Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:19–29
8:19Page 179
إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدۡ وَلَن تُغۡنِيَ عَنكُمۡ فِئَتُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَوۡ كَثُرَتۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٩
If you [disbelievers] seek the decision [i.e., victory] - the decision [i.e., defeat] has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allāh is with the believers.
قوله: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾ قال الحسنُ، ومجاهد، والسُّدِّي: إنه خطابٌ للكافرين، وذلك أنَّ أبا جهل قال يوم بدر: اللَّهم، انصر أفضل الفريقين وأحقَّه بالنَّصْر.
وروي أنه قال: اللَّهم، أينا كان أقطع للرَّحمِ وأفجر؛ فأهلكه الغداة.
وقال السدي: «لمَّا أراد المشركون الخروج إلى بدر تعلَّقُوا بأستار الكعبة وقالوا: اللَّهُمَّ انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين، فأنزل الله تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾ أي: تستنصروا لإحدى القبيلين، فقد جاءكم النصر» .
وقال آخرون: المعنى: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.
قال عبد الرحمن بن عوف: إني لَفِي الصَّف يوم بدر، فالتفت، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السِّنِّ وكأني لم آمن لمكانهما، فتمنيت أن أن أكون بين أضلع منهما، إذ قال لي أحدهما سرّاً من صاحبه، أي عم أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي ما تصنعُ به؟ .
قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله، أو أموت دونه، وقال لي الآخر سرّاً من صاحبه مثله، فما سَرَّني أنني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما عيله، فشدَّا عليه مثل الصقرين حتَّى ضرباهُ، وهما ابنا عفراء.
وقال عكرمةُ: قال المشركون: والله ما نعرف ما جاء به فافتح بيننا وبينه بالحق، فأنزل الله تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ﴾ الآية، أي: إن تسْتَفتِحُوا فقد جاءكم القضاء.
وقال أبيّ بن كعب: هذا خطاب لأصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال الله للمسلمين: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُواْ﴾ أي تستنصروا فقد جاءكم الفتح والنصر. روى قيس عن خباب قال: «شكونا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو متوسّد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا له: ألا تدعو الله لنا، ألا تستنصر لنا، فجلس مُحْمرّ الوجه، فقال لنا:» لقَد كانَ مَنْ قَبْلكُم يُؤخَذُ الرجُ فيُحْفَر لهُ في الأرضِ ثُمَّ يُجاءُ بالمنشَارِ فيجعلُ فوق رأسِهِ ثُمَّ يُجعَلُ نِصفيْنِ ما يَصْرفهُ عنْ دينهِ، ويُمَشَّطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ ما يصرفهُ عن دينهِ، والله ليُتمَّنَّ الله هذا الأمر حتَّى يسير الرَّاكبُ مِنْكُم من صنعاء إلى حضْرموت لا يخافُ إلا اللَّه، ولكنَّكُم تَسْتَعْجِلُونَ «
قال القاضي: وهذا القول أوْلَى؛ لأن قوله ﴿فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾ لا يليق إلا بالمؤمنين اللهم إلاَّ أن يحمل الفتحُ على الحكم والقضاء، فيمكن أن يراد به الكفار.
قوله: ﴿وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ .
فإن قلنا: إن ذلك الخطاب للكفار، كان المعنى وإن تنتهوا عن قتال الرَّسول وعداوته؛ فهو خير لكم في الدّين بالخلاص من العقاب، وفي الدّنيا بالخلاص من القتل والأسر والنَّهْبِ.
» وإن تَعُودُوا «إلى القتال:» نَعُدْ» أي: إلى تسليطه عليكم: ﴿وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ﴾ كثرة الجموع كما لم يغن ذلك يوم بدر.
وإن قلنا ذلك خطاب للمؤمنين كان المعنى: إن تنتهوا عن المنازعة في أمر الأنفال وتنتهوا عن طلب الفداء على الأسْرَى، فقد كان وقع بينهم نزاع يوم بدر في هذه الأشياء حتى عاتبهم اللَّهُ بقوله: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] .
فقال تعالى: ﴿وَإِن تَنتَهُواْ﴾ عن مثله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ﴾ أنتم إلى تلك المنازعات «نَعُدْ» إلى ترك نصرتكم؛ لأن الوعد بنصركم مشروط بشرط استمراركم على الطَّاعة، وترك المخالطة ثمَّ لا تنفعكم الفئة والكثرة، فإنَّ الله لا يكون إلاَّ مع المؤمنين الذين لا يرتكبون الذنوب.
قوله: «ولَن تُغْنِيَ» قرأ الجمهورُ بالتَّاءِ من فوق، لتأنيث الفئة.
وقرىء «ولن يُغْنِيَ» بالياء من تحت لأن تأنيثه مجازي، وللفصل أيضاً: «ولو كَثُرَتْ» هذه الجملة الامتناعية حالية، وقد تقدَّم تحقيق ذلك.
قوله: ﴿وَلَن تُغْنِيَ﴾ قرأ نافعٌ، ابن عامر، وحفصٌ عن عاصم، بالفتح. والباقون: بالكسر، فالفتحُ من أوجه:
أحدها: أنه على لام العلَّة تقديره: ولأنَّ الله مع المؤمنين كان كيت وكيت.
والثَّاني: أن التقدير: ولأنَّ اللَّهَ مع المؤمنين امتنع عنادهم.
والثالث: إنه خبرُ مبتدأ محذوف أي: والأمر أنَّ الله مع المؤمنين، وهذا الوجهُ الأخيرُ يقربُ في المعنى من قراءة الكسر لأنه استئناف.
8:20–23Page 179
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ ٢٠
O you who have believed, obey Allāh and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٢١
And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.
۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ٢٢
Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are the deaf and dumb who do not use reason [i.e., the disbelievers].
وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣
Had Allāh known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.
قوله تعالى: ﴿اأيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ الآية.
لمَّا خاطب المؤمنين بقوله: ﴿وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: 19] أتبعه بتأديبهم فقال: ﴿أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ولم يبين ماذا يسمعون إلاَّ أنَّ الكلام من أول السورة إلى ههنا لما كان واقعاً في الجهاد علم أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد.
قوله ﴿وَلاَ تَوَلَّوْا﴾ الأصلُ: تتولُّوا فحذف إحدى التَّاءين، وقد تقدَّم الخلافُ في أيتهما المحذوفة.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ جملةٌ حالية، والضميرُ في «عَنْهُ» يعود على الرَّسول؛ لأنَّ طاعته من طاعة الله.
وقيل: يعودُ على الله، وهذا كقوله تعالى: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: 62] وقيل: يعودُ على الأمر بالطَّاعةِ.
قوله ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: لا تكونوا كالذين يقولون بألسنتهم إنَّا قبلنا تكاليف الله تعالى: ثمَّ إنَّهم بقلوبهم لا يقبلونها، وهذه صفة المنافقين.
قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الصم البكم الذين لاَ يَعْقِلُونَ﴾ .
قيل: شبَّههم بالدَّواب لجهلهم، وعدولهم عن الانتفاعِ بما يسمعونه وبما يقولونه، ولذلك وصفهم بالصُّمِّ والبكم، وبأنهم لا يعقلون.
وقيل: سمَّاهم دواباً لقلة انتفاعهم بعقولهم كما قال: ﴿أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: 179] .
قال ابن عبَّاسٍ: هم نفرٌ من عبد الدار بن قصي كانوا يقولون نحن صمٌّ بكم عمي عمَّا جاء به محمَّد؛ فقتلوا جميعاً بأحدٍ وكانوا أصحاب اللِّواء، ولم يسلم منهم إلاَّ رجلان: مصعب بن عمير، وسويد بن حرملة.
وقيل: بل هم من الدَّواب؛ لأنه اسم لما يدبّ على الأرض ولم يذكره في معرض التَّشبيه، بل وصفهم بصفة تليقُ بهم على طريق الذَّمِّ، كما يقال لمن لا يفهم الكلام: هو شبحٌ وجسد وطلل على طريق الذمّ.
وإنمَّا جُمع على جهة الذَّم وهو خبر «شَرّ» لأنه يُراد به الكثرةُ، فجمع الخبر على المعنى. ولو كان الأصم لكان الإفرادُ على اللَّفظ، والمعنى على الجمع.
قوله: ﴿الذين لاَ يَعْقِلُونَ﴾ يجوز رفعه أو نصبه على القطع.
قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾ سماع الفهم والقبول، ولو أسمعهم بعد أن علم أنه لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك، ولتولَّوا وهم معرضون لعنادهم وجحدوهم الحقَّ بعد ظهوره.
وقيل: إنهم كانوا يقولون للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أحي لنا قُصَيّاً فإنَّه كان شيخاً مباركاً حتى نشهد لك بالنُّبوَّة من ربك فقال اللَّه - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ كلام قصيٍّ: ﴿لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ .
فصل
اعلم أنَّهُ تعالى حكم عليهم بالتَّولي عن الدلائل، وبالإعراض عن الحق، وأنَّهُم لا يعقلونه البتَّة ولا ينتفعون به ألبتَّة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون صدور الإيمان منهم مُحَالاً؛ لأنَّهُ لو صدر منهم الإيمان، لكان إمّضا أن يوجد إيمانهم مع بقاء هذا الخبر صدقاً، أو مع انقلابه كذباً، والأول محالٌ؛ لأنَّ وجود الإيمان مع الغخبار عن عدم الإيمان يكون جميعاً بين النَّقيضيْنِ وهو محالٌ، والثاني محالٌ؛ لأن انقلاب خبر اللَّهِ الصدق كذباً محالٌ، لا سيَّمَا في الزَّمانِ المنقضي وهكذا القول في انقلاب علم اللَّه جهلاً، كما تقدَّم تقريره.
فصل
قال النُّحاة: كلمة «لو» وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره.
فإذا قلت: لو جئتني لأكرمتك، أفاد أنَّه ما حصل المجيءُ، وما حصل الإكرامُ، ومن الفقهاء مَنْ قال: إنَّه يفيد الاستلزام، فأمَّا الانتفاء لأجل انتفاء الغير، فلا يفيده هذا اللَّفْظُ، ويدل عليه الآية والخبر.
أمَّا الآية فهذه وتقريره: أنَّ كلمة «لَوْ» لو أفادت ما ذكروه لكان قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾ يقتضي أنَّهُ تعالى ما علم خيراً وما أسمعهم، ثمَّ قال ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ فيكون معناه: أنه ما أسمعهم، وأنهم ما تولَّوا لكن عدم التولي خير من الخيرات، فأوَّل الكلام يقتضي نفي الخير، وآخره يقتضي حصول الخير، وذلك متناقض.
فثبت القولُ: بأنَّهُ لو كانت كلمة: «لَوْ» تفيد انتفاء الشَّيء لانتفاء غيره لوجب هذا التناقص؛ فوجب أن لا يُصار إليه.
وأمَّا الخبر فقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «نِعْم الرَّجُلُ صُهَيْبٌ لو لمْ يَخَفِ اللَّه لَمْ يَعْصِهِ» فلو كانت لفظه «لَوْ» تفيدُ ما ذكروه لصار المعنى أنَّهُ خاف الله وعصاه، وذلك متناقض.
8:24–26Page 179
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤
O you who have believed, respond to Allāh and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allāh intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.
وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٥
And fear a trial1 which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allāh is severe in penalty.
وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦
And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.
فثبت أنَّ كلمة «لَوْ» لا فتيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، وإنَّما تفيدُ مجرد الاستلزام، وهذا دليل حسن إلاَّ أنَّهُ خلاف قول الجمهور.
قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية.
قال أبو عبيدة، والزجاج: «استَجِيبُوا» معناه: أجيبوا؛ وأنشدوا قول الغنوي: [الطويل]
2690 - ... ... ... ... ... ... . ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ الأمر يفيدُ الوجوب؛ لأنها تدل على أنه لا بُدَّ من الإجابة في كل ما دعاه الله إليه.
فإن قيل: قوله ﴿استجيبوا للَّهِ﴾ أمرٌ. فلم قلتم: إنَّه على الوجوب؟ وهل النّزاع إلا فيه، فيرجع حاصل هذا الكلام إلى إثباتِ أنَّ الأمر للوجوب بناء على أنَّ هذا الأمر يفيدُ الوجوب فيقتضي إثبات الشيء بنفسه، وهو مُحال.
فالجواب: أنَّ من المعلوم بالضَّرورة أنَّ كل ما أمر اللَّهُ به فهو مرغب فيه مندوب إليه، فلو حملنا قوله «اسْتَجِيبوا» على هذا المعنى كان ذلك جارياً مجرى إيضاح الواضحات وهو عبثٌ، فوجب حمله على فائدة زائدة، وهي الوجوب صوتاً لهذا النصّ عن التعطيل.
ويؤيده ما روى أبو هريرة «أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مَرَّ على باب أبي بن كعب فناداه وهو في الصَّلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال:» ما منعكَ عَنْ إجابتِي» ؟ فقال: كنتُ أصلِّي، فقال: «أليس الله يقول: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ فلامه على ترك الإجابة» متمسكاً بهذه الآية.
فإن قيل: مسألةُ الأمر - يفيد الوجوب - مسألةٌ قطعيَّةٌ، فلا يجوز التمسك فيها بخبر الواحد.
فالجوابُ: لا نسلم أنَّ مسألة الأمر - يفيدُ الوجوب - مسألة قطعيةٌ، بل هي ظنيَّةٌ؛ لأن المقصود منها العمل، والدلائل الظنية كافية في العمل.
فإن قيل: إنَّ الله تعالى ما أمر بالإجابة مطلقاً، بل بشرط خاص، وهو قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ فلم قلتم إنَّ هذا الشرط الخاص حاصلٌ في جيمع الأوامر؟
فالجواب: أنَّ قصة أبي تدلُّ على أنَّ هذا الحكم عام ليس مخصصاً بشرط معين، وأيضاً فلا يمكن حمل الحياة ههنا على نفس الحياة؛ لأنَّ إحياء الحيِّ محالٌ؛ فوجب حملُه على شيء آخر وهو الفوز بالثواب، وكل ما دعا اللَّهُ إليه ورغب فيه مشتمل على الثواب، فكان هذا الحكم عاماً في جميع الأومر.
فصل
في المُرادِ بقوله» لِمَا يُحْييكُم «وجوه:
أحدها: قال السُّديُّ: هو الإيمان والإسلامُ وفيه الحياة، وقال قتادةُ: يعني القرآن فيه الحياة والنَّجاة. وقال مجاهدٌ: هو الحق.
وقال ابن إسحاق: الجهادُ أعزكم اللَّهُ فيه بعد الذُّلِّ، وقال القتيبيُّ: الشَّهادةُ، قال تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] .
قوله ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ قال الواحديُّ حكاية عن ابن عباس، والضحاك: يحولُ بين المرءِ الكافرِ وطاعته، ويحولُ بين المطيع ومعصيته، فالسَّعيدُ من أسعده اللَّهُ، والشقيُّ من أضله الله، والقلوب بيده يقلبها كيف يشاء.
وقال السُّديُّ: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه.
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ، وعطاءٌ: يحولُ بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان.
وقيلك إنَّ القوم لمَّا دعوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم واختلجت صدورهم، فقيل لهم: قاتلُوا في سبيل اللَّهِ، واعلموا أنَّ الله يحُولُ بين المرءِ وقلبه فيبدلُ الله الخوف أمناً، والجبن جراءة.
قوله: «بَيْنَ المَرْءِ» العامَّةُ على فتح الميم.
وقرأ ابن أبي إسحاق: بكسرها على إتباعها لحركة الهمزة، وذلك ان في «المَرْءِ» لغتين: أفصحهما: فَتْح الميم مطلقاً، والثانية: إتباع الميم لحركة الإعراب فتقول: هذا مُرْءٌ - بضم الميم، ورأيت مَرْءاً - بفتحها، ومررت بِمِرْءٍ - بكسرها، وقرأ الحسن، والزهري: بفتح الميم وتشديد الرَّاءِ. وتوجيهها: أن يكون نقل حركة الهمزة إلى الرَّاءِ، ثم ضعَّف الراء، وأجرى الوصل مُجْرى الوقف.
قوله «وأنَّهُ» يجوز أن تكون الهاء ضمير الأمر والشأن، وأن تعود على الله تعالى، وهو الأحسن لقوله: «إلَيْهِ تُحْشَرُونَ» أي إلى اللَّهِ؛ ولا تتركون مهملين.
قوله ﴿بَيْنَ المرء﴾ .
في «لا» وجهان:
أحدهما: أنَّها ناهيةٌ، وعلى هذا، فالجملةُ لا يجوزُ أن تكون صفةً ل «فِتْنَةً» لأنَّ الجملةًَ الطلبية لا تقعُ صفةً، ويجوز أن تكون محمولة لقول، ذلك القولُ هو الصِّفة أي: فتنةً مقولاً فيها: لا تُصيبن، والنَّهيُ في الصورة للمصيبة، وفي المعنى للمخاطبين، وهو في المعنى كقولهم: لا أرَيَنَّكَ ههنا، أي: لا تتعاطوا أسباباً يُصيبكم بسببها مصيبة لا تخص ظالمكم، ونونُ التوكيد على هذا في محلِّها، ونظيرُ إضمار القول قوله: [الرجز]
2691 - جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَط ... أي مقول فيها ما رأيت.
والثاني: أن «لا» نافية، والجملةُ صفة ل «فِتْنَةٌ» وهذا واضحٌ من هذه الجهة إلاَّ أنَّهُ يشكل عليه توكيد المضارع في غير قسم، ولا طلب، ولا شرط، وفيه خلافٌ: هل يجري المنفيُ ب «لا» مجرى النَّهي؟ فقال بعضهم: نعم؛ واستشهد بقوله: [الطويل]
2692 - فَلا الجَارةُ الدُّنْيَا بها تَلْحَينَّهَا ... ولا الضَّيْفُ فيها إن أنَاخَ مُحَوِّلُ وقال الآخر: [الطويل]
2693 - فَلاَ ذَا نَعِيمٍ يُتْرَكنْ لِنعيمِهِ ... وإنْ قال قَرِّظْني وخُذْ رِشْوةً أبَى
وَلاَ ذَا بئِيسٍ يتركنَّ لِبُؤْسِهِ ... فَيَنْفَعَهُ شَكُوٌ إليه إن اشْتَكى
فإذا جاز أن يُؤكد المنفيُّ ب «لا» مع انفصاله، فلأن يؤكَّد المنفيُّ غيرُ المفصول بطريق الأولى إلاَّ أنَّ الجمهور يحملون ذلك على الضرورة.
وزعم الفرَّاءُ أنَّ: «لا تُصِيبَنَّ» جواب للأمر نحو: انزلْ عن الدَّابة لا تَطْرَحَنَّكَ، أي: إن تنزل عنها لا تَطْرَحنك، ومنه قوله تعالى ﴿لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ﴾
[النمل: 18] أي: إن تدخلوا لا يَحْطِمنَّكُم، فدخلت النُّونُ لِما فيه من معنى الجزاء.
قال أبو حيان. وقوله «لا يحطمنَّكُم» وهذا المثالُ، ليس نظير ﴿فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين﴾ ؛ لأنه ينتظم من المثالِ والآيةِ شرطٌ وجزاءٌ كما قدَّر، ولا ينتظمُ ذلك هنا، ألا ترى أنه لا يَصِحُّ تقدير: إن تتقوا فتنة لا تُصِبِ الذين ظلموا، لأنه يترتَّبُ على الشرط غيرُ مقتضاه من جهة المعنى.
قال الزمخشري: «لا تُصِيبَنَّ» لا يخلو إمَّا أن يكون جواباً للأمر، أو نهياً بعد أمرٍ، أو صفة ل «فِتْنَةً» فإن كان جواباً فالمعنى: إن أصابتكُم لا تُصيب الظَّالمين منكم خاصة بل تَعُمُّكُم.
قال أبو حيان «وأخذ الزمخشريُّ قول الفرَّاءِ، وزاده فساداً وخبَّط فيه» فذكر ما نقلته عنه ثم قال: «فانظر إليه كيف قدَّر أن يكون جواباً للأمر الذي هو:» اتَّقُوا» ثمَّ قدَّر أداة الشطرِ داخلةً على غير مضارع «اتقُوا» ؟ فقال المعنى: إن أصابتكُم يعني: الفتنة. وانظر كيف قدَّر الفرَّاءُ، انزل عن الدَّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، وفي قوله: ﴿ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: 18] فأدخل أداة الشَّرط على مضارع فعل الأمر، وهكذا يُقدَّر ما كان جواباً للأمر» .
وقيل: «لا تُصِيبَنَّ» جوابُ قسم محذوف، والجملةُ القسميةُ صفةٌ ل «فِتْنَةً» أي: فتنة واللَّه لا تُصيبنَّ، ودخولُ النُّون أيضاً قليلٌ، لأنه منفيٌّ.
وقال أبُو البقاءِ «ودخلتِ النُّونُ على المنفي في غير القسم على الشُّذُوذِ» وظاهرُ هذا أنَّهُ إذا كان النَّفي في جواب القسم يَطَّرد دخولُ النُّونِ، وليس كذلك، وقيل: إنَّ اللام لامُ التَّوكيد والفعلُ بعدها مثبتٌ، وإنَّما أشبعتْ فتحةُ اللاَّمِ؛ فتولَّدت ألفاً، فدخول النُّون فيها قياسٌ، وتأثر هذا القائلُ بقراءةِ جماعةٍ كثيرة «لتُصِيبنَّ» وهي قراءة أمير المؤمنين، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، والباقر، والربيع بن أنس، وأبي العالية، وابن جماز.
وممَّن وجَّه ذلك ابنُ جني، والعجبُ أنه وجَّه هذه القراءة الشَّاذَّة بتوجيهٍ يَرُدُّهَا إلى قراءةِ العامَّة، فقال: «يجوز أن تكون قراءةُ ابن مسعود، ومن ذكر معه مخففةً من» لا «يعني حذفت ألفُ» لا «تخفيفاً واكتفي بالحركة» .
قال: «كما قالوا: أم واللَّه، يريدون: أما واللَّهِ» .
قال المهدويُّ «كما حذفت مِنْ» ما «وهي أخت» لا «في نحو: أم والله لأفعلنَّ وشبهه» .
قوله «أخت لا» ليس كذلك؛ لأنَّ «أما» هذه للاستفتاح، ك «ألاَ» ، وليست من النَّافية في شيءٍ، فقد تحصَّل من هذا أنَّ ابن جني خرَّج كلاًّ من القراءتين على الأخرى. وهذا لا ينبغي أن يجوز ألبتَّة، كيف يُوجدُ لفظ نفي، ويتأوَّل بثبوتٍ وعكسه؟ وهذا ممَّا يقلب الحقائق، ويُؤدِّي إلى التَّعمية.
وقال المبرِّدُ، والفرَّاءُ، والزَّجَّاجُ: في قراءة العامَّة «لا تُصِيبنَّ» الكلام قد تمَّ عند قوله: «فِتْنَةً» وهو خطابٌ عامٌّ للمؤمنين، ثم ابتدأ نَهْيَ الظلمة خاصةً عن التعرُّض للظُّلم فتصيبهم الفتنةُ خاصة، والمرادُ هنا: لا يتعرَّض الظَّالم للفتنة فتقع إصابتُها له خاصة.
قال الزمخشريُّ في تقدير هذا الوجه: «وإذا كانت نهياً بعد أمرٍ؛ فكأنه قيل: واحذروا ذنباً أو عقاباً.
ثم قيل: لا تتعرَّضُوا للظلم فيصيب العقابُ أو أثر الذَّنب من ظلم منكم خاصة» .
وقال عليُّ بن سليمان: هو نَهْيٌ على معنى الدُّعاءِ، وإنَّما جعله نهياً بمعنى الدُّعاء لأنَّ دخول النون في النفي ب «لا» عنده لا يجوز، فيصير المعنى: لا أصابت الفتنة الظالمين خاصة، واستلزمت الدُّعاء على غير الظَّالمينَ، فصار التقدير: لا أصابت ظالماً ولا غير ظالم فكأنَّه قيل: واتقوا فتنةً لا أوقعها اللَّهُ بأحدٍ.
وقد تحصَّلت في تخريج هذه الكلمة أقوال: النَّهْي بتقديريه، والدُّعاء بتقديريه، والجواب للأمر بتقديريه وكونها صفةً بتقدير القول.
قوله: «مِنكُمْ» فيه ثلاثةُ أوجهٍ:
أظهرها: أنَّها للبيان مطلقاً، والثاني: أنَّها حالٌ، فيتعلَّقُ بمحذوف.
وجعلها الزمخشريُّ: للتبعيض على تقدير، وللبيان على تقدير آخر، فقال «فإن قلت: فما معنى» مِنْ «في قوله: ﴿الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ﴾ ؟ قلت: التبعيضُ على الوجه الأوَّلِ، والبيان على الثاني؛ لأنَّ المعنى: لا تصيبنَّكم خاصة على ظلمكم، لأن الظلم منكم أقبحْ من سائر النَّاسِ» يعني بالأولِ كونه جواباً للأمر، وبالثاني كونه نهياً بعد أمرٍ، وفي تخصيصه التبعيض بأحد الوجهين دون الآخر، وكذا الثاني: نظرٌ، إذ المعنى يصح بأحد التقديرين مع التَّبعيض والبيان.
قوله: «خَاصَّةً» فيه ثلاثة أوجهٍ:
أظهرها: أنها حالٌ من الفاعل المستكنِّ في قوله: «لا تُصيبَنَّ» وأصلها أن تكون صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: إصابةً خاصة.
الثاني: أنَّها حالٌ من المفعولِ وهو الموصولُ، تقديره: لا تصيبنَّ الظَّالمين خاصة، بل تعمُّهم، وتعمُّ غيرهم.
الثالث: أنها حالٌ من فاعل «ظَلَمُوا» قاله ابن عطية. قال أبو حيان: «ولا يُعْقَلُ هذا الوجهُ» .
قال شهابُ الدِّين: «ولا أدري ما عدمُ تعقُّله؟ فإنَّ المعنى: واتقُوا فتنةً لا تصيبنَّ الذين ظلموا، ولا يظلم غيرهم، بمعنى: أنَّهم اختصوا بالظُّلْمِ، ولم يشاركهم فيه غيرهم، فهذه الفتنةُ لا تختصُّ إصابتها لهؤلاء، بل تصبهم، وتُصيبُ مَنْ لَمْ يظلم ألبتَّة، وهذا معنى واضح» .
فإن قيل: إنَّه تعالى خوَّفهم بعذابٍ لو نزل عمَّ المذنب، وغيره، وكيف يليقُ بالرحيم الحليمِ أن يوصل العذاب إلى من لم يذنب؟
فالجوابُ: أنَّهُ تعالى قد ينزل الموت، والفقر، والعمى، والزمانة بعبده ابتداء، إمَّا لأنَّهُ يحسن منه تعالى ذلك بحكم المالكيَّةِ، أو لأنَّه تعالى علم اشتمال ذلك على نوع من أنواع الصلاة على اختلاف المذهبين.
فصل
روي عن الحسن قال: " نزلت في علي، وعمار، وطلحة، والزبير، وهو يوم الجمل خاصة ". قال الزبير: " نزلت فينا وقرأنا زمانا وما ظننا أنا أهلها فإذا نحن المعنيون بها ". وعن السدي نزلت في أهل بدر واقتتلوا يوم الجمل ".
8:27–28Page 180
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٧
O you who have believed, do not betray Allāh and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].
وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٨
And know that your properties and your children are but a trial and that Allāh has with Him a great reward.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول﴾ الآية.
روي: أن الزبير كان يسامر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوما إذ أقبل علي - رضي الله عنه - فضحك الزبير، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كيف حبك لعلي؟ فقال: يا رسول الله أحبه كحبي لولدي أو أشد. فقال: كيف أنت إذا سرت تقاتله؟ وقال ابن عباس: " أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم " وقال عليه الصلاة والسلام: " إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب العامة والخاصة ". وقال ابن زيد: " أراد بالفتنة افتراق الكلمة، ومخالفة بعضهم بعضا ". روي أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به ". ثم قال: " واعلموا أن الله شديد العقاب "، والمراد منه الحث على لزوم الاستقامة. قوله تعالى: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل﴾ الآية. في " إذ " ثلاثة أوجه، أوضحها: أنه ظرف ناصبة محذوف، تقديره: واذكروا حالكم الثابتة في وقت قلتكم، قاله ابن عطية. والثاني: أنه مفعول به. قال الزمخشري: " نصب على أنه مفعول به مذكور لا ظرف، أي: اذكروا وقت كونكم أقلة أذلة " وفيه نظر؛ لأن " إذ " لا يتصرف فيها إلا بما تقدم ذكره، وليس هذا منه. الثالث: أن يكون ظرفا ل " اذكروا " قاله الحوفي، وهو فاسد؛ لأن العامل مستقبل، والظرف ماض فكيف يتلاقيان.
قوله: " تخافون " فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه خبر ثالث. والثاني: أنه صفة ل " قليل " وقد بدئ بالوصف بالمفرد، ثم بالجملة. والثالث: أن يكون حالا من الضمير المستتر في " مستضعفون ".
فصل
المعنى: واذكروا يا معشر المهاجرين: " إذ أنتم قليل " في العدد: " مستضعفون في الأرض " أي: أرض مكة في ابتداء الإسلام: " تخافون أن يتخطفكم الناس " تذهب بكم الناس يعني كفار مكة. وقال عكرمة " كفار العرب لقربهم منهم وشدة عداوتهم لهم ". وقال وهب: " فارس والروم " " فآواكم " إلى المدينة " وأيدكم بنصره " أي: قواكم يوم بدر بالأنصار. وقال الكلبي: " قواك يوم بدر بالملائكة " " ورزقكم من الطيبات " يعني الغنائم أحلها لكم ولم يحلها لأحد قبلكم. ثم قال: " لعلكم تشكرون " أي: نقلناكم من الشدة إلى الرخاء، ومن البلاء إلى النعماء حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة، وتتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب الأنفال.
لمَّا ذكر أنَّه رزقهم من الطَّيبات، فههنا منعهم من الخيانةِ، واختلفوا في تلك الخيانةِ.
فقال ابنُ عبَّاسٍ: نزلت في أبي لبابة حين بعثه رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى قريظة لمَّا حاصرهم وكان أهله وولده فيهم، فقالوا: ما ترى لنا، أننزل على حكم سعد بن معاذ فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه، إنَّه الذبح فلا تفعلوا، فكان منه خيانة لله ورسوله.
وقال السديُّ «كانُوا يسمعون الشيء من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيفشونه ويبلغونه إلى المشركين فنهاهم الله عَزَّ وَجَلَّ عن ذلك» .
وقال ابن زيد: «نَهاهُم الله أن يخُونُوا كما صنع المنافقون يظهورن الإيمان، ويسرون الكُفْرَ» .
وقال جابرُ بن عبد الله: «إنَّ أبا سفيان خرج من مكَّة فعلم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خروجه، وعزم على الذهاب إليه، فكتب رجلٌ من المنافقين إليه أنَّ محمداً يريدكم، فخذوا حذركم فنزلت الآية» . وقال الكلبيُّ والأصمُ والزهريُّ «نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكَّة لمَّا همَّ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالخروج إليها» .
فصل
قال أبو العباس المقرىء: ورد لفظ «الخيانة» في القرآن بإزاء خمسة معانٍ:
الأول: أنَّ المراد بالخيانة: الذَّنب في الإسلام، كهذه الآية، لمَّا نزلت في أبي لبابة.
الثاني: الخيانة: السرقة، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ [النساء: 105] نزلت في طعمة، لمَّا سرق الدرعين.
الثالث: نقض العهد، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: 58] .
الرابع: الخيانة: المخالفة، قال تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَآ﴾ أي: خالفتاهما في الدين؛ لأنه يروى أنه ما زنت امرأةٌ نبي قط.
الخامس: الخيانة: الزِّنا، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين﴾ [يوسف: 52] يعني: الزنا.
فصل
قال القاضي: «الأقربُ: أنَّ خيانة الله غير خيانة رسوله، وخيانة الرَّسُولِ غير خيانة الأمانة؛ لأنَّ العطف يقتضي المغايرة» .
وإذا عرف ذلك فنقول: إنَّه تعالى أمرهم أن لا يخونوا الغنائم، وجعل ذلك خيانة للَّه؛ لأنَّهُ خيانة لعطيته وخيانة لرسوله؛ لأنه القيم بقسمها، فمن خانها فقد خان الرَّسُول، وهذه الغنيمة قد جعلها الله أمانة في أيدي الغانمين، وألزمهم أن لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئاً فصارت وديعة.
والوديعة أمانةٌ في يد المودع، فمن خان منهم فيها قد خان أمانة النَّاس.
إذ الخيانةُ ضد الأمانة.
قال: ويحتمل أن يريد بالإمانة كل ما تعبد به، وعلى هذا التقدير: فيدخل فيه الغنيمة وغيرها، فكان معنى الآية: إيجاب أداء التكاليف تامة كاملة.
قال ابن عباس: «لا تخونوا الله بترك فرائضه، والرسول بترك سنته» «وتخُونُوا أماناتِكُم» .
قال ابن عباس: «هي ما يخفى عن أعين النَّاس من فرائض الله تعالى» .
والأعمال التي ائتمن الله عليها العباد المذكورة في سبب النُّزول داخلة فيها، لكن لا يجب قصر الآية عليها لأنَّ العبرةَ بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّببِ.
قال الزمخشريُّ «ومعنى الخون النقص، كما أن معنى الوفاء التَّمام، ومنه تخوَّنه إذا تنقصه ثم استعمل في ضد الأمانة؛ لأنك إذا خُنتَ الرَّجُلَ في شيءٍن فقد أدخلت النُّقصان فيه» .
قوله: «وتَخُونُوا» يجوزُ فيه أن يكون منصوباً بإضمارِ «أنْ» على جواب النَّهي، أي: لا تجمعوا بين الخيانتين.
كقوله: [الكامل]
2694 - لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتأتِيَ مِثلَهُ ... عَارٌ علَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
والثاني: أن يكون مجزوماً نسقاً على الأوَّل، وهذا الثاني أولى؛ لأن فيه النهي عن كلِّ واحدٍ على حدته بخلاف ما قبله فإنَّه نهيٌ عن الجمع بينهما، ولا يلزمُ من النهي عن الجمع بين الشيئين النهيُ عن كلٍّ واحدٍ على حدته، وقد تقدَّم تحريره في قوله: ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ [البقرة: 42] أول البقرة.
و «أماناتكم» على حذف مضاف، أي: أصحاب أماناتكم، ويجوزُ أن يكونوا نهوا عن خيانة الأماناتِ مبالغةً كأنَّها جعلت مخونةً.
وقرأ مجاهدٌ ورويت عن أبي عمرو «أمَانتكُم» بالتَّوحيد، والمراد الجمع.
وقوله: «وأنتُمْ تَعْلَمُونَ» جملة حالية، ومتلَّقُ العلم يجوزُ أن يكون مراداً أي: وأنتم تعلمون قُبْحَ ذلك أو أنكم مؤاخذون بها، ويجوزُ ألاَّ يُقَدَّر، أي: وأنتم من ذوي العلمِ.
قوله: ﴿واعلموا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ .
لمَّا كان الدَّاعي إلى الإقدام على الخيانةِ هو حب الأموالِ، والأولاد، نبَّه تعالى على أنه يجبُ على العقال أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك.
فقال: ﴿أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ لأنَّها تشغل القلب بالدُّنيا.
ثم قال: ﴿وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: أنَّ سعادة الآخرة خيرٌ من سعاداتِ الدُّنيا، لأنَّ سعادات الآخرة لا نهاية لها، وسعادات الدنيا تفني وتنقضي.
8:29Page 180
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩
O you who have believed, if you fear Allāh, He will grant you a criterion1 and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allāh is the possessor of great bounty.
قوله تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ الآية.
لمَّا حذَّر من الفتنة بالأموال، والأولاد، رغَّب في التَّقوى الموجبة لترك الميل، والهوى في محبَّة الأموال والأولاد.
فإن قيل: إدخالُ الشَّرط في الحكم إنَّما يحسن في حقِّ من كان جاهلاً بعواقب الأمورِ وذلك لا يليق باللَّهِ تعالى.
فالجوابُ: أنَّ قولنا إن كان كذا كان كذا لا يفيدُ إلاَّ كون الشَّرطِ مستلزماً للجواب، فإمَّا أنَّ وقوع الشَّرط مشكوك فيه، أو معلوم فذلك غير مستفاد من هذا اللَّفظ، سلَّمنا أنَّه يفيد هذا الشَّك إلاَّ أنه تعالى يُعامل العباد في الجزاء معاملة الشَّاك، وعليه يخرَّج قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين﴾ [محمد: 31] .
قال أبو العباس المقرىء: «الفرقان» على أربعة أوجهٍ:
الأول: الفرقان النور، كهذه الآية أي: يجعل لكم نوراً في قلوبكم تُفرِّقون به بين الحلال والحرام.
والثاني: الحجة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان﴾ [البقرة: 53] أي: الحجة.
الثالث: القرآنُ. قال تعالى ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: 1] أي: القرآن.
الرابع: يوم بدر قال تعالى ﴿يَوْمَ الفرقان يَوْمَ التقى الجمعان﴾ [الأنفال: 41] أي: يوم بدر.
فصل
ومعنى الآية: إن تتَّقُوا الله بطاعته وترك معصيته يجعل لكم فرقاناً.
قال مجاهد: «مَخْرَجاً في الدُّنيا والآخرة من الضَّلال» وقال مقاتل: «مَخْرَجاً في الدَِّين من الشُّبهات» .
وقال عكرمة «نجاة، أي: يفرق بينكم وبين ما تخافون» .
وقال الضحاك: «بياناً» .
وقال ابن إسحاق: «فصلاً بين الحق والباطل. يُظهر الله به حقكم ويطفىء باطل من خالفكم» قال مُزرد بن ضرار: [الخفيف]
2695 - بَادَرَ الأفْق أنْ يَغيبَ فَلَمَّا ... أظْلَمَ اللَّيْلُ لَمْ يَجِدْ فُرقَانَا
قال آخر: [الرجز]
2696 - مَا لَك مِنْ طُولِ الأسَى فُرقَانُ ... بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وبَانُوا
وقال آخر: [الطويل]
2697 - وكَيْفَ أرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طَالِبِي ... ومَا لِيَ مِنْ كَأسٍش المَنِيَّةِ فُرْقَانُ
والفرقان: مصدر كالرُّجحان والنُّقصان، وتقدم الكلام عليه أول البقرة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences