعت بما في التوراة مثله.

قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ﴾ شرط الإيمان لا غير، والمعتزلة وإن زعموا أن لفظ الإيمان يفيد جملة الطَّاعات، لكنهم اعترفوا بأن لفظ الإيمان إذا عدي بالباء، فإنه باقٍ على مفهومه الأصلي وهو التصديق، فالآية حجة عليهم، ومما يؤكّد ذلك قوله تعالى بعده: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ فبين أن الجنة فضل الله يؤتيها من يشاء، سواء أطاع أم عصى.

فإن قيل: فيلزمكم أن تقطعوا بحصول الجنة لجميع العُصاة، وأن تقطعوا بأنه لا عقاب لهم؟ فالجواب: قلنا: نقطع بحصول الجنَّة، ولا نقطع بنفي العقاب عنهم؛ لأنهم إذا عذّبوا مدة، ثم نقلوا إلى الجنة، وبقوا فيها أبد الآباد، فقد كانت الجنَّة معدة لهم.

فإن قيل: فالمرتد قد آمن بالله، فوجب إلاّ يدخل تحت هذه الآية.

قلنا: فالجواب خص من العموم، فبقي العموم حجة فيما عداه.

فصل في أن الجنة مخلوقة أم لا؟

احتجوا بهذه الآية على أن الجنة مخلوقة.

قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجهين:

الأول: أن قوله تعالى ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا﴾ [الرعد: 35] يدل على أن من صفتها بعد وجودها ألا تفتى، لكنها لو كانت الآن موجودة لفنيت بدليل قوله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] .

الثاني: أن المخلوقة الآن في السماء السَّابعة، ولا يجوز إذا كانت في واحدة منها أن يكون عرضها كعرض كل السموات والأرض، فثبت بهذين الوجهين أنه لا بُدَّ من التأويل، وذلك من وجهين:

أحدهما: أنه - تعالى - لما كان قادراً لا يصحّ المنع عليه، وإذا كان حكيماً لا يصحّ الخلف في وعده، ثم إنه - تعالى - وعد على الطَّاعة بالجنة، فكانت الجنة كالمعدّة المهيّأة لهم تشبيهاً لما سيقع قطعاً بالواقع، كما يقول المرء لصاحبه: أعددت لك المكافأة إذا عزم عليها وإن لم يوجدها.

والثاني: أن المراد إذا كانت الآخرة أعدّها الله لهم، كقوله: ﴿ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة﴾ [الأعراف: 50] أي: إذا كان يوم القيامة نادى.

والجواب: أن قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ [القصص: 88] عام.

وقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133] مع قوله: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ [الرعد: 35] خاص، والخاصّ مقدّم على العام.

وأما قولهم: إنَّ الجنَّة مخلوقة في السماء السابعة كما قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في صفة الجنة: «سَقْفُهَا عرْشُ الرَّحْمنِ» فأي استبعاد في أن يكون المخلوق فوق الشيء أعظم منه، أليس أن العرش أعظم المخلوقات، مع أنه مخلوق فوق السماء السابعة.

قوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي: أن الجنة لا تنال إلاَّ بفضل الله ورحمته، ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ .

57:22–26Page 540

مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢

No disaster strikes upon the earth or among yourselves except that it is in a register1 before We bring it into being - indeed that, for Allāh, is easy -

لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣

In order that you not despair over what has eluded you and not exult [in pride] over what He has given you. And Allāh does not like everyone self-deluded and boastful -

ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٤

[Those] who are stingy and enjoin upon people stinginess. And whoever turns away1 - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥

We have already sent Our messengers with clear evidences and sent down with them the Scripture and the balance that the people may maintain [their affairs] in justice. And We sent down iron, wherein is great military might and benefits for the people, and so that Allāh may make evident those who support Him and His messengers unseen. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٦

And We have already sent Noah and Abraham and placed in their descendants prophethood and scripture; and among them is he who is guided, but many of them are defiantly disobedient.

قوله: ﴿مِن مُّصِيبَةٍ﴾ فاعل «أصاب» ، و «من» مزيدة لوجود الشرطين، وذكر فعلها؛ لأن التأنيث مجازي قوله: ﴿فِي الأرض﴾ يجوز أن يتعلق ب «أصاب» ، وأن يتعلق بنفس «مصيبة» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل «مصيبة» ، وعلى هذا فيصلح أن يحكم على موضعه بالجر نظراً إلى لفظ موصوفه، وبالرفع نظراً إلى محله، إذ هو فاعل.

والمصيبة غلبت في الشَّر.

وقيل: المراد بها جميع الحوادث من خير وشر، وعلى الأول يقال: لم ذكرت دون الخير؟

وأجيب: بأنه إنما خصها بالذكر؛ لأنها أهمّ على البشر.

قوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ حال من «مصيبة» ، وجاز ذلك وإن كانت نكرة لتخصصها إما بالعمل، أو بالصفة، أي: إلا مكتوبة.

قوله: «مِنْ قَبْلِ» نعت ل «كتابٍ» ، ويجوز أن يتعلق به. قاله أبو البقاء. لأنه هنا اسم للمكتوب، وليس بمصدر.

والضمير في «نَبْرأها» الظاهر عوده على المصيبة.

وقيل: على الأنفس.

وقيل: على الأرض، أي على جميع ذلك. قاله المهدوي، وهو حسن.

فصل في مناسبة الآية لما قبلها

قال الزجاج: إنه - تعالى - لما قال: ﴿سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الحديد: 21] وبين أن المؤدي إلى الجنة لا يكون إلا بقضاء الله تعالى وقدره، فقال: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ﴾ .

والمعنى لا توجد مصيبة من هذه المصائب إلا وهي مكتوبة عند الله، والمصيبة في الأرض قَحْط المطر، وقلّة النبات، ونقص الثِّمار، وغلاء الأسعار، وتتابع الجوائح.

وأما المصيبة في الأنفس فقيل: هي الأمراض، والفقر، وذهاب الأولاد، وإقامة الحدود عليها.

وقيل: ضيق المعاش وقيل: الخير والشَّر أجمع، لقوله بعد ذلك: ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ﴾ .

وقوله: ﴿إلا في كتابٍ﴾ يعني: مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ.

وقوله: ﴿من قبل أن نَبْرَأها﴾ .

قال ابن عباس: من قبل أن نخلق المصيبة.

وقال سعيد بن جبير: من قبل أن نخلق الأرض والنفس.

﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ أي: خلق ذلك، وحفظه على الله يسير أي: هيّن.

قال الربيع بن صالح: لما أُخذ سعيد بن جبيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - بَكَيْتُ، قال: ما يبكيك؟ قلت: أبكي لما أرى بك ولما تذهب إليه، قال: فلا تَبْكِ، فإنه كان في علم الله - تعالى - أن يكون، ألم تسمع قوله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ﴾ الآية.

قال ابن عباس: لما خلق الله القلم، قال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.

وقد ترك جماعة من السلف الدواء في أمراضهم، فلم يستعملوه ثقةً بربهم وتوكلاً عليه، وقالوا: قد علم الله أيام المرض وأيام الصِّحة، فلم حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا، قال الله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ﴾ الآية، ويؤيد هذا قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ:

«مَنْ عَرَفَ يُسْرَ اللَّهِ في القَدَر هَانَتْ عليْهِ المَصَائِبُ» .

فصل في اتصال الآية بسياق الآيات قبلها

قيل: إن هذه الآية نزلت متّصلة بما قبلها، وهو أن الله - تعالى - هوَّن عليهم ما يصيبهم في الجهاد من قتل وجرح، وبين أن ما يخلفهم عن الجهاد من المحافظة على الأموال، وما يقع فيها من خسران، فالكل مكتوب مقدر لا مدفع له، وإنما على المرء امتثال الأمر، ثم أدبهم فقال: ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من الرزق، وذلك أنهم إذا علموا أن الرزق قد فرغ منه لم ييأسوا على ما فاتهم منه.

وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لاَ يَجِدُ أحَدكُمْ طَعْمَ الإيمانِ حتَّى يعْلمَ أنَّ ما أصابهُ لَمْ يَكُنْ ليُخْطِئَهُ، ومَا أخطَأهُ لَمْ يَكُنْ ليُصِيبَهُ» ، ثمَّ قرأ: ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ﴾ أي من الدنيا. قاله ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما.

فصل في أن ما كان وما يكون مكتوب في اللوح المحفوظ

قال ابن الخطيب: هذه الآية تدلّ على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها في الوجود مكتوبة في اللَّوح المحفوظ.

قال المتكلمون: وإنما كتب ذلك لوجوه:

أحدها: ليستدلّ الملائكة بذلك المكتوب على كونه - تعالى - على علم بجميع الأشياء قبل وقوعها.

وثانيها: ليعرفوا حكمة الله، فإنه - تعالى - مع علمه بأنهم يقدمون على المعاصي خلقهم ورزقهم.

وثالثها: ليحذروا من أمثال تلك المعاصي.

ورابعها: ليشكروا الله - تعالى - على توفيقه إياهم للطَّاعات، وعصمته إياهم عن المعاصي.

فصل في كيفية حدوث الأحداث

قال ابن الخطيب: إن الحكماء قالوا: إن الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم هم المدبِّرات أمراً، والمقسمات أمراً، إنما هي المبادىء لحدوث الحوادث في العالم السفلي بواسطة الحركات الفلكية، والاتصالات الكوكبية، وتغيراتها هي الأسباب لتلك المسببات، وهذا هو المراد من قوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: 3] .

فصل في مصائب الأنفس

قوله تعالى: ﴿وَلاَ في أَنفُسِكُمْ﴾ يتناول جميع مصائب الأنفس، فيدخل فيها كفرهم ومعاصيهم، فالآية دالة على أن جميع أعمالهم بتفاصيلها مكتوبةٌ في اللوح المحفوظ مثبتة في علم الله تعالى، فكان الامتناع من تلك الأعمال محال؛ لأن علم الله بوجودها مُنَافٍ لعدمها والجمع بين المتنافيين محال، وخصص مصائب الأرض والأنفس لتعلّقها بنا، ولم يقل: جميع الحوادث لشمولها حركات أهل الجنة والنار؛ لأنها غير متناهية، فإثباتها في الكتاب محال.

قال ابن الخطيب: وفي الآية دليلٌ على أن الله - تعالى - يعلم الأشياء قبل وقوعها خلافاً ل «هشام بن الحكم» .

قوله تعالى: ﴿لِّكَيْلاَ﴾ . هذه «اللام» متعلقة بقوله «ما أصَابَ» ، أي: أخبرناكم بذلك لكيلا يحصل لكم الحزن المقنط والمفرح المطغي فأما ما دون ذلك فالإنسان غير مؤاخذ به، و «كي» هنا ناصبة بنفسها، فهي مصدرية فقط لدخول لام الجر عليها.

وقرأ أبو عمرو: «بما أتاكم» مقصوراً من الإتيان، أي: بما جاءكم.

قال أبو علي الفارسي: لأن «أتاكم» معادل لقوله «فَاتَكُم» ، فكما أنَّ الفعل للفائت في قوله: «فاتكم» ، فكذلك الفعل الثاني في قوله: «بما أتاكم» .

وقرأ باقي السبعة: «آتاكم» ممدوداً من «الإيتاء» ، أي: بما أعطاكم الله إياه.

والعائد إلى الموصول في الكلمتين في الذكر المرفوع بأنه فاعل، و «الهاء» محذوفة من الصِّلة، أي: بما آتاكموه.

وقرأ عبد الله: «بما أوتيتم» .

فصل في أن حزن المؤمن صبر وفرحه شكر

قال ابن عبَّاس: ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبراً وغنيمته شكراً، والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان يتعدّى فيهما إلى ما لا يجوز.

وقال جعفر بن محمد: يا ابن آدم ما لك تأسف على مقدر لا يردّه عليك الفَوْت، وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت.

وقيل ل «بزرجمهر» : أيها الحكيم، ما لك لا تحزن على ما فات، ولا تفرح بما هو آتٍ؟ قال: لأن الفائت لا يتلافى بالعبرةِ، والآتي لا يستدام بالحَبْرةِ.

وقوله: ﴿والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: متكبر بما أوتي من الدنيا.

«فخور» به على النَّاس، قيل: الفخور الذي ينظر الناس بعين الاحتقار.

فصل فيمن قالوا بالإرادة والجبر

قال ابن الخطيب: المعتزلة وإن نازعوا في القدرة والإرادة، فهم مسلمون في العلم والجبر، فيلزمهم الجبر باعتبارهما.

والفلاسفة مذهبهم الجَبْر؛ لأن سبب الحوادث عندهم الاتصالات الفلكية.

والقدرية قالوا: بأن الحوادث اتفاقية، فجميع فرق العقلاء يلزمهم الجبر، سواء أقروا به أو أنكروه.

فصل في إرادة العبد الحزن والفرح

قالت المعتزلة: قوله: ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ﴾ يدل على أنه إنما أخبرهم بكتبها ليحترزوا عن الحزن والفرح، ولولا قدرتهم عليه لم يكن لذلك فائدة، ويدل على أنه لا يريد أن يقع منهم الفرح والحزن، وهو خلاف قول المجبرة؛ لأنه قال: ﴿والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ والمحبة هي الإرادة.

وأجيبوا بأن المحبة هي إرادة خاصة وهي إرادة الثواب، ولا يلزم من نفيها نفي الإرادة.

قوله: ﴿الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل﴾ . تقدم نظيره في سورة «النساء» .

قال القرطبي: «الذين» في موضع خفض نعتاً للمختال.

وقال ابن الخطيب: بدل من قوله: «كل مُخْتَال» .

وقيل: رفع بالابتداء، فهو كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله.

والمعنى: الذين يبخلون فالله غني عنهم.

قيل: أراد رؤساء اليهود الذين بخلوا ببيان صفة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في كتبهم لئلا يؤمن به النَّاس، فتذهب مأكلتهم.

قاله السُّدي والكلبي.

فيكون «الذين» مبتدأ، وخبره محذوف يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد﴾ .

وقال سعيد بن جبير: «الذين يَبْخَلُون» يعني بالعلم ﴿وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل﴾ بألاَّ يعلموا الناس شيئاً.

وقال زيد بن أسلم: إنه البُخْل بأداء حق الله تعالى.

وقال عبد الله بن عامر الأشعري: هو البخل بالصدقة والحقوق.

وقال طاوس: وهو البُخْل بما في يديه.

فصل في قراءات البخل

«بالبخل» . قرأ العامة: «بالبُخْل» بضم الباء وسكون الخاء.

وقرأ أنس وعبيد بن عمير ويحيى بن يعمر ومجاهد وابن محيصن وحمزة والكسائي «بالبَخَل» بفتحتين، وهي لغة الأنصار.

وقرأ أبو العالية وابن السَّميفع: «بالبَخْل» بفتح الباء وإسكان الخاء.

وعن نصر بن عاصم: «البُخُل» - بضمتين - وكلها لغات مشهورة.

وقال قوم: الفرق بين البخل والسخاء من وجهين:

أحدهما: أن البخيل الذي لا يعطي عند السؤال، والسَّخي الذي يعطي بغير سؤال.

وتقدم الفرق بين البُخْل والشُّحِّ في آخر آل عمران.

قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أي: عن الإيمان ﴿فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد﴾ .

قرأ نافع وابن عامر: ﴿فإن الله الغني الحميد﴾ بإسقاط «هو» ، وهو ساقط في مصاحف «المدينة» و «الشام» ، والباقون: بإثباته، وهو ثابت في مصاحفهم، فقد وافق كل مصحفه.

قال أبو علي الفارسي: من أثبت «هو» يحسن أن يكون فصلاً، ولا يحسن أن يكون ابتداء؛ لأن الابتداء لا يسوغ حذفه.

يعني أنه رجح فصليّته بحذفه في القراءة الأخرى، إذ لو كان مبتدأ لضعف حذفه لا سيما إذا صلح ما بعده أن يكون خبراً لما قبله.

ألا ترى أنك لو قلت: إن زيداً هو القائم يحسن حذف «هو» لصلاحية «القائم» خبراً، وهذا كما قالوا في الصلة: إنه يحذف العائد المرفوع بالابتداء بشروط:

منها: ألاَّ يكون ما بعده صالحاً للصِّلة نحو: «جاء الذي هو في الدَّار، وهو قائم أبوه» لعدم الدلالة.

إلا أن للمنازع أن ينازع أبا عليٍّ ويقول: لا ألتزم تركيب إحدى القراءتين على الأخرى، وكم من قراءتين تغاير معناهما، كقراءتي: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾

[آل عمران: 36] إلا أن توافق القراءتين في معنى واحد أولى، هذا مما لا نزاع فيه.

ومن أثبت «هو» فعلى أن يكون فصلاً، ويجوز أن يكون مبتدأ، و «الغَنِيّ» خبره والجملة خبر «إن» .

قال ابن الخطيب: وقوله «الحميد» كأنه جواب من يقول: إذا كان الله عالماً بأنه يبخل، فلم أعطاه المال؟ .

فأجاب: بأنه محمود حيث فتح أبواب الرحمة مع تقصير العبدِ في الطاعة.

قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات﴾ .

يعني المعجزات البينة، والشرائع الظاهرة.

وقيل: الإخلاص لله - تعالى - في العبادة.

﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب﴾ أي الكتب التي أوحينا إليهم فيها خبر من كان قبلهم.

«والمِيزَانَ» ، قال ابن زيد: هو ما يُوزَنُ به، ويتعامل.

روي أن جبريل - عليه السلام - نزل بالميزان فدفعه إلى نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وقال: مُرْ قَوْمكَ يَزِنُوا بِهِ ليقُومَ النَّاسُ بالقِسْطِ، أي: بالعدل في معاملاتهم.

وقيل: أراد به العدل.

قال القشيري: وإذا حملناه على الميزان المعروف، فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان وهو من باب: [الرجز]

4725 - عَلَفْتُهَا تِبْناً ومَاءً بَارِداً ...

ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان﴾ [الرحمن: 7] .

قوله: «مَعَهُمُ» حال مقدرة، أي: صائراً معهم، وإنما احتجنا إلى ذلك؛ لأن الرسل لم ينزلوا، ومقتضى الكلام أن يصحبوا الكتاب في النزول.

وأما الزمخشري فإنه فسّر الرسل بالملائكة الذين يجيئون بالوحي إلى الأنبياء، فالمعية متحققة.

قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا الحديد﴾ .

روى ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ اللَّهَ تعَالَى أنْزلَ أرْبَعَ بركاتٍ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ: الحَديْدَ والمَاءَ والنَّارَ والثَّلْجَ» .

وروى عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل ثلاثة أشياء مع آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - الحَجَر الأسود وكان أشد بياضاً من الثَّلج، وعصا موسى، وكانت من آسِ الجنة، طولها عشرة أذرع مع طول موسى، والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء: السَّنْدَان، والكَلْبتَان، والميْقَعَة، وهي المِطْرقَة ذكره الماوردي.

وروى الثعلبي عن ابن عبَّاس قال: نزل آدم من الجنَّة، ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين: السَّندان، والكلْبتَان، والمِيْقعَة، والمِطْرقَة والإبْرَة.

وحكاه القشيري قال: والمِيْقعَة: [ما يحدد به، يقال: وقعت الحديدة أقعها، أي حددتها.

وفي «الصحاح» ] : «المِيْقَعَة» الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه، وخشبة القصَّار التي يدقّ عليها، والمِطْرقَة، والمِسَنّ الطويل.

وروي أن الحديد أنزل يوم الثلاثاء.

﴿فيه بأس شديدٌ﴾ أي: لإهراق الدِّماء، ولذلك نهي عن الفَصْد والحِجَامة يوم الثلاثاء؛ لأنه يوم جرى فيه الدَّم.

وروي عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «إنَّ فِي يَوْمِ الثلاثاءِ ساعةً لا يُرَاقُ فِيْهَا الدَّمُ» .

وقيل: «أنزلنا الحديد» أي: أنشأناه وخلقناه، كقوله تعالى:

﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأنعام﴾ [الزمر: 6] وهذا قول الحسن. فيكون من الأرض غير منزل من السماء.

وقال أهل المعاني: أي أخرج الحديد من المعادن، وعلمهم صنعته بوحيه.

وقوله: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ جملة حالة من «الحديد» ، والمراد بالحديد يعني: السلاج والجُنَّة.

وقيل: إن فيه من خشية القتل خوفاً شديداً.

﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ قال مجاهد: يعني جُنَّة.

وقيل: انتفاع النَّاس بالماعون: الحديد كالسِّكين والفأس ونحوه.

قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الله﴾ . عطف على قوله: ﴿لِيَقُومَ الناس﴾ ، أي: لقد أرسلنا رسلنا، وفعلنا كيت وكيت ليقوم الناس، وليعلم الله.

وقال أبو حيان: علّة لإنزال الكتاب والميزان والحديد.

والأول أظهر؛ لأن نصرة الله ورسوله مناسبة للإرسال.

قوله: «ورُسُلَهُ» عطف على مفعول «ينصره» ، أي: وينصر رسله.

قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون معطوفاً على «من» لئلا يفصل به بين الجار، وهو «بالغيب» ، وبين ما يتعلق به وهو «ينصر» .

قال شهاب الدين: وجعله العلة ما ذكره من الفصل بين الجار، وبين ما يتعلق به يوهم أن معناه صحيح لولا هذا المانع، وليس كذلك؛ إذ يصير التقدير: وليعلم الله من ينصره بالغيب، وليعلم رسله، وهذا معنى لا يصح ألبتة، فلا حاجة إلى ذكر ذلك، و «بالغيب» حال وقد تقدم مثله أول «البقرة» .

فصل في معنى الآية

المعنى: وليعلم الله من ينصره، أي: أنزل الحديد ليعلم من ينصره، أو ليقوم الناس بالقسط؛ أي: أرسلنا رسلنا.

﴿وأنزلنا معهم الكتاب﴾ وهذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق، وليرى الله من ينصر دينه وينصر رسله بالغيب، أي: وهم لا يرونهم.

﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ قوي في أخذه عزيز أي: منيع غالب.

وقيل: بالغيب أي: بالإخلاص.

فصل في الرد على من قال بحدوث علم الله

احتج من قال بحدوث علم الله بقوله: «وليعلم الله» .

وأجيب: بأنه - تعالى - أراد بالعلم المعلوم، فكأنه - تعالى - قال: ولتقع نُصْرة الرسول ممن ينصره.

فصل في الرد على الجبرية

قال الجبائي: قوله: ﴿لِيَقُومَ الناس بالقسط﴾ يدل على أنه - تعالى - أنزل الميزان والحديد، ومراده من العباد أن يقوموا بالقسط، وأن ينصروا رسله، وإذا أراد هذا من الكل بطل قول المجبرة أنه أراد من بعضهم خلاف ذلك.

وأجيب: بأنه كيف يمكن أن يريد من الكُلِّ ذلك مع علمه بأن ضدّه موجود، والجمع بين الضِّدين محال، والمحال غير المراد.

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ﴾ الآية.

لما أجمل الرسل في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ فصل ها هنا ما أجمل من إرسال الرسل بالكتب، وأخبر أنه أرسل نوحاً وإبراهيم، وجعل النبوة في نسلهما، لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النبوة والكتاب﴾ ، أي: جعلنا بعض ذريتهما الأنبياء، وبعضهم أمماً يتلون الكتب المنزلة من السماء كالتوراة والإنجيل والزَّبُور والفُرقَان.

وقال ابن عبَّاس: الخَطّ بالقَلم.

قوله: ﴿فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ﴾ .

والضمير يجوز عودهُ على الذُّرِّية، وهو أولى لتقدم ذكره لفظاً.

وقيل: يعود على المرسل إليهم لدلالة رسلنا والمرسلين إليهم.

والمعنى: منهم مهتد ومنهم فاسق، والمراد بالفاسق هاهنا، قيل: الذي ارتكب الكبيرة سواء كان كافراً أو لم يكن لإطلاق هذا الاسم، وهو يشمل الكافر وغيره.

وقيل: المراد بالفاسق ها هنا الكافر؛ لأنه جعل الفُسَّاق ضد المهتدين.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском