Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
An-Nazi'at 79:15–41
79:15–26Page 583
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ١٥
Has there reached you the story of Moses? -
إِذۡ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى ١٦
When his Lord called to him in the sacred valley of Ṭuwā,
ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ١٧
"Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed.
فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ ١٨
And say to him, 'Would you [be willing to] purify yourself
وَأَهۡدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخۡشَىٰ ١٩
And let me guide you to your Lord so you would fear [Him]?'"
فَأَرَىٰهُ ٱلۡأٓيَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٢٠
And he showed him the greatest sign,1
فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ٢١
But he [i.e., Pharaoh] denied and disobeyed.
ثُمَّ أَدۡبَرَ يَسۡعَىٰ ٢٢
Then he turned his back, striving [i.e., plotting].1
فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ٢٣
And he gathered [his people] and called out
فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٢٤
And said, "I am your most exalted lord."
فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ ٢٥
So Allāh seized him in exemplary punishment for the last and the first [transgression].1.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰٓ ٢٦
Indeed in that is a lesson [i.e., warning] for whoever would fear [Allāh].
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى﴾ أي: قد جاءك وبلغك، وهذه تسليةٌ للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، أي: أنَّ فرعون كان أقوى من كفار عصرك، ثُمَّ أخذناه وكذلك هؤلاء.
وقيل: «هَلْ» بمعنى: «ما» أي: ما أتاك، ولكِّي أخبرك به، فإنَّ فيه عِبْرَةً لمن يخشى.
وقال ابنُ الخطيبِ: قوله: «هَلْ أتَاكَ» يحتملُ أن يكون معناه: أليْسَ قَدْ أتَاكَ حديثُ موسى، هذا إن كان قد أتاه ذلك قبل هذا الكلام، أمَّا إن لم يكن قد أتاه، فقد يجوز أن يقال: «هَلْ أتَاكَ» أي: أنا أخبرك وتقدم الكلام على موسى وفرعون فإنَّ فيه عبرة لمن يخشى.
قوله: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾ منصوب ب «حديث» لا ب «أتاك» ؛ لاختلاف وقتيهما، وتقدم الخلاف بين القراء في «طُوَى» في سورة [طه: 12] .
و «الوادي المقدس» : المُبَاركُ المُطَهَّر.
قال الفراء: «طُوى» واد بين «المدينة» و «مصر» ، قال: وهو معدولٌ، من «طاو» ، كما عدل «عُمَرُ» من «عامر» .
قال الفراء: مَنْ صرفه قال: هو ذكر، ومن لم يصرفه جعله معدولاً ك «عمر، وزفر» .
قال: «والصَّرفُ أحبُّ إليَّ إذا لم أجد في المعدول نظيراً» أي: لم أجد له اسماً من الواو والياء عدلَ من «فاعل» إلى «فُعَل» غير طُوى.
وقيل: «طوى» معناه: يا رجل، بالعبْرَانيَّةِ، فكأنَّه قيل: اذهب يا رجل إلى فرعون، [قاله ابن عباس.
وقيل: الطوى: أي: ناداه بعد طويّ من الليل اذهب إلى فرعون] ؛ لأنك تقول: جئتك بعد طويّ، أي بعد ساعة من الليل.
وقيل: معناه «بالوَادِ المُقدَّسِ طُوى» أي بُورِكَ فيهِ مرَّتيْنِ.
قوله: ﴿اذهب﴾ يجوز أن يكون تفسيراً للنداء، ناداه اذهب، ويجوز أن يكون على إضمار القول.
وقيل: هو على حذف، أي: أن اذهب، ويدل له قراءة عبد الله: أن اذهب.
و «أن» هذه الظَّاهرة أو المقدرة، يحتملُ أن تكون تفسيرية، وأن تكون مصدرية، أي: ناداه ربُّه بكذا.
«اذهب إلى فرعون إنه طغى» أي تجاوز القدر في العصيان.
قال ابنُ الخطيب: ولم يُبيِّنُ أنَّه طغَى في أيِّ شيءٍ.
فقيل: تكبَّر على الله تعالى، وكفر به.
وقيل: تكبَّر على الخلقِ واسْتعبَدهُمْ.
روي عن الحسن قال: كان فرعون علجاً من «همدان» .
وقال مجاهد: كان من أهل «إصطخر» وعن الحسن - أيضاً - كان من أهل «أصبهان» ، يقال له: ذو ظفر، طوله أربعة أشبارٍ.
قوله: ﴿هَل لَّكَ﴾ خبر مبتدأ مضمر.
و ﴿إلى أَن تزكى﴾ متعلِّق بذلك المبتدأ، وهو حذفٌ سائغٌ، والتقدير: هل لك سبيل إلى التزكية، ومثله: هل لك في الخير، تريد: هل لك رغبة في الخير؛ قال: [الطويل] 5098 - فَهَلْ لَكمُ فِيهَا إليَّ فإنَّنِي ... بَصِيرٌ بِمَا أعْيَا النِّطاسِيَّ حِذْيَمَا
وقال أبو البقاء: لمَّا كان المعنى: أدعوك، جاء ب «إلى» .
وقال غيره: يقال: هل لك في كذا، هل لك إلى كذا كما تقول: هل ترغب فيه وهل ترغب إليه؟ .
قال الواحدي: المبتدأ محذوف في اللفظ، مراد في المعنى، والتقدير: هل لك إلى أن تزكَّى حاجة.
وقرأ نافع وابن كثير: بتشديد الزاي من «تزكَّى» والأصل تتزكى، وكذلك «تَصدَّى» في السورة تحتها، فالحرميان: أدغما، والباقون: حذفوا، نحو تنزل، وتقدَّم الخلاف في أيتهما المحذوفة.
فصل في تفسير الآية
معنى «هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزكَّى» أي: تُسْلِم فتطهرُ من الذُّنُوبِ.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هل لك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله.
و «أهْديكَ إلى ربِّك فتَخْشَى» أي: تخافُه وتتقيه.
قال ابن الخطيب: سائر الآيات تدل على أنه - تعالى - لمَّا نادى موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ذكر له أشياء كثيرة، كقوله تعالى في سورة «طه» : ﴿نُودِيَ ياموسى إني أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه: 11، 12] إلى قوله: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكبرى اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾ [طه: 23، 24] .
فدلَّ [قوله تعالى - هاهنا -: «اذْهَبْ إلى فِرعَوْنَ إنَّه طَغَى» ] أنه من جملة ما ناداه به [لا كل ما ناداه به] ، وأيضاً فليس الغرض أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان مبعوثاً إلى فرعون فقط بل إلى كل من كان في الطور، إلاَّ أنَّه خصَّه دعوته جاريةٌ مجرى دعوةِ كُلِّ القَوْمِ.
فصل في كلام المعتزلة
تمسَّك المعتزلة بهذه الآية في إبطال القول بأن الله - تعالى - يخلق فعل العبد، فإن هذا استفهام على سبيل التقرير، أي: لك سبيل إلى أن تزكَّى، ولو كان ذلك بفعل الله - تعالى - لا نقلب الكلام حجةً على موسى.
والجواب: ما تقدَّم في نظائره.
حكى القرطبيُّ عن صخرِ بنِ جويرية قال: «لمَّا بعث الله تعالى موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - إلى فرعون، قال له:» اذْهَبْ إلى فِرْعَونَ» إلى قوله: «وأهْديكَ إلى ربِّك فتَخْشَى» ، ولن يفعل، فقال: يا رب، وكيف أذهب إليه، وقد علمت أنه لا يفعل، فأوحى الله - تعالى - إليه أن امض إلى ما أمرتَ به، فإنَّ في السماء اثني عشر ألفاً ملك، يطلبون علم القدرة، فلم يبلغوه، ولم يدركوه» .
قوله تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الآية الكبرى﴾ «الفاء» في «فأراه» : معطوف على محذوف، يعني فذهب فأراه، كقوله تعالى: ﴿اضرب بِّعَصَاكَ الحجر فانفجرت﴾ [البقرة: 60] أي: فضرب فانفجرت.
واختلفوا في الآية الكبرى، أي: العلامة العظمى، وهي المعجزة.
فقيل: هي العصا.
وقيل: اليدُ البيضاءُ تبْرقُ كالشَّمْسِ، قاله مقاتل والكلبي.
والأول: قول عطاء وابن عباس؛ لأنَّه ليس في اليد إلا انقلاب لونها، وهذا كان حاصلاً في العصا؛ لأنَّها لمَّا انقلبت حيّة، فلا بد وأن يتغيَّر اللون الأول، فإذن كل ما في اليد، فهو حاصل في العصا، وأمور أخر، وهي الحياة في الجرم الجمادي، وتزايد الأجر إليه، وحصول القدرةِ الكبيرة والقُوَّة الشديدة، وابتلاعها أشياء كثيرة، وزوال الحياة، والقدرة عليها، وبقاء تلك الأجزاء التي عظمت، وزوال ذلك اللون والشكل اللذين صارت العصا بهما حيَّة، وكلُّ واحدٍ من هذه الوجوه كان معجزاً مستقلاً في نفسه، فعلمنا أن الآية الكبرى هي العصا.
وقال مجاهد: هي مجموع العصا واليد.
وقيل: فلق البحر، وقيل: جميع آياته ومعجزاته.
﴿فَكَذَّبَ﴾ أي: كذَّب بِنَبِيِّ الله موسى و «عصى» ربَّه تبارك وتعالى.
فإن قيل: كل من كذَّب الله فقد عصى، فما فائدة قوله: «فكذب وعصى» ؟ .
فالجواب: كذَّب بالقول، وعصى بالتمرد والتجبر.
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يسعى﴾ أي: يعملُ بالفساد في الأرض.
وقيل: يعمل في نكاية موسى.
وقيل: «أدْبَرَ يَسْعَى» هارباً من الحيَّة.
قال ابن الخطيب: معنى «أدْبَرَ يَسْعَى» أي: أقبل يسعى، كما يقالُ: أقبل يفعل كذا، يعني: إن شاء يفعل، فموضع «أدبر» موضع «أقبل» لئلاَّ يوصف بالإقبَالِ.
قوله: ﴿فَحَشَرَ فنادى﴾ لم يذكر مفعولاهما، إذ المراد: فعل ذلك، أو يكون التقدير: فحشر قومه فناداهم.
وقوله: «فَقَالَ» تفسير للنِّداء.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي: فنادى فحشر؛ لأنَّ النداء قبل الحشر، ومعنى «حشر» ، أي: جمع السَّحرة، وجمع أصحابه ليَمْنَعُوهُ من الحيَّة.
وقيل: جمع جنوده للقتال، والمحاسبة، و «السَّحَرةُ» : المعارضة.
وقيل: حَشَرَ النَّاس للُضُور «فنادى» أي: قال لهم بصوتٍ عالٍ.
﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ أي: لا ربَّ فوقِي.
وقيل: أمر منادياً ينادي فنادى في النَّاس بذلك.
وقيل: قام فيهم خطيباً فقال ذلك.
وعن ابن عباس، ومجاهدٍ، والسديِّ، وسعيد بن جبير، ومقاتلٍ: كلمته الأولى ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ [القصص: 38] والأخرى: ﴿أنَا ربُّكمُ الأعْلَى﴾ .
قال ابنُ عباس: كان بين الكلمتين أربعون سنة، والمعنى: أمهله في الأولى، ثم أخذه في الآخرة فعذبه بكلمتيه.
قال ابن الخطيب: واعلم أنَّا بينَّا في سورة «طه» أنه لا يجوز أن يعتقد الإنسانُ في نفسه كونه خالقاً للسماوات والأرض والجبال والنبات والحيوان، فإنَّ العلمَ بفسادِ ذلك ضروريٌّ، فمن تشكك فيه كان مجنوناً، ولو كان مجنوناً لما جاز من الله بعثة الرسل إليه، بل الرَّجل كان دهرياً منكراً للصَّانع والحشر والنشر، وكان يقول: ليس لأحدٍ أمرٌ ولا نهيٌ إلاَّ لي «فأنَا ربُّكم» ، بمعنى مربيكم والمُحسنُ إليكم، وليس للعالم إله حتى يكون له عليكم أمرٌ، أو نهيٌ، أو يبعث إليكم رسولاً.
قال القاضي: وقد كان الأليق به بعد ظهور خزيه عند انقلاب العصا حية ألا يقول هذا القول؛ لأن عند ظهور الدلالة والمعجزة، كيف يليق أن يقول: «أنَا ربُّكم الأعْلَى» فدلت هذه الآية أنَّه في ذلك الوقت صار كالمعتوه الذي لا يدري ما يقول.
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخرة والأولى﴾ يجوز أن يكون مصدر الأخذِ، والتجوز إما في الفعل، أي: نكل بالأخذِ نكال الآخرة، وإما في المصدر، أي: أخذه أخذ نكالٍ، ويجوز أن يكون مفعولاً له، أي: لأجلِ نكالهِ، ويضعف جعله حالاً لتعريفه، وتأويله كتأويل جهدك وطافتك، غير مقيس.
ويجوز أن يكون مصدراً مؤكِّداً لمضمون الجملة المتقدِّمة، أي: نكل الله [به] نكال الآخرة. قاله الزَّمخشريُّ، وجعله كوعد الله، وصبغة الله.
وقال القرطبيُّ: وقيل: نُصِبَ بنَزْعِ حرف الصِّفة، أي: فأخذه الله بنكال الآخرة، فلمَّا نُزعَ الخافضُ نُصِبَ.
والنكال: اسم لما جعل نكالاً للغير، أي: عقوبة له حتى يعتبر، يقال: نَكَل فلانٌ بفلانِ، إذا ألحقهُ عُقوبة، والكلمة من الامتناع، ومنه النُّكُول عن اليمين، والنكل: القيد وقد مضى في سورة «المزمل» ، والنكال: بمنزلة التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم.
والآخرة والأولى: إمَّا الدَّاران وإمَّا الكلمتان والاخرة قوله: «أنَا ربُّكمُ الأعْلَى» ، والأولى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ [القصص: 38] كما تقدم فحذف الموصول للعلم به.
فصل في تفسير الآخرة والأولى
قيل: الآخرة والأولى: هما الكلمتان كما تقدَّم.
وقال الحسنُ وقتادةُ: «نكال الآخرة والأولى» : هو أن أغرقهُ في الدَّنيَا وعذّبه في الآخرة.
وروي عن قتادة - أيضاً -: الآخرةُ قوله: ﴿أنَا ربُّكمُ الأعْلَى﴾ والأولى تكذيبه بموسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
قال القفال: وهذا كأنَّه هو الأظهرُ؛ لأنَّه - تعالى - قال: ﴿فَأَرَاهُ الآية الكبرى فَكَذَّبَ وعصى ثُمَّ أَدْبَرَ يسعى فَحَشَرَ فنادى فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ فذكر القصتين، ثم قال: ﴿فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخرة والأولى﴾ .
فظهر أنَّ المراد: أنَّه عاقبه على هذين الأمرين.
ثمَّ إنَّه - تعالى - ختم هذه القصة بقوله:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يخشى﴾ ، إنَّ فيما قصصنا عليك اعتباراً وعظةً لمن يخاف.
79:27–33Page 584
ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا ٢٧
Are you a more difficult creation or is the heaven? He [i.e., Allāh] constructed it.
رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا ٢٨
He raised its ceiling and proportioned it.
وَأَغۡطَشَ لَيۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا ٢٩
And He darkened its night and extracted its brightness.1
وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ ٣٠
And after that He spread the earth.
أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا ٣١
He extracted from it its water and its pasture,
وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا ٣٢
And the mountains He set firmly
مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٣
As enjoyment [i.e., provision] for you and your grazing livestock.
قوله: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً﴾ ، يريد: أهل «مكّة» ، أي: أخلقكم بعد الموت أشدُّ في تقديركم أم السماءُ؟ .
فمن قدر على خلقِ السَّماء على عظمها، وعظم أحوالها، قدر على الإعادة، وهذا كقوله: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ [غافر: 57] .
والمقصود من الآية الاستدلال على منكري البعث، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ [يس: 81] .
ومعنى الكلام: التقريع والتوبيخ.
ثم وصف تعالى السماء، فقال: «أم السَّماءَ بَناهَا» عطف على «أنتم» ، وقوله «» بَنَاهَا «بيان لكيفية خلقه إياها، فالوقف على» السَّماءِ» ، والابتداء بما بعدها، ونظيره قوله - تعالى - في «الزخرف» : ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: 58] .
وقوله: «رَفَعَ سَمْكهَا» جملة مفسرة لكيفية البناء، «والسَّمْك» : «الارتفاع» .
قال الزمخشريُّ: «جعل مقدار ذهابها في سمتِ العلوِّ مديداً رفيعاً» .
وسكمتُ الشيء: رفعته في الهواء، وسمك هو، أي: ارتفع سُمُوكاً، فهو قاصرٌ ومتعدٍّ، وبناء مسموك، وسنامٌ سَامِكٌ تَامِكٌ، أي: عالٍ مرتفعٌ، وسماك البيت ما سمكته به، والمسموكاتُ: السماوات ويقال: اسمك في الدّيم، أي: اصعد في الدرجة، والسماك: نجم معروف، وهما اثنان، رامح وأعزل؛ قال الشاعر: [الكامل]
5099 - إنَّ الذي سَمكَ السَّماءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتاً دَعَائِمُهُ اعَزُّ وأطْوَلُ وقال البغويُّ: «رفَعَ سمْكهَا» أي: سقفها.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال الكسائيُّ والفراء والزجاج: هذا الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء بَنَاهَا﴾ ، قال: لأنَّه من أصله السماء، والتقدير: «أم السماء التي بناها» فحذف «التي» ، ومثل هذا الحذف جائز.
قال القفالُ: يقال: الرجل جاءك عاقل، أي: الرجل الذي جاءك عاقل، وإذا ثبت جواز ذلك في اللغة، فنقول: الدَّليل على أن قوله تعالى: «بَنَاهَا» صلةٌ لما قبله، أنَّه لو لم يكن صلة لكان صفة فقوله: «بَنَاهَا» صفة، ثم قوله: «رَفَعَ سَمْكهَا» صفة، فقد توالت صفتان، لا تعلُّق لإحداهما بالأخرى، فكان يجب إدخال العاطف بينهما، كما في قوله: «وأغطَشَ ليْلهَا» ، ولمَّا لم يكن كذلك، علمنا أنَّ قوله: «بَناهَا» صلةٌ للسَّماءِ، فكان التقدير: أم السَّماء التي بناهَا» ، وهذا يقتضي وجود سماءٍ ما بَنَاهَا اللهُ، وذلك باطل.
وقوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي: خَلقهَا خَلْقاً مستوياً، لا تفاوت فيه، ولا فطور، ولا شقوق.
فصل فيمن استدل بالآية على أن السماء كرة
قال ابن الخطيب: واستدلُّوا بهذه الآية على كونِ السَّماء كُرةً، قالوا: لأنه لو لم تكن كرةً لكان بعضُ جوانبها سطحاً، والبعض زاويةً والبعضُ خطًّا، ولكان بعض أجزائه اقرب إلينا، والبعض الآخر أبعد، فلا تحصل التَّسويةُ الحقيقية، ثُمَّ قالوا: لما ثبت أنَّها محدثةٌ مُفتقِرةٌ إلى فاعل مختار، فأيُّ ضررٍ في الدِّين يُنافِي كونها كرة.
قوله تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ﴾ . أي: أظلم بلغة أنمار، يقال: غطشَ الليلُ، وأغطشته أنا؛ قال: [المتقارب]
5100 - عَقرْتُ لَهُمْ نَاقَتِي مَوهِناً ... فَليْلهُم مُدلَهِمٌّ غَطِشْ
وليل أغطش، وليلة غطشاء.
قال الراغب: وأصله من الأغطش، وهو الذي في عينه شبه عمش، ومنه فلاة غَطْشَى لا يهتدى فيها، والتَّغَاطشُ: التَّعامِي انتهى.
ويقال: أغْطشَ اللَّيْلُ قاصراً ك «أظلم» ، ف «أفْعَلَ» فيه متعدٍّ ولازمٍ، فالغَطَشُ والغَتَشُ: الظُّلمة، ورجل أغطش، أي: أعْمَى، أو شبيهٌ به، وقد غطش، والمرأة: غطشاءُ، وفلاة غَطْشَى لا يهتدى لها؛ قال الأعشى: [المتقارب]
5101 - وبَهْمَاءَ بالليْلِ غَطْشَى الفَلاَ ... ةِ يُؤنِسُنِي صَوْتُ قَيَّادِهَا
ومعنى قوله: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ أي: جعلهُ مُظلماً، وأضاف اللَّيل إلى السَّماء؛ لأنَّ الليل يكون بغروب الشمس، والشمس تضاف إلى السماء، ويقال: نجُومُ اللَّيْلِ؛ لأنَّ ظهورها بالليل.
قوله: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ ، فيه حذف، أي: ضحى شمسها، وأضاف الليل والضحى لها للملابسة التي بينها وبينهما، وإنَّما عبَّر عن النَّهارِ بالضحى؛ لأنَّ الضُّحى أكمل النَّهار بالنَّور والضَّوءِ.
قوله تعالى: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ أي: بسطها، و «بَعْدَ» على بابها من التأخير، ولا معارضة بينها وبين آية فُصلت؛ لأنَّه - تعالى - خلق الأرض غير مدحوة، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض.
وقول أبي عبيدة: إنَّها بمعنى: «قَبْلَ» منكرٌ عند العلماء.
والعرب تقول: دحوتُ الشيء ادحوهُ دحْواً: إذا بسطه، ودحَى يَدحِي دَحْياً: إذا بسطه، فهو من ذوات الواو والياء، فيكتب بالألف، والياء.
وقيل لعشّ النَّعامة: أدحو، وأدحى لانبساطه في الأرض.
وقال أمية بن أبي الصلت: [الوافر]
5102 - وبَثَّ الخَلْقَ فِيهَا إذْ دَحاهَا ... فَهُمْ قُطَّانُهَا حتَّى التَّنَادِي
وقيل: دَحَى بمعنى سوَّى.
قال زيدُ بنُ عمرو بن نفيلٍ: [المتقارب]
5103 - وأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَنْ أسْلمَتْ ... لَهُ الأرْضُ تَحْمِلُ صَخْراً ثِقَالاً
دَحَاهَا فلمَّا اسْتَوَتْ شَدَّهَا بأيدٍ وأرْسَى عَلَيْهَا الجِبَالا
والعامة: على نصب الأرض، والجبال على إضمار فعلٍ مفسَّر بما بعده، وهو المختار لتقدُّم جملة فعلية.
ورفعهما الحسن، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة وأبو السمال وعمرو بن عبيد، برفعهما علىلابتداء، وعيسى برفع «الأرض» فقط.
فصل
روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: خلق الله تعالى الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان، وكان قبل أن يخلق الدُّنيا بألفي عام، ثم دُحيتِ الأرض من تحت البيت.
وحكى القرطبي عن بعض أهل العلم أنَّ «بَعْدَ» هنا في موضع: «مع» ، كأنَّه قال: والأرض مع ذلك دحاها، كقوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: 13] ، ومنه قولهم: «أنت أحمق، وأنت بعد هذا سيِّئُ الخلقِ» ؛ وقال الشاعر: [الطويل]
5104 - فَقُلت لَهَا: عَنِّي إليْك فإنَّنِي ... حَرامٌ وإنِّي بَعْدَ ذَاكَ لَبِيبُ
أي: مع ذلك.
وقيل: «بعد» بمعنى: «قبل» كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر﴾ [الأنبياء: 105] أي: من قبلِ الفرقان؛ قال أبو كثير: [الطويل]
5105 - حَمدْتُ إلَهِي بَعْدَ عُرْوةَ إذْ نَجَا ... خِراشٌ وبَعْضُ الشَّرِّ أهونُ مِنَ بعضِ
وزعموا أن خِراشاً نجا قبل عروة.
وقيل: «دَحاهَا» حرثها وشقَّها، قاله ابن زيد.
وقيل: «دَحاهَا» مهَّدها للأقوات، والمعنى متقارب.
قوله: ﴿أَخْرَجَ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون تفسيراً.
والثاني: أن يكون حالاً.
قال الزمخشري: فإن قلت هلاَّ أدخل حرف العطف على «أخرج» ؟ قلت: فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون «دَحَاهَا» بمعنى: بسطها، ومهَّدها للسُّكْنَى، ثم فسَّر التَّمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها من تسوية أمر المأكلِ والمشربِ وإمكان القرار عليها.
والثاني: أن يكون «أخْرَج» حالاً، بإضمار «قد» ، كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: 90] .
واعلم أنَّ إضمار «قد» هو قول الجمهور، وخالف الكوفيون والأخفش.
قوله: ﴿مِنْهَا مَآءَهَا﴾ ، أي: من الأرض عيونها المتفجِّرة بالماء.
و «مَرْعَاهَا» أي: النبات الذي يرعى، والمراد بمرعاها، ما يأكل النَّاسُ والأنعامُ، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً﴾ [عبس: 25، 26] ، إلى قوله تعالى: ﴿مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 32] ، واستعير الرَّعي للإنسان، كما استعير الرَّتعُ في قوله: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: 12] وقد قُرئ «نرتع» ويرتع من الرَّعي، والرعي في الأصل مكان أو زمان، أو مصدر، وهو هنا مصدر بمعنى: «المفعول» ، وهو في حق الآدميين استعارة.
قال ابن قتيبة: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30] ، فانظر كيف دلَّ بقوله: «مَاءهَا ومَرْعاهَا» على جميع ما أخرجه من الأرض قوتاً، ومنها متاعاً للأنام من العشب، والشجر، والثمر، والحب والقضب، واللباس، والدواء، حتى النار والملح.
أمَّا النار؛ فلأنها من العيدانِ، قال جلا وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النار التي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ المنشئون﴾ [الواقعة: 71، 72] .
وأمَّا الملحُ؛ فلأنَّه من الماءِ.
قوله تعالى: ﴿والجبال أَرْسَاهَا﴾ .
قراءة العامة: بنصب «الجبال» .
وأرْسَى: ثبَّت فيها الجبال.
وقرأ الحسنُ، وعمرو بنُ عبيدٍ، وعمرو بنُ ميمونٍ، ونصرُ بنُ عاصمٍ: بالرَّفعِ على الابتداءِ.
قوله تعالى: ﴿مَتَاعاً لَّكُمْ﴾ .
العامَّة: على النصب مفعولاً له، أو مصدراً لعاملٍ مقدرٍ، اي: متَّعكُمْ، أو مصدراً من غير اللفظ؛ لأن المعنى: أخرج منها ماءها ومرعاها أمتع بذلك.
وقيل: نُصِبَ بإسقاط حرف الصفة، تقديره: لتتمتعوا به متاعاً، والمعنى منفعة لكم ولأنعامكم.
79:34–41Page 584
فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٣٤
But when there comes the greatest Overwhelming Calamity1 -
يَوۡمَ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا سَعَىٰ ٣٥
The Day when man will remember that for which he strove,
وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ٣٦
And Hellfire will be exposed for [all] those who see -
فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ٣٧
So as for he who transgressed
وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٣٨
And preferred the life of the world,
فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٣٩
Then indeed, Hellfire will be [his] refuge.
وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠
But as for he who feared the position of his Lord1 and prevented the soul from [unlawful] inclination,
فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٤١
Then indeed, Paradise will be [his] refuge.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الطآمة الكبرى﴾ في جواب «إذا» أوجه:
أحدها: قوله: ﴿فَأَمَّا مَن طغى﴾ ، نحو: «إذا جاءك بنو تميمٍ، فأما العاصي فأهنه، وأمَّا الطائع فأكرمه» .
وقيل: محذوف.
فقدَّرهُ الزمخشريُّ: فإن الأمر كذلك، أي: فإنَّ الجحيمَ مأواهُ.
وقدَّره غيرهُ: انقسم الرَّاءون قسمين.
وقيل: عاينُوا أو علموا.
وقيل: جوابها أدخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة.
وقال أبو البقاء: العامل فيها جوابها، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنسان﴾ .
والطَّامةُ الكبرى: الدَّاهيَة العُظمَى التي تطمّ على غيرها من الدَّواهي لعظمها، و «الطَّمُّ» : «الدفن» ، ومنه: طمَّ السَّيلُ الرَّكية، وفي المثل: جَرَى الوادِي فطمَّ على القُرَى.
وقيل: مأخوذٌ من قولهم: طمَّ الفرس طميماً، إذا استفرغ جهده في الجري، والمراد بها في القرآن: النَّفخة الثانية؛ لأن بها يحصل ذلك.
قال ابن عباس: هي النَّفخةُ الثانية التي يكون معها البعث.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أيضاً، والضحاك: أنَّها القيامة، سميت بذلك؛ لأنَّها تطمُّ على كل شيء فتغمره.
وقال القاسمُ بنُ الوليد الهمداني: الطامةُ الكبرى حين يساق أهل الجنَّة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار.
قوله: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾ بدل من «إذا» ، أو: منصوباًَ بإضمار فعلٍ، أي: أعني: يوم أو يوم يتذكر كيت وكيت.
قوله: ﴿مَا سعى﴾ أي: ما عمل من خير أو شر يراه مكتوباً في كتابه فيتذكرهُ، وكان قد نسيه، لقوله تعالى: ﴿أَحْصَاهُ الله وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: 6] .
قوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الجحيم﴾ العامة على بنائه للمفعول مشدداً، و ﴿لِمَن يرى﴾ بياء الغيبة.
وزيدُ بن علي وعائشة وعكرمة: مبنيًّا للفاعل مخففاً، و «ترى» بتاء من فوق، فجوزوا في تاء «ترى» أن تكون للتأنيث، وفي «ترى» ضمير الجحيم، كقوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان: 12] ، وأن تكون للخطاب، أي: ترى أنت يا محمد، والمراد: ترى الناس. وقرأ عبد الله: «لمن رأى» فعلاً ماضياً.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «بُرِّزَتْ» كشفت عنها تتلظّى، فيراه كل ذي بصرٍ، فالمؤمنون يمرُّون عليها، ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] ، وأمَّا الكفار فهي مأواهُم.
وقيل: الرؤية هنا: استعارة، كقولهم: قد تبين الصبح لذي عينين.
وقيل: المراد: الكافر؛ لأنه الذي يرى النار بما فيها من أصناف العذاب.
وقيل: يراها المؤمن ليعرف قدر النَّعمةِ.
قوله: ﴿فَأَمَّا مَن طغى﴾ أي: تجاوز الحدَّ في العصيان.
قيل: نزلت في النَّضْرِ وأبيه الحارث، وهي عامة في كل كافرٍ آثر الحياة الدنيا على الآخرة.
قوله: ﴿فَإِنَّ الجحيم هِيَ المأوى﴾ إمَّا هي المأوى له، أو هي مأواه، وقامت «أل» مقام الضمير، وهو رأي الكوفيين وقد تقدم تحقيق هذا والرد على قائله، خلافاً للبصريين؛ قال الشاعر: [الطويل]
5106 - رَحيبٌ قِطَابُ الجَيْبِ مِنْهَا رَقِيقَةٌ ... بِجَسِّ النَّدامَى بَضَّةُ المُتَجَرَّدِ
إذ لو كانت «أل» عوضاً من الضمير لما جمع بينهما في هذا البيت، ولا بُدَّ من أحد هذين التأويلين في الآية الكريمة لأجل العائد من الجملة الواقعة خبراً للمبتدأ، والذي حسَّن عدم ذكر العائد كون الكلمة وقعت رأس فاصلة.
وقال الزمخشري «فإن الجحيم مأواهُ، كما تقول للرجل: غُضَّ الطَّرف، تريد طرفك، وليس الألف و» اللام» بدلاً من الإضافة، ولكن لما علم أنَّ الطَّاغي هو صاحب المأوى، وأنَّه لا يغُضُّ طرف غيره تركت الإضافة، ودخول الألف واللام في «المأوى» والطرف، للتعريف؛ لأنهما معروفان» .
قال أبو حيان: «وهو كلام لا يتحصَّل منه الرابط العائد على المبتدأ، إذ قد نفى مذهب الكوفيين، ولم يقدّر ضميراً محذوفاً ضميراً كما قدَّره البصريون، فرام حصول الرابط بلا رابط» .
قال شهابُ الدِّين: «ولكن لما علم إلى آخره، هو عين قول البصريين، ولا أدري كيف خفي عليه هذا» .
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ اي: حَذِرَ مقامه بين يدي ربه.
وقال الربيعُ: مقامه يوم الحساب.
وقال مجاهدٌ: خوفه في الدنيا من الله عند مواقعه الذَّنب فقلع عنه، نظيره: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] .
﴿ونَهَى النَّفْس عن الهَوى﴾ أي: زجرها عن المعاصي والمحارم.
قال ابن الخطيب: هذان الوصفان مضادَّان للوصفين المتقدمين، فقوله تعالى: ﴿مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ ضدُّ قوله: «فأمَّا من طغى» ، «ونَهَى النفس» ضدُّ قوله: «وآثر الحياةَ الدُّنيا» فكما دخل في ذينك الوصفين جميع القبائح دخل في هذين الهوى، وسيأتي زمان يقوى الهوى الحقَّ، فنعوذُ بالله من ذلك الزمنِ.
قوله: ﴿فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى﴾ أي: المنزل، نزلت لآيتان في مصعبِ بن عميرٍ، وأخيه عامرِ بنِ عميرٍ.
روى الضحاك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أمَّا من طغى فهو أخٌ لمصعب بن عمير، أسر يوم بدر، فأخذته الأنصار، فقالوا: من أنت. قال: أنا أخو مصعب بن عمير فلم يشدوه في الوثاق، وأكرموه، وبيتوه عندهم، فلمَّا أصبحُوا حدَّثوا مصعب بن عمير حديثه، فقال: ما هو لي بأخ، شدُّوا أسيركم، فإنَّ أمَّه أكثر أهل البطحاءِ حلياً ومالاً، فأوثقوه حتى بعثت أمه في فدائه.
«» وأمَّا من خَاف مَقامَ ربِّهِ «فمصعب بن عمير، وَقَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بنفسه يوم» أحُدٍ «حين تفرَّق الناس عنه، حتى نفذت المشاقص في جوفه، وهي السِّهام، فلما رأه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مشطحاً في دمهِ، قال:» عِندَ اللهِ أحْتسبهُ» . وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأصحابه: «لَقِدْ رأيْتهُ وعَليْهِ بُرْدَانِ ما تُعرفُ قيمتُهما وإنَّ شِراكَ نَعْليهِ مِنْ ذَهَبٍ» » .
وعن ابن عباس: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - «نزلت هذه الآية في رجلين: أبو جهل بن هشام، ومصعب بن عمير» .
وقال السديُّ: نزل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ في أبي بكرٍ الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
وقال الكلبيُّ: هما عامَّتان.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences