Аль-АлусиАз‑Зарият · 51:51–57

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Аз-Зарият 51:51–57

51:51Страница 522

وَلَا تَجۡعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥١

Не поклоняйтесь наряду с Аллахом другому божеству. Воистину, я являюсь для вас предостерегающим и разъясняющим увещевателем от Него».

﴿ولا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ عَطْفٌ عَلى الأمْرِ، وهو نَهْيٌ عَنِ الإشْراكِ صَرِيحًا عَلى نَحْوِ وحُدُودُهُ ولا تُشْرِكُوا، ومِنَ الأذْكارِ المَأْثُورَةِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهَ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وكَرَّرَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ لِاتِّصالِ الأوَّلِ بِالأمْرِ واتِّصالِ هَذا بِالنَّهْيِ والغَرَضُ مِن كُلِّ ذَلِكَ الحَثُّ عَلى التَّوْحِيدِ والمُبالَغَةُ في النَّصِيحَةِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ الأمْرُ بِالإيمانِ ومُلازَمَةُ الطّاعَةِ، وذُكِرَ ﴿ولا تَجْعَلُوا﴾ إلَخْ، إفْرادًا لِأعْظَمِ ما يَجِبُ أنْ يُفَرَّ مِنهُ، ( وإنِّي لَكم ) إلَخْ، الأوَّلُ مُرَتَّبُ عَلى تَرْكِ الإيمانِ والطّاعَةِ، والثّانِي عَلى الإشْراكِ فَهُما مُتَغايِرانِ لِتَغايُرِ ما تُرُتِّبَ كُلٌّ مِنهُما عَلَيْهِ ووَقَعَ تَعْلِيلًا لَهُ ولا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في الآيَةِ: فِرُّوا ( إلى ) طاعَتِهِ وثَوابِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ وعِقابِهِ ووَحِّدُوا ولا تُشْرِكُوا بِهِ، وكُرِّرَ ( إنِّي لَكم ) إلَخْ عِنْدَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ والنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ لِيُعْلَمَ أنَّ الإيمانَ لا يَنْفَعُ إلّا مَعَ العَمَلِ كَما أنَّ العَمَلَ لا يَنْفَعُ إلّا مَعَ الإيمانِ وأنَّهُ لا يَفُوزُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى إلّا الجامِعُ بَيْنَهُما انْتَهى، وفِيهِ أنَّهُ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ بِوَجْهٍ ثُمَّ تَفْسِيرِ الفِرارِ إلى اللَّهِ بِما فَسَّرَهُ أيْضًا لِيَنْطَبِقَ عَلى العَمَلِ وحْدَهُ غَيْرَ مُسْلِمٍ عَلى أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ الإنْذارُ بِتَرْكِ العَمَلِ فَمِن أيْنَ يُلْزِمُ عَدَمَ النَّفْعِ، وأهْلُ السُّنَّةِ لا يُنازِعُونَ في وُقُوعِ الإنْذارِ بِارْتِكابِ المَعْصِيَةِ، فالمُنْساقُ إلى الذِّهْنِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالفِرارِ إلى اللَّهِ تَعالى العِبادَةُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِها أوَّلًا وتَوَعَّدَ تارِكَها بِالوَعِيدِ المَعْرُوفِ لَهُ في الشَّرْعِ وهو العَذابُ دُونَ خُلُودٍ، ونَهى جَلَّ شَأْنُهُ ثانِيًا أنَّ يُشْرَكَ بِعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ غَيْرُهُ وتُوُعِدَ المُشْرِكُ بِالوَعِيدِ المَعْرُوفِ لَهُ وهو الخُلُودُ، وعَلى هَذا يَكُونُ الوَعِيدانِ مُتَغايِرَيْنِ وتَكُونُ الآيَةُ في تَقْدِيمِ الأمْرِ عَلى النَّهْيِ فِيها نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكَهْفُ: 110]، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النِّساءُ: 36] وأيْنَ هَذا مِمّا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ.

51:52Страница 523

كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ ٥٢

Таким же образом, какой бы посланник ни приходил к их предшественникам, они обязательно говорили: «Он - колдун или одержимый!».

﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ مِثْلَ ذَلِكَ تَقْرِيرٌ وتَوْكِيدٌ عَلى ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، ومِن فَصْلِ الخِطابِ لِأنَّهُ لَمّا أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يَسْتَأْنِفَ قِصَّةَ قَوْلِهِمُ المُخْتَلِفِ في الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَتْ عُمُومًا أوْ خُصُوصًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذّارِياتُ: 8] وكانَ قَدْ تُوُسِّطَ ما تُوُسِّطَ قالَ سُبْحانَهُ: الأمْرُ كَذَلِكَ أيْ مِثْلَ ما يُذْكَرُ ويَأْتِيكَ

صفحة 19

خَبَرُهُ إشارَةً إلى الكَلامِ الَّذِي يَتْلُوهُ أعْنِي قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخِرِهِ فَهو تَفْسِيرُ ما أجْمَلَ وهو مُرادُ مَن قالَ: الإشارَةُ إلى تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَسْمِيَتِهِمْ إيّاهُ وحاشاهُ ساحِرًا ومَجْنُونًا، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ كَذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ولا يُجَوَّزُ نَصْبُهُ يَأْتِي عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرِهِ، والإشارَةُ إلى الإتْيانِ أيْ ﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن رَسُولٍ إتْيانًا مِثْلَ إتْيانِهِمْ ﴿إلا قالُوا﴾ إلَخْ لِأنَّ ما بَعْدَ ما النّافِيَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها عَلى المَشْهُورِ، ولا يَأْتِي مُقَدَّرًا عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ لِأنَّ ما لا يُعْلَمُ لا يُفَسَّرُ عامِلًا في مِثْلِ ذَلِكَ كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، وجَعَلَهُ مَعْمُولًا لَقالُوا، والإشارَةُ لِلْقَوْلِ أيْ إلّا قالُوا ساحِرًا أوْ مَجْنُونًا قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ لا يُجَوَّزُ أيْضًا عَلى تَعَسُّفِهِ لِمَكانٍ ما وضَمِيرُ قَبْلَهم لِقُرَيْشٍ أيُّ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلَ قُرَيْشٍ ﴿مِن رَسُولٍ﴾ أيْ رَسُولٍ مِن رُسُلِ اللَّهِ تَعالى ﴿إلا قالُوا﴾ في حَقِّهِ ﴿ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو ساحِرُ، وأوْ - قِيلَ: مِنَ الحِكايَةِ أيْ ( إلّا قالُوا ساحِرٌ )، أوْ قالُوا ( مَجْنُونٌ ) وهي لِمَنعِ الخُلُوِّ ولَيْسَتْ مِنَ المَحْكِيِّ لِيَكُونَ مَقُولُ كُلٍّ مَجْمُوعَ ( ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ ) وفي البَحْرِ هي لِلتَّفْصِيلِ أيْ قالَ بَعْضٌ: ساحِرٌ وقالَ بَعْضٌ: مَجْنُونٌ وقالَ بَعْضٌ: ساحِرٌ ومَجْنُونٌ فَجَمَعَ القائِلُونَ في الضَّمِيرِ ودَلَّتْ - أوْ - عَلى التَّفْصِيلِ انْتَهى فَلا تَغْفُلُ. واسْتُشْكِلَتِ الآيَةُ بِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما مِن رَسُولٍ إلّا كُذِّبَ مَعَ أنَّ الرُّسُلَ المُقَرِّرِينَ شَرِيعَةَ مَن قَبْلِهِمْ كَيُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُكَذَّبُوا وكَذا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُرْسَلَ ولَمْ يُكَذَّبْ. وأجابَ الإمامُ بِقَوْلِهِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُقَرَّرَ رَسُولٌ بَلْ هو نَبِيٌّ عَلى دِينِ رَسُولٍ ومَن كَذَّبَ رَسُولَهُ فَهو يُكَذِّبُهُ أيْضًا وتُعُقِّبَ بِأنَّ الأخْبارَ وكَذا الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُقَرِّرِينَ رُسُلٌ، وأيْضًا يُبْقى الِاسْتِشْكالُ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدِ اعْتَرَفَ هو بِأنَّهُ أُرْسِلَ ولَمْ يُكَذَّبْ وأجابَ بَعْضٌ عَنِ الِاسْتِشْكالِ بِالمُقَرِّرِينَ بِأنَّ الآيَةَ إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ أتَوْا مِن قَبْلِهِمْ كُلَّهم قَدْ قِيلَ في حَقِّهِمْ ما قِيلَ، ولا يَدْخُلُ في عُمُومِ ذَلِكَ المُقَرِّرُونَ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِن إتْيانِ الرَّسُولِ قَوْمًا مَجِيئُهُ إيّاهم مَعَ عَدَمِ تَبْلِيغِ غَيْرِهِ إيّاهم ما أتى بِهِ مَن قَبْلَهُ وذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ لِلْمُقَرِّرِ شَرَعَ مَن قَبْلَهُ كَما لا يَخْفى، وعَنِ الِاسْتِشْكالِ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ المُرادَ - ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ عَلى نَحْوِ وُجُودِ هَؤُلاءِ رَسُولٍ إلّا قالُوا - إلَخْ، وآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَأْتِ أمَةً كَذَلِكَ إذْ لَمْ يَكُنْ في حِينِ أُرْسِلَ إلّا زَوْجَتَهُ حَوّاءَ، ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ المُرادَ مِن رَسُولٍ مِن بَنِي آدَمَ فَلا يَدْخُلُ هو عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ، واسْتُشْكِلَتْ أيْضًا بِأنْ ﴿إلا قالُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كُلَّهم كُذِّبُوا مَعَ أنَّهُ ما مِن رَسُولٍ إلّا آمَنَ بِهِ قَوْمٌ، وأجابَ الإمامُ بِأنَّ إسْنادَ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى إرادَةِ الكَثِيرِ بَلِ الأكْثَرِ، وذُكِرَ المُكَذِّبُ فَقَطْ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِغَرَضِ التَّسْلِيَةِ، وأخَذَ مِنهُ بَعْضُهُمُ الجَوابَ عَنِ الِاسْتِشْكالِ السّابِقِ فَقالَ: الحُكْمُ بِاعْتِبارِ الغالِبِ لا أنْ كَلَّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ أتاها رَسُولٌ فَكَذَّبَتْهُ لِيُرَدُّ آدَمُ والمُقَرِّرُونَ حَيْثُ لَمَّ يُكَذَّبُوا - وفِيهِ ما فِيهِ - وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عَلى الكَفّارِ ودَفَعَ بِهِ الِّاسْتِشْكالَيْنِ - وفِيهِ ما لا يَخْفى - فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ ولا تَظُنُّ انْحِصارَ الجَوابِ فِيما سَمِعَتْ فامْعِنِ النَّظَرَ واللَّهُ تَعالى الهادِيُ لِأحْسَنِ المَسالِكِ.

51:53Страница 523

أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٥٣

Неужели они заповедали это друг другу? О нет! Они являются людьми, преступающими границы дозволенного.

﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن إجْماعِهِمْ عَلى تِلْكَ الكَلِمَةِ الشَّنِيعَةِ أيْ كَأنَّ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ مِنهم أوْصى بَعْضُهم بَعْضًا بِهَذا القَوْلِ حَتّى قالُوهُ جَمِيعًا، وقِيلَ: إنْكارٌ لِلتَّواصِي أيْ ما تَواصَوْا بِهِ.

صفحة 20

﴿بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ أنَّ التَّواصِيَ جامِعُهم إلى أنَّ الجامِعَ لَهم عَلى ذَلِكَ القَوْلِ مُشارَكَتُهم في الطُّغْيانِ الحامِلِ عَلَيْهِ.

51:54–55Страница 523

فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٖ ٥٤

Отвратись же от них, и тебя не будут порицать.

وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٥

И напоминай, ибо напоминание приносит пользу верующим.

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فَأعْرِضْ عَنْ جِدالِهِمْ فَقَدْ كُرِّرَتْ عَلَيْهِمُ الدَّعْوَةُ ولَمْ تَأْلُ جُهْدًا في البَيانِ فَأبَوْا إلّا إباءً وعِنادًا ﴿فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ عَلى التَّوَلِّي بَعْدَ ما بَذَلْتَ الجُهُودَ وجاوَزْتَ في الإبْلاغِ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ.

﴿وذَكِّرْ﴾ أدَمَ عَلى فِعْلِ التَّذْكِيرِ والمَوْعِظَةِ ولا تَدَعْ ذَلِكَ فالأمْرُ بِالتَّذْكِيرِ لِلدَّوامِ عَلَيْهِ والفِعْلُ مُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا أيْ فَذَكِّرْهم وحُذِفَ لِظُهُورِ الأمْرِ.

﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى إيمانَهم، أوِ المُؤْمِنِينَ بِالفِعْلِ فَإنَّها تَزِيدُهم بَصِيرَةً وقُوَّةً في اليَقِينِ، وفي البَحْرِ يَدُلُّ ظاهِرُ الآيَةِ عَلى المُوادَعَةِ وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ إلَخْ، وقالَ: أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَتَوَلّى عَنْهم لِيُعَذِّبَهم وعَذَرَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وذَكِّرْ﴾ إلَخْ فَنَسَخَتْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشَّعْبِ. والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وجَماعَةٌ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنْ عَلِيِّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: لَمّا نُزِلَتْ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ لَمْ يَبْقَ مِنّا أحَدٌ إلّا أيْقَنَ بِالهَلَكَةِ إذْ أُمِرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَتَوَلّى عَنّا فَنَزَلَتْ ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ فَطابَتْ أنْفُسُنا، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهم ظَنُّوا أنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ وأنَّ العَذابَ قَدْ حَضَرَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وذَكِّرْ﴾ إلَخْ.

51:56Страница 523

وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦

Я сотворил джиннов и людей только для того, чтобы они поклонялись Мне.

﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِلْأمْرِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ تَعْلِيلِهِ فَإنَّ خَلْقَهم لِما ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمّا يَدْعُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى تَذْكِيرِهِمْ ويُوجِبُ عَلَيْهِمُ التَّذَكُّرَ والِاتِّعاظَ، ولَعَلَّ تَقْدِيمالجِنِّ في الذِّكْرِ لِتَقَدُّمِ خَلْقِهِمْ عَلى خَلْقِ الإنْسِ في الوُجُودِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مَن يُقابَلُونَ بِهِمْ وبِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولَمْ يَذْكُرْ هَؤُلاءِ قِيلَ: لِأنَّ الأمْرَ فِيهِمْ مُسْلَّمٌ، أوْ لِأنَّ الآيَةَ سِيقَتْ لِبَيانِ صَنِيعِ المُكَذِّبِينَ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى وقَدْ خُلِقُوا لَها وهَذا التَّرْكُ مِمّا لا يَكُونُ فِيهِمْ بَلْ هم عِبادٌ مُكَرَّمُونَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ مَبْعُوثًا إلَيْهِمْ فَلَيْسَ ذِكْرُهم في هَذا الحُكْمِ مِمّا يَدْعُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى تَذْكِيرِهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأصَحَّ عُمُومُ البِعْثَةِ فالأُولى ما قِيلَ بَدَلُهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنِ التَّذْكِيرِ والمَوْعِظَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالجِنِّ ما يَتَناوَلُهم لِأنَّهُ مِنَ الِاسْتِتارِ وهم مُسْتَتِرُونَ عَنِ الإنْسِ، وقِيلَ: لا يَصِحُ ذِكْرُهم في حَيْزِ الخَلْقِ لِأنَّهم كالأرْواحِ مِن عالَمِ الأمْرِ المُقابِلِ لِعالَمِ الخَلْقِ، وقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعْرافُ: 54] وُرِدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( خالِقُ كُلِ شَيْءٍ ) [الأنْعامَ: 102، الرَّعْدُ: 16، الزَّمْرُ: 62، غافِرُ: 62] و﴿لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ لَيْسَ كَما ظُنَّ والعِبادَةُ غايَةُ التَّذَلُّلِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها ما كانَتْ بِالِاخْتِيارِ دُونَ الَّتِي بِالتَّسْخِيرِ الثّابِتَةِ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ وهي الدَّلالَةُ المُنَبِّهَةُ عَلى كَوْنِها مَخْلُوقَةً وأنَّها خَلْقُ فاعِلٍ حَكِيمٍ، ويُعَبَّرُ عَنْها بِالسُّجُودِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرَّحْمَنُ: 6] وألْ في الجِنِّ والإنْسِ عَلى المَشْهُورِ لِلِاسْتِغْراقِ، واللّامُ قِيلَ: لِلْغايَةِ والعِبادَةِ وإنْ لَمْ تَكُنْ غايَةً مَطْلُوبَةً مِنَ الخَلْقِ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَخْلُقَ الجِنَّ والإنْسَ لِأجْلِها أيْ لِإرادَتِها مِنهم إذْ لَوْ أرادَها سُبْحانَهُ مِنهم لَمْ يَتَخَلَّفْ ذَلِكَ لِاسْتِلْزامِ

صفحة 21

الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ لِلْمُرادِ كَما بَيْنَ في الأُصُولِ مَعَ أنَّ التَّخَلُّفَ بِالمُشاهَدَةِ، وأيْضًا ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأعْرافُ: 179] يَدُلُّ عَلى إرادَةِ المَعاصِي مِنَ الكَثِيرِ لِيُسْتُحِقُّوا بِها جَهَنَّمَ فَيُنافِي إرادَةَ العِبادَةِ لَكِنْ لَمّا كانَ خَلْقُهم عَلى حالَةٍ صالِحَةٍ لِلْعِبادَةِ مُسْتَعِدَّةً لَها حَيْثُ رَكَّبَ سُبْحانَهُ فِيهِمْ عُقُولًا وجَعَلَ لَهم حَواسَّ ظاهِرَةً وباطِنَةً إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الِاسْتِعْدادِ جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيّا بِها مُبالَغَةً بِتَشْبِيهِ المُعَدَّ لَهُ الشَّيْءَ بِالغايَةِ ومِثْلُهُ شائِعٌ في العُرْفِ، ألّا تَراهم يَقُولُونَ ( لِلْقَوِيِّ ) جِسْمَهُ: هو مَخْلُوقٌ لِلْمُصارَعَةِ، ولِلْبَقَرِ: هي مَخْلُوقَةٌ لِلْحَرْثِ.

وفِي الكَشْفِ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى تَنْساقُ إلى الغاياتِ الكَمالِيَّةِ واللّامُ فِيها مَوْضُوعُها ذَلِكَ، وأُمًّا الإرادَةُ فَلَيْسَتْ مِن مُقْتَضى اللّامِ إلّا إذا عُلِمَ أنَّ الباعِثَ مَطْلُوبٌ في نَفْسِهِ وعَلى هَذا لا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ فَإنَّهم خُلِقُوا بِحَيْثُ يَتَأتّى مِنهُمُ العِبادَةُ وهُدُوا إلَيْها وجُعِلَتْ تِلْكَ غايَةً كَمالِيَّةً لِخَلْقِهِمْ، ( وتُعَوَّقُ ) بَعْضَهم عَنِ الوُصُولِ إلَيْها لا يَمْنَعُ كَوْنَ الغايَةِ غايَةً، وهَذا مَعْنى مَكْشُوفٌ انْتَهى. فَتَأمَّلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعِبادَةِ التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ بِالتَّسْخِيرِ، وظاهِرُ أنَّ الكُلَّ عابِدُونَ إيّاهُ تَعالى بِذَلِكَ المَعْنى لا فَرْقَ بَيْنَ مُؤْمِنٍ، وكافِرٍ، وبَرٍّ، وفاجِرٍ، ونَحْوِهِ ما قِيلَ: المَعْنى ما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَذِلُّوا لِقَضائِي، وقِيلَ: المَعْنى ما خَلَقْتُهم إلّا لِيَكُونُوا عِبادًا لِي، ويُرادُ بِالعَبْدِ العَبْدُ بِالإيجادِ وعُمُومِ الوَصْفِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مَرْيَمُ: 93] لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ عَبْدًا بِمَعْنى صارَ عَبْدًا لَيْسَ مِنَ اللُّغَةِ في شَيْءٍ، وقِيلَ: العِبادَةُ بِمَعْنى التَّوْحِيدِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ كُلَّ عِبادَةٍ في القُرْآنِ فَهو تَوْحِيدٌ فالكُلُّ يُوَحِّدُونَهُ تَعالى في الآخِرَةِ أمّا تَوْحِيدُ المُؤْمِنِ في الدُّنْيا هُناكَ فَظاهَرٌ، وأمّا تَوْحِيدُ المُشْرِكِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامَ: 23] وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: لا يَدْخُلُ النّارَ كافِرٌ، أوِ المُرادُ كَما قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ المُؤْمِنَ يُوَحِّدُهُ في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ والكافِرَ يُوَحِّدُهُ سُبْحانَهُ في الشِّدَّةِ والبَلاءِ دُونَ النِّعْمَةِ والرَّخاءِ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العَنْكَبُوتُ: 65] ولا يَخْفى بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الظّاهِرِ والسِّياقِ، ونُقِلَ عَنْ عَلِيِّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما خَلَقْتُهم إلّا لِآمُرَهم وأدْعُوهم لِلْعِبادَةِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البَيِّنَةُ: 5] فَذَكَرَ العِبادَةَ المُسَبِّبَةَ شَرْعًا عَنِ الأمْرِ أوِ اللّازِمَةَ لَهُ، وأُرِيدَ سَبَبُها أوْ مَلْزُومُها فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أمْرَ كُلٍّ مِن أفْرادِ الجِنِّ وكُلٍّ مِن أفْرادِ الإنْسِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ لا سِيَّما إذا كانَ غَيْرَ المُكَلَّفِينَ كالأطْفالِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ قَبْلَ زَمانِ التَّكْلِيفِ داخِلِينَ في العُمُومِ، وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ مَعْنى ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ لِيَعْرِفُونِ وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ أيْضًا مِن إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ عَلى ما في الإرْشادِ، ولَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُعْتَبِرَ هي المَعْرِفَةُ الحاصِلَةُ بِعِبادَتِهِ تَعالى لا ما يَحْصُلُ بِغَيْرِها كَمَعْرِفَةِ الفَلاسِفَةِ قِيلَ: وهو حَسَنٌ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَخْلُقْهم عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُعْرَفْ وُجُودُهُ وتَوْحِيدُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ جاءَ ««كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًا فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِأُعْرَفَ»» وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَعْرِفَةَ الصَّحِيحَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ في كُلٍّ بَلْ بَعْضٍ قَدْ أنْكَرَ وُجُودَهُ عَزَّ وجَلَّ كالطَّبِيعِيِّينَ اليَوْمَ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ السّابِقِ في تَوْجِيهِ التَّعْلِيلِ ثُمَّ الخَبَرِ بِهَذا اللَّفْظِ ذَكَرَهُ سَعْدُ الدِّينِ الفَرْغانِيُّ في مُنْتَهى المَدارِكِ، وذَكَرَ غَيْرُهُ كالشَّيْخِ الأكْبَرِ في البابِ المِائَةِ والثَّمانِيَةِ والتِّسْعِينَ مِنَ الفُتُوحاتِ بِلَفْظٍ آخَرٍ وتَعَقَّبَهُ الحُفّاظُ فَقالَ ابْنُ تَيْمِيَةِ: إنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يُعْرَفُ لَهُ سَنَدٌ صَحِيحٌ ولا ضَعِيفٌ، وكَذا قالَ الزَّرْكَشِيُّ والحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وغَيْرُهُما: ومَن

صفحة 22

يَرْوِيِهِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ مُعْتَرِفٌ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ نَقْلًا لَكِنْ يَقُولُ: إنَّهُ ثابِتٌ كَشْفًا، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ المَذْكُورِ، والتَّصْحِيحُ الكَشْفِيُّ شَنْشَنَةٌ لَهم، ومَعَ ذَلِكَ فِيهِ إشْكالُ مَعْنى إلّا أنَّهُ أُجِيبَ عَنْهُ ثَلاثَ أجْوِبَةٍ سَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: ألْ في ( الجِنَّ والإنْسَ ) لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ الآيَةُ أيْ بِناءٌ عَلى أنَّ اللّامَ فِيها لَيْسَتْ لِلْعاقِبَةِ، ونُسِبَ هَذا القَوْلُ لِزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وسُفْيانَ، وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى قِيلَ: ﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ وأيَّدَهُ في البَحْرِ بِرِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ»» ورَواها بَعْضُهم قِراءَةً لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَها لِلْجِنْسِ، وقالَ: يَكْفِي في ثُبُوتِ الحُكْمِ لَهُ ثُبُوتُهُ لِبَعْضِ أفْرادِهِ وهو هُنا المُؤْمِنُونَ الطّائِعُونَ وهو في المَآلِ مُتَّحَدٌ مَعَ سابِقِهِ، ولا إشْكالَ عَلى ذَلِكَ في جَعْلِ اللّامِ لِلْغايَةِ المَطْلُوبَةِ حَقِيقَةً وكَذا في جَعْلِها لِلْغَرَضِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَعْلِيلَ أفْعالِهِ تَعالى بِالأغْراضِ مَعَ بَقاءِ الغِنى الذّاتِيِّ وعَدَمِ الِاسْتِكْمالِ بِالغَيْرِ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ، والمُحْدَثُونَ - وقَدْ سَمِعْتُ أنَّ مِنهم مَن يُقَسِّمُ الإرادَةَ إلى شَرْعِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالطّاعاتِ وتَكْوِينِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالمَعاصِي وغَيْرِها، وعَلَيْهِ يُجَوَّزُ أنْ يُبْقى ( الجِنَّ والإنْسَ ) عَلى شُمُولِهِما لِلْعاصِينَ، ويُقالُ: إنَّ العِبادَةَ مُرادَّةٌ مِنهم أيْضًا لَكِنْ بِالإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ إلّا أنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَتْ هَذِهِ الإرادَةُ لا تَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ المُرادِ كالإرادَةِ التَّفْوِيضِيَّةِ القائِلُ بِها المُعْتَزِلَةُ. هَذا وإذا أحَطْتَ خَبَرًا بِالأقْوالِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ هانَ عَلَيْكَ دَفْعُ ما يَتَراءى مِنَ المُنافاةِ بَيْنَها وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هُودُ: 118، 119] عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الإشارَةِ إلى الِاخْتِلافِ بِالتِزامِ بَعْضُ هاتَيْكَ الأقْوالِ فِيها، ودَفَعَهُ بَعْضُهم يَكُونُ اللّامُ في تِلْكَ الآيَةِ لِلْعاقِبَةِ والَّذِي يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ أنَّ الحَصْرَ إضافِيٌّ أيْ خَلَقْتُهم لِلْعِبادَةِ دُونَ ضِدِّها أوْ دُونَ طَلَبِ الرِّزْقِ والإطْعامِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ بَعْضِهِمْ أخْذًا مِن تَعْقِيبِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

51:57Страница 523

مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧

Я не хочу от них никакого удела и не хочу, чтобы они кормили Меня.

﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ وهو لِبَيانٍ أنَّ شَأْنَهُ تَعالى شَأْنَهُ مَعَ عِبادِهِ لَيْسَ كَشَأْنِ السّادَةِ مَعَ عَبِيدِهِمْ لِأنَّهم إنَّما يَمْلِكُونَهم لِيَسْتَعِينُوا بِهِمْ في تَحْصِيلِ مَعايِشِهِمْ وأرْزاقِهِمْ، ومالِكُ مَلّاكِ العَبِيدِ نَفى عَزَّ وجَلَّ أنْ يَكُونَ مِلْكُهُ إيّاهم لِذَلِكَ فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: ما أُرِيدُ أنْ أسْتَعِينَ بِهِمْ كَما يَسْتَعِينُ مُلّاكُ العَبِيدِ بِعَبِيدِهِمْ فَلْيَشْتَغِلُوا بِما خُلِقُوا لَهُ مِن عِبادَتِي، وذَكَرَ الإمامُ فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الحاجَةِ مِن خَلْقِهِمْ لِلْعِبادَةِ، والثّانِيُ أنْ يَكُونَ لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِمْ مَخْلُوقِينَ لَها، وبَيْنَ هَذا بِأنَّ الفِعْلَ في العُرْفِ لا بُدَّ لَهُ مِن مَنفَعَةٍ لَكِنَّ العَبِيدَ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَتَّخِذُونَهُ لِإظْهارِ العَظَمَةِ بِالمُثُولِ بَيْنَ أيادِي ساداتِهِمْ وتَعْظِيمِهِمْ إيّاهم كَعَبِيدِ المُلُوكِ، وقِسْمٌ يُتَّخَذُونَ لِلِانْتِفاعِ بِهِمْ في تَحْصِيلِ الأرْزاقِ أوْ لِإصْلاحِها، فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: إنِّي خَلَقْتُهم ولا بُدَّ فِيهِمْ مِن مَنفَعَةٍ فَلْيَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ هَلْ هم مِن قَبِيلٍ أنْ يُطْلَبَ مِنهم تَحْصِيلُ رِزْقٍ ولَيْسُوا كَذَلِكَ فَما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ، وهَلْ هم مِمَّنْ يَطْلُبُ مِنهم إصْلاحُ قُوتٍ كالطَّبّاخِ ومَن يُقَّرِبُ الطَّعامَ ؟ ولَيْسُوا كَذَلِكَ ﴿وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ فَإذا هم عَبِيدٌ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَتْرُكُوا التَّعْظِيمَ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ لِي لِمَكانِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ وإلَيْهِ ذَهَبَ الإمامُ، وذَكَرَ في الآيَةِ لَطائِفَ: الأُولى أنَّهُ سُبْحانَهُ كَرَّرَ نَفْيَ الإرادَتَيْنِ لِأنَّ السَّيِّدَ قَدْ يَطْلُبُ مِنَ العَبْدِ التَّكَسُّبَ لَهُ وهو طَلَبُ الرِّزْقِ وقَدْ لا يَطْلُبُ حَيْثُ كانَ لَهُ مالٌ وافِرٌ لَكِنَّهُ يَطْلُبُ قَضاءَ

صفحة 23

حَوائِجِهِ مِن حِفْظِ المالِ وإحْضارِ الطَّعامِ مِن مالِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَنَفْيُ الإرادَةِ الأُولى لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الإرادَةِ الثّانِيَةِ فَكَرَّرَ النَّهْيَ عَلى مَعْنى لا أُرِيدُ هَذا ولا أُرِيدُ ذَلِكَ، الثّانِيَةُ أنَّ تَرْتِيبَ النَّفِيَّيْنِ كَما تَضَمَّنُهُ النَّظْمُ الجَلِيلُ مِن بابِ التَّرَقِّي في بَيانِ غِناهُ عَزَّ وجَلَّ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: لا أطْلُبُ مِنهم رِزْقًا ولا ما هو دُونَ ذَلِكَ وهو تَقْدِيمُ الطَّعامِ بَيْنَ يَدَيِّ السَّيِّدِ فَإنَّ ذَلِكَ أمُرُّ كَثِيرًا ما يُطْلَبُ مِنَ العَبِيدِ إذا كانَ التَّكَسُّبُ لا يُطْلَبُ مِنهُمُ، الثّالِثَةُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ دُونَ ما أُرِيدُ مِنهم أنْ يُرْزِقُونِ لِأنَّ التَّكَسُّبَ لِطَلَبِ العَيْنِ لا الفِعْلِ، وقالَ سُبْحانَهُ: ما ﴿أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ دُونَ ما أُرِيدُ مِن طَعامٍ لِأنَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى الِّاسْتِغْناءِ عَمّا يَفْعَلُهُ العَبْدُ الغَيْرُ المَأْمُورِ بِالتَّكَسُّبِ كَعَبْدٍ وافِرِ المالَ والحاجَةَ إلَيْهِ لِلْفِعْلِ نَفْسِهِ، الرّابِعَةُ أنَّهُ جَلَّ وعَلا خَصَّ الإطْعامَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ أدْنى دَرَجاتِ الِاسْتِعانَةِ أنْ يَسْتَعِينَ السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ في تَهْيِئَةِ أمْرِ الطَّعامِ ونَفْيُ الأدْنى يَتْبَعُهُ نَفْيُ الأعْلى بِطَرِيقِ الأُولى فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما أُرِيدُ مِنهم مَن عَيْنٍ ولا عَمَلٍ، الخامِسَةُ أنَّ ما لِنَفْيِ الحالِ إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ الدُّنْيا وتُعُرِّضَ لَهُ دُونَ نَفْيِ الِاسْتِقْبالِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ البَيِّنِ أنَّ العَبْدَ بَعْدَ مَوْتِهِ لا يُصْلِحُ أنْ يُطْلَبَ مِنهُ رِزْقٌ أوْ إطْعامٌ انْتَهى، فَتَأمَّلْهُ. ويَفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ المَعْنى ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ لِي ولَهم، وفي البَحْرِ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ أيْ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ولا غَيْرَهم ﴿وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ أيْ أنْ يُطْعِمُوا خَلْقِي فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ انْتَهى، ونَحْوَهُ ما قِيلَ: المَعْنى ما أُرِيدُ أنْ يَرْزُقُوا أحَدًا مِن خَلْقِي ولا أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُوهُ، وأُسْنِدُ الإطْعامُ إلى نَفْسِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ الخَلْقَ كُلَّهم عِيالُ اللَّهِ تَعالى. ومَن أطْعَمَ عِيالَ أحَدٍ فَكَأنَّما أطْعَمَهُ، وفي الحَدِيثِ ««يا عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي وجُعْتُ فَلَمَّ تُطْعِمَنِي»» فَإنَّهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُهُ عَلى مَعْنى مَرِضَ عَبْدِي فَلَمْ تَعُدْهُ وجاعَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ وقِيلَ: الآيَةُ مَقْدَّرَةٌ بِقُلْ فَتَكُونْ بِمَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الأنْعامَ: 90] والغَيْبَةُ فِيها رِعايَةٌ لِلْحِكايَةِ إذْ في مِثْلِ ذَلِكَ يُجَّوَزُ الأمْرانِ الغَيْبَةُ والخِطابُ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آلُ عِمْرانَ: 12]، وقِيلَ: المُرادُ قُلْ لَهم وفي حَقِّهِمْ فَتُلائِمُهُ الغَيْبَةُ في ( مِنهم ويُطْعِمُونِ ) ولا يُنافِيَ ذَلِكَ قِراءَةَ - أنِّي أنا الرَّزّاقُ - فِيما بَعْدٌ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالقَوْلِ، أوِ الِائْتِمارِ لا لِعَدَمِ الإرادَةِ، نَعَمْ لا شَكَّ في أنَّهُ قَوْلٌ بَعِيدٌ جِدًّا

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English