Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:95–102
7:95Page 162
ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٩٥
Then We exchanged in place of the bad [condition], good, until they increased [and prospered] and said, "Our fathers [also] were touched with hardship and ease."1 So We seized them suddenly while they did not perceive.2
بين تعالى أنَّ تدبيره في أهْلِ القرى لا يجري على نَمَطٍ وَاحِدٍ وَإنَّمَا يُدَبِّرُهُم بما يَكُونُ إلى الإيمانِ أقرب فقال: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة﴾ ؛ لأنَّ ورود النِّعمة [في البدن والمال] بعد البأساء والضَّرَّاءِ يدعو إلى الانْقِيَادِ، والاشتغال بالشُّكْرِ.
وفي «مكان» وجهان:
أظهرهما: أنَّهُ مفعول به لا ظَرْف، والمعنى: بَدَّلْنَا مكان الحال السَّيِّئَةِ [الحال الحسنة] ، فالحسنةُ هي المأخوذة الحاصلةُ ومكان السيِّئةِ هو المتروك الذَّاهِبُ، وهو الذي تصحبه «الباء» في مثل هذا التركيب لو قيل في نظيره: بدَّلْتُ زيداً بِعَمْروٍ، فزيدٌ هو المأخوذ، وعمرو المتروكُ، وقد تقدَّمَ تحقيقُ هذا في البَقَرَةِ في موضعين:
أولهما: ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ﴾ [البقرة: 59] .
والثاني: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله﴾ [البقرة: 211] .
ف «مَكَانَ» و «الحَسنَة» مفعولان إلاَّ أن أحدهُما وصل إليه الفعل بِنَفْسِهِ [وهو «الحَسَنَةُ» ] ، والآخر بحذف حرف الجرِّ وهو «مكان» .
والثاني: أنَّهُ مَنْصُوبٌ على الظَّرْفِ، والتَّقديرُ: «ثمَّ بَدَّلْنَا [في] مكان السَّيِّئَةِ الحسنةِ» إلا أنَّ هذا ينبغي أن يُردَّ؛ لأن «بدَّل» لا بُدَّ له من مفعولين أحَدُهَمَا على إسقاط الباءِ.
والمراد بالحَسَنَةِ والسيِّئَةِ هاهنا: الشِّدَّةُ والرَّخَاءُ.
قال أهل اللُّغَةِ: «السَّيِّئَةُ: كلُّ ما يَسُوءُ صَاحِبَهُ، والحسنَةُ: كل ما اسْتَحسَنَهُ الطَّبْعُ والعَقْلُ» .
قوله: «حَتَّى عَفَوا» «حتَّى» هنا غائيةٌ، وتقدير مَنْ قدّرها ب «إلَى» فإنَّمَا يريدُ تَفْسِيرَ المعنى لا الإعرابَ؛ لأن حتَّى الجارَّة لا تُبَاشِرُ إلاَّ المضارع المنصوب بإضمار «أنْ» ؛ لأنها في التَّقْديرِ داخلة على المصدر المُنْسَبِك منها، ومن الفعل، [وأمّا الماضي] فلا يطَّرِدُ حذف «أنْ» معه، فلا يقدّر معه أنَّها حرف جرٍّ داخلة على أن المصدريَّة، أي: حتَّى أن عفوا، وهذا الذي ينبغي أن يحمل عليه قول أبي البقاءِ: «حتَّى عَفَوْا أي: إلى أن عفوا» .
ومعنى «عَفَوا» هنا كَثُروا من عَفَا الشعْر إذا كَثُر، ومنه: «وأعْفُوا اللِّحَى» يُقَالُ: عَفَاه، وأعْفَاه ثلاثياً ورباعيّاً؛ قال زهيرٌ: [الوافر]
2530 - أذَلِكَ أمْ أقَبُّ البَطْنِ جَأبٌ ... عَلَيْهِ مِنْ عَقِيقَتِهِ عَفِاءُ
وفي الحديث: «إذَا عَفَا الوَبَرُ وبَرَأ الدُّبُرُ فَقَدْ حضلَّت العُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرَ؛ وأنشد الزَّمَخْشريُّ على ذلك قولَ الحُطَيْئَةِ: [الطويل] 2531 - بِمُسْتأسِدِ القُرْبَانِ عَافٍ نَبَاتُهُ..... ... ... ... ... ... ... .
وقول لَبِيد: [الوافر]
2532 - ولَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنْهَا ... بأسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ
وتقدَّم تحقيقُ هذه المادّة في البقرة.
فصل في المراد من الآية
ومعنى الآية أنَّ الله - تعالى - أبدلهم مكان الباساء والضرَّاء الحسنة، وهي النِّعءمَةُ والسَّعَةُ والخَصْبُ والصِّحَّةُ.
» حتى عفوا «كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، وقالوا من غرتهم وغفلتهم: ﴿قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضرآء والسرآء﴾ ، أي: هكذا كانت عادة الدَّهر قديماً لنا ولآبائنا، ولم يكن ذلك عقوبةً من اللَّهِ، فكُونُوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤُكم، فإنَّهُم لم يتركوا دِينَهُم لما أصابهم من الضَّرَّاءِ.
قوله:» فَأخَذْنَاهُمْ» .
قال أبُو البقاءِ: «هو عطفٌ على» عَفَوْا» . يريدُ: وما عطف عليه أيضاً، أعني أنَّ الأخذ ليس متسبباً عن الَفَاءِ فقط، بل عليه وعلى قولهم تلك المَقَالةِ الجاهليَّةِ؛ لأنَّ المعنى ليس أنَّهُ لمُجرَّدِ كثْرَتِهِمْ، ونموِّ أموالِهِمْ أخذهم بغتة بل بمجموع الأمْرَيْنِ، بل الظَّاهِرُ أنَّهُ بقولهم ذلك فقط.
و «بَغْتَةً» إمَّا حالاً أو مَصْدراً، والبَغْتَةُ الفُجَاءَة، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ حال أيضاً وهي في قوَّةِ المُؤكِّدَةِ؛ لأنَّ» بَغْتَةً «تفيدُ إفادتها، سواء أعْرَبْنَا» بغتة «حالاً أم مَصْدراً.
واعلم أنَّ الحكمة في حكاية هذا المعنى ليعتبر من سمع هذه القصَّة.
7:96–98Page 163
وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٦
And if only the people of the cities had believed and feared Allāh, We would have opened [i.e., bestowed] upon them blessings from the heaven and the earth; but they denied [the messengers], so We seized them for what they were earning.1
أَفَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا بَيَٰتٗا وَهُمۡ نَآئِمُونَ ٩٧
Then, did the people of the cities feel secure from Our punishment coming to them at night while they were asleep?
أَوَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا ضُحٗى وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ ٩٨
Or did the people of the cities feel secure from Our punishment coming to them in the morning while they were at play?1
لمّا بيَّن أنَّ الذين عَصَوا وتَمَرَّدُوا؛ أخذهم بَغْتَةً بيَّن في هذه الآية انَّهُم لو أطَاعُوا فتح عليهم أبْوابَ الخيرات، وقد تقدَّمَ أنَّ ابن عامر يَقْرَأُ: «لَفَتَّحنْا» بالتَّشديد ووافقه هنا عيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ، وأبو عبد الرَّحْمنِ السُّلمِيُّ.
وأصل البركة المواظبةُ على الشَّيءِ، أي تابعنا عليهم المطر والمراد ب «بَرَكَات السَّماءِ» المَطَرُ، وب «بركات الأرْضِ» النَّبَاتُ والثَّمَارُ وكثرة المواشي والأمن والسَّلامة، وذلك لأنَّ السَّماءَ تجري مجرى الأب، والأرض تجري مجرى الأم، ومنهما يَحْصُلُ المَنَافِع، والخَيْرَات بخلق الله تعالى تدبيره.
ثم قال: ﴿ولكن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ بالجدب والقَحْطِ ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من الكفر والمَعْصِيَةِ، ثمَّ إنَّهُ تعالى أعاد التَّهْديدَ بعذابِ الاسْتئِصَالِ فقال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى﴾ يعني «مكَّة» وما حولها ﴿أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ أي: العذاب، وهذا استفهامٌ بمعنى الإنْكَارِ، خوَّفَهُم الله - تعالى - بنزول العذاب عليهم في وقت غَفْلَتِهِم، وهو حال النَّومْ باللَّيْل، وحال الضُّحَى بالنَّهَارِ؛ لأنَّهُ وقت اشتغال المرء باللَّذَّاتِ.
وقوله: «وَهُمْ يَلْعَبُونَ» يحتملُ التَّشَاغُلَ بأمور الدُّنيا فهي لَعِبٌ ولهو، ويحتملُ في كُفْرِهِم؛ لأنَّهُ كاللَّعِبِ في أنَّهُ يضرُّ ولا يَنْفَعُ.
قوله: «أفَأمِنَ» .
قال الزَّمخشريُّ: «فإن قلت: ما المعطوف عليه، ولم عطفت الأولى بالفَاءِ والثَّانية بالواو؟ .
قلتُ: المعطوف عليه قوله:» فَأخَذْنَاهُم بَغْتَةً» ، [وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى﴾ إلى: «يَكْسِبُونَ» وقع اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه وإنَّمَا عطفت بالفاء؛ لأنَّ المعنى: «فَعَلُوا وَصَنعوا فأخذناهم بغتة، أبعد ذلك] أمن أهل القرى أن يأتيَهُمْ بأسنا بياتاً أو أمن أهل القُرَى أن يأتيهم بَأسُنَا ضُحىً» .
قال أبُو حيَّان: وهذا الَّذي ذَكَرَهُ رجوعٌ عن مذهبه في مثل ذلك إلى مذهب الجَماعَةِ، وذلك أنَّ مَذْهبَهُ في الهمزة المصدرة على حرف العطف تقدير معطوف عليه بين الهمزة وحرف العطفِ، ومذهب الجماعةِ أنَّ حَرْفَ العطف في نِيَّةِ التقدُّم، وإنَّمَا تأخَّرَ وتقدَّمت عليه همزةُ الاستفهام لقوَّةِ تَصَدُّرها في أوَّلِ الكلام» . وقد تقدَّم تحقيقه، والزَّمَخْشريُّ هنا لم يقدِّر بينهما معطوفاً عليه، بل جعل ما بعد الفاءِ معطوفاً على ما قَبْلَهَا من الجُمَلِ، وهو قوله: «فأخَذْنَاهُم بَغْتَةً» .
قوله: «بَيَاتاً» تقدَّم أوَّلَ السُّورةِ أنَّهُ يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون ظرفاً.
وقوله: «وهُمْ نَائِمُونَ» جدملة حاليّة، والظَّاهِرُ أنَّها حال من الضَّميرِ المستتر في «بَيَتاً» ؛ لأنَّهُ يتحمَّلأ ضميراً لوقوعه حالاً، فيكون الحالان مُتَدَاخِلَيْنِ.
قوله: «ضُحىً» مَنْصوبٌ على الظَّرف الزَّمانيِّ، ويكون متصرفاً وغير متصرف، [ فالمتصرَّفُ] ما لم يرد به وقته من يوم بِعَيْنِهِ نحو: «ضُحاك ضحىً مُبَرَك» .
فإن قلت: «أتَيْتُكَ يوم الجُمْعَةِ ضُحىً» فهذا لا يتصرّف، بل يَلْزَمُ النَّصْبُ على الظَّرْفية، وهذه العبارَةُ أحسنُ من عِبَارَةِ أبِي حيَّان حيث قال: «ظرف متصرِّفٌ إذا كان نكرةً، وغير متصرِّلإ إذا كان من يوم بعينه» ؛ لأنَّهُ تَوَهَّم [متى] كان معرفةً بأي نوع كان من أنواع التَّعْرِيف فإنَّهُ لا يتصرَّفُ، وليس الأمر كذلك قال تعالى: ﴿والضحى﴾ [الضحى: 1] فاستعمله مجروراً بالقسم مع أنه معروفٌ بأل، وقال تعالى: ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: 1] جرّه بحرف القسم أيضاً مع أنَّهُ معرَّفٌ بالإضافة، وهو امتداد الشَّمْسِ وامتداد النَّهار.
ويقال: ضُحى، وضحاءُ، إذا ضَمَمْتَ قَصَرْتَ، وإذا فتحت مَدَدْتَ.
وقال بعضهم: الضُّحى بالضم والقسر لأول ارتفاع الشمس والضَّحَاءُ بالفتح والمدِّ لقوَّة ارتفاعها قبل الزَّوَالِ.
والضُّحى مُؤنَّثٌ، وشذُّوا في تصغيرِهِ على «ضُحَيٌّ» بدون تاء كعُرَيْب وأخواتها، والضَّحَاءُ أيضاً طعامُ الضُّحَى كالغّدَاء طَعَامُ وَقْتِ الغدْوَة يقال منهما: تَضَحَّى ضَحَاءً وتَغَدَّى غَدَاءً: وضَحِيَ يَضْحَى إذَا برز للشَّمْسِ وقت الضُّحَى، ثم عُبِّر بِه عن إصَابَةِ الشَّمْسِ مطلقاً، ومنه قوله: ﴿وَلاَ تضحى﴾ [طه: 119] [أي] : لا تبرزُ للشمس.
ويقال: ليلة أضحِيَانَةٌ بضمِّ الهمزة، وضَحْيَاء بالمدِّ أي: مضيئة إضاءَةُ الضُّحى، والأضْحِيَة وجمعها: أضَاحِ، والضَّحِيَّة وجمعها ضحايا، والأضْحَاة وجمعها أضْحىً هي المَذْبُوحُ يوم النَّحْرِ، سمِّيَت بذلك لذَبْحها ذلك الوقت لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ صَلاتِنَا هَذِهِ فَلْيُعِدْ»
وضواحي الشَّيء نواحيه البارزة.
قوله: «وَهُمْ يَلْعَبُونَ» حالٌ، وهذا يقوِّي أنَّ «بَيَاناً» ظرفٌ لا حال، لتتطابق الجملتان فيصيرُ في كلٍّ منهما وقت وحال، وأتى [بالحال] الأولى مُتَضَمِّنَة لاسم فاعلٍ؛ لأنَّهُ يدلُّ على ثباتٍ واستقرارٍ وهو مناسب للنَّوْمِ، وبالثَّانيةِ متضمِّنة لفعل؛ لأنَّهُ يدلُّ على التجدُّدِ والحدوث وهو مناسبٌ لِلَّعب والهزل.
قال النَّحَّاسُ: «وفي الصَّحاح: اللَّعِبُ معروفٌ، واللّعْبُ مثله، وقد لَعِبَ يَلْعَبُ، ويَلْعبُ مرة بعد أخرى، ورجل تَلْعَابَةٌ: كثيرٌ اللَّعبِ والتَّلْعَابُ بالفتح المصدر، وجارته لَعُوبٌ» .
وقرأ نافع وابن عامِر وابنُ كثيرٍ «أوْ» بسكون الواو والباقون بفتحها، ففي القراءة الأولى تكونُ «أو» بجملتها حرف عطف ومعناها حينئذ التقسيم.
قال ابنُ الخطيبِ: تسعتملُ على ضَرْبَيْن:
أحدهما: أن تكون بمعنى أحد الشَّيْئيْنِ كقوله: زيد أو عمرو جاءك، والمعنى: أحدهما جاء.
والثاني: أن تكون للإضْرابِ عمَّا قبلها كقولك: «أنَا أخْرُجُ» ثم تقول: «أو أقيم» أضربت عن الخروج وأثبت الإقامة، كأنك قلت: لا بل أقيمُ، فوجه هذه القراءة أنَّهُ جعل «أو» للإضراب، لا على أنَّه أبطل الأوَّلَ.
وزعم بعضهم أنَّها للإبَاحةِ والتَّخْيير، وليس بظاهرٍ.
وفي القراءة الثَّانية هي واو العَطْفِ دخلت عليها همزة الاستفهام مقدَّمة عليها لفظاً، وإنْ كانت بَعْدَهَا تقديراً عند الجمهور.
وقد عرف مذهب الزَّمَخْشَرِيِّ في ذلك، ومعنى الاستفهام هنا: التَّوبيخُ، والتَّقريعُ.
وقال أبُو شَامَة وغيره: «إنَّهُ بمعنى النَّفي» .
وكرّرت الجملة في قوله تعالى: ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى﴾ : «أفَأمِنوا» توكيداً لذلك، وأتي في الجُمْلَةِ الثَّانية بالاسم ظاهراً، وحقّه أن يضمر مبالغة في التَّوْكِيد.
7:99Page 163
أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩٩
Then, did they feel secure from the plan of Allāh? But no one feels secure from the plan of Allāh except the losing people.
ومعنى: «مَكْرَ اللَّهِ» أي إضافة المخلوق إلى الخَالقِ كقولهم: ناقة الله، وبيتُ الله، والمرادُ بشهِ فعلٌ يعاقب به الكفرة، وأضيف إلى الله لمَّا كان عقوبة الذَّنْبِ، فإنَّ العرب تسمِّي العقوبة على أي جهة كانت باسم الذَّنْبِ الذي وقعت عليه العقوبة.
قال ابن عطيَّة: «وهو تأويلٌ حسنٌ» .
وقال البَغَوِيُّ: «مَكْرُ اللَّهِ: استدراجُهُ إيَّاهُم بما أنْعَمَ عليهم في دنياهم» .
وقد تقدَّم في آل عمران في قوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله﴾ [الآية: 54] أنَّه من باب المُقَابلَةِ أيضاً.
و «الفاء» في قوله: «فَلاَ يأمَنُ» للتَّنْبِيهِ على أنَّ العذابَ يعقب أمن مَكْرَِ اللَّهِ.
قال ابنُ الخطيبِ: «وقوله:» مَكْرَ اللَّهِ» المرادُ أنْ يأتيهم عذابُهُ من حيث لا يَشْعُرُونَ، قاله على وجه التَّحْذيرِ، وسمى هذا العذاب مَكْراً تَوَسُّعاً؛ لأنَّ الواحد منا إذا أرَادَ المكر بصاحبه فإنه يوقعه في البلاءِ من حيث لا يَشْعُرُ» .
7:100Page 163
أَوَلَمۡ يَهۡدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ أَهۡلِهَآ أَن لَّوۡ نَشَآءُ أَصَبۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡۚ وَنَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ١٠٠
Has it not become clear to those who inherited the earth after its [previous] people that if We willed, We could afflict them for their sins? But We seal over their hearts so they do not hear.1
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ يريدُ كبراء مكَّةَ.
قرأ الجمهور: «يَهْد» بالياء من تحت، وفي فاعله حينئذ ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنَّهُ المصدرُ المؤوَّلُ من «أن» وما في حيِّزها، والمفعول محذوفٌ، والتقديرُ: أو لم يهد أي يبين ويوضح للوارثين مآلهم وعاقبة أمرهم، وإصابتنا إيَّاهُم بذنُوبِهم لو شئنا ذلك، فقد سبكنا المصدر من «أنْ» ومن جواب لو.
والثاني: أنَّ الفاعل هو ضميرُ الله تعالى، أي: أو لم يبيِّن الله ويُؤيِّدُه قراءةُ من قرأ «نَهْدِ» بالنون.
الثالث: أنَّهُ ضمير عائدٌ على ما يفهم من سياق الكلام، أي: أو لم يهد ما جرى للأمم السَّالِفَةِ كقولهم: إذَا كَانَ غَداً فأتني أي: إذا كان ما بيني وبينكَ مما دلَّ عليه السِّياق.
وعلى هذين الوجهين، ف «أنْ» وما في حيِّزها بتأويلِ مصدر كما تقدَّم في محلِّ المفعُولِ والتَّقديرُ: أو لم يبين ويوضِّح الله أو ما جرى لأمم إصابتنا إيَّاهُم بذنوبهم أي: بعقاب ذُنُوبِهِم لو شئنا ذلك.
وقرأ مُجاهدٌ وقتادةُ ويعقوبُ: «نَهْدِ» بنون العَظَمَةِ و «أنْ» مفعولٌ فقط، و «أنْ» هي المخفَّفةُ من الثَّقيلة و «لَوْط فاصلةٌ بينها وبين الفِعْلِ، وقد تقدَّم أنَّ الفصل بها قليل.
و» نَشَاءُ «وإن كان مُضَارعاً لفظاً فهو ماضٍ معنى؛ لأنَّ» لو «الامتناعية تخلِّصُ المضارع للمُضِيِّ.
وفي كلام ابن الأنْبَاريِّ خلافه، فإنَّهُ قال في» ونَطْبَعُ» : «هذا فعل مستأنفٌ ومنقطعٌ مما قبله؛ لأنَّ قوله:» أصَبْنَا» ماضٍ و «نَطْبع» مستقبل ثم قال: ويجوزُ أن يكون معطوفاً على «أصَبْنَا» إذ كان بمعنى نُصِيبُ، والمعنى: «لو يَشَاءُ يصيبهم ويطبع» ، فوضع الماضي موضعَ المستقبلِ عند وضوح معنى الاستقبال كقوله تعالى: ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ﴾ [الفرقان: 10] [أي:] يجعلُ، بدليل قوله: «ويَجْعَل لَكَ» ، وهذا ظَاهِرٌ قَوِيٌّ في أن «لَوْ» هذه لا تخلِّصُ المضارع للمضيّ، وتنظير بالآية الأخْرَى مُقَوِّل أيضاً، وسيتي تحقيقُ ذلك عند قوله: «ونَطْبَعُ» وقال الفرَّاءُ: «وجاز أنْ تَرُدَّ» يَفْعل « [على فَعَلَ] في جواب» لو «كقوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ﴾ [يونس: 11] فقوله:» فَنَذَرُ» مردود على «لقضى» ، وهذا قولُ الجمهور، ومفعول» يَشَاءُ «محذوف لدلالةِ جواب» لو «عليه، والتَّقديرُ: لو يشاء تعذيبهم، أو الانتقام منهم.
وتى جوابها بغير لام، وإن كان مبنيّاً على أحد الجائزين وإن كان الأكثر خلافه، كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾
[الواقعة: 70] .
قوله:» ونَطْبَعُ» في هذه الجملة أوْجُهٌ:
أحدها: أنَّهَا نسقٌ على «أصَبْنَاهم» وجاز عطف المضارع على الماضي؛ لأنَّهُ بمعناه، وقد تقدَّم أنَّ «لو» تخلِّص المضارع للمُضِيِّ، ولما حكى أبُو حيَّان كلام ابن الأنْبَارِيْ المتقدم قال: «فَجَعل» لو «شرطيّةً بمعنى» إنْ «ولم يجعلها التي هي لِما كان سيقعُ لوقوع غيره، ولذلِكَ جعل» أصَبْنَا «بمعنى نُصِيبُ.
ومثال وقوع» لو «بمعنى» إن «قوله: [الكامل]
2533 - لا يُلْفِكَ الرَّاجِيكَ إلاَّ مُظْهِراً ... خُلُقَ الكِرَامِ ولَوْ تكُونُ عَدِيمَا
وهذا الذي قاله ابن الأنباريّ ردَّهُ الزَّمخشريُّ من حيث المعنى، لكن بتقدير: أن يكون» ونَطْبَعُ «بمعنى» طَبْعَنا «فيكون قد عطف المضارع على المَاضِي لكَوْنِهِ بمعنى المضاي وابن الأنباري جعل التَّأويل في» أصَبْنَا «الذي هو جواب» لو نَشَاءُ «فجعله بمعنى» نُصِيبُ «فتأوَّلَ المعطوف عليه وهو الجوابُ، وردَّهُ إلى المستقبل، والزمخشريُّ تأوَّلَ المعطوف وردَّهُ إلى المضي وأنتج ردُّ الزَّمخشري أنَّ كلا التقديرين لا يصحُّ» .
قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هل يجوزُ أن يكون» وَنَطْبَعُ «بمعنى» طَبَعْنَا «كما كان» لَوْ نَشَاءُ «بمعنى» لَوْ شِئْنَا «ويعطف على» أصَبْنَاهُم «؟
قلت: لا يساعدُ على المعنى؛ لأنَّ القَوْمَ كانوا مطبوعاً على قلوبهم، موصوفين بصفة من قبلهم من اقتراف الذُّنوب والإصابةِ بها، وهذا التَّفسيرُ يؤدِّي إلى خلوِّهِم من هذه الصِّفةِ، وأن الله لو شاء لاتَّصَفُوا بها» .
قال أبو حيَّان: «وهذا الرَّدُّ ظَاهِرُ الصِّحَّةِ، وملخصهُ: أن المعطوفَ على الجوابِ جوابٌ، سواءً تأوَّلْنَا المعطوف عليه أم المعطوف، وجواب» لو «لم يقع بَعْدُ، سواءً كانت حرفاً لما كان سيقعُ لوقوع غيره أمْ بمعنى» إن «الشَّرطية، والإصابة لم تقع، والطَّبْعُ على القلوب واقعٌ، فلا يَصِحُّ أن تعطف على الجوابِ. فإن تؤوِّل» ونُطِبعُ «على معنى: ونستمرُّ على الطَّبْعِ على قلوبهم، أمكن التَّعاطف؛ لأنَّ الاستمرار لم يقع بعدُ، وإن كان الطَّبْعُ قد وقع» .
قال شهابُ الدِّين: «فهذا الوجه الأوَّلُ ممتنعٌ لما ذكره الزَّمخشريّ» .
ونقل ابنُ الخطيبِ عن الزَّمَخْشَري أنَّهُ قال: «ولا يجوز أن يكون معطوفاً على» أصَبْنَاهُمْ «؛ لأنَّهُم كانوا كُفَّاراً، إذْ كل كَافِرِ فهو مَطْبُوعٌ على قلبه، فقوله بعد ذلك: ﴿وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ﴾ يَجْرِي مَجْرَى تحصيل الحاصلِ وهو مُحَالٌ» .
قال ابن الخطيب: «وهذا ضَعِيفٌ؛ لأنَّ كونه مطبوعاً عليه في الكفر لم يكن هذا منافياً لصِحَّةِ العطفِ» .
الوجه الثاني: أن يكون «نَطْبَعُ» مستأنفاً، ومنقطعاً عمَّا قبله فهو في نيَّةِ خبر مبتدأ مَحْذُوفٍ أ: ونحن نَطْبَعُ.
وهذا اختيار الزَّجَّاج والزمخشري وجماعة.
الثالث: أن يكون معطوفاً على «يَرثُونَ الأرْضَ» قال الزَّمَخْشَرِيُّ.
قال أبو حيَّان: «وهو خطأٌ؛ لأنَّ المعطوف على الصِّلةِ صلةٌ، و» يَرِثُونَ» صلة ل «الَّذين» ؛ فَيَلْزِمُ الفصلُ بين أبعاض الصِّلة بأجنبي، فإن قوله: ﴿أَن لَّوْ نَشَآءُ﴾ إمَّا فاعل ل» يَهد «أو مفعوله كما تقدم وعلى كلا التقديريْنِ فلا تعلق له بشيء من الصِّلة، وهو أجنبيٌّ منها، فلا يفصل به بين أبعاضها، وهذا الوجْهُ مؤدٍّ إلى ذلك فهو خطأ» .
الرابع: أن يكون معطوفاً على ما دَلَّ عليه معنى «أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ» كأنَّهُ قيل: يغفلون عن الهداية، ونَطْبَعُ على قُلُوبِهِم قاله الزَّمخشريُّ أيضاً.
قال أبو حيَّان: «وهو ضعيف؛ لأنَّه إضمار لا يحتاج إليه، إذْ قد صحَّ عطفه على الاستِئْنافِ من باب العطفِ على الجُمَلِ، فهو معطوف على مَجْمُوع المصدَّرة بأداء الاستفهام، وقد قاله الزَّمخْشَرِيُّ وغيره.
وقوله: ﴿فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ أتى ب» الفاء «هنا إيذاناً بتعقيب عدم سماعهم على أثَرِ الطَّبْع على قلوبهم.
فصل في بيان أنه تعالى ق يمنع العبد من الإيمان
استدل أهل السُّنَّةِ بقوله تعالى: ﴿وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُون﴾ على أنَّهُ تعالى قد يمنع البعدَ من الإيمانِ، والطَّبعُ والختم والرَّيْنُ والغشاوةُ والصدُّ والمنع واحد على ما تقدَّم.
قال الجبائِيُّ: المرادُ من هذا الطبع أنَّهُ تعالى يسمُ قلوب الكفَّارِ بسماتِ وعلامت نعرف الملائكة بها أنَّ صاحبها لا يؤمن، وتلك العلامةُ غير مانعة من الإيمان.
وقال الكعبيُّ: إنَّمَا أضاف الطَّبْعَ إلى نفسه، لأجْلِ أنَّ القومَ إنَّما صاروا إلى ذلك الكُفْرِ عند أمره وامتحانه، فهو كقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح: 6] وقد تقدَّم البَحْثُ في مثل ذلك.
7:101Page 163
تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآئِهَاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠١
Those cities - We relate to you, [O Muḥammad], some of their news. And certainly did their messengers come to them with clear proofs, but they were not to believe in that which they had denied before.1 Thus does Allāh seal over the hearts of the disbelievers.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ .
قال الزَّمَخْشَرِيُّ: كقوله: ﴿وهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ﴾ [هود: 72] في كونه مبتدأ وخبراً وحالاً يعني أن «تِلْكَ» مبتدأ مشارٌ بها إلى ما بعدها، و «القُرَى» خبرها، و «نَقُصُّ» حال أي قاصِّينَ كقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: 52] .
قال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما معنى «تِلْكَ القُرَى» حتى يكون كلاماً مفيداً؟
قلت: هو مفيدٌ ولكن بالصِّفةِ في قولك: «هو الرَّجُلُ الكريم» يعني أنَّ الحال هنا لازمه ليفيد التَّركيب كما تلزم الصِّفةِ في قولك: «هو الرَّجُلُ الكريمُ» ألا ترى أنَّكَ لو اقتصرت على «هو الرَّجُلُ» لم يكن مفيداً، ويجوزُ أن تكون «القُرَى» صفة لتلك، و «نقصُّ» الخبر، ويجوز أن يكون «نقصُّ» خبراً بعد خبر.
و «نَقُصُّ» يجوز أن يكون على حاله من الاستقابل أي: قد قصصنا عليك من أبْنَائِهَا ونحن نَقُصُّ عليك أيضاً بعض أبنائها [ويجوز أن يكون عبر به عن الماضي، أي: قد قَصَصْنَا عليك من أبنائها] وأُشير بالبُعْدِ تنبيهاً على بعد هلاكها وتقادمه عن زمن الإخبار فهو من الغيب، وأراد القصص المتقدمة.
وفي قوله: «القُرَى» ب «أل» تعظيم كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الكتاب﴾ [البقرة: 22] ، وقول الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «أوْلَئِكَ المَلأُ مِنْ قُريشٍ» ، وقول أمية: [البسيط]
2534 - تِلْكَ المَكَارِمُ لا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ ... شِيبا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أبْوَالاً
و «مِنْ» للتبعيض كما تقدَّم؛ لأنَّهُ إنَّما قصَّ عليه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ما فيه عظةٌ وانزجارٌ دون غيرهما، وإنَّما قصّ أنباء أهل القرى؛ لأنَّهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النِّعم فتوهموا أنَّهُم على الحقِّن فذكرها الله - تعالى - لقوم محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ليحترزوا عن مثل تلك الأعمال، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾ .
قوله: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ﴾ الظَّاهِرُ أنَّ الضَّمائرَ عائدة على أهل القرى.
وقال يمان بن رئاب: «إنَّ الضميرين الأوَّلين لأهل القرى، والضَّميرُ في» كذَّبُوا» لأسْلافِهم. وكذا جوَّزهُ ابن عطية أيضاً أي: «فما كان الأبناء ليؤمِنُوا بما كذَّب به الآباء» ، وقد تقدَّم الكلامُ على لام الجُحُودِ، وأنَّ نفي الفِعْلِ معها أبْلَغُ.
و «ما» موصولة اسميَّة، وعائدها مَحْذُوفٌ؛ لأنَّه مَنصوبٌ متَّصل أي: بما كذبوه [ولا يجوز أن يقدر به وإن كان الموصول مجرورا بالباء أيضاً لاختلاف المتعلقن وقال هنا «بما كذبوا» ] فلم يذكر متعلق التكذيب، وفي» يونس «ذكره فقال: ﴿بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ﴾ [يونس: 74] ، والفرق أنَّهُ لمَّا حذفه في قوله:
﴿ولكن كَذَّبُواْ﴾ [الأعراف: 96] أستمرّ حذفه بعد ذلك، وأمَّا في يونس فقد أبرزه في قوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ﴾ [يونس 74] .
﴿كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ [يونس: 73] فناسب ذكره موافقة قال معناه الكرمَانِيّ.
فصل في معنى» ما كانوا ليؤمنوا»
قال ابن عباس والسُّدِّيُّ: «فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عن إرسالي بما كذبوا به يوم أخذنا مِيثاقَهُم حين أخرِجُوا من ظهر آدم فآمنوا كرهاً وأقرُّوا باللِّسانِ وأضمروا التَّكذيب» .
وقال الزَّجَّاجُ: «فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤيةِ تلك المعجزات بما كَذَّبُوا قبل رؤية المُعْجِزَاتِ» .
وقيل: معناه ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ورددناهم في دار التكليف ليؤمنوا بما كذَّبُوا به قبل إهلاكهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] .
[وقيل: إنه قبل مجيء الرسول كانوا مصرين على الكفر فهؤلاء ما كانوا ليؤمنوا بعد مجيء الرسل] وقيل: ليؤمنوا في الزَّمانِ المستقبل
قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين﴾ .
قال الزَّجَّاجُ: والكاف في «كذلك» في محلِّ نصب [أي: مثل ذلك الطبع على قلوب أهل القرى المنتفي عنهم الإيمان يطبع الله على قلوب الكفرة الجانين] .
قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: 102] .
قوله «لأكْثَرِهِمْ» فيه وجوه: الظَّاهِرُ أنَّهُ متعلقٌ بالوجْدانِ كقولك: ما وجدتُ له مالاً أي: ما صَادَفْتُ له مالاً ولا لقيته.
الثاني: أن يكون حالاً من «عهد» ؛ لأنَّه في الأًل صفة نكرةٍ فلما قُدِّم عليها نُصب على الحال، والأصْلُ: ما وجدنا عهداً لأكثرهم، وهذا ما لم يذكر أبُو البقاءِ غيره.
وعلى هذين الوجهين ف «وَجَدَ» متعدِّية لواحد وهو «من عَهْدٍ» ، و «منْ» مزيدةٌ فيه لوجود الشرطين.
الثالث: أنَّهُ في محلِّ نصب مفعولاً ثانياً لوجَدَ إذ هي بمعنى علمية، والمفعول هو «مِنْ عَهْدٍ» . وقد يترجَّحُ هذا بأنَّ «وَجَدَ» الثانية علمية لا وجدانيَّة بمعنى الإصابة، وسيأتي دليل ذلك. وإذا تقرَّر هذا فينبغي أن تكون الأولى كذلك مطابقة للكلام ومناسبة له، ومن يرجّح الأوَّل يقولُ: إنَّ الأولى لمعنى: والثَّانية لمعنى آخر.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس: يريدُ: وما وجدنا لأكثرهم من عهد، الوفاء بالعهد الذي عاهدهم عليه وهم في صلب آدم حيث قال: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 172] .
وقال ابن مَسْعُودٍ: «المرادُ بالعهد هاهنا الإيمان، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً﴾ [مريم: 87] أي قال: لا إله إلا الله» .
وقيل: المرادُ بالعهدِ وضع الأدلَّةِ على صِحَّةِ التَّوحيد والنَّبوةِ [تقديره:] وما وجدنا لأكثرهم من الوفاءِ بالعهد.
قوله: «وَإنْ وَجدْنَا» «إنْ» هذه هي المخفَّفةُ وليس هنا عاملة لمباشرتها الفعل فَزَالَ اختصاصُهَا المُقْتَضِي لإعمالها.
وقال الزَّمخشريُّ: «وإنَّ الشَّأن والحديث وجدنا» .
فظاهِرُ هذه العبارة أنَّها مُعْملَة، وأنَّ اسمها ضميرُ الأمر والشَّأن، وقد صرَّحَ أبُو البقاء هنا بأنَّها معملةٌ، وأن اسمها محذوف، إلا أنَّهُ لم يقدِّر ضمير الحديث بل غيره فقال: «واسمها محذوفٌ أي: إنَّا وَجَدْنَا» . وهذا مذهب النَّحويين أعني اعتقاد إعمال المخفَّف من هذه الحروف في «أن» المفتوحة على الصَّحيح، وفي «كأن» التَّشبيهية، وأمَّا «إنْ» المخففة المكسورة فلا. وقد تقدَّم إيضاحه.
ووجدنا هنا متعدية لاثنين أولهما «أكْثَرَهُم» ، والثاني «لفاسقين» ، قال الزمخشريُّ: والوجود بمعنى العلم من قولك: وجدتُ زيداً ذا الحفاظ بدليل دخول «إنْ» المخفَّفة، واللاَّم الفارقة ولا يسوغ ذلك إلاَّ في المبتدأ والخبر والأفعالِ الدَّاخلة عليهما يعني أنها مختصة بالابتداء، وبالأفعال النَّاسخةِ له، وهذا مذهبُ الجُمْهُورِ، وقد تقدَّم الخلافُ عن الأخْفَشِ أنَّهُ يجوزُ على غيرها، وتقدَّم دليله على ذلك، واللاَّمُ فارقة وقيل: هي عوض من التَّشديد.
قال مَكيٌّك «ولزمت اللاَّمُ في خبرها عوضاً من التشديد والمحذوف الأوَّلِ، وقد تقدَّم أنَّ بعض الكوفيين يجعلون» إن «نافية، واللاَّم بمعنى» إلاَّ «في قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: 143] .
ومعنى فاسقين خارجين عن الطَّاعةِ، مارقين عن الدِّينِ، وقيل: ناقضين العَهْدَ.
وقوله:» لأكْثَرهُم» ، و «أكْثَرهُم» ، و «من بعدهم» : إنْ جعلنا هذه الضَّمائر كلَّها للأمم السَّالِفَةِ فلا اعتراضَ، وإن جعلنا الضَّمير في «لأكثرهُم» و» أكْثَرهُمْ «لعموم النَّاسِ والضَّمير في» من بعدهم» للأمم السَّالِفَةِ كانت هذه الجملة - أعني ما وجدنا - اعتراضاً كذلك قاله الزمخشريُّ، وفيه نظر؛ لأنَّهُ إذا كان الأوَّلُ عاماً ثم ذكر شيء يندرجُ فيه ما بعده وما قبله كيف يُجْعل ذلك العامُّ معترضاً بين الخاصين.
وأيضاً، فالنَّحْويُّون إنما يعرفون الاعتراض فيما اعترض به بين متلازمين، إلاَّ أنَّ أهل البيان عندهم الاعتراض أعمُّ من ذلك، حتَّى إذا أتي بشيء بين شيئين مذكورَيْنِ في قصَّةٍ واحدة سَمَّوه اعتراضاً.
7:102Page 163
وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ ١٠٢
And We did not find for most of them any covenant;1 but indeed, We found most of them defiantly disobedient.
قوله: «لأكْثَرِهِمْ» فيه وجوه:
الظَّاهِرُ أنَّهُ متعلقٌ بالوجْدانِ كقولك: ما وجدتُ له مالاً أي: ما صَادَفْتُ له مالاً ولا لقيته.
الثاني: أن يكون حالا من «عهدِ» ؛ لأنَّهُ في الأصل صفة نكرةٍ فلما قُدِّم عليها نُصب على الحال، والأصْلُ: ما وجدنا عهداً لأكثرهم، وهذا ما لم يذكر أبُوا البقاءِ غيره.
وعلى هذين الوجهين ف «وَجَدَ» متعدِّية لواحد وهو «من عَهْدٍ» ، و «منْ» مزيدةٌ فيه لوجود الشرطين.
الثالث: أنَّهُ في محلِّ نصب مفعولاً ثانياً لوجَدَ إذ هي بمعنى علمية، والمفعول هو «مِنْ عَهْدٍ» . يترجَّحُ هذا بأنَّ «وَجَدَ» الثانية علمية لا وجدانيَّة بمعنى الإصابة، وسيأتي دليل ذلك. وإذا تقرَّر هذا فينبغي أن تكون الأولى كذلك مطابقة للكلام ومناسبة له، ومن يرجّح الأوَّل يقولُ: إنَّ الأولى لمعنى، والثَّانية لمعنى آخر.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس: يريدُ: وما وجدنا لأكثرهم من عهد، الوفاء بالعهد الذي عاهدهم عليه وهم في صلب آدم حيث قال: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: 172] .
وقال ابن مَسْعُودٍ: «المرادُ بالمعهد هاهنا الإيمان، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً﴾ [مريم: 87] أي قال: لا إله إلا الله» .
وقيل: المرادُ بالعهدِ وضع الأدلَّةِ على صِحَّةِ التَّوحيد والنَّبوة [تقديره:] وما وجدنا لأكثرهم من الفواءِ بالعهد.
قوله: «وَإنْ وَجَدْنَا» «إنْ» هذه هي المخفَّفةُ وليس هنا عاملة لمباشرتها الفعل فَزَالَ اختصاصُهَا المُقْتَضِي لإعمالها.
وقال الزَّمخشريُّ: «وإنَّ الشَّأن والحديث وجدنا» .
فظاهِرُ هذه العبارة أنَّها مُعْملَة، وأنَّ اسمها ضميرُ الأمر والشَّأن، وقد صرَّحَ أبُو البقاءِ هنا بأنَّها معملةٌ، وأن اسمها محذوف، إلا أنَّهُ لم يقدِّره ضمير الحديث بل غيره فقال: «واسمها محذوفٌ أي: إنَّا وَجَدْنَا» . وهذا مذهب النَّحويين أعني اعتقاد إعمال المخفَّف من هذه الحروف في «أن» المفتوحة على الصَّحيح، وفي «كأن» التَّبيهية، وأمَّا «إنْ» المخففة المكسورة فلا. وقد تقدَّم إيضاحه.
ووجدنا هنا متعدية لاثنين أولهما «أكْثَرَهُم» ، والثاني «لفاسقين» ، قال الزمخشريُّ: والوجود بمعنى العلم من قولك: وجدتُ زيداً ذا الحفاظ بدليل دخول «إنْ» المخفَّفة، واللاَّم الفارقة ولا يسوغ ذلك إلاَّ في المبتدأ والخبر والأفعالِ الدَّاخلة عليهما يعني أنها مختصة بالابتداء، وبالأفعال النَّاسخِة له، وهذا مذهبُ الجُمْهُورِ، وقد تقدَّم الخلافُ عن الأخْفَشِ أنَّهُ يجوزُ على غيرها، وتقدَّم دليله على ذلك، واللاَّمُ فارقة وقيل: هي عوض من التَّشديد.
قال مَكيٌّ: «ولزمت اللاَّمُ في خبرها عوضاً من التشديد والمحذوف الأوَّلِ» ، وقد تقدَّم أنَّ بعض الكوفيين يجعلون «إن» نافية، واللاَّم بمعنى «إلاَ» في قوله تعالى:
﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: 143] .
ومعنى فاسقين خارجين عن الطَّاعةِ، ماريقين عن الدِّين، وقيل: ناقضين العَهْدَ.
وقوله: «لأكْثَرهُم» ، و «أكْثَرهُم» ، و «من بعدهم» : إنْ جعلنا هذه الضَّمائر كلَّها للأمم السَّالِفَةِ فلا اعتراضَ، وإن جعلنا الضَّمير في «لأكثرهُم» و «أكْثَرهُمْ» لعموم النَّاسِ والضَّمير في «من بعدهم» للأمم السَّالِفَةِ كانت هذه الجملة - أعني ما وجدنا - اعتراضاً كذلك قاله الزمخشري، وفيه نظر؛ لأنَّهُ إذا كان الأوَّلُ عاماً ثم ذكر شيء يندرجُ فيه ما بعده وما قبله كيف يُجْعل ذلك العامُّ معترضاً بين الخاصين.
وأيضاً، فالنَّحْويُّون إنما يعرفون الاعتراض فيما اعترض به بين متلازمين، إلاَّ أنَّ أهل البيان عندهم الاعتراض أعمُّ من ذلك، حتَّى إذا أتي بشيء بين شيئين مذكورَيْنِ في قصَّةٍ واحدة سَمَّوه اعتراضاً.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences