Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
'Abasa 80:24–42
80:24–32Page 585
فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ ٢٤
Then let mankind look at his food -
أَنَّا صَبَبۡنَا ٱلۡمَآءَ صَبّٗا ٢٥
How We poured down water in torrents,
ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقّٗا ٢٦
Then We broke open the earth, splitting [it with sprouts],
فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا حَبّٗا ٢٧
And caused to grow within it grain
وَعِنَبٗا وَقَضۡبٗا ٢٨
And grapes and herbage
وَزَيۡتُونٗا وَنَخۡلٗا ٢٩
And olive and palm trees
وَحَدَآئِقَ غُلۡبٗا ٣٠
And gardens of dense shrubbery
وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا ٣١
And fruit and grass -
مَّتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٢
[As] enjoyment [i.e., provision] for you and your grazing livestock.
قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ﴾ .
قال ابن الخطيب: اعلم أنَّ عادة الله - تعالى - جارية في القرآن الكريم، كلما ذكر دلائل الأنفس يذكر عقبها دلائل الآفاق، فبدأ - هاهنا - بما يحتاج الإنسان إليه.
واعلم أنَّ النَّبْتَ إنَّما يحصل من القَطْرِ النازل من السماء الواقع في الأرض، فالسماء كالذَّكر، والأرض كالأنثى، فبيَّن نزول السماء إلى الأرض بقوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا المآء﴾ .
وقال القرطبي: لمَّا ذكر تعالى ابتداء خلقِ الإنسان، ذكر ما يسَّر من رزقه، أي: فلينظر كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته، وكيف هيأ له أسباب المعاشِ ليستعد بها للمعاد، وهذا النظر نظر القلب بالفكر، والتدبر.
قال الحسنُ ومجاهدٌ: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ﴾ أي: إلى مدخله ومخرجه.
روى الضحاكُ بنُ سفيان الكلابي، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» يَا ضحَّاكُ، ما طَعامُكَ» ؟ قلت: يا رسول الله، اللَحْمُ واللَّبنُ، قال: «ثُمَّ يصيرُ إلى مَاذَا» ؟ قلت: إلى ما قد علمتهُ، قال: «فإنَّ الله - تعالى - ضَرَبَ مَا يَخْرجُ مِنْ ابْنِ آدمَ مثلاً للدُّنْيَا» » .
وقال أبو الوليد: سألت ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن الرجل يدخل الخلاء، فينظر ما يخرج منه، قال: يأتيه الملك فيقول: انظر ما بخلت به إلى ما صار.
واعلم أنَّ الطعام الذي يتناوله الإنسان له حالتان:
إحداهما متقدمة، وهي التي لا بد من وجودها حتى يدخل ذلك الطعام في الوجود.
والحالة الثانية متأخرة وهي الأمور التي لا بد منها في بدن الإنسان، حتى يحصل الانتفاع بذلك الطعام، فلما كانت الحالة الأولى أظهر للحسِّ، لا جرم اكتفى الله تعالى بذكرها.
قوله تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً﴾ .
قرأ الكوفيون: «أنَّا» بفتح الهمزة غير ممالة.
والباقون: بالكسر.
والحسين بن علي: بالفتح والإمالة.
فأمَّا الفراءة الأولى، ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها بدل من «طَعامه» ، فيكون في محل جر، واستشكل بعضهم هذا الوجه، ورد بأنه ليس بواضح.
والثاني: أنه بدلُ اشتمالٍ، بمعنى أنَّ صبَّ الماء سبب في إخراج الطَّعام، فهو مشتمل عليه بهذا التقدير، وقد نحا مكيٌّ إلى هذا فقال: لأن هذه الأشياء مشتملة على الطعام ومنها يتكون، لأنَّ معنى «إلى طعامهِ» إلى حدوث طعامه كيف يتأتى، فالاشتمال في هذا إنما هو من الثاني على الأول؛ لأن الاعتبار إنَّما هو في الأشياء التي يتكون منها الطعام لا في الطعام نفسه.
والوجه الثاني: أنها على تقدير لام العلَّة، أي فلينظر لأنا، ثم حذف الخافض فجرى الخلاف المشهور في محلها.
قال القرطبيُّ: ف «أنّا» في موضع خفضٍ على الترجمة عن الطعام، فهو بدل منه؛ كأنًّه قال: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ﴾ إلى «أنَّا صببنا» ، فلا يحسن الوقف على «طعامه» في هذه القراءة.
والوجه الثالث: أنَّها في محل رفعٍ خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو أنَّا صَببنَا، وفيه ذلك النظر المتقدم؛ لأنَّ الضمير إن عاد على الطعام، فالطعام ليس هو نفس الصب، وإن عاد على غيره، فهو غير معلوم، وجوابه ما تقدم.
وأما القراءة الثانية: فعلى الاستئناف تقديراً لنعمه عليه.
وأما القراءة الثالثة: «أنَّى» التي بمعنى: «كَيْفَ» ، وفيها معنى التَّعجُّب، فهي على هذه القراءة كلمة واحدة، وعلى غيرها كلمتان.
قال القرطبي: فمن أخذ بهذه القراءة، قال: الوقف على «طعامه» تام، ويقال: معنى «أنَّى» : أين، إلاَّ أنَّ فيها كناية عن الوجوه، وتأويلها: من أي وجهٍ صببنا؛ قال: الكميت: [المنسرح]
5109 - أنَّى، ومِنْ أيْنَ آبَكَ الطَّربُ ... مِنْ حَيْثُ لا صبْوةُ ولا رَيبُ
فصل في المراد بصبّ الماء
قوله: ﴿صَبَبْنَا المآء صَبّاً﴾ ، يعني: الغيث والأمطار، ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً﴾ أي: بالنبات ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً﴾ أي: قَمْحاً وشعيراً وسلقاً، وسائر ما يحصد ويدخر، وإنما قدم ذلك لأنها كالأصل في الأغذية، «وعِنَباً» وإنما ذكره بعد الحب؛ لأنه غذاء من وجه، وفاكهة من وجه.
قوله: ﴿وَقَضْباً﴾ : القَضْبُ هنا، قال ابن عباس: هو الرطبُ، لأنه يقضب النخل، أي: يقطع، ورجَّحه بعضهم بذكره بعد العنب، وكثيراً ما يقترنان.
وقيل: القت.
قال القتيبي: كذا يسميه أهلُ «مكة» .
وقيل: كُل ما يُقْضَبُ من البُقولِ لبني آدمَ.
وقيل: هو الرَّطبةُ، والمقاضب: الأرض التي تنبتها.
قال الراغب: والقَضْبُ: كالقضيب، لكن القضيب يستعمل في فروع الشجر، والقضبُ يستعمل في البقل، والقَضَبُ: أي بالفتح قطع القَضْب والقضيب، وعنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه كان إذا رأى في ثوبٍ تصليباً قضبه، وسيفٌ قاضبٌ وقضيبٌ، أي: قاطعٌ، فالقضيب - هاهنا - بمعنى: الفاعل، وفي الأول: بمعنى المفعول، وكذا قولهم: ناقة قضيب، لما تركب من بين الإبل ولما ترض , وفي الأول: بمعنى المفعول , وكذا قولهم: ناقة قضيب , لما تركب من بين الإبل ولما ترض , ويقال لكل ما لم يهذب: مقتضب، ومنه اقتضاب الحديث، لما لم يترو فيه.
وقال الخليل: القَضْبُ: أغصان الشجرة التي يتّخذ منها سهامٌ أو قسيٌّ.
وقال ابن عباس: إنه الفصفصة، وهوالقتّ الرطب.
وقال الخليل: القَضْبُ: الفصفصة الرطبة.
وقيل: بالسين، فإذا يبست فهو قتّ.
قوله: ﴿وَزَيْتُوناً﴾ . وهي: شجرة الزيتون، ﴿وَنَخْلاً﴾ يعني: النخيل.
قوله: ﴿وَحَدَآئِقَ غُلْباً﴾ . جمع «أغلبَ وغلبَاء» ك «حُمْر» في «أحْمرَ، وحَمْراءَ» ، يقال: حديقة غلباء، أي: غليظة الشجر ملتفة، واغلولب العشب أي: غلظ، وأصله في وصف الرقاب يقال: رجل أغلب، وامرأة غلباء، أي: غليظة الرقبة.
قال عمرو بن معديكرب: [الكامل]
5110 - يَسْعَى بِهَا غلْبُ الرِّقابِ كأنَّهُمْ ... بُزلٌ كُسينَ مِنَ الكُحَيْلِ جِلالا
ويقال للأسد: الأغلب؛ لأنه مصمت العنق لا يلتفت إلا جميعاً؛ قال العجاج: [الرجز]
5111 - مَا زِلْتُ يَوْمَ البَيْنِ ألْوِي صُلْبِي ... والرَّأسَ حتَّى صِرْتُ مِثْلَ الأغلبِ
والغلبة: القهر؛ أن يُنال وتصيب عليه رقبته، هذا أصله، وحديقة غلباء: ملتفة، وحدائق غلب، وقال ابن عباس: الغلب جمع أغلب، وغلباء، وهي الغِلاظ، وعنه أيضاً: الطوال.
وقال قتادةُ: وابنُ زيدٍ: الغلبُ: النَّخْلُ الكرامُ.
وعن ابن زيدٍ أيضاً وعكرمةَ: عظام الأوساط، والجذوع.
وقال مجاهد: ملتفة. وتقدم الكلام على الحدائق في سورة «النمل» .
قوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ . الفاكهةُ: ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، كالتين، والخوخ، وغيرهما.
قال ابن الخطيب: وقد استدلَّ بعضهم بأنَّ الله - تعالى - لمَّا ذكره الفاكهة بعد ذكر العنبِ، والزيتونِ، والنخل، وجب ألا يدخل هذه الأشياء في الفاكهة، وهذا أقربُ من جهة الظاهر؛ لان المعطوف مغاير للمعطوف عليه.
وأمَّا الأبُّ: فقيل: الأبُّ للبهائم بمنزلة الفاكهة للنَّاس.
وقيل: هو مطلق المرعى.
قال الشاعر يمدحُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [الطويل]
5112 - لَهُ دَعْوةٌ مَيْمُونةٌ رِيحُهَا الصَّبا ... بِهَا يُنْبِتُ اللهُ الحَصِيدةَ والأبَّا
وقيل: سمي المرعى أبًّا؛ لأنه يؤبُّ، أي: يؤم وينتجع، والأبُّ والأمُّ بمعنى؛ قال الشاعر: [الرمل]
5113 - جِذمُنَا قَيْسٌ ونَجْدٌ دَارُنَا ... ولنَا الأبُّ بِهِ والمُكْرَعُ
وأبُّ لكذَا يَؤبُّ ابًّا، وأبَّ إلى وطنه، إذا نَزعَ الشيء نزوعاً: تهيَّأ لقصدهِ، وهكذا أب بسيفه: أي: تهيَّأ لسله، وقولهم: «إبان ذلك» هو فعلان منه، وهو الشيء المتهيِّئ لفعله ومجيئه، وقيل: الأبّ: يابس الفاكهة لأنها تؤب للشتاء، أي تعد.
وقيل: الأبُّ ما تأكله البهائمُ من العُشْبِ.
قال ابنُ عباسٍ والحسن: الأبُّ، كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس، وما يأكله الآدميون، هو: «الحصيد» .
وعن ابن عباس وابن أبي طلحة: الأبُّ، الثِّمارُ الرَّطبةُ.
وقال الضحاك: هو التِّينُ خاصَّةً. وهو محكي عن ابن عباس أيضاً. وقيل: الأب الفاكهة رطب الثمار ويابسها.
وقال إبراهيم التيمي: سُئل أبُو بكر الصديقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن تفسير الفاكهة والأبِّ، فقال: أيُّ سماءٍ تظلني وأي أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم.
وقال أنس: سمعت عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يقرأ هذه الآية، ثم قال: كل هذا عرفناه فما الأبُّ؟ ثم رفع عصا كانت بيده، ثم قال: هذا لعمر الله التكليف، وما عليك يا ابن أم عمر ألا تدري ما الأبُّ؟ .
ثم قال: اتَّبعوا ما بين لكم في هذا الكتاب، وما لا فدعوه.
وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «خُلِقْتُمْ مِنْ سَبْعٍ، ورُزقتُمْ مِنْ سَبعٍ فاسجُدُوا للهِ على سَبْعٍ» .
وإنما أراد بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «خُلِقْتُمْ مِنَ سَبْعٍ» يعني: ﴿مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ﴾
[الحج: 5] الآية.
والرزق من سبع، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً﴾ إلى قوله «وفاكهة» ثم قال: «وأبًّا» وهو يدل على أنه ليس برزق لابن آدم، وأنَّه مما تختص به البهائم، والله أعلم.
قوله: ﴿مَّتَاعاً لَّكُمْ﴾ : نصب على المصدر المؤكد؛ لأن إنبات هذه الأشياء متاعٌ لجميع الحيوانات، واعلم أنه - تعالى - لما ذكر ما يغتذي به الناس والحيوان، قال جل من قائل: ﴿مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ .
قال الفراء: جعلناه منفعة لكم ومتعة لكم ولأنعامكم، وهذا مثلٌ ضربه الله لبعث الموتى من قبورهم، كنبات الزرع بعد دُثُوره كما تقدم بيانه في غير موضع.
80:33–42Page 585
فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ ٣٣
But when there comes the Deafening Blast1
يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ ٣٤
On the Day a man will flee from his brother
وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ ٣٥
And his mother and his father
وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ ٣٦
And his wife and his children,
لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٞ يُغۡنِيهِ ٣٧
For every man, that Day, will be a matter adequate for him.1
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ مُّسۡفِرَةٞ ٣٨
[Some] faces, that Day, will be bright -
ضَاحِكَةٞ مُّسۡتَبۡشِرَةٞ ٣٩
Laughing, rejoicing at good news.
وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ عَلَيۡهَا غَبَرَةٞ ٤٠
And [other] faces, that Day, will have upon them dust.
تَرۡهَقُهَا قَتَرَةٌ ٤١
Blackness will cover them.
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَفَرَةُ ٱلۡفَجَرَةُ ٤٢
Those are the disbelievers, the wicked ones.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة﴾ : وهي الصَّيحةُ التي تصخُّ الآذان، أي: تصمها لشدة وقعتها.
وقيل: هي مأخوذة من صَخّهُ بالحجر أي: صَكَّهُ به.
وقال الزمخشري: «صخَّ لحديثه مثل أصاخ له، فوصفت النفخة بالصاخَّة مجازاً؛ لأن النَّاس يصخُّون لها» .
وقال ابن العربي: الصاخَّة: التي تورث الصَّممَ، وإنَّها لمسمعة، وهذا من بديع الفصاحة؛ كقول الشاعر: [البسيط]
5114 - أصمَّنِي سِرُّهُمْ أيَّام فُرقتِهِمْ ... فَهل سَمِعتُمْ بِسرِّ يُورِثُ الصَّمَمَا
وقال آخر: [الطويل] 5115 - أصَمَّ بِكَ النَّاعِي وإنْ كَانَ أسْمَعَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وجواب «إذا» محذوف، يدل عليه قوله: «لكُلِّ امرئٍ مِنهُمْ يومئذٍ شأنٌ يُغنِيهِ» . والتقدير: فإذا جاءت الصاخة اشتغل كل أحد بنفسه.
فصل في تعلق الآية
لما ذكر أمر المعاش ذكر أمر المعاد ليتزودوا له بالأعمال الصالحة، والإنفاق مما امتن به عليهم.
وقال ابنُ الخطيب: لمَّا ذكر تعالى هذه الأشياء، وكان المقصود منها أمور ثلاثة:
أولها: الدلائل الدالة على التوحيد.
وثانيها: الدلائل الدالة على القدرة والمعاد.
وثالثها: أن هذا الإله الذي أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان، لا يليق بالعاقل أن يتمرَّد عن طاعته، وأن يتكبَّر على عبيده أتبع ذلك بما يكون كالمؤكِّد لهذه الأغراض، وهو شرح [أهوالِ الآخرةِ] ، فإن الإنسان إذا سمعها خاف، فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمل في الدلائل، والإيمان بها، والإعراض عن الكفر، ويدعوه أيضاً إلى ترك التكبُّر على الناس، وإلى إظهار التواضع فقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة﴾ يعني: صيحة القيامةِ، وهي النفخة الأخيرةُ، تصخُّ الأسماع أي: تصمُّها، فلا تسمع إلا ما يدعى به الأحياء.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا وهِيَ مُصِيخَةٌ يوْمَ الجُمعَةِ شفقاً مِنَ السَّاعَةِ إلاَّ الجنِّ والإنسَ» .
قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء﴾ بدل من «إذا» ، ولا يجوز أن يكون «يغنيه» عاملاً، في «إذا» ، ولا في «يوم» ؛ لأنه صفة ل «شأن» ولا يتقدم معمول الصِّفة على موصوفها.
والعامة على «يغنيه» من الإغناءِ.
وابن محيصن والزهري، وابنُ أبي عبلة وحميدٌ، وابن السميفع: «يعنيه» بفتح الياء والعين المهملة من قولهم: عناني في الأمر، أي: قصدني.
فصل في معنى الآية
قوله: «يَفِرُّ» ، أي: يهرب في يوم مجيء الصاخَّةِ، «مَنْ أخِيْهِ» أي: من مُوالاةِ أخيهِ، ومُكالمتهِ لأنه مشتغل بنفسه، لقوله بعده: ﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ، أي: يشغلهُ عن غيره.
وقيل: إنَّما يفرّ حذراً من مطالبتهم إياه بالتبعات، يقول الأخُ: ما واسيتنِي بمالك، والأبوان يقولان: قصرت في برنَا، والصاحبة تقول: أطمعتني الحرامَ، والبنون يقولون: ما علمتنا.
وقيل: لعلمه أنهم لا ينفعونه، ولا يغنون عنه شيئاً، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾ [الدخان: 41] .
وقال عبد الله بن طاهر: يفرُّ منهم لمَّا تبين له عجزهم، وقلّة حيلتهم.
وذكر الضحاك عن ابن عباس، قال: يفر قابيلُ من أخيه هابيل، ويفرُّ النبي من أمِّه، ويفرُّ إبراهيمُ من أبيه، ونوحٌ من ابنه، ولوطٌ من امرأتهِ، وآدمُ من سوءةِ بنيهِ.
قال ابنُ الخطيب: المراد: أن الذين كان المرء يفرُّ إليهم في دار الدنيا، ويستجيرُ بهم، فإنه يفرُّ منهم في دار الآخرة، وذكروا في فائدة الترتيب كأنَّه قيل: ﴿يَوْمَ يفرُّ المَرْءُ من أخِيهِ﴾ ، بل من أبويه، فإنهما أقرب من الأخوين، بل من الصَّاحبة والولد؛ لأنَّ تعلُّق القلب بهما أشد من تعلُّقه بالأبوين. ثم لمَّا ذكر الفِرارَ أتبعه بذكر سببه فقال تعالى: ﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ .
قال ابن قتيبة: «يغنيه» أي: يصرفه عن قرابته، ومنه يقال: أغْنِ عنِّي وَجْهَكَ، أي: اصرفه.
وقال أهل المعاني: إنَّ ذلك الهم الذي حصل له قد ملأ صدره، فلم يبق فيه متسع لهمّ آخر، فصار شبيهاً بالغني في أنه ملك شيئاً كثيراً.
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ . لما ذكر تعالى حال يوم القيامة في الهول بيَّن أن المكلفين فيه على قسمين: سعداء، وأشقياء، فوصف سبحانه السعيد بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ أي: مضيئة مشرقة، وقد علمت ما لها من الفوز، والنعيم، من أسفر الصبح: إذا أضاء، وهي وجوه المؤمنين «ضاحكةٌ» أي: مسرورة فرحة.
قال الكلبي: يعني بالفراغ من الحساب ﴿مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: بما آتاها الله تعالى من الكرامة.
وقال عطاءُ الخراسانيُّ: «مسْفِرةٌ» من طول ما اغبرت في سبيل الله.
وقال الضحاكُ: من آثار الوضوء.
وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: من قيامِ اللَّيل، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «مَنْ كَثُرتْ صلاتُه باللَّيلِ حسُنَ وجههُ بالنَّهارِ» .
قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ .
قال المبرد: «الغَبَرةُ» الغبارُ، والقترةُ: سوادٌ كالدُّخان.
وقال أبو عبيدة: القترُ في كلام العرب: الغبارُ، جمع القترة؛ قال الفرزدقُ: [البسيط]
5116 - مُتَوجٌ بِرداءِ المُلكِ يَتْبعهُ ... مَوْجٌ تَرى فَوقَهُ الرَّاياتِ والقَتَرَا
وفي عطفه على الغبرة ما يرد هذا إلا أن يقال: اختلف اللفظ فحسن العطف، كقوله: [الوافر]
5117 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... ... ... كَذِبًا ومَيْنَا
وقوله: [الطويل]
5118 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... ... . . النَّأيُ والبُعْدُ
وهو خلاف الأصل، وفي الحديث: «إنَّ البَهَائِمَ إذَا صَارتْ تُراباً يَوْمَ القِيَامَةِ حُولَ ذلِكَ التُّرابُ في وُجوهِ الكُفَّارِ» .
وقال زيدُ بن أسلمَ: القترةُ: ما ارتفعت إلى السماء، والغبرةُ: ما انحطت إلى الأرض، والغُبَار والعبرةُ واحدٌ.
قال ابن عباس: «تَرْهَقُهَا» أي: تغشاها، «قَتَرةٌ» أي: كسوفٌ وسواد.
وعنه - أيضاً -: ذلَّةٌ وشدَّةٌ.
وقيل: تَرهقُهَا، أي: تدركها عن قُرب، كقولك: رَهقَتْهُ الخيل إذا أدركته مسرعة، والرَّهْقُ: عجلة الهلاك، القترةُ: سواد كالدُّخان، ولا يرى أوحشُ من اجتماع الغبار والسواد في الوجه، كما ترى وجوه الزنوج إذا غبرت، فجمع الله - تعالى - في وجوههم بين السواد، والغبرة، كما جمعوا بين الكفر، والفجور، والله أعلم.
والعامة: على فتح التاء في «قَتَرة» ، وأسكنها ابن أبي عبلة.
قوله: ﴿أولئك هُمُ الكفرة﴾ : جمع كافِر، «الفَجرَةُ» : جمع فَاجِر، وهو الكاذبُ المُفتَرِي على الله تعالى.
وقيل: الفَاسقُ: يقال: فَجَرَ فُجُوراً، أي: فسَقَ، وفَجرَ: أي: كذبَ. وأصله الميل، والفاجر المائل.
روى الثعلبي عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: «مَنْ قَرَأ سُورَة ﴿عَبَسَ وتولى﴾ جاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ ووجْههُ ضَاحِكٌ مُسْتَبْشِرٌ» .
سورة التكوير
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences