Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:84–90
6:84–88Page 138
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٤
And We gave to him [i.e., Abraham] Isaac and Jacob - all [of them] We guided. And Noah, We guided before; and among his descendants, David and Solomon and Job and Joseph and Moses and Aaron. Thus do We reward the doers of good.
وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٥
And Zechariah and John and Jesus and Elias - and all were of the righteous.
وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٦
And Ishmael and Elisha and Jonah and Lot - and all [of them] We preferred over the worlds.
وَمِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡ وَإِخۡوَٰنِهِمۡۖ وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٨٧
And [some] among their fathers and their descendants and their brothers - and We chose them and We guided them to a straight path.
ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٨٨
That is the guidance of Allāh by which He guides whomever He wills of His servants. But if they had associated others with Allāh, then worthless for them would be whatever they were doing.
في «وهبنا» وجهان:
أصحهما: أنها مَعْطُوفةٌ على الجملة الاسمية من قوله: «وتِلْكَ حُجَّتُنَا» وعطف الاسْمِيَّة على الفعلية وعكسه جائز.
والثاني: أجازه ابن عطيَّة، وهو أن يكون نَسَقاً علت «آتَيْنَاهَاط ورَدَّهُ أبُو حيَّان بأن» آتَيْنَاهَاط لها مَحَلٌّ من الإعراب، إمَّا الحال، وهذه لا مَحَلَّ لها؛ لأنها لو كانت مَعْطُوفَةً على الخَبَر أو الحال لاشترط فيها رابط، و «كُلاً» مَنْصُوبٌ ب «هَدَيْنَا» بعده. والتقدير: وكلّ واحدٍ من هؤلاء المذكورين.
فصل في المراد بالهداية
اختلفوا في المُرادِ بهذه الهداية، وكذا في قوله: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ﴾ وقوله في آخر الآيات ﴿ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء﴾ قال بعض المُحَقَّقين: المُرَادُ بهذه الهداية الثَّوابُ العظيم، وهو الهداية إلى طريق الجنَّةِ؛ لقوله بعده ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ وجزاء المحسنين هو الثواب، وأمَّا الإرشاد إلى الدين، فلا يكون جَزَاءً على عَمَلِهِ.
وقيل: لا يَبْعُدُ أن يكون المُرَادُ الهدايةَ إلى الدِّينِ، وإنما كان جَزاءً على الإحسان الصادر منهم؛ لأنهم اجْتَهَدُوا في طَلَبِ الحقِّ، فاللَّهُ - تعالى - جَازَاهُمْ على حُسْنِ طلبهم بإيصالهم إلى الحقِّ، كقوله ﴿والذين جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69] .
وقيل: المُرَادُ بهذه الهداية الإرْشَادُ إلى النُّبُوَّةِ والرسالة؛ لأن الهداية المَخْصُوصَةَ بالأنبياء ليست إلاَّ ذلك.
فإن قيل: لو كان كذلك لكان قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يقتضي أن يكون الرِّسَالةُ جزاءً على عملٍ، وذلك باطلٌ.
فالجوابُ أنَّ قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يحمل على الجزاءِ الذي هو الثَّوابُ، فيزول الإشْكَالُ.
واعلم أنَّهُ - تعالى - لمَّا حَكى عن إبراهيم أنه أظْهَرَ حُجَّةَ اللَّهِ في التوحيد، وذَبَّ عنها عدَّدَ وجوه نعمِهِ وإحْسانِهِ إلَيْهِ.
فأوّلها: قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ على قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: 83] أي: نحن آتَيْنَاهُ تلك الحُجَّةَ، وهديناه إليها، وأفَقْنَا عَقْلَهُ على حقيقتها، وذكر نَفْسَهُ باللفظ الدَّالِّ على العظمةِ [وذلك يوجب] أن تكون تلك النعمة عظيمة.
وثانيها: أنه - تعالى - خَصَّهُ بالرِّفْعَةِ إلى الدَّرجاتِ العالية، وهو قوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ [الأنعام: 83] .
وثالثها: أنه - تعالى - جَعَلهُ عَزيزاً في الدُّنْيَا؛ لأنه جُعِلَ للأنبياء والداً، والرُّسُلُ من نَسْلِهِ ومن ذُرَّيَّتِهِ، وأبقى هذه الكَرَامَةَ في نَسْلِهِ إلى يوم القيامةِ فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ﴾ لِصُلْبِهِ و «يَعْقُوبَ» بعده من إسحاق.
فإن قيل: لِمَ يذكر إسماعيل - عليه الصَّلاة والسَّلام - مع إسحاق، بل أخَّرَ ذِكْرَهُ [عنه] بدرَجَاتٍ؟
فالجوابُ: أن المقصود بالذِّكْرِ هاهنا أنبياء بين إٍسرائيل، وهم بِأسْرِهِمْ أولاد إسحاق.
وأمَّا إسماعيلُ فإنه لم يخرج من صُلْبِهِ نَبِيُّ إلاَّ محمدٌ عليه الصَّلاة والسَّلام، [ولا يجوز ذكر محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في هذا المقام؛ لأنه تعالى أمر محمداً] أن يحتجَّ على العربِ في نفي الشِّرْكِ باللَّهِ بأنَّ إبراهيم لمَّا تركَ الشرك وأصَرَّ على التَّوحيدِ رَزَقَهُ اللَّهُ النِّعَمَ العظيمة في الدنيا بأن آتاه أوْلاداً كانوا أنبياء ومُلُوكاً، فإذا كان المحتج بهذه الحُجَّةِ هو محمد - عليه الصَّلاة والسَّلامُ - امتنع أن يذكر في هذا المعرض.
فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحاق.
قوله: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْل﴾ فالمُرَادُ أنَّهُ - تعالى - جعل إبراهيم في أشْرَفِ الأنْسَابِ؛ لأنه رَزَقَهُ أوْلاداً مثل إسحاق ويعقوب، وجعل أنبياء بني إسرائيل من نَسْلِهِمَا، وأخرجه من أصْلابِ آباءِ طَاهِرينَ مثل «نوح» و «شيث» و «إدريس» ، والمقصود بيانُ كرامَةِ إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بحسب الأولاد والآباء.
قوله: «من ذُرِّيتِهِ» «الهاء» فيها وجهان:
أحدهما: أنها تعود على نُوح؛ لأنه أقْرَبُ مذكور، ت ولأنَّ إبراهيم ومن بعده من الأنبياء كلهم مَنْسُوبُون إليه، [ولأنه ذّكر من جملتهم لُوطاً، وهو كان ابن أخي إبراهيم أو أخته، ذكره مَكِّي وغيره، وما كان من ذُرِّيَّتِهِ، بل كان من ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عليه السلام، وكان رسولاً في زمن إبراهيم.
وأيضاً: يونس - عليه الصَّلاة والسَّلام - ما كان من ذُرِّيَّةِ إبراهيم.
وأيضاً قيل: إنَّ ولد الإنسان لا يُقالُ: إنَّهُ ذُرِّيَّةٌ، فعلى هذا إسماعيل - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ما كان من ذُرِّيَّةِ إبراهيم] .
الوجه الثاني: أنها تعود على إبراهيم؛ لأنه المحدث عنه والقِصَّةٌ مَسُوقَةٌ إلى ذكره وخبره، وإنما ذكر نوحاً، لأن إبراهيم كونه من أولاده أحد موجبات رَفْعِهِ إبراهيم.
ولكن رُدَّ هذا القَوْلُ بما تقدَّم من كون لوط ليس من ذُرِّيَّتِهِ إنما هو ابن أخيه أو أخته ذكر ذلك مكي وغيره.
وقد أجيب عن ذلكن فقال ابن عباس: هؤلاء الأنبياء كلهم مُضَافُونَ إلى ذُرِّيَّةِ إبراهيم، وإن كان فيهم من لم يلحقه بولادةٍ من قبلِ أمِّ ولا أبٍ؛ لأن لُوطاً ابن أخي إبراهيم، والعربُ تجعلُ العَمَّ أباً، كما أخبر اللَّهُ - تعالى - عن ولدِ «يعقوب» أنهم قالوا: ﴿نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: 133]
وقال أبو سليمان الدِّمَشْقِيُّ: «ووهَبْنَا لَهُ لُوطاً» في المُعَاضَدةِ والمُناصَرَةِ، فعلى هذا يكون «لوطاً» منصوباً ب «وَهْبَنَأ» من غير قَيْدٍ؛ لكونه من ذُرِّيَّتِهِ.
وقوله: «داود» وما عطف عليه مَنْصُوبٌ إما بفعل الهِبَةِ، وإما بفعل الهداية.
و «مِنْ ذُرِّيَّتِهِ» يجوز فيها وجهان:
أحدهما: أنه متعلّق بذلك الفعل المحذوف، وتكون «مِنْ» لابتداء الغاية.
والثاني: أنها حال أي: حال كون هؤلاء الأنبياء مَنْسُوبِينَ إليه.
قوله: «وكذَلِكَ نَجْزِي» الكاف في مَحَلِّ نَصْبٍ نعتاً لمصدر محذوف، أي: نجزيهم جَزَاءً مِنْلَ ذلك الجَزَاء، ويجوز أن يكون في مَحَلِّ في رفع، أي الأمر كذلك، وقد تقدَّم ذلك في قوله: «وكَذَلِكَ نُرِى إبْرَاهِيمَ» .
ومعنى «كذلك» أي: كما جزينا إبراهيم على تَوْحِيدِهِ بأن رفعنا درجته، ووهبنا له أولاداً أنبياء أتْقِيَاءَ، كذلك نجزي المحسنين على إحسانهم.
فصل في بيان نسب بعض الأنبياء
«داود» ابن إيشا.
و «سليمان» هو ابنه.
و «أيوب» ابن موص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم.
و «يوسف» إبن يَعْقُوبَ بن إسحاق بن إبراهيم.
و «موسى» ابن عمان بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب.
و «هارون» أخو موسى أكبر منه بِسَنَةٍ، وليس ذكرهم على ترتيب أزمانهم.
واعلم أنه - تعالى - ذكر أوَّلاً أربعة من الأنبياء، وهم: «نوح» و «إبراهيم» و «إسحاق» و «يعقوب» ، ثم ذكر من ذُرِّيَّتِهِمْ أربعة عشر من الأنبياء: «داود» و «سليمان» و «أيُّوب» ، و «يوسف» ، و «موسى» ، و «هارون» و «زكريا» ، و «يحيى» ، و «عيسى» ، و «إلياس» ، و «إسماعيل» ، و «إليسع» ، و «يونس» ، و «لوطاً» .
فإن قيل: رعاية التَّرْتِيبِ وَاجِبَة، والترتيب إمّا أن يعتبر بحسب الفَصْلِ والدرجة، وإما أن يعتبر حسبِ الزمان، والترتيب بحسب هذين النوعين غير معتبر هنا فما السَّبَبُ فيه؟
فالجوابُ أن «الواو» لا توجب التَّرْتِيبَ، وهذه الآية أحَدُ الدلائل على صِحَّةِ هذا المطلوب.
قوله: «وزكريا» وهو ابن إدّ وبرخيَّا و «يحيى» هو ابنه و «عيسى» هو ابن مريم ابنة عمران.
واسْتُدِلَّ بهذه الآية على أن الحسنَ والحُسيْنَ من ذُرِّيَّةِ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأن الله - تعالى - جعل عيسى من ذُرِّيَّة إبراهيم، وهو لا ينسب إلى إبراهيم إلاَّ بالأمِّ، فكذلك الحَسَنُ والحُسيْنُ ويقال: إن أبا جعفر البَاقِرَ اسْتَدلَّ بهذه الآية عند الحَجَّاجِ بن يوسف الثقفي.
فصل فيما يستفاد من الآية
قال أبو حنيفة والشافعي: من وقف على ولده وولد ولده دخل فيه أولاد بَنَاتِهِ أيضاً ما تَنَاسَلُوا، وكذلك في الوَصيَّةِ للقَرَاباتِ يدخل فيه ولد البنات، والقرابةُ عند أبي حنيفةَ كلُّ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، ويسقط عند ابن العَمِّ وابن العمة وابن الخال وابن الخالة؛ لأنهم ليسوا بمِحْرَمِينَ.
وقال الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: القَرَابَةُ كُلُّ ذي رَحمٍ مَحْرَمٍ وغيره، فلم يسقط عنده ابن العم وقال مالك: لا يدخل في ذلك ولدُ البنات.
وإذا قال: لقرابتي وعقبي فهو كقوله: لولدي وولد ولدي.
قوله: «وإلياس» قال ابن مسعود: هو إدريس وله اسمان مثل «يعقوب» و «إسرائيل» ، والصحيح أنه غيره؛ لأن - تعالى - ذكرهُ في ولد نوح، وإدريس جد أبي نوح، وهذا إلياس بن يسي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران «كُلُّ مِنَ الصَّالحينَ» .
وقوله: «وإسماعيل» هو ابن إبراهيم.
و «إليسع» [وهو ابن أخطوب بن العجوز] .
قرأ الجمهور «اليَسَعَ» بلام واحدة وفتح الياء بعدها.
وقرأ الأخوان: اللَّيْسَع بلام مشددة وياء ساكنة بعدها، فقراءة الجمهور فيها تأويلان:
أحدهما: أنه منقُولٌ من فعل مضارع، والأصل: «يَوْسَع» ك «يَوْعِد» ، فَوقَعَتِ الواو بين ياء وكسرة تقديرية؛ لأن الفَتْحَةَ جيء بها لأجْلِ حرف الحَلْقِ، فحُذِفَتْ لحذفها في «يضع» و «يدع» و «يهب» وبابه، ثم سمي به مُجَرَّداً عن ضمير، وزيدت فيه الألف واللام على حَدِّ زيادتها في قوله: [الطويل]
2228 - رأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبَارَكاً ... شَدِيداً بِأعْبَاءِ الخِلافَةِ كَاهِلُهُ
وكقوله: [الرجز]
2229 - بَاعَدَ أمَّ العَمْرِ مِنْ أسِيرِهَا ... حُرَّاسُ أبْوابٍ عَلَى قُصُورِهَا
وقيل الألف واللام فيه للتعريف كأنّه قدَّر تنكيره.
والثاني: أنه اسم أعْجَمِيُّ لا اشتقاق له؛ لأن «اليسع» يقال: إنه يوشع بن نون فَتَى موسى، فالألف واللام فيه زائدتان، أو معرفتان كما تقدم.
وهل «أل» لازمة له على تقدير زيادتها؟
فقال الفَارِسيُّ: إنها لازِمَةٌ شُذُوذاً، كلزومها في «الآن» .
وقال مالك: «ما قَارَنتِ الأدَاةُ نَقْلَهُ كالنَّضْرِ والنُّعْمضانِ، أو ارتِجَالَهُ كاليسع والسموءل، فإنَّ الأغْلَبَ ثُبُوتُ أل فيه وقد تحذف» .
وأما قراءة الأخوين، فأصله لَيْسَع، ك «ضَيْغَم وصَيْرَف» وهو اسم أعْجَمِيُّ، ودخول الألف واللام فيه على الوَجْهَيْنِ المتقدمين.
واختار أبو عبيدة قراءة التخفيف، فقال: «سمعنا هذا الشيء في جميع الأحاديث: اليسع ولم يُسَمِّهِ أحدٌ منهم الَّيْسع» ، وهذا حُجَّةَ فيه؛ لأنه روى اللفظ بأحد لُغَتَيْه، وإنما آثَرَ هذه اللفظة لِخِفَّتِهَا لا لعدم صِحَّةِ الأخرى.
وقال الفراء في قراءة التشديد: «هي أشبهُ بأسماء العجمِ» .
قوله «يونس» ك هو يونس بن متى، وقد تقم أن فيه ثلاث لغات [النساء: 163] وكذلك في سين «يُوسف» وقوله: «ولوطاً» وهو لوط بن هارون ابن أخي إبراهيم.
قوله: «وكلاَّ فَضَّلْنَا» كقوله: «كُلاَّ هَدَيْنَا» .
قوله: «عَلَى العَالَمِينَ» اسْتَدَلُّوا بهذه الآية على أن الأنبياء أفضل من الملائكة؛ لأن «العالم» اسم لكل موجود سوى الله - تعالى - فيدخل فيه الملائكة. وقال بعضهم: معناه فَضَّلْنَاهُمْ على عالمي زمانهم.
قوله: «ومِنْ آبائِهِمْ» «آبائهم» : فيه وجهان:
أحدهما: أنه مُتعلِّقٌ بذلك الفعل المقدر، أي: وهدينا من آبائهم، أو فضَّلنا من آبائهم، و «مِنْ» تَبْعِيضيَّةٌ قال بان عطية: «وهَدَيْنَا مِنْ آبَائِهِمْ وذرِّيَّاتهم وإخوانهم جماعات» ، ف «مِنْ» للتبعيض، والمفعول محذوف.
الثاني: أنه معطوف على «كُلاًّ» ، أي: وفضَّلنا بعض آبائهم.
وقدَّر أبو البقاء هذا الوجه بقوله: «وفضلنا كلاًّ من آبائهم، وهدينا كُلاًّ من آبائهم» . وإذا كان للتَّبْعِيضِ دلَّت على أن آباء بعضهم كانوا مشركين.
وقوله: «وذُرِّيَّاتهم» ، أي: وذرِّيَّة بعضهم، لأن «عيسى» و «يحيى» لم يكن لهما وَلَدٌ، وكان في ذرية بعضهم من كان كَافِراً.
وقوله: «وإخوانهم» و «اجْتَبَيْنَاهُمْ» يجوز أن يعطف على «فضَّلنا» ، ويجوز أن يكون مُسْتأنفاً وكرر لفظ الهداية توكيداً، ولأن الهِدايةَ أصْلُ كل خير، والمعنى: اصْطَفَيْنَاهُمْ، وأرشدناهم إلى صراط مستقيم.
قوله: «ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ» المشار إليه هو المَصْدَرُ المفهوم من الفعل قبله؛ إما الاجْتِبَاءُ، وإما الهداية؛ أي: ذلك الاجتباء هو هُدَى، أو ذلك الهدى إلى الطريق المستقيم هدى الله، ويجوز أن يكون «هدى الله» خبراً، وأن يكون بدلاً من «ذلكط والخبر» يهدي به «، وعلى الأول» يهدي «حالاً، والعامل فيه اسم الإشارة ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، و» مِنْ عِبَادِهِط تَبْيِينٌ أو حال؛ إما مِنْ «مَنْ» وإما من عَائِدِهِ المحذوف.
فصل في تحرير معنى الهداية
يجوز أن يكون المراد من هذه الهداية معرفة الله - تعالى - وتَنْزِيههُ عن الشرك؛ لقوله تعالى بعده: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وإذا ثبت ذلك ثَبَتَ أن الإيمان لا يَحْصُلُ إلاَّ بِخَلْقِ الله تعالى.
6:89–90Page 138
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ ٨٩
Those are the ones to whom We gave the Scripture and authority and prophethood. But if they [i.e., the disbelievers] deny it, then We have entrusted it to a people who are not therein disbelievers.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ ٩٠
Those are the ones whom Allāh has guided, so from their guidance take an example. Say, "I ask of you for it [i.e., this message] no payment. It is not but a reminder for the worlds."
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: الكتب المُنَزَّلة عليهم، و «الحكم» يعني العلم والفِقْهَ، و «النبوة» . والإشارة ب «أولئك» إلى الأنبياء الثمانية عشر المذكورين، ويحتمل أن يكون المراد ب «آتيناهم الكتاب» أيك الفَهْمَ التَّامَّ لما في الكتاب، والإحاطة بحقائقه، وهذا هو الأولى؛ لأن الثمانية عشر لم ينزل على كل واحد منهم كتاباً إلهياً على التعيين.
قوله ﴿فإنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾ هذه «الهاء» تعود على الثلاثة الأشياء، وهي: الكتاب والحكم والنبوة، وهو قول الزمخشري.
وقيلك يعود على «النبوة» فقط، لأنها أقرب مذكور، والباء في قوله: «لَيْسُوا بِهَا» مُتعَلِّقَةٌ بخير «ليس» ، وقدم على عاملها، والباء في «بكافرين» زائدة توكيداً.
فصل في معنى الآية
معنى قوله: «يَكْفُرْ بِهَا هَؤلاءِ» يعني أهل «مَكة» ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِين﴾ ؛ قال ابن عباس: المراد بالقَوْمِ الأنْصَارُ، وأهل «المدينة» ، وهو قول مجاهد.
وقال قَتَادَةُ والحسن: يعني الأنبياء الثمانية عشر.
قال الزجاج: ويدلُّ عليه قوله بعد هذه الآية: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ .
وقال أبو رَجَاءٍ العطاردي فإن يكفر بها أهل الأرض، فقد وكلَّنا بها أهل السماء، يعني الملائكة، وهو بعيد؛ لأن اسم القوم كُلُّ ما يقع على غير بني آدم.
وقال مجاهد: هم الفرس.
وقال ابن زيد: كل من لم يكفر، فهو منهم، سَوَاءً كان ملكاً، أو نبيَّا، أو من الصحابة، أو من التابعين.
قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ «أولئك» مفعول مُقدَّمٌ ل «هدى الله» ويَضْعُفُ جعله مبتدأ على حذف العائد، أي: هداهم الله كقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ﴾ [المائدة] برفع «حُكْمُ» [والإشارة ب «أولئك» إلى الأنبياء المتقدم ذكرهم] .
قوله: «فَبِهُدَاهِمُ أقْتَدِه» قرا الأخوان بحذف الهاء في الوَصْلِ والباقون أثبتوها وَصْلاً وَوَقْفاً، إلا أن ابن عامر بكسرها، ونقل ابن ذكوان عنه وجهين:
أحدهما: الكَسْر من غير وَصْلٍ بمدة، والباقون بسكونها. أما في الوقف فإن القراء اتَّفَقُوا على إثباتها سَاكِنةً واختلفوا في «مَالِيَه» و «سُلْطَانِيَه» في «الحاقَّة» وفي «مَاهِيَهْ» في «القارعة» بالنسبة إلى الحذف والإثبات، واتفقوا على إثباتها في «كِتَابِيَهْ» و «حِسَابِيِهْ» فأما قراءة الأخوين، فالهاء عندهما للسَّكْتِ، فلذلك حَذَفَاهَا وصْلاً؛ إذ محلها الوَقْفُ، وأثبتاها وفقاً إتْبَاعاً لِرَسْمِ المصحفن وأما من أثبتها ساكنة، فيحتمل عنده وجهين:
أحدهما: هي هاء سَكْتٍ، ولكنها ثبت وَصْلاً إجْرَاءً للوصْلِ مجرى الوَقْفِ، كقوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ وانظر﴾ [البقرة: 259] في أحد الأقوال كما تقدم.
والثاني: أنها ضمير المصدر سُكِّنَتْ وَصْلاً إجْرَاءً للوَصْلِ مجرى الوَقْفِ، نحو: ﴿نُؤْتِهِ﴾ [آل عمران: 145] ﴿فَأَلْقِهْ﴾ [النمل: 28] و ﴿أَرْجِهْ﴾ [الأعراف: 111] ، ﴿نُوَلِّهِ﴾ [النساء: 115] ﴿وَنُصْلِهِ﴾ [النساء: 115] .
واختلف في المصدر الذي تعُودُ عليه هذه «الهاء» ، فقيل: الهدى، أي اقتدى الهدى، والمعنى اقْتداء الهدى، ويجوز أن يكون الهدى مفعولاً لأجله؛ أي: فبهداهم اقتد لأجل الهدى.
وقيل: الاقتداء؛ أي: اقتد الاقتداء، ومن إضمار المصدر قول الشاعر: [البسيط]
2230 - هَذَا سُرَاقَةُ لِلْقُرآنِ يَدْرُسُهُ ... والمَرْءُ عِنْدَ الرُّشَا إنْ يَلْقَها ذِيبُ
أي: يَدْرُسُ الدَّرْسَ، ولا يجوز أن يتكون «الهاء» ضمير القرآن؛ لأن الفعل قد تعدَّى له، وإنما زيدت «اللام» تَقْوِيَةً له، حيث تقدَّم معموله، وكذلك جعل النُّحَاةُ نَصْب «زيداً» من «زيداً ضَرَبْتُهُ» بفعل مُقدَّرٍ، خلافاً للفراء.
قال ابن الأنْبَارِيّ: «إنها ضمير المصدر المؤكد النائب عن الفعل، وإن الأصل: اقتد اقتد، ثم جعل المَصْدَرُ بَدَلاً من الفعل الثاني، ثم أضْمِرَ فاتَّصَلَ بالأول» .
وأما قراءة ابن عامر فالظَّاهِرُ فيها أنها ضمير، وحُرِّكَتْ بالكَسْرِ من غير وَصْلٍ وهو الذي يسميه القُرَّاء الاخْتِلاَس تَارَةً، وبالصلة وهو المُسَمَّى إشْبَاعاً أخرى كمنا قرئ: ﴿أَرْجِهْ﴾ [الأعراف: 111] ونحوه.
وإذا تقرَّرَ هذا فقول ابن مُجَاهِدٍ عن ابن عامر «يُشِمُّ» الهاء من غير بُلُوغِ ياء «وهذا غلط؛ لأن هذه» الهاء «هاء وَقْفٍ لا تعرب في حالٍ من الأحوال، أي: لا تحرك وإنما تدخل ليتبيَّنَ بها حركةُ ما قبلها ليس بِجَيِّدٍ لما تقرر من أنها ضَمِيرُ المَصْدَرِ، وقد رَدَّ الفَارِسيُّ قول ابن مجاهد بما تقدم.
والوجه الثاني: أنها هاء سَكْتٍ أجْرِيَتْ مُجْرَى الضمير، كما أجريت هاء الضمير مُجْرَاهَا في السكُونِ، وهذا ليس بِجَيِّدٍ، ويروى قول المتنبي: [البسيط]
2231 - واحَرَّ قَلْبَاهُ مِمَّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ..... ... ... ... ... ... ... ...
بضم» الهاء «وكسرها على أنها» هاء «السَّكْتِ، شُبِّهَتْ بهاء الضمير فحركت، والأحسن أن تجعل الكسر لالتقاء الساكنين لا لشبهها بالضمير؛ لأن» هاء «الضمير لا تكسر بعد الألف، فكيف بما يشبهها؟
والاقتداءُ في الأصْلِ طَلَبُ المُواقَقَةِ قاله اللَّيْث. ويقال: قدوة وقدو وأصله من القدو وهو أصل البِنَاءِ الذي يتشعب منه تصريف الاقتِدَاءُ.
قال الواحِديُّ: الاقتِدَاءُ في اللغة: الإتيان بِمِثْلِ فِعْل الأول لأجل أنه فعله و «بِهُداهِمِ» متعلق ب «اقْتَدِهْ» . وجعل الزمخشري تقديمه مُفيداً للاختصاص على قاعدته.
فصل فيما يقتدى بهم فيه
هذا خِطَابٌ للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ واختلفوا في الشيء الذي أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالاقتداء بهم فيه.
فقيل: المُرَادُ أن يَقْتَدي بهم في الأمر الذي أجمعوا عليه، وهو التوحيد والتَّنْزِيه عن كُلِّ ما لا يَلِيقُ بالباري سبحانه وتعالى في الذَّاتِ والصِّفاتِ والأفْعَالِ.
وقيل: المارد الاقْتِدَاءُ بهم في شَرَائِعِهمْ إلا ما خَصَّهُ الدليل على هذا، فالآية دَلِيلٌ على أن شَرْعَ من قبلنا يلزمنا وقيل: المراد به إقَامَةُ الدلالة على إبْطَالِ الشِّرْكِ، وإقامة التوحيد؛ لأنه ختم الآية بقوله:
﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88] ثم أكد إصْرَارَهُمْ على التوحيد وإنكارهم للشرك بقوله: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أي: اقْتَدِ بهم في نَفْيِ الشرك، وإثبات التوحيد، وتَحَمُّلِ سَفَاهَاتِ الجُهَّال.
وقال آخرون: اللفظ مُطْلَقٌ فيحمل على الكل إلاَّ ما خَصَّهُ الدَّليل المُنْفَصِلُ.
قال القاضي يبعد حَمْلُ هذه الآية على أمْرٍ الرَّسُولِ بِمُتَابَعَةِ الأنبياء المُتقدِّمين في شَرَائِعِهمْ لوجوه:
أحدهما أن شرائعهم مختلفة مُتناقِضَةٌ فلا يَصِحُّ مع تَنَاقُضِهَا أن يكون بالاقْتِدَاءِ بهم في تلك الأحْكَامِ المُتناقِضَةِ.
وثانيها: أن الهدى عبارة عن الدليل دون نفس العملِ، وإذا ثبت هذا، فنقولُ: دليل ثباتِ شَرْعِهِمْ كان مخصوصاً بتلك الأوْقَاتِ فقط، فكيف يُسْتَدَلُّ بذلك على اتِّبَاعِهِمْ في شرائعهم في كل الأوقات.
وثالثها: أن كونه - عليه الصَّلاة والسَّلام - مُتَّبعاً لهم في شرائعهم يوجب أن يكون مَنْصِبُهُ أقَلَّ من مَنْصِبِهِمْ، وذلك بَاطِلٌ بالإجماع، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حَمْلُ الآية على وُجُوبِ الاقْتِداءِ بهم في شَرَائِعِهمْ.
والجواب عن الأول، أن قوله: «فَبُهَداهمُ اقْتَدِه» يتناول الكل فأما ما ذكرتم من كون بعض تلك الأحْكَامِ مُتَنَاقِضَةً بحسب شرائعهم، فنقول: العام يجب تخصيصه في هذه الصُّورة، ويقى فيما عداها حُجَّة.
وعن الثاني: أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لو كان مأموراً بأن يَسْتَدِلَّ بالدليل الذي اسْتَدَلَّ به الأنبياءُ المتقدِّمُون لم يكن ذلك مُتَابَعَةً؛ لأن المسلمين لما اسْتَدَلُّوا بحدوث العالم على وجود الصانع لايقال: إنهم مُتَّبِعُونَ لليهود والنَّصارى في هذا الباب؛ لأن المستدلَّ بالدليل يكون أصلاً في ذلك الحكم، ولا تعلُّ له بمن قبله ألْبَتَّةَ، والاقتداء والاتِّبَاعُ لا يحصل إلا إذا كان فعل الأوَّل سَبَباً لوجوب الفِعْلِ عن الثاني.
وعن الثالث: أنه أمر الرَّسُولَ بالاقْتِدَاءِ بجميعهم في جميع الصِّفَاتِ الحميدة، والأخلاق الشريفة، وذلك لا يوجب كونه أقَلَّ مرتبة من الكُلِّ على ما يأتي في الفَصْلِ الذي بعده.
فصل في أفضلية نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ
احْتَجَّ العملاء بهذه الآية على أن الرَّسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلام؛ لأن خِصَالَ الكمالِ وصفاتِ الشَّرفِ كانت مفرّقة فيهم ف «داود» و «سليمان» كانا من أصاحب الشكر على النعمة، و «أيُّوب» كان من أصحاب الصَّبْرِ على البلاءِ، و «يوسف» كان جَامِعاً لِهَاتيْنِ الحالتين، و «موسى» عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان صاحب الشرعيةِ القويَّةِ القاهرة، والمعجزات الظاهرة و «زكريا» و «يحيى» و «عيسى» و «إلياس» كانوا أصحاب الزُّهْدِ، و «إسماعيل» كان صاحب الصِّدْق و «يونس» كان صاحب التَّضَرُّعِ.
وثبت أنه - تعالى - إنما ذكر كُلُّ واحد من هؤلاء الأنبياء؛ لأن الغالب عليه خَصْلةٌ مُعيَّنةٌ من خِصال المَدْح والشرف، ثم إنه تعالى لما ذكر الكلّ أمر محمداً - عليه الصَّلاة والسَّلام - بأن يقتدي بهم بأسْرِهمْ، فكان التقدير كأنه - تعالى - أمر محمداً أن يجمع من خِصالِ العُبُوديَّة والطاعة كُل الصفات التي كانت مُتفرِّقَةً فيهم بأجمعهم، ولما أمره الله - تبارك وتعالى - بذلك امْتَنَعَ أن يقال: إنه قَصَّر في تحصيلهم، فثبت أنه حَصَّلَهَا، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يقال: إنه أفْضَلُهُمْ بكليتهم.
قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ لما أمره الاقتداء بهدى الأنبياء المتقدمين، وكان من جُمْلَةِ هدايتِهِمْ تَرْكُ طلب الأجْرِ في إيصال الدين، وإبلاغ الشريعة لا جَرَم اقتدى بهم في ذلك فقال: «قُلْ لا أسْألُكُمْ عليْهِ أجْراً» [و «الهاء» في «عليه» ] تعود على القرآن والتبليغ أضمرا وإن لم يَجْرِ لهما ذِكْرٌ لدلالة السِّياق عليهما، و «أن» نافية ولا عمل لها على المَشْهُور، ولو كانت عَامِلةً لبطل عملها ب «إلاَّ» في قوله: «إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرَى» أن يذكره ويعظه. «وللعالمين» متعلق ب «ذكرى» و «اللام» معدية أي: إن القرآن العظيم إلاَّ تذكير للعالمين، ويجوز أن تكون متعلِّقَةً بمحذوف على أنها صِفَةٌ للذِّكْرَى، وهذه الآية تَدُلُّ على أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مَبْعُوثٌ إلى كل أهْلِ الدنيا لا إلى قَوْمِ دون قَوْمٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences