Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Аз-Зумар 39:61–66
39:61Страница 465
وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦١
Аллах спасет богобоязненных, и они обретут успех (или по причине их успеха). Зло не коснется их, и они не будут опечалены.
﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ما اتَّصَفَ بِهِ أُولَئِكَ المُتَكَبِّرُونَ مِن جَهَنَّمَ. وقُرِئَ «يُنْجِي» بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْجاءِ ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ اسْمُ مَصْدَرٍ كالفَلاحِ عَلى ما في الكَشْفِ أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ عَلى ما في غَيْرِهِ مِن فازَ بِكَذا إذا أفْلَحَ بِهِ وظَفَرَ بِمُرادِهِ مِنهُ، وقالَ الرّاغِبُ: هي مَصْدَرُ فازَ أوِ اسْمُ الفَوْزِ ويُرادُ بِها الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ كالفَلاحِ وبِهِ فَسَّرَها السُّدِّيُّ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ مُفِيدَةٌ لِمُقارَنَةِ تَنْجِيَتِهِمْ مِنَ العَذابِ لِنَيْلِ الثَّوابِ أيْ يُنْجِيهِمُ اللَّهُ تَعالى مِن جَهَنَّمَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ لِتَقْواهم مِمّا اتَّصَفَ المُتَكَبِّرُونَ بِهِ مُلْتَبِسِينَ بِفَلاحِهِمْ وظَفَرِهِمْ بِالبُغْيَةِ وهي الجَنَّةُ، ومَآلُهُ يُنْجِيهِمْ مِنَ النّارِ ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، وكَوْنُ الجَنَّةِ بُغْيَةَ المُتَّقِي كائِنًا مَن كانَ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ. نَعَمْ هي بُغْيَةٌ لِبَعْضِ المُتَّقِينَ مِن حَيْثُ إنَّها مَحَلُّ رُؤْيَةِ مَحْبُوبِهِمُ الَّتِي هي غايَةُ مَطْلُوبِهِمْ ولَكَ أنْ تُعَمِّمَ البُغْيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا إمّا مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِن ضَمِيرِ ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ مُفِيدَةً لِكَوْنِهِمْ مَعَ التَّنْجِيَةِ أوِ الفَوْزِ مَنفِيًّا عَنْهم عَلى الدَّوامِ مِساسَ جِنْسِ السُّوءِ والحُزْنِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الحالَ مُقَدَّرَةٌ، وقِيلَ: إنَّها مُقارَنَةٌ مُفِيدَةٌ لِكَوْنِ تَنْجِيَتِهِمْ أوْ مَفازَتِهِمْ بِالجَنَّةِ غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ بِمِساسِ العَذابِ والحُزْنِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَتَسَنّى بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ المُتَّقِينَ إذْ مِنهم مَن يَمَسُّهُ العَذابُ ويَحْزَنُ لا مَحالَةَ، وعَدَّ وُجُودَ ذَلِكَ لِقِلَّتِهِ وانْقِطاعِهِ كَلا وُجُودَ تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمَفازَةِ الفَلاحُ ويُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ( لا يَمَسُّهُمُ ) .. إلَخْ. اسْتِئْنافًا لِبَيانِها كَأنَّهُ قِيلَ: ما مَفازَتُهم ؟ فَقِيلَ: لا يَمَسُّهم.. إلَخْ. .
والباءُ حِينَئِذٍ عَلى ما في الكَشْفِ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُنَجِّي أيْ يُنْجِيهِمْ بِنَفْيِ السُّوءِ والحُزْنِ عَنْهم. وتُعُقِّبَ بِأنَّ في جَعْلِ عَدَمِ الحُزْنِ وعَدَمِ السُّوءِ سَبَبَ النَّجاةِ تَكَلُّفًا فَهُما مِنَ النَّجاةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَوْ جُعِلَتِ الباءُ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا لِلْمُلابَسَةِ لا يَرُدُّ ذَلِكَ، وجُوِّزَ كَوْنُ المَفازَةِ اسْمَ مَكانٍ أيْ مَحَلُّ الفَوْزِ، وفَسُّرَتْ بِالمَنجاةِ مَكانَ النَّجاةِ، وصَحَّ ذَلِكَ لِأنَّ النَّجاةَ فَوْزٌ وفَلاحٌ، وجُعِلَتِ الباءُ عَلَيْهِ لِلسَّبَبِيَّةِ وهُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ باءِ السَّبَبِيَّةِ وإنَّ المَنجاةَ لا تَصْلُحُ سَبَبًا أيْ يُنْجِيهِمْ بِسَبَبِ مَنجاتِهِمْ وهو الإيمانُ، وهو كالتَّصْرِيحِ بِما اقْتَضاهُ تَعْلِيقُ الفِعْلِ بِالمَوْصُولِ السّابِقِ، وفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَوّاهُ بِما حَكاهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِيُتِمَّ مَذْهَبَهُ أوْ لا مُضافَ بَلْ هُناكَ مَجازٌ بِتِلْكَ القَرِينَةِ مِن إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، والجُمْلَةُ بَعْدُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ في هَذا الوَجْهِ حالٌ ولا يَخْفى أنَّ المَفازَةَ بِمَعْنى المَنجاةِ مَكانَ النَّجاةِ هي الجَنَّةُ والإيمانُ أوِ العَمَلُ الصّالِحُ لَيْسَ سَبَبًا لَها نَفْسَها وإنَّما هو سَبَبُ دُخُولِها فَلا بُدَّ مِنَ اعْتِبارِهِ فَلا تَغْفُلْ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ المَفازَةُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا مِن فازَ مِنهُ أيْ نَجا مِنهُ يُقالُ: طُوبى لِمَن فازَ بِالثَّوابِ وفازَ مِنَ العِقابِ أيْ ظَفَرَ بِهِ ونَجا، والباءُ إمّا لِلْمُلابَسَةِ والجُمْلَةُ بَيانٌ لِلْمَفازَةِ أيْ يُنْجِيهِمُ اللَّهُ تَعالى مُلْتَبِسِينَ بِنَجاتِهِمُ الخاصَّةِ لَهم أيْ بِنَفْيِ السُّوءِ والحُزْنِ عَنْهم، ولا يَخْفى رَكاكَةُ هَذا المَعْنى، وإمّا لِلسَّبَبِيَّةِ إمّا عَلى حَذْفِ المُضافِ أوِ التَّجَوُّزِ نَظِيرَ ما مَرَّ آنِفًا، ولا يَحْتاجُ هُنا إلى اعْتِبارِ الدُّخُولِ كَما لا يَخْفى، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا.
وجُوِّزَ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ تَعَلُّقُ ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ بِما بَعْدَهُ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وبِالجُمْلَةِ الِاحْتِمالاتُ العَقْلِيَّةُ في الآيَةِ كَثِيرَةٌ لِأنَّ المَفازَةَ إمّا اسْمُ مَصْدَرٍ أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوِ اسْمُ مَكانٍ مِن فازَ بِهِ ظَفَرَ أوْ مِن فازَ مِنهُ نَجا والباءُ إمّا
صفحة 21
لِلْمُلابَسَةِ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلِاسْتِعانَةِ، وهي إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها أوْ بِما بَعْدَها وهَذِهِ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ احْتِمالًا وإذا ضَمَمْتَ إلَيْها احْتِمالَ حَذْفِ المُضافِ في بِمَفازَتِهِمْ بِمَعْنى مَنجاتِهِمْ أوْ نَجاتِهِمْ واحْتِمالَ التَّجَوُّزِ فِيهِ كَذَلِكَ وكَذا احْتِمالَ كَوْنِ جُمْلَةِ لا ( يَمَسُّهُمُ ) .. إلَخْ. حالًا مِنَ المَوْصُولِ واحْتِمالَ كَوْنِها حالًا مِن ضَمِيرِ - مَفازَتِهِمْ - واحْتِمالَ كَوْنِ الحالِ مُقَدَّرَةً وكَوْنَها مُقارَنَةً زادَتْ كَثِيرًا، ولا يَخْفى أنَّ فِيها المَقْبُولَ ودُونَهُ بَلْ فِيها ما لا يَتَسَنّى أصْلًا فَأمْعِنِ النَّظَرَ ولا تَجْمُدْ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ والأعْرَجُ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ «بِمَفازاتِهِمْ» جَمْعًا لِتَكُونَ عَلى طِبْقِ المُضافِ إلَيْهِ في الدَّلالَةِ عَلى التَّعَدُّدِ صَرِيحًا
39:62Страница 465
ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ٦٢
Аллах - Творец всякой вещи. Он - Попечитель и Хранитель всякой вещи.
﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ لَكِنْ لا بِالجَبْرِ بَلْ بِمُباشَرَةِ المُتَّصِفِ بِهِما لِأسْبابِهِما فالآيَةُ رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ رَدًّا ظاهِرًا ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ يَتَوَلّى التَّصَرُّفَ فِيهِ كَيْفَما يَشاءُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وكَأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ وأنَّ المَنافِعَ والمَضارَّ راجِعَةٌ إلى العِبادِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى حَفِيظٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ كَما قِيلَ نَحْوَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) [الأنْعامَ: 107، الزُّمَرَ: 41، الشُّورى: 6] وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى يَتَوَلّى حِفْظَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْدَ خَلْقِهِ فَيَكُونُ إشارَةً إلى احْتِياجِ الأشْياءِ إلَيْهِ تَعالى في بَقائِها كَما أنَّها مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ في وُجُودِها.
39:63Страница 465
لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٣
Ему принадлежат ключи небес и земли. А те, которые не веруют в знамения Аллаха, являются потерпевшими убыток.
﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مَفاتِيحُها كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم فَقِيلَ هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وقِيلَ: جَمْعُ مِقْلِيدٍ وقِيلَ: جَمْعُ مِقْلادٍ مِنَ التَّقْلِيدِ بِمَعْنى الإلْزامِ ومِنهُ تَقْلِيدُ القَضاءِ وهو إلْزامُهُ النَّظَرَ في أُمُورِهِ، وكَذا القِلادَةُ لِلُزُومِها لِلْعُنُقِ، وجُعِلَ اسْمًا لِلْآلَةِ المَعْرُوفَةِ لِلْإلْزامِ بِمَعْنى الحِفْظِ وهو عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ عَرَبِيٌّ والأشْهَرُ الأظْهَرُ كَوْنُهُ مُعَرَّبًا فَهو جَمْعُ إقْلِيدٍ مُعَرَّبُ إكْلِيدٍ وهو جَمْعٌ شاذٌّ لِأنَّ جَمْعَ إفْعِيلٍ عَلى مَفاعِيلَ مُخالِفٌ لِلْقِياسِ وجاءَ أقالِيدُ عَلى القِياسِ ويُقالُ: في إكْلِيدٍ كِلِيدٍ بِلا هَمْزَةٍ، وذَكَرَ الشِّهابُ أنَّهُ بِلُغَةِ الرُّومِ أقْلِيدِسُ وكَلِيدُ وأكْلِيدُ مِنهُ، والمَشْهُورُ أنَّ كَلِيدُ فارِسِيٌّ ولَمْ يَشْتَهِرْ في الفارِسِيَّةِ إكْلِيدُ بِالهَمْزِ، ولَهُ مَقالِيدُ كَذا قِيلَ: مَجازٌ عَنْ كَوْنِهِ مالِكَ أمْرِهِ ومُتَصَرِّفًا فِيهِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، ويُكَنّى بِهِ عَنْ مَعْنى القُدْرَةِ والحِفْظِ، وجُوِّزَ كَوْنُ المَعْنى الأوَّلِ كِنائِيًّا لَكِنْ قَدِ اشْتُهِرَ فَنُزِّلَ مَنزِلَةَ المَدْلُولِ الحَقِيقِيِّ فَكُنِّيَ بِهِ عَنِ المَعْنى الآخَرِ فَيَكُونُ هُناكَ كِنايَةٌ عَلى كِنايَةٍ وقَدْ يُقْتَصَرُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ في الإرادَةِ وعَلَيْهِ قِيلَ هُنا المَعْنى لا يَمْلِكُ أمْرَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيها غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ. والبَيْضاوِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ قالَ: هو كِنايَةٌ عَنْ قُدْرَتِهِ تَعالى وحِفْظِهِ لَها وفِيهِ مَزِيدُ دَلالَةٍ عَلى الِاسْتِقْلالِ والِاسْتِبْدادِ لِمَكانِ اللّامِ والتَّقْدِيمِ، وقالَ الرّاغِبُ: مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ ما يُحِيطُ بِها، وقِيلَ: خَزائِنُها، وقِيلَ: مَفاتِيحُها، والإشارَةُ بِكُلِّها إلى المَعْنى واحِدٌ وهو قُدْرَتُهُ تَعالى عَلَيْها وحِفْظُهُ لَها. انْتَهى. .
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في خَزائِنِ السَّماواتِ والأرْضِ أيْ ما أوْدَعَ فِيها واسْتَعَدَّتْ لَهُ مِنَ المَنافِعِ غَيْرُهُ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ إنْ كانَتْ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ عَلى المَعْنى الأوَّلِ فالأظْهَرُ الِاقْتِصارُ في مَعْناها عَلى أنَّهُ لا يَمْلِكُ أمْرَ السَّماواتِ والأرْضِ أيِ العالَمَ بِأسْرِهِ غَيْرُهُ تَعالى فَكَأنَّهُ قِيلَ: هو تَعالى يَتَوَلّى التَّصَرُّفَ في كُلِّ شَيْءٍ لِأنَّهُ لا يَمْلِكُ أمْرَهُ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، وإنْ كانَتْ تَعْلِيلًا لَهُ عَلى المَعْنى الثّانِي فالأظْهَرُ الِاقْتِصارُ في مَعْناها عَلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ عَلَيْها لِأحَدٍ غَيْرُهُ جَلَّ شَأْنُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هو تَعالى يَتَوَلّى حِفْظَ كُلِّ شَيْءٍ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ غَيْرُهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها وأنْ تَكُونَ صِفَةً ( وكِيلٌ ) وأنْ تَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ فَأمْعِنِ النَّظَرَ في ذَلِكَ وتَدَبَّرْ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى ويُوسُفُ القاضِي في
صفحة 22
سُنَنِهِ، وأبُو الحَسَنِ القَطّانُ في المُطَوَّلاتِ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو حَيٌّ لا يَمُوتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»» الحَدِيثَ.
وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عُثْمانَ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ مَقالِيدِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ بِيَدِهِ الخَيْرُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يا عُثْمانُ مَن قالَها إذا أصْبَحَ عَشْرَ مَرّاتٍ وإذا أمْسى أعْطاهُ اللَّهُ سِتَّ خِصالٍ. أمّا أُولَهُنَّ فَيُحْرَسُ مِن إبْلِيسَ وجُنُودِهِ. وأمّا الثّانِيَةُ فَيُعْطى قِنْطارًا مِنَ الأجْرِ وأمّا الثّالِثَةُ فَيَتَزَوَّجُ مِنَ الحُورِ العِينِ. وأمّا الرّابِعَةُ فَيُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ. وأمّا الخامِسَةُ فَيَكُونُ مَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأمّا السّادِسَةُ فَيَحْضُرُهُ اثْنا عَشَرَ مَلَكًا عِنْدَ مَوْتِهِ يُبَشِّرُونَهُ بِالجَنَّةِ ويَزُفُّونَهُ مِن قَبْرِهِ إلى المَوْقِفِ فَإنْ أصابَهُ شَيْءٌ مِن أهاوِيلِ يَوْمِ القِيامَةِ قالُوا لَهُ لا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ثُمَّ يُحاسِبُهُ اللَّهُ حِسابًا يَسِيرًا ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إلى الجَنَّةِ فَيَزُفُّونَهُ إلى الجَنَّةِ مِن مَوْقِفِهِ كَما تُزَفُّ العَرُوسُ حَتّى يُدْخِلُوهُ الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى والنّاسُ في شِدَّةِ الحِسابِ».
وفِي رِوايَةِ العُقَيْلِيِّ والبَيْهَقِيِّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ عُثْمانَ سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ تَفْسِيرِ ( ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ تَفْسِيرَها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ وسُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ هو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ بِيَدِهِ الخَيْرُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».
وفِي رِوايَةِ الحَرْثِ بْنِ أبِي أُسامَةَ. وابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««هِيَ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»» وبِالجُمْلَةِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في الجَوابِ، وقِيلَ في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنَّهُ ضَعِيفٌ في سَنَدِهِ مَن لا تَصْلُحُ رِوايَتُهُ، وابْنُ الجَوْزِيِّ قالَ: إنَّهُ مَوْضُوعٌ ولَمْ يُسَلِّمْ لَهُ وحالُ الأخْبارِ الأُخَرِ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِهِ والظَّنُّ الضَّعْفُ.
والمَعْنى عَلَيْها أنَّ لِلَّهِ تَعالى هَذِهِ الكَلِماتِ يُوَحَّدُ بِها سُبْحانَهُ ويُمَجَّدُ وهي مَفاتِيحُ خَيْرِ السَّماواتِ والأرْضِ مَن تَكَلَّمَ بِها مِنَ المُؤْمِنِينَ أصابَهُ، فَوَجْهُ إطْلاقِ المَقالِيدِ عَلَيْها أنَّها مُوَصِّلَةٌ إلى الخَيْرِ كَما تُوَصِّلُ المَفاتِيحُ إلى ما في الخَزائِنِ، وقَدْ ذَكَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَدَّ في الحَدِيثِ قَبْلَهُ عَشْرَ خِصالٍ لِمَن قالَها كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ وهو بِتَمامِهِ في الدُّرِّ المَنثُورِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .. إلَخْ. أيْ إنَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ والَّذِينَ كَفَرُوا وجَحَدُوا ذَلِكَ أُولَئِكَ هُمُ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ، وقِيلَ: عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ فِيهِ.
وقِيلَ: عَلى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ فالَّذِينَ اتَّقَوْا أوْ فالَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِ اللَّهِ هُمُ الفائِزُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا.. إلَخْ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ﴾ .. إلَخْ. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ ويُنَجِّي اللَّهُ المُتَّقِينَ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى مُهَيْمِنٌ عَلى العِبادِ ( مُطَّلِع ) عَلى أفْعالِهِمْ مُجازٍ عَلَيْها، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ وفَلاحِهِمْ وعِقابِ الكَفَرَةِ وخُسْرانِهِمْ ولَمْ يَقُلْ ويُهْلِكُ الَّذِينَ كَفَرُوا
صفحة 23
بِخُسْرانِهِمْ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ويُنَجِّي﴾ .. إلَخْ. لِلْإشْعارِ بِأنَّ العُمْدَةَ في فَوْزِ المُؤْمِنِينَ فَضْلُهُ تَعالى فَلِذا جَعَلَ نَجاتَهم مُسْنَدَةً لَهُ تَعالى حادِثَةً لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ غَيْرَ ثابِتَةٍ قَبْلَ ذَلِكَ بِالِاسْتِحْقاقِ والأعْمالِ بِخِلافِ هَلاكِ الكَفَرَةِ فَإنَّهم قَدَّمُوهُ لِأنْفُسِهِمْ بِما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ ولَمْ يُسْنَدْ لَهُ تَعالى ولَمْ يُعَبَّرْ عَنْهُ بِالمُضارِعِ أيْضًا، وفي ذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِالوَعْدِ وتَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ حَيْثُ قِيلَ: ( اَلْخاسِرُونَ ) ولَمْ يَقُلِ الهالِكُونَ أوِ المُعَذَّبُونَ أوْ نَحْوَهُ وهو قَضِيَّةُ الكَرَمِ. وعَطْفُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ مِمّا لا شُبْهَةَ في جَوازِهِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ رَدُّ قَوْلِ الإمامِ الرّازِيِّ: إنَّ هَذا الوَجْهَ ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ وُقُوعُ الفَضْلِ الكَثِيرِ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. الثّانِي وُقُوعُ الِاخْتِلافِ بَيْنَهُما في الفِعْلِيَّةِ والِاسْمِيَّةِ وهو لا يَجُوزُ، والإمامُ أبُو حَيّانَ مَنَعَ كَوْنَ الفاصِلِ كَثِيرًا.
وقالَ في الوَجْهِ الثّانِي: إنَّهُ كَلامُ مَن لَمْ يَتَأمَّلْ كَلامَ العَرَبِ ولا نَظَرَ في أبْوابِ الِاشْتِغالِ. نَعَمْ قالَ في الكَشْفِ يُؤَيِّدُ الِاتِّصالَ بِما يَلِيهِ دُونَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُنَجِّي﴾ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا﴾ فَلَوْ قِيلَ بَعْدَهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ لَمْ يَحْسُنْ لِأنَّ الأحْسَنَ عَلى هَذا المَساقِ أنْ يُقَدَّمَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ﴾ عَلى ما لا يَخْفى ولِأنَّهُ كالتَّخَلُّصِ إلى ما بَعْدَهُ مِن حَدِيثِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ والإخْلاصِ إذْ ذاكَ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ، ثُمَّ الحَصْرُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ تَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ وضَمِيرُ الفَصْلِ بِاعْتِبارِ الكَمالِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ لا بِاعْتِبارِ مُطْلَقِ الخُسْرانِ فَإنَّهُ لا يُخْتَصُّ بِهِمْ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَصْرَ قَلْبٍ فَإنَّهم يَزْعُمُونَ المُؤْمِنِينَ خاسِرِينَ.
39:64Страница 465
قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ ٦٤
Скажи: «Неужели вы повелеваете мне поклоняться кому-либо другому вместо Аллаха, о невежды?».
﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ أيْ أبَعْدَ الآياتِ المُقْتَضِيَةِ لِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ غَيْرَ اللَّهِ أعْبُدُ، فَغَيْرُ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِأعْبُدَ ( وتَأْمُرُونِّي ) اعْتِراضٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أمَرُوهُ بِهِ عَقِيبَ ذَلِكَ وقالُوا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اسْتَلِمْ بَعْضَ آلِهَتِنا ونُؤْمِن بِإلَهِكَ لِفَرْطِ غَباوَتِهِمْ ولِذا نُودُوا بِعُنْوانِ الجَهْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( أعْبُدُ ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ - لِتَأْمُرُونِّي - عَلى أنَّ الأصْلَ تَأْمُرُونِّي أنْ أعْبُدَ فَحُذِفَتْ أنْ وارْتَفَعَ الفِعْلُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ:
ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرُ الوَغى
ويُؤَيِّدُ قِراءَةَ مَن قَرَأ «أعْبُدَ» بِالنَّصْبِ، و«غَيْرَ» مَنصُوبٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ أيْ تُعَبِّدُونَنِي غَيْرَ اللَّهِ أيْ أتُصِيرُونَنِي عابِدًا غَيْرَهُ تَعالى، ولا يَصِحُّ نَصْبُهُ بِأعْبُدَ لِأنَّ الصِّلَةَ لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَها والمُقَدَّرُ كالمَوْجُودِ، وقالَ بَعْضُهم: هو مَنصُوبٌ بِهِ وأنْ بَعْدَ الحَذْفِ يَبْطُلُ حُكْمُها المانِعُ عَنِ العَمَلِ، وقَرَأابْنُ كَثِيرٍ ( تَأْمُرُونِّي ) بِالإدْغامِ وفَتْحِ الياءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «تَأْمُرُونَنِي» بِإظْهارِ النُّونَيْنِ عَلى الأصْلِ، ونافِعٌ «تَأْمُرُونِيَ» بِنُونٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ وفَتْحِ الياءِ، وفي تَعْيِينِ المَحْذُوفِ مِنَ النُّونَيْنِ خِلافٌ فَقِيلَ: الثّانِيَةُ لِأنَّها الَّتِي حَصَلَ بِها التَّكْرارُ، وقِيلَ: الأُولى لِأنَّها حَرْفُ إعْرابٍ عُرْضَةٌ لِلتَّغْيِيرِ
39:65Страница 465
وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥
Тебе и твоим предшественникам уже было внушено: «Если ты станешь приобщать сотоварищей, то тщетными будут твои деяния и ты непременно окажешься одним из потерпевших убыток».
﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ﴾ أيْ بِاللَّهِ تَعالى شَيْئًا ما ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ( لَئِنْ ) .. إلَخْ. نائِبُ فاعِلٍ ( أُوحِيَ ) لَكِنْ قِيلَ في الكَلامِ حَذْفٌ والأصْلُ أُوحِيَ إلَيْكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ.. إلَخْ، وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ مِثْلُ ذَلِكَ، وقِيلَ: لا حَذْفَ، وإفْرادُ الخِطابِ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُرْسَلِينَ المُوحى إلَيْهِمْ فَإنَّهُ أوْحى لِكُلٍّ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ﴾ .. إلَخْ. بِالإفْرادِ، وذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ الجُمَلَ لا تَكُونُ فاعِلَةً فَلا تَقُومُ مَقامَ الفاعِلِ، فَفي البَحْرِ أنَّ ( إلَيْكَ ) حِينَئِذٍ نائِبُ الفاعِلِ، والمَعْنى كَما قالَ مُقاتِلٌ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ
صفحة 24
مِن قَبْلِكَ بِالتَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ﴾ .. إلَخْ. اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً وهو كَما تَرى، وأيًّا ما كانَ فَهو كَلامٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ لِتَهْيِيجِ المُخاطَبِ المَعْصُومِ وإقْناطِ الكَفَرَةِ والإيذانِ بِغايَةِ شَناعَةِ الإشْراكِ وقُبْحِهِ وكَوْنِهِ بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يَكادُ يُباشِرُهُ فَكَيْفَ بِمَن عَداهُ، فالِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ صُدُورِ الكَبائِرِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما في المَواقِفِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فاحْتِمالُ الوُقُوعِ فَرْضًا كافٍ في الشَّرْطِيَّةِ لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ اسْتِحالَةَ الوُقُوعِ شَرْعِيَّةٌ، ولاما ( لَقَدْ ولَئِنْ ) . مُوَطِّئَتانِ لِلْقَسَمِ واللّامانِ بَعْدُ لِلْجَوابِ، وفي عَدَمِ تَقْيِيدِ الإحْباطِ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى الإشْراكِ إلى المَوْتِ دَلِيلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ الذّاهِبِينَ إلى أنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ الأعْمالَ الَّتِي قَبْلَها مُطْلَقًا. نَعَمْ قالُوا: لا يَقْضِي مِنها بَعْدَ الرُّجُوعِ إلى الإسْلامِ إلّا الحَجَّ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ أنَّ الرِّدَّةَ لا تُحْبِطُ العَمَلَ السّابِقَ عَلَيْها ما لَمْ يَسْتَمِرَّ المُرْتَدُّ عَلى الكُفْرِ إلى المَوْتِ، وتُرِكَ التَّقْيِيدُ هُنا اعْتِمادًا عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البَقَرَةَ: 217] ويَكُونُ ذَلِكَ مِن حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ.
وأجابَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ بِأنَّ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ تَوْزِيعًا ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ ناظِرْ إلى الِارْتِدادِ عَنِ الدِّينِ ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ .. إلَخْ. ناظِرْ إلى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ فَلا مُقَيَّدَ لِيُحْمَلَ المُطْلَقُ عَلَيْهِ، ومِن هَذا الخِلافِ نَشَأ الخِلافُ في الصَّحابِيِّ إذا ارْتَدَّ ثُمَّ عادَ إلى الإسْلامِ بَعْدَ وفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ قَبْلَها ولَمْ يَرَهُ هَلْ يُقالُ لَهُ: صَحابِيٌّ أمْ لا، فَمَن ذَهَبَ إلى الإطْلاقِ قالَ لا ومَن ذَهَبَ إلى التَّقْيِيدِ قالَ: نَعَمْ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإحْباطُ مُطْلَقًا مِن خَصائِصِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ شِرْكُهُ وحاشاهُ أقْبَحُ، وفِيهِ ضَعْفٌ لِأنَّ الغَرَضَ تَحْذِيرُ أُمَّتِهِ وتَصْوِيرُ فَظاعَةِ الكُفْرِ فَتَقْدِيرُ أمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ لا يَتَعَدّى مِنَ النَّبِيِّ إلى الأُمَّةِ لا اتِّجاهَ لَهُ مَعَ أنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهُ مِن نَقْلٍ أوْ عَقْلٍ، والمُرادُ بِالخُسْرانِ عَلى مَذْهَبِ الحَنَفِيَّةِ ما لَزِمَ مِن حَبَطِ العَمَلِ فَكانَ الظّاهِرُ - فَتَكُونُ - إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الإحْباطِ والخُسْرانِ يَسْتَقِلُّ في الزَّجْرِ عَنِ الإشْراكِ، وقِيلَ: الخُلُودُ في النّارِ فَيَلْزَمُ التَّقْيِيدُ بِالمَوْتِ كَما هو عِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.
وقُرِئَ «لَيُحْبِطَنَّ» مِن أحْبَطَ «عَمَلَكَ» بِالنَّصْبِ أيْ لَيُحْبِطَنَّ اللَّهُ تَعالى أوِ الإشْراكُ عَمَلَكَ، وقُرِئَ بِالنُّونِ ونَصْبِ «عَمَلَكَ» أيْضًا
39:66Страница 465
بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٦
Поклоняйся же одному Аллаху и будь в числе благодарных.
﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ رَدٌّ لِما أمَرُوهُ بِهِ مِنَ اسْتِلامِ بَعْضِ آلِهَتِهِمْ، والفاءُ جَزائِيَّةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتَ عابِدًا أوْ عاقِلًا فاعْبُدِ اللَّهَ فَحُذِفَ الشَّرْطُ وجُعِلَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ عِوَضًا عَنْهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وسَلَفُهُ في كَوْنِها جَزائِيَّةَ الزَّجّاجِ، وأنْكَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ التَّقْدِيمِ عِوَضًا عَنِ الشَّرْطِ، ومَذْهَبُ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ أنَّ الفاءَ زائِدَةٌ بَيْنَ المُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ والِاسْمُ الجَلِيلُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ اللَّهَ أعْبُدُ فاعْبُدْهُ وقُدِّرَ مُؤَخَّرًا لِيُفِيدَ الحَصْرَ.
وفِي الِانْتِصافِ مُقْتَضى كَلامِ سِيبَوَيْهِ أنَّ الأصْلَ تَنَبَّهْ فاعْبُدِ اللَّهَ فَخَذَفُوا الفِعْلَ الأوَّلَ اخْتِصارًا واسْتَنْكَرُوا الِابْتِداءَ بِالفاءِ ومِن شَأْنِها التَّوَسُّطُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَقَدَّمُوا المَفْعُولَ فَصارَتِ الفاءُ مُتَوَسِّطَةً لَفْظًا ودالَّةً عَلى المَحْذُوفِ وانْضافَ إلَيْها فائِدَةُ الحُصْرِ لِإشْعارِ التَّقْدِيمِ بِالِاخْتِصاصِ، واعْتِبارُ الِاخْتِصاصِ قِيلَ: مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنِ الكَلامُ رَدًّا عَلَيْهِمْ فِيما أمَرُوهُ بِهِ لَوْلاهُ فَإنَّهم لَمْ يَطْلُبُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَرْكَ عِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَلِ اسْتِلامَ آلِهَتِهِمْ والشَّرَكَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: عِبادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَعَ الشِّرْكِ
صفحة 25
كَلا عِبادَةَ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا أغْنى الشُّرَكاءِ فَمَن أشْرَكَ في عَمَلِهِ أحَدًا مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ فَعَمَلُهُ لِمَن أشْرَكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الأخْبارِ، وقَرَأ عِيسى «بَلِ اللَّهُ» بِالرَّفْعِ ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ إنْعامَهُ تَعالى عَلَيْكَ الَّذِي يَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ الحَصْرِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مُوجَبِ الِاخْتِصاصِ
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии