Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Аз-Зухруф 43:13–21
43:13Страница 490
لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ ١٣
чтобы вы поднимались на их спины (или палубы), а затем поминали милость вашего Господа после того, как поднялись на них, и говорили: «Пречист Тот, Кто подчинил нам это, ведь мы сами на такое были неспособны.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ حَيْثُ عَبَّرَ عَنِ اَلْقَرارِ عَلى اَلْجَمِيعِ بِالِاسْتِواءِ عَلى اَلظُّهُورِ اَلْمَخْصُوصِ بِالدَّوابِّ والضَّمِيرِ - لِما تَرْكَبُونَ - وأُفْرِدَ رِعايَةً لِلَّفْظِ، وجَمَعَ ظُهُورَ مَعَ إضافَتِهِ إلَيْهِ رِعايَةً لِمَعْناهُ، والظّاهِرُ أنَّ لامَ (لِتَسْتَوُوا) لامَ كَيْ، وقالَ اَلْحَوْفِيُّ: مَن أثْبَتَ لامَ الصَّيْرُورَةِ جازَ لَهُ
صفحة 68
أنْ يَقُولَ بِهِ هُنا، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ اَلْأمْرِ، وفِيهِ بَعْدٌ مِن حَيْثُ اِسْتِعْمالِهِ أمْرَ اَلْمُخاطَبِ بِتاءِ اَلْخِطابِ، وقَدِ اِخْتُلِفَ في أمْرِهِ فَقِيلَ: إنَّهُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ قَلِيلَةٌ لا تَكادُ تُحْفَظُ إلّا في قِراءَةٍ شاذَّةٍ نَحْوَ (فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا) أوْ شِعْرٍ نَحْوَ قَوْلِهِ:
لِتَقُمْ أنْتَ يا بْنَ خَيْرِ قُرَيْشٍ
وما ذَكَرَهُ اَلْمُحَدِّثُونَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: «لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم» يَحْتَمِلُ أنَّهُ مِنَ اَلْمَرْوِيِّ بِالمَعْنى، وقالَ اَلزَّجّاجُ: إنَّها لُغَةٌ جَيِّدَةٌ، وأبُو حَيّانَ عَلى اَلْأوَّلِ وحَكاهُ عَنْ جُمْهُورِ اَلنَّحْوِيِّينَ.
﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ تَذْكُرُوها بِقُلُوبِكم مُعْتَرِفِينَ بِها مُسْتَعْظِمِينَ لَها ثُمَّ تَحْمَدُوا عَلَيْها بِألْسِنَتِكم وهَذا هو مَعْنى ذِكْرِ نِعْمَةِ اَللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ عَلى ما قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ، وحاصِلُهُ أنَّ اَلذِّكْرَ يَتَضَمَّنُ شُعُورَ اَلْقَلْبِ والمُرُورَ عَلى اَللِّسانِ فَنَزَلَ عَلى أكْمَلِ أحْوالِهِ وهو أنْ يَكُونَ ذِكْرًا بِاللِّسانِ مَعَ شُعُورٍ مِنَ اَلْقَلْبِ، وأمّا اَلِاعْتِرافُ والِاسْتِعْظامُ فَمِن نِعْمَةِ رَبِّكم لِاقْتِضائِهِ اَلْإحْضارَ في اَلْقَلْبِ لِذَلِكَ وهَذا عَيْنُ اَلْحَمْدِ اَلَّذِي هو شُكْرٌ في هَذا اَلْمَقامِ لا أنَّهُ يُوجِبُهُ وإنْ كانَ ذَلِكَ اَلتَّقْرِيرُ سَدِيدًا أيْضًا، ومِنهُ يَظْهَرُ إيثارُهُ عَلى ثُمَّ تَحْمَدُوا إذا اِسْتَوَيْتُمْ، ومَن جَوَّزَ اِسْتِعْمالَ اَلْمُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ جَوَّزَ هُنا أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ اَلذِّكْرُ اَلْقَلْبِيُّ والذِّكْرُ اَللِّسانِيُّ وهو كَما تَرى.
ولَمّا كانَتْ تِلْكَ اَلنِّعْمَةُ مُتَضَمِّنَةً لِأمْرٍ عَجِيبٍ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا﴾ هَذا أيْ وتَقُولُوا سُبْحانَ اَلَّذِي ذَلَّلَهُ وجَعَلَهُ مُنْقادًا لَنا مُتَعَجِّبِينَ مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ اَلْإشارَةُ لِلتَّحْقِيرِ بَلْ لِتَصْوِيرِ اَلْحالِ وفِيها مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِمَعْنى اَلتَّعَجُّبِ، والكَلامُ وإنْ كانَ إخْبارًا عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا يُشْعِرُ بِالطَّلَبِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ جَرِيرٍ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ. عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: رَأى اَلْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما وكَرَّمَ وجْهَهُما رَجُلا رَكِبَ دابَّةً فَقالَ: سُبْحانَ اَلَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا فَقالَ: أوَبِذَلِكَ أُمِرْتَ؟ فَقالَ: فَكَيْفَ أقُولُ؟ قالَ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي مَنَّ عَلَيْنا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي جَعَلَنِي في خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ثُمَّ تَقُولُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ - إلى- ﴿مُقْرِنِينَ﴾ وهَذا يُومِي إلى أنْ لَيْسَ اَلْمُرادُ مِنَ اَلنِّعْمَةِ نِعْمَةَ اَلتَّسْخِيرِ، وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّهُ فَسَّرَها بِنِعْمَةِ اَلْإسْلامِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ. وأبُو داوُدَ. واَلتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ. والنَّسائِيُّ. وجَماعَةٌ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ أُتِيَ بِدابَّةٍ فَلَمّا وضَعَ رِجْلَهُ في اَلرِّكابِ قالَ: بِسْمِ اَللَّهِ فَلَمّا اِسْتَوى عَلى ظَهْرِها قالَ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلاثًا واَللَّهُ أكْبَرُ ثَلاثًا سُبْحانَ اَلَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا إلى لَمُنْقَلِبُونَ سُبْحانَكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي إنَّهُ لا يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إلّا أنْتَ ثُمَّ ضَحِكَ فَقِيلَ لَهُ: مِمَّ ضَحِكْتَ يا أمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعَلَ كَما فَعَلْتُ ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اَللَّهِ مِمَّ ضَحِكْتَ؟ فَقالَ: يَتَعَجَّبُ اَلرَّبُّ مِن عَبْدِهِ إذا قالَ: رَبِّ اِغْفِرْ لِي ويَقُولُ: عَلِمَ عَبْدِي أنَّهُ لا يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ غَيْرِي،» وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. واَلتِّرْمِذِيُّ. وأبُو داوُدَ. والدّارِمِيُّ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا اِسْتَوى عَلى بَعِيرِهِ خارِجًا إلى سَفَرٍ حَمِدَ اَللَّهَ تَعالى وسَبَّحَ وكَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: سُبْحانَ اَلَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا إلى لَمُنْقَلِبُونَ،» وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ. وغَيْرُهُ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «ما مِن بَعِيرٍ إلّا في ذُرْوَتِهِ شَيْطانٌ فاذْكُرُوا اِسْمَ اَللَّهِ تَعالى إذا رَكِبْتُمُوهُ كَما أمَرَكُمْ،» وظاهِرُ اَلنَّظْمِ اَلْجَلِيلِ أنَّ تَذَكُّرَ اَلنِّعْمَةِ والقَوْلَ اَلْمَذْكُورَ لا يَخُصّانِ رُكُوبَ اَلْأنْعامِ بَلْ يَعُمّانِها والفُلْكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ يُقالُ: إذا رَكِبْتَ اَلسَّفِينَةَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ - إلى- ﴿رَحِيمٌ﴾ ويُقالُ: عِنْدَ اَلنُّزُولِ مِنها (اَللَّهُمَّ
صفحة 69
أنْزِلْنا مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ اَلْمُنْزِلِينَ ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أيْ مُطِيقِينَ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
لَقَدْ عَلِمَ اَلْقَبائِلُ ما عَقِيلٌ ∗∗∗ لَنا في اَلنّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
وهُوَ مِن أقْرَنَ اَلشَّيْءَ إذا أطاقَهُ، قالَ اِبْنُ هَرِمَةَ:
وأقْرَنْتُ ما حَمَّلْتَنِي ولَقَلَّما ∗∗∗ يُطاقُ اِحْتِمالُ اَلصَّدِّ يا دَعْدُ والهَجْرِ
وحَقِيقَةُ أقْرَنَهُ وجَدَهُ قَرِينَتَهُ وما يُقْرَنُ بِهِ لِأنَّ اَلصَّعْبَ لا يَكُونُ قَرِينَةً لِلضَّعِيفِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ في اَلضَّعِيفِ لا تُقْرِنُ بِهِ اَلصَّعْبَةَ، والقَرْنُ اَلْحَبْلُ اَلَّذِي يُقْرَنُ بِهِ، قالَ اَلشّاعِرُ:
وابْنُ اَللَّبُونِ إذا ما لَزَّ في قَرْنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ اَلْبَزْلِ اَلْقَناعِيسِ
وحاصِلُ اَلْمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَنا مِنَ اَلْقُوَّةِ ما يَضْبُطُ بِهِ اَلدّابَّةَ والفُلْكَ وإنَّما اَللَّهُ تَعالى هو اَلَّذِي سَخَّرَ ذَلِكَ وضَبَطَهُ لَنا.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ أنَّ قَوْمًا كانُوا في سَفَرٍ فَكانُوا إذا رَكِبُوا قالُوا: سُبْحانَ اَلَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وكانَ فِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ ناقَةٌ رِزامٌ فَقالَ: أمّا أنا فَلِهَذِهِ مُقْرِنٌ فَقَمَصَتْ بِهِ فَصَرَعَتْهُ فانْدَقَّتْ عُنُقُهُ، وقُرِئَ (مُقَرَّنِينَ) بِتَشْدِيدِ اَلرّاءِ مَعَ فَتْحِها وكَسْرِها وهُما بِمَعْنى اَلْمُخَفَّفِ.
43:14Страница 490
وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ١٤
Воистину, мы вернемся к нашему Господу».
﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ راجِعُونَ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ حَقَّ اَلرّاكِبِ أنْ يَتَأمَّلَ فِيما يُلابِسُهُ مِنَ اَلسَّيْرِ ويَتَذَكَّرُ مِنهُ اَلْمُسافَرَةَ اَلْعُظْمى اَلَّتِي هي اَلِانْقِلابُ إلى اَللَّهِ تَعالى فَيَبْنِي أُمُورَهُ في مَسِيرِهِ ذَلِكَ عَلى تِلْكَ اَلْمُلاحَظَةِ ولا يَأْتِي بِما يُنافِيها، ومِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ رُكُوبُهُ لِأمْرٍ مَشْرُوعٍ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اَلرُّكُوبَ مَخْطَرَةٌ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَغْفُلَ فِيهِ عَنْ تَذَكُّرِ اَلْآخِرَةِ.
43:15Страница 490
وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ مُّبِينٌ ١٥
Они (многобожники) сделали некоторых из Его рабов частью Его (приписали Ему детей и сотоварищей). Воистину, человек явно неблагодарен.
﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ فَهو حالٌ مِن فاعِلِ (لَيَقُولُنَّ) بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، والمُرادُ بَيانُ أنَّهم مُناقِضُونَ مُكابِرُونَ حَيْثُ اِعْتَرَفُوا بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ خالِقُ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ ثُمَّ وصَفُوهُ سُبْحانَهُ بِصِفاتِ اَلْمَخْلُوقِينَ وما يُناقِضُ كَوْنَهُ تَعالى خالِقًا لَهُما فَجَعَلُوا لَهُ سُبْحانَهُ جُزْءًا وقالُوا: اَلْمَلائِكَةُ بَناتُ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وعَبَّرَ عَنِ اَلْوَلَدِ بِالجُزْءِ لِأنَّهُ بَضْعَةٌ مِمَّنْ هو وُلِدَ لَهُ كَما قِيلَ: أوْلادُنا أكْبادُنا، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى مَزِيدِ اِسْتِحالَتِهِ عَلى اَلْحَقِّ اَلْواحِدِ اَلَّذِي لا يُضافُ إلَيْهِ اِنْقِسامٌ حَقِيقَةً ولا فَرْضًا ولا خارِجًا ولا ذِهْنًا جَلَّ شَأْنُهُ وعَلا، ولِتَأْكِيدِ أمْرِ اَلْمُناقَضَةِ لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جُزْءًا﴾ وقِيلَ ﴿مِن عِبادِهِ﴾ لِأنَّهُ يَلْزَمُهم عَلى مُوجَبِ اِعْتِرافِهِمْ أنْ يَكُونَ ما فِيهِما مَخْلُوقَهُ تَعالى وعَبْدَهُ سُبْحانَهُ إذْ هو حادِثٌ بَعْدَهُما مُحْتاجٌ إلَيْهِما ضَرُورَةً.
وقِيلَ: اَلْجُزْءُ اِسْمُ لِلْإناثِ يُقالُ: أجْزَأتِ اَلْمَرْأةُ إذْ ولَدَتْ أُنْثى، وأنْشَدَ قَوْلَ اَلشّاعِرِ:
إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ قَدْ تُجْزِئُ اَلْحُرَّةُ اَلْمِذْكارَ أحْيانًا
وقَوْلَهُ:
زَوَّجْتُها مِن بَناتِ اَلْأوْسِ مُجْزِئَةً ∗∗∗ لِلْعَوْسَجِ اَللَّدْنِ في أنْيابِها زَجَلُ
وجَعَلَ ذَلِكَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ مِن بِدَعِ اَلتَّفاسِيرِ وذَكَرَ أنَّ اِدِّعاءَ أنَّ اَلْجُزْءَ في لُغَةِ اَلْعَرَبِ اِسْمٌ لِلْإناثِ كَذِبٌ عَلَيْهِمْ ووَضْعٌ مُسْتَحْدَثٌ مَنخُولٌ وأنَّ اَلْبَيْتَيْنِ مَصْنُوعانِ، وقالَ اَلزَّجّاجُ: في اَلْبَيْتِ اَلْأوَّلِ لا أدْرِي قَدِيمٌ أمْ مَصْنُوعٌ.
ووَجَّهَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِأنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن جُزْءِ آدَمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ اَلْإناثِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (جُزُأً) بِضَمَّتَيْنِ، ثُمَّ لِلْكَلامِ وإنْ سِيقَ لِلْفَرْضِ اَلْمَذْكُورِ يُفْهَمُ مِنهُ كُفْرُهم لِتَجْسِيمِ اَلْخالِقِ تَعالى والِاسْتِخْفافِ بِهِ جَلَّ وعَلا حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ سُبْحانَهُ أخَسَّ اَلنَّوْعَيْنِ بَلْ إثْباتُ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي اَلْإمْكانَ
صفحة 70
اَلْمُؤْذِنَ بِحُدُوثِهِ تَعالى فَلا يَكُونُ إلَهًا ولا بارِئًا ولا خالِقًا تَعالى عَمّا يَقُولُونَ وسُبْحانَهُ عَمّا يَصْفُونَ، ولَيْسَ اَلْكَلامُ مُساقًا لِتَعْدِيدِ اَلْكُفْرانِ كَما قِيلَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ لا يَقْتَضِيهِ فَإنَّ اَلْمُرادَ اَلْمُبالَغَةُ في كُفْرانِ اَلنِّعْمَةِ وهي في إنْكارِ اَلصّانِعِ أشَدُّ مِنَ اَلْمُبالَغَةِ في كُفْرِهِمْ بِهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، و(مُبِينٌ) مِن أبانَ اَللّازِمِ أيْ ظاهِرُ اَلْكُفْرانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ اَلْمُتَعَدِّي أيْ مُظْهِرٌ كُفْرانَهُ
43:16Страница 490
أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخۡلُقُ بَنَاتٖ وَأَصۡفَىٰكُم بِٱلۡبَنِينَ ١٦
Неужели из Своих творений Он взял Себе дочерей, а вас почтил сыновьями?
﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾
﴿أمِ﴾ مُقَطَّعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِن شَأْنِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى (اِتَّخَذَ) داخِلٌ في حُكْمِ اَلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، والِالتِفاتُ إلى خِطابِهِمْ لِتَشْدِيدِ اَلْإنْكارِ أيْ بَلِ اِتَّخَذَ سُبْحانَهُ مِن خَلْقِهِ أخَسَّ اَلصِّنْفَيْنِ واخْتارَ لَكم أفْضَلَهُما عَلى مَعْنى هَبُوا أنَّ إضافَةَ اِتِّخاذِ اَلْوَلَدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ جائِزَةً فَرْضًا أما تَفَطَّنْتُمْ لِما اِرْتَكَبْتُمْ مِنَ اَلشَّطَطِ في اَلْقِسْمَةِ وقُبْحِ ما اِدَّعَيْتُمْ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ آثَرَكم عَلى نَفْسِهِ بِخَيْرِ اَلْجُزْئَيْنِ وأعْلاهُما وتَرَكَ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ شَرَّهُما وأدْناهُما فَما أنْتُمْ إلّا في غايَةِ اَلْجَهْلِ والحَماقَةِ، وتَنْكِيرُ بَناتٍ وتَعْرِيفُ اَلْبَنِينَ لِقَرِينَةِ ما اِعْتُبِرَ فِيهِما مِنَ اَلْحَقارَةِ والفَخامَةِ،
43:17Страница 490
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَٰنِ مَثَلٗا ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٌ ١٧
Когда кому-либо из них сообщают весть о рождении той, которую они приписывают Милостивому, его лицо чернеет, и он сдерживает свой гнев.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ قِيلَ: حالٌ وارْتَضاهُ اَلْعَلّامَةُ اَلثّانِي عَلى مَعْنى أنَّهم نَسَبُوا إلَيْهِ تَعالى ما ذَكَرُوا مِن حالِهِمْ أنَّ أحَدَهم إذا بُشِّرَ بِهِ اِغْتَمَّ، وقِيلَ: اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى ما قَبْلَهُ ولَيْسَ بِذاكَ. والِالتِفاتُ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ ذِكْرِ قَبائِحِهِمْ أنْ يُعْرِضَ عَنْهُ وتُحْكى لِغَيْرِهِمْ تَعْجِيبًا، والجُمْلَةُ اَلِاسْمِيَّةُ في مَوْضِعِ اَلْحالِ أيْ إذا أُخْبِرَ أحَدُهم بِجِنْسِ ما جَعَلَهُ مَثَلًا لِلرَّحْمَنِ جَلَّ شَأْنُهُ وهو جِنْسُ اَلْإناثِ لِأنَّ اَلْوَلَدَ لا بُدَّ أنْ يُجانِسَ اَلْوَلَدَ ويُماثِلَهُ صارَ وجْهُهُ أسْوَدَ في اَلْغايَةِ لِسُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ عِنْدَهُ والحالُ هو مَمْلُوءٌ مِنَ اَلْكَرْبِ والكَآبَةِ، وعَنْ بَعْضِ اَلْعَرَبِ أنَّ اِمْرَأتَهُ وضَعَتْ أُنْثى فَهَجَرَ اَلْبَيْتَ اَلَّذِي فِيهِ اَلْمَرْأةَ فَقالَتْ:
ما لِأبِي حَمْزَةَ لا يَأْتِينا يَظَلُّ في اَلْبَيْتِ اَلَّذِي يَلِينا
غَضْبانَ أنْ لا نَلِدَ اَلْبَنِينا ∗∗∗ ولَيْسَ لَنا مِن أمْرِنا ما شِينا
وإنَّما نَأْخُذُ ما أُعْطِينا
وقُرِئَ (مُسْوَدٌّ) بِالرَّفْعِ و(مِسْوادٌ) بِصِيغَةِ اَلْمُبالَغَةِ مِنَ اِسْوادَّ كاحْمارَّ مَعَ اَلرَّفْعِ أيْضًا عَلى أنَّ في (ظَلَّ) ضَمِيرَ اَلْمُبَشَّرِ ووَجْهُهُ مُسْوَدٌّ أوْ مُسْوادٌّ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ اَلْخَبَرِ، والمَعْنى صارَ اَلْمُبَشَّرُ مُسْوَدَّ اَلْوَجْهِ وقِيلَ: اَلضَّمِيرُ اَلْمُسْتَتِرُ في (ظَلَّ) ضَمِيرُ اَلشَّأْنِ والجُمْلَةُ خَبَرُها، وقِيلَ: اَلْفِعْلُ تامٌّ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ والوَجْهُ ما تَقَدَّمَ،
43:18Страница 490
أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ ١٨
Неужели они приписывают Аллаху ту, которую растят в нарядах и которая не способна ясно говорить при тяжбе?
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْإنْكارِ و(مَن) مَنصُوبَةُ اَلْمَحَلِّ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى (جَعَلُوا) وهُناكَ مَفْعُولٌ مَحْذُوفٌ أيْضًا أيْ أوَجَعَلُوا لَهُ تَعالى مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَرَبّى في اَلزِّينَةِ وهُنَّ اَلْبَناتُ كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ. ومُجاهِدٌ. وقَتادَةُ. والسُّدِّيُّ: ولِذا فالهَمْزَةُ لِإنْكارِ اَلْواقِعِ واسْتِقْباحِهِ.
وجُوِّزَ اِنْتِصابُ (مَن) بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى (اِتَّخَذَ) فالهَمْزَةُ حِينَئِذٍ لِإنْكارِ اَلْوُقُوعِ واسْتِبْعادِهِ، وإقْحامُها بَيْنَ اَلْمَعْطُوفَيْنِ لِتَذْكِيرِ ما في أمِ اَلْمُنْقَطِعَةِ مِنَ اَلْإنْكارِ، والعَطْفُ لِلتَّغايُرِ اَلْعُنْوانِيِّ أيْ أوِ اِتَّخَذَ سُبْحانَهُ مِن هَذِهِ اَلصِّفَةِ اَلذَّمِيمَةِ ولَدًا ﴿وهُوَ﴾ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ اَلْقُصُورِ ﴿فِي الخِصامِ﴾ أيِ اَلْجِدالِ اَلَّذِي لا يَكادُ يَخْلُو عَنْهُ إنْسانٌ في اَلْعادَةِ ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ غَيْرُ قادِرٍ عَلى تَقْرِيرِ دَعْواهُ وإقامَتِهِ حُجَّتَهُ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ
صفحة 71
بِمُبِينٍ، وإضافَةُ (غَيْرُ) لا تَمْنَعَ عَمَلَ ما بَعْدَها فِيهِ لِأنَّهُ بِمَعْنى اَلنَّفْيِ فَلا حاجَةَ لِجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِمُقَدَّرٍ، وجُوِّزَ كَوْنُ مَن مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ اَلْخَبَرِ أيْ أوَمَن حالُهُ كَيْتَ وكَيْتَ ولَدَهُ عَزَّ وجَلَّ، وجَعَلَ بَعْضُهم خَبَرَهُ جَعَلُوهُ ولَدًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أوِ اِتَّخَذَهُ جَلَّ وعَلا ولَدًا، وعَنِ اِبْنِ زَيْدٍ أنَّ اَلْمُرادَ بِمَن يُنَشَّأُ في اَلْحِلْيَةِ اَلْأصْنامُ قالَ: وكانُوا يَتَّخِذُونَ كَثِيرًا مِنها مِنَ اَلذَّهَبِ والفِضَّةِ ويَجْعَلُونَ اَلْحُلِيَّ عَلى كَثِيرٍ مِنها، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُبْعِدُ هَذا اَلْقَوْلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ إلّا إنْ أُرِيدَ بِنَفْيِ اَلْإبانَةِ نَفْيُ اَلْخِصامِ أيْ لا يَكُونُ مِنها خِصامٌ فَإبانَةُ كَقَوْلِهِ:
عَلى لا حُبَّ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
وعِنْدِي أنَّ هَذا اَلْقَوْلَ بَعِيدٌ في نَفْسِهِ وأنَّ اَلْكَلامَ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذَ﴾ إلى هُنا وارِدٌ لِمَزِيدِ اَلْإنْكارِ في أنَّهم قَوْمٌ مِن عادَتِهِمُ اَلْمُناقَضَةُ ورَمْيُ اَلْقَوْلِ مِن غَيْرِ عِلْمٍ، وفي اَلْمَجِيءِ بِأمِ اَلْمُنْقَطِعَةِ وما في ضِمْنِها مِنَ اَلْإضْرابِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُعْتَمَدَ اَلْكَلامِ إثْباتُ جَهْلِهِمْ ومُناقَضَتِهِمْ لا إثْباتَ كُفْرِهِمْ لَكِنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ كَما سَمِعْتَ وتَسْمَعُ إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى، وقَرَأ اَلْجَحْدَرِيُّ في رِوايَةٍ (يُنْشَأُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا، وقَرَأ اَلْحَسَنُ في رِوايَةٍ أيْضًا (يُناشَأُ) عَلى وزْنِ يُفاعَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والمُناشَأةُ بِمَعْنى اَلْإنْشاءِ كالمُغالاةِ بِمَعْنى اَلْإغْلاءِ، وقَرَأ اَلْجُمْهُورُ (يَنْشَأُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ اَلنُّشُوءَ في اَلزِّينَةِ والنُّعُومَةِ مِنَ اَلْمَعايِبِ والمَذامِّ وأنَّهُ مِن صِفاتِ رَبّاتِ اَلْحِجالِ فَعَلى اَلرَّجُلِ أنْ يَجْتَنِبَ ذَلِكَ ويَأْنَفَ مِنهُ ويَرْبَأ بِنَفْسِهِ عَنْهُ ويَعِيشَ كَما قالَ عُمَرُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ: اِخْشَوْشَنُوا في اَللِّباسِ واخْشَوْشَنُوا في اَلطَّعامِ وتَمَعْدَدُوا وإنْ أرادَ أنْ يُزَيِّنَ نَفْسَهُ زَيَّنَها مِن باطِنٍ بِلِباسِ اَلتَّقْوى،
43:19Страница 490
وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ ١٩
Они сделали ангелов, которые являются рабами Милостивого, женщинами. Разве они присутствовали при их сотворении? Их свидетельство будет записано, и они будут спрошены.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ أيْ سَمَّوْا وقالُوا: إنَّهم إناثٌ، قالَ اَلزَّجّاجُ: اَلْجَعْلُ في مِثْلِهِ بِمَعْنى اَلْقَوْلِ والحُكْمِ عَلى اَلشَّيْءِ تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أعْلَمَ اَلنّاسِ أيْ وصَفْتُهُ بِذَلِكَ وحَكَمْتُ بِهِ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ اَلْمَعْنى صَيَّرُوهم في اِعْتِقادِهِمْ إناثًا اِعْتِراضٌ وارِدٌ لِإثْباتِ مُناقَضَتِهِمْ أيْضًا وادِّعاءُ ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ اَلْمُؤَيِّدُ لِجَعْلِهِ مُعْتَمَدَ اَلْكَلامِ عَلى ما سَبَقَ آنِفًا فَإنَّهم أنَّثُوهم في هَذا اَلْمُعْتَقَدِ مِن غَيْرِ اِسْتِنادٍ إلى عِلْمٍ فارْشَدْ إلى أنَّ ما هم عَلَيْهِ مِن إثْباتِ اَلْوَلَدِ مِثْلُ ما هم عَلَيْهِ مِن تَأْنِيثِ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ في أنَّهُما سَخَفٌ وجَهْلٌ كانا كُفْرَيْنِ أوَّلًا، نَعَمْ هُما في نَفْسِ اَلْأمْرِ كُفْرانِ، أمّا اَلْأوَّلُ فَظاهِرٌ. وأمّا اَلثّانِي فَلِلِاسْتِخْفافِ بِرُسُلِهِ سُبْحانَهُ أعْنِي اَلْمَلائِكَةَ وجَعْلَهم أنْقَصَ اَلْعِبادِ رَأْيًا وأخَسَّهم صِنْفًا وهُمُ اَلْعِبادُ اَلْمُكْرَمُونَ اَلْمُبَرَّءُونَ مِنَ اَلذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ فَإنَّهُما مِن عَوارِضِ اَلْحَيَوانِ اَلْمُتَغَذِّي اَلْمُحْتاجِ إلى بَقاءِ نَوْعِهِ لِعَدَمِ جَرَيانِ حِكْمَةِ اَللَّهِ تَعالى بِبَقاءِ شَخْصِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ لِما عَلِمْتَ مِن أنَّ اَلْجُمْلَةَ في مَوْضِعِ اَلْحالِ مِن فاعِلِ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ ولا يَحْسُنُ بِحَسَبِ اَلظّاهِرِ أنْ يُقالَ.
﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ وقَدْ جَعَلُوا اَلْمَلائِكَةَ إناثًا، وقُرِئَ (عَبِيدُ) جَمْعُ عَبْدٍ وكَذا (عِبادُ) وقِيلَ: عِبادُ جَمْعُ عابِدٍ كَصائِمٍ وصِيامٍ وقائِمٍ وقِيامٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطّابِ. والحَسَنُ. وأبُو رَجاءٍ. وقَتادَةُ. وأبُو جَعْفَرٍ. وشَيْبَةُ. والأعْرَجُ. والِابْنانِ. ونافِعٌ (عِنْدَ اَلرَّحْمَنِ) ظَرْفًا وهو أدَلُّ عَلى رَفْعِ اَلْمَنزِلَةِ وقُرْبِ اَلْمَكانَةِ، والكَلامُ عَلى اَلِاسْتِعارَةِ في اَلْمَشْهُورِ لِاسْتِحالَةِ اَلْعِنْدِيَّةِ اَلْمَكانِيَّةِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ، وقَرَأ أُبَيٌّ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بِالباءِ مُفْرِدِ عِبادٍ، والمَعْنى عَلى اَلْجَمْعِ بِإرادَةِ اَلْجِنْسِ.
وقَرَأ اَلْأعْمَشُ (عِبادَ) بِالجَمْعِ والنَّصْبِ حَكاها اِبْنُ خالَوَيْهِ وقالَ: هي في مُصْحَفِ اِبْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ، وخَرَّجَ أبُو حَيّانَ اَلنَّصْبَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ أيِ اَلَّذِينَ هم خُلِقُوا عِبادَ اَلرَّحْمَنِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (أُنُثًا) بِضَمَّتَيْنِ كَكُتُبٍ جَمْعَ إناثًا فَهو جَمْعُ اَلْجَمْعِ، وعَلى جَمِيعِ اَلْقِراءاتِ اَلْحَصْرُ إذا سَلِمَ إضافِيٌّ فَلا يَتِمُّ اَلِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى أفْضَلِيَّةِ اَلْمَلَكِ عَلى اَلْبَشَرِ.
﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ أحَضِرُوا خَلْقَ اَللَّهِ تَعالى إيّاهم فَشاهَدُوهم إناثًا حَتّى يَحْكُمُوا بِأُنُوثَتِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُعْلَمُ
صفحة 72
بِالمُشاهَدَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وفِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ اَلدَّلائِلِ اَلنَّقْلِيَّةِ لِأنَّها في مِثْلِ هَذا اَلْمَطْلَبِ مُفَرَّعَةٌ عَلى اَلْقَوْلِ بِالنُّبُوَّةِ وهُمُ اَلْكَفَرَةُ اَلَّذِينَ لا يَقُولُونَ بِها ولِنَفْيِ اَلدَّلائِلِ اَلْعَقْلِيَّةِ لِظُهُورِ اِنْتِفائِها والنَّفْيُ اَلْمَذْكُورُ أظْهَرُ في اَلتَّهَكُّمِ فافْهَمْ، وقَرَأ نافِعٌ (أأُشْهِدُوا) بِهَمْزَةٍ داخِلَةٍ عَلى أُشْهِدَ اَلرُّباعِيِّ اَلْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ سَهَّلَ هَذِهِ اَلْهَمْزَةَ فَجَعَلَها بَيْنَ اَلْهَمْزَةِ والواوِ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وابْنِ عَبّاسٍ. ومُجاهِدٍ، وفي أُخْرى أنَّهُ سَهَّلَها وأدْخَلَ بَيْنَها وبَيْنَ اَلْأوْلى ألِفًا كَراهَةَ اِجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ ونُسِبَتْ إلى جَماعَةٍ، والِاكْتِفاءُ بِالتَّسْهِيلِ أوْجَهُ، وقَرَأ اَلزُّهْرِيُّ وناسٌ (أُشْهِدُوا) بِغَيْرِ اِسْتِفْهامٍ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ رُباعِيًّا فَقِيلَ اَلْمَعْنى عَلى اَلِاسْتِفْهامِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
قالُوا تُحِبُّها قُلْتُ بُهْرا
وهُوَ اَلظّاهِرُ، وقِيلَ: عَلى اَلْإخْبارِ، والجُمْلَةُ صِفَةُ (إناثًا) وهم وإنْ لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَهم لَكِنْ نَزَلُوا لِجَراءَتِهِمْ عَلى ذَلِكَ مَنزِلَةَ مَن أُشْهِدَ أوِ اَلْمُرادُ أنَّهم أطْلَقُوا عَلَيْهِمُ اَلْإناثَ اَلْمَعْرُوفاتِ لَهُمُ اَللّاتِي أُشْهِدُوا خَلْقَهُنَّ لا صِنْفًا آخَرَ مِنَ اَلْإناثِ ولا يَخْفى ما في كِلا اَلتَّأْوِيلَيْنِ مِنَ اَلتَّكَلُّفِ ﴿سَتُكْتَبُ﴾ في دِيوانِ أعْمالِهِمْ ﴿شَهادَتُهُمْ﴾ اَلَّتِي شَهِدُوا بِها عَلى اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، وقِيلَ: سَألَهُمُ اَلرَّسُولُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «ما يُدْرِيكم أنَّهم إناثٌ فَقالُوا: سَمِعْنا ذَلِكَ مِن آبائِنا ونَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهم لَمْ يَكْذِبُوا» فَقالَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ عَنْها يَوْمَ اَلْقِيامَةِ، والكَلامُ وعِيدٌ لَهم بِالعِقابِ والمُجازاةِ عَلى ذَلِكَ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ عَلى ظاهِرِها مِنَ اَلِاسْتِقْبالِ ويَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى تَأْخِيرِ كِتابَةِ اَلسَّيِّئاتِ لِرَجاءِ اَلتَّوْبَةِ والرُّجُوعِ كَما ورَدَ في اَلْحَدِيثِ إنَّ كاتِبَ اَلْحَسَناتِ أمِينٌ عَلى كاتِبِ اَلسَّيِّئاتِ فَإذا أرادَ أنْ يَكْتُبَها قالَ لَهُ: تَوَقَّفْ فَيَتَوَقَّفُ سَبْعَ ساعاتٍ فَإنِ اِسْتَغْفَرَ وتابَ لَمْ يَكْتُبْ فَلَمّا كانَ ذَلِكَ مِن شَأْنِ اَلْكِتابَةِ قُرِنَتْ بِالسِّينِ، وكَوْنُهم كُفّارًا مُصِرِّينَ عَلى اَلْكُفْرِ لا يَأْباهُ. وقَرَأ اَلزُّهْرِيُّ (سَيُكْتَبُ) بِالياءِ اَلتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ اَلْحَسَنُ كالجُمْهُورِ إلّا أنَّهُ قَرَأ (شَهاداتِهِمْ) بِالجَمْعِ وهي قَوْلُهُمْ: إنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ جُزْءًا وإنَّ لَهُ بَناتٍ وإنَّها اَلْمَلائِكَةُ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ ما أُرِيدَ بِالمُفْرَدِ والجَمْعِ بِاعْتِبارِ اَلتَّكْرارِ، وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وأبُو جَعْفَرٍ. وأبُو حَيْوَةَ. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ. والجَحْدَرِيُّ. والأعْرَجُ (سَنَكْتُبُ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ (شَهادَتَهُمْ) بِالنَّصْبِ والإفْرادِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (سَيَكْتُبُ) بِالياءِ اَلتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وبِإفْرادِ (شَهادَتَهُمْ) ونَصْبِها أيْ سَيَكْتُبُ اَللَّهُ تَعالى شَهادَتَهم.
وقُرِئَ (يَسّاءَلُونَ) مِنَ اَلْمُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ
43:20Страница 490
وَقَالُواْ لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٢٠
Они сказали: «Если бы Милостивый пожелал, то мы не поклонялись бы им». У них нет об этом никакого знания, и они всего лишь лгут.
﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ﴾ إلَخْ إشارَةً إلى أنَّهُ مِن جِنْسِ اِدِّعائِهِمْ أُنُوثَةَ اَلْمَلائِكَةِ في أنَّهم قالُوهُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ، ومُرادُهم بِهَذا اَلْقَوْلِ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ اَلِاسْتِدْلالُ بِنَفْيِ مَشِيئَةِ اَللَّهِ تَعالى تَرْكَ عِبادَةِ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ عَلى اِمْتِناعِ اَلنَّهْيِ عَنْها أوْ عَلى حُسْنِها فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّ اَللَّهَ تَعالى لَمْ يَشَأْ تَرْكَ عِبادَتِنا اَلْمَلائِكَةَ ولَوْ شاءَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ لَتَحَقَّقَ بَلْ شاءَ جَلَّ شَأْنُهُ اَلْعِبادَةَ لِأنَّها اَلْمُتَحَقِّقَةُ فَتَكُونُ مَأْمُورًا بِها أوْ حَسَنَةً ويَمْتَنِعُ كَوْنُها مَنهِيًّا عَنْها أوْ قَبِيحَةً، وهو اِسْتِدْلالٌ باطِلٌ لِأنَّ اَلْمَشِيئَةَ لا تَسْتَلْزِمُ اَلْأمْرَ أوِ اَلْحُسْنَ لِأنَّها تَرْجِيحُ بَعْضِ اَلْمُمَكَّناتِ عَلى بَعْضٍ حَسَنًا كانَ أوْ قَبِيحًا فَلِذَلِكَ جَهِلُوا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ﴾ اَلْقَوْلِ عَلى اَلْوَجْهِ اَلَّذِي قَصَدُوهُ مِنهُ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى اَلْإشارَةِ إلى زَعْمِهِمْ أنَّ اَلْمَشِيئَةَ تَقْتَضِي طِباقَ اَلْأمْرِ لَها أوْ حُسْنَ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ ﴿مِن عِلْمٍ﴾ يَسْتَنِدُ إلى سَنَدٍ ما.
﴿إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ يَكْذِبُونَ كَما فَسَّرَهُ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، ويُطْلِقُ اَلْخَرْصُ عَلى اَلْحَزْرِ وهو شائِعٌ
صفحة 73
بَلْ قِيلَ: إنَّهُ اَلْأصْلُ وعَلى كُلٍّ هو قَوْلٌ عَنْ ظَنٍّ وتَخْمِينٍ،
43:21Страница 490
أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا مِّن قَبۡلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسۡتَمۡسِكُونَ ٢١
Разве Мы даровали им до этого Писание, которого они придерживаются?
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ نَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم بِذَلِكَ عِلْمٌ مِن طَرِيقِ اَلْعَقْلِ إلى إبْطالِ أنْ يَكُونَ لَهم سَنَدٌ مِن جِهَةِ اَلنَّقْلِ فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ لا مُتَّصِلَةً مُعادِلَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا﴾ كَما قِيلَ لِبُعْدِهِ وضَمِيرُ (قَبْلِهِ) لِلْقُرْآنِ لِعِلْمِهِ مِنَ اَلسِّياقِ أوِ اَلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، وسِينُ مُسْتَمْسِكُونَ لِلتَّأْكِيدِ لا لِلطَّلَبِ أيْ بَلْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ اَلْقُرْآنِ أوْ مِن قَبْلِ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَنْطِقُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ فَهم بِذَلِكَ اَلْكِتابِ مُتَمَسِّكُونَ وعَلَيْهِ مُعَوِّلُونَ،
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии