Аль-АлусиАт‑Таквир · 81:15–29

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Ат-Таквир 81:15–29

81:15–16Страница 586

فَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلۡخُنَّسِ ١٥

Но нет! Клянусь телами небесными - отступающими,

ٱلۡجَوَارِ ٱلۡكُنَّسِ ١٦

передвигающимися и исчезающими!

﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ وهو الِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ ﴿الجَوارِ﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ مِنَ الجَرْيِ وهو المَرُّ السَّرِيعُ وأصْلُهُ لِمَرِّ الماءِ ولِما يَجْرِي بِجَرْيِهِ ﴿الكُنَّسِ﴾ جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ مِن كَنَسَ الوَحْشُ إذا دَخَلَ كِناسَهُ وهو بَيْتُهُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ مِن أغْصانِ الشَّجَرِ، والمُرادُ بِها عَلى ما أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: الكَواكِبُ؛ أيْ: جَمِيعُها، فَقِيلَ: لِأنَّها تَخْنِسُ بِالنَّهارِ فَتَغِيبُ عَنِ العُيُونِ وتَكْنِسُ بِاللَّيْلِ؛ أيْ: تَطْلُعُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها، وفي تَفْسِيرِ تَكْنُسُ بِتَطْلُعُ خَفاءٌ، وقِيلَ: لِأنَّها تَخْنِسُ نَهارًا وتَخْفى عَنِ العُيُونِ مَعَ طُلُوعِها، وكَوْنُها فَوْقَ الأُفُقِ وتَكْنِسُ بَعْدَ طُلُوعِها في المَغِيبِ وتَدْخُلُ فِيهِ كَما تَكْنِسُ الظِّباءُ في الكُنُسِ فَتَكُونُ تَحْتَ الأُفُقِ بَعْدَ أنْ كانَتْ فَوْقَهُ. ورُوِيَ تَفْسِيرُها

صفحة 58

بِالكَواكِبِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أيْضًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: هي خَمْسَةُ أنْجُمٍ: زُحَلُ وعُطارِدُ والمُشْتَرِي وبَهْرامُ؛ يَعْنِي المِرِّيخَ، والزُّهْرَةُ، والخُنَّسُ الرَّواجِعُ مِن خَنَسَ إذا تَأخَّرَ.

ووُصِفَتْ بِما ذُكِرَ في الآيَةِ لِأنَّها تَجْرِي مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ وتَرْجِعُ حَتّى تَخْفى تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ فَخُنُوسُها رُجُوعُها بِحَسَبِ الرُّؤْيَةِ وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْئِها، وتُسَمّى المُتَحَيِّرَةَ لِاخْتِلافِ أحْوالِها في سَيْرِها فِيما يُشاهَدُ فَلَها اسْتِقامَةٌ ورَجْعَةٌ وإقامَةٌ، فَبَيْنَما تَراها تَجْرِي إلى جِهَةٍ إذا بِها راجِعَةٌ تَجْرِي إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ، وبَيْنَما تَراها تَجْرِي إذا بِها مُقِيمَةٌ لا تَجْرِي، وسَبَبُ ذَلِكَ عَلى ما قالَ المُتَقَدِّمُونَ مِن أهْلِ الهَيْئَةِ كَوْنُها في تَداوِيرَ في حَوامِلَ مُخْتَلِفَةِ الحَرَكاتِ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ ولِلْمُحَدِّثِينَ مِنهُمُ النّافِينَ لِما ذُكِرَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ وهي مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ يُقالُ لَها السَّيّاراتُ السَّبْعُ؛ لِأنَّ سَيْرَها بِالحَرَكَةِ الخاصَّةِ مِمّا لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ بِخِلافِ غَيْرِها مِنَ الثَّوابِتِ، وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّها المُرادَةُ هُنا ووَصْفُها «بِالخُنَّسِ» بِمَعْنى الرَّواجِعِ قِيلَ مِن بابِ التَّغْلِيبِ؛ إذْ لا رَجْعَةَ لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ وبِالخُنَّسِ لِاخْتِفائِها في مَغِيبِها. وقِيلَ: الوَصْفانِ بِاعْتِبارِ أنَّها تَغِيبُ عَنِ العُيُونِ وتَطْلُعُ في أماكِنِها عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها الكَواكِبَ جَمِيعَها، وكَوْنُ السَّيّاراتِ هي هَذِهِ السَّبْعُ هو المَعْرُوفُ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المُنَجِّمِينَ، وأمّا اليَوْمَ فَقَدْ ضَمُّوا إلَيْها كَواكِبَ أُخْرى يُقالُ لَها وِسْتا وزُونُو وبالاسُ وسِرْسُ وأُورُنُوسُ ويُسَمّى هِرْسِلَ وهو اسْمُ المُنَجِّمِ الَّذِي ظَفِرَ بِهِ بِالرَّصْدِ، وبَيَّنُوا مِقْدارَ أقْطارِها وأبْعادِها وحَرَكاتِها ولَوْلا مَخافَةُ التَّطْوِيلِ لَذَكَرْتُ ذَلِكَ.

وعَدُّوا مِن جُمْلَةِ السَّيّاراتِ الأرْضَ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ لَها حَرَكَةً حَوْلَ الشَّمْسِ، واشْتُهِرَ أنَّهم لَمْ يَعُدُّوا القَمَرَ مِنها لِكَوْنِهِ مِن تَوابِعِ الأرْضِ بِزَعْمِهِمْ، وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي مَيْسَرَةَ والحَسَنِ وحَكاهُ في البَحْرِ عَنِ النَّخَعِيِّ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وجَماعَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّها الظِّباءُ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ قالُوا: و«الخَنَسُ» تَأخُّرُ الأنْفِ عَنِ الشَّفَةِ مَعَ ارْتِفاعٍ قَلِيلٍ مِنَ الأرْنَبَةِ، وتُوصَفُ بِهِ بَقَرُ الوَحْشِ والظِّباءُ ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ المُوَلَّدِينَ:

ما سَلِمَ الظَّبْيُ عَلى حُسْنِهِ كَلّا ولا البَدْرُ الَّذِي يُوصَفُ

فالظَّبْيُ فِيهِ خَنَسٌ بَيِّنٌ ∗∗∗ والبَدْرُ فِيهِ كَلَفٌ يُعْرَفُ

81:17Страница 586

وَٱلَّيۡلِ إِذَا عَسۡعَسَ ١٧

Клянусь ночью, когда она наступила (или отступила)!

﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ أيْ: أدْبَرُ ظَلامُهُ أوْ أقْبَلَ وكِلاهُما مَأْثُورانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وهو مِنَ الأضْدادِ عِنْدَ المُبَرِّدِ، وقالَ الرّاغِبُ: العَسْعَسَةُ والعِساسُ رِقَّةُ الظَّلامِ؛ وذَلِكَ في طَرَفَيِ اللَّيْلِ فَهو مِنَ المُشْتَرَكِ المَعْنَوِيِّ عِنْدَهُ ولَيْسَ مِنَ الأضْدادِ، وفَسَّرَ ﴿عَسْعَسَ﴾ هُنا بِأقْبَلَ وأدْبَرَ مَعًا، وقالَ ذَلِكَ في مَبْدَأِ اللَّيْلِ ومُنْتَهاهُ، وقالَ الفَرّاءُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿عَسْعَسَ﴾ أدْبَرَ وعَلَيْهِ العَجّاجُ يَصِفُ الخَمْرَ أوِ المَفازَةَ:

حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا

وقِيلَ: هي لُغَةُ قُرَيْشٍ خاصَّةً، وقِيلَ: كَوْنُهُ بِمَعْنى أقْبَلَ ظَلامُهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ فَإنَّهُ أوَّلُ النَّهارِ فَيُناسِبُ أوَّلَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: كَوْنُهُ بِمَعْنى أدْبَرَ أنْسَبُ بِهَذا لِما بَيْنَ إدْبارِ اللَّيْلِ وتَنَفُّسِ الصُّبْحِ مِنَ المُلاصَقَةِ فَيَكُونُ بَيْنَهُما مُناسَبَةُ الجِوارِ، والمُرادُ مِن تَنَفُّسِ الصُّبْحِ عَلى ما ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ إضاءَتَهُ وتَبَلُّجَهُ، وفي الكَشّافِ: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ فَجُعِلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ. وقِيلَ: تَنَفَّسَ الصُّبْحُ وعَنى بِالمَجازِ الِاسْتِعارَةَ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ النَّفْسُ رِيحًا خاصًّا يُفَرِّجُ عَنِ القَلْبِ انْبِساطًا وانْقِباضًا شُبِّهَ ذَلِكَ النَّسِيمُ بِالنَّفَسِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ اسْتِعارَةً، وجُعِلَ الصُّبْحُ مُتَنَفَّسًا لِمُقارَنَتِهِ لَهُ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، وتَجَوُّزٌ في الإسْنادِ.

وظاهِرُ

صفحة 59

كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِعارَةِ يَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الإضاءَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ بِأنْ يُشَبَّهَ الصُّبْحُ بِماشٍ وآتٍ مِن مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، ويُثْبِتَ لَهُ التَّنَفُّسَ المُرادُ بِهِ هُبُوبُ نَسِيمِهِ مَجازًا عَلى طَرِيقِ التَّخْيِيلِ كَما في يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ. وقالَ الإمامُ: النَّهارُ بِغَشَيانِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ كالمَكْرُوبِ وكَما أنَّهُ يَجِدُ راحَةً بِالتَّنَفُّسِ كَذَلِكَ تَخَلُّصُ الصُّبْحِ مِنَ الظَّلامِ وطُلُوعُهُ كَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن كَرْبٍ إلى راحَةٍ، وهَذا أدَقُّ مِمّا عَنى الكَشّافُ كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّيْلَ لَمّا غَشّى النَّهارَ ودَفَعَ بِهِ إلى تَحْتِ الأرْضِ فَكَأنَّهُ أماتَهُ ودَفَنَهُ، فَجُعِلَ ظُهُورُ ضَوْئِهِ كالتَّنَفُّسِ الدّالِّ عَلى الحَياةِ وهو نَحْوٌ مِمّا نُقِلَ عَنِ الإمامِ، وقِيلَ: تَنَفَّسَ؛ أيْ: تَوَسَّعَ وامْتَدَّ حَتّى صارَ نَهارًا، والظّاهِرُ أنَّ التَّنَفُّسَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى الفَجْرِ الثّانِي الصّادِقِ وهو المُنْتَشِرُ ضَوْءُهُ مُعْتَرِضًا بِالأُفُقِ بِخِلافِ الأوَّلِ الكاذِبِ، وهو ما يَبْدُو مُسْتَطِيلًا وأعْلاهُ أضْوَأُ مِن باقِيهِ ثُمَّ يُعْدَمُ وتَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ أوْ يَتَناقَصُ حَتّى يَنْغَمِرَ في الثّانِي عَلى زَعْمِ بَعْضِ أهْلِ الهَيْئَةِ أوْ يَخْتَلِفُ حالُهُ في ذَلِكَ تارَةً وتارَةً بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ والعُرُوضِ عَلى ما قِيلَ، وسُمِّيَ هَذا الكاذِبُ عارِضًا، فَفي خَبَرِ مُسْلِمٍ: «لا يَغُرَّنَّكم أذانُ بِلالٍ، ولا هَذا العارِضُ لِعَمُودِ الصُّبْحِ حَتّى يَسْتَطِيرَ»».

أيْ: يَنْتَشِرَ ذَلِكَ العُمُومُ في نَواحِي الأُفُقِ. وكَلامُ بَعْضِ الأجِلَّةِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ فِيها إشارَةٌ إلى الكاذِبِ حَيْثُ قالَ: يُؤْخَذُ مِن تَسْمِيَةِ الفَجْرِ الأوَّلِ عارِضًا لِلثّانِي أنَّهُ يَعْرِضُ لِلشُّعاعِ النّاشِئِ عَنْهُ الفَجْرُ الثّانِي انْحِباسٌ قُرْبَ ظُهُورِهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّنَفُّسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ الِانْحِباسِ يَتَنَفَّسُ مِنهُ شَيْءٌ مِن شِبْهِ كُوَّةٍ. والمَشاهَدُ في المُنْحَبِسِ إذا خَرَجَ بَعْضُهُ دُفْعَةً أنْ يَكُونَ أوَّلُهُ أكْثَرَ مِن آخِرِهِ، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ سَبَبُ طُولِ العَمُودِ وإضاءَةِ أعْلاهُ إلى آخِرِ ما قالَ. وفِيهِ بَحْثٌ.

ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ تَنَفُّسَ الصُّبْحِ وضِياءَهُ بِواسِطَةِ قُرْبِ الشَّمْسِ إلى الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ وهو في المَشْهُورِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ جُزْءًا، وقَوْلُ الإمامِ إنَّهُ يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ بِناءً عَلى كُرِّيَّةِ الأرْضِ واسْتِضاءَةِ أكْثَرَ مِن نِصْفِها مِنَ الشَّمْسِ دائِمًا ظُهُورُ الضِّياءِ وتَنَفُّسُ الصُّبْحِ إذا فارَقَتِ الشَّمْسُ سَمْتَ القَدَمِ مِن دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ وذَلِكَ بُعَيْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، والواقِعُ خِلافُهُ تَشْكِيكٌ فِيما يَقْرُبُ أنْ يَكُونَ بَدِيهِيًّا، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ أحْوالِ ظِلِّ الأرْضِ وانْعِكاسِ الأشِعَّةِ مِن أبْصارِ سَكَنَةِ أقْطارِها فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

81:18Страница 586

وَٱلصُّبۡحِ إِذَا تَنَفَّسَ ١٨

Клянусь рассветом, когда он забрезжил!

والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ﴾، ﴿واللَّيْلِ﴾ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ جِنِّيٍّ لِلْعَطْفِ. ( وإذا ) لَيْسَ مَعْمُولًا لِفِعْلِ القَسَمِ لِفَسادِ المَعْنى، إذِ التَّقْيِيدُ بِالزَّمانِ غَيْرُ مُرادٍ حالًا كانَ أوِ اسْتِقْبالًا وإنَّما هو عَلى ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مَعْمُولُ مُضافٍ مُقَدَّرٍ مِن نَحْوِ العَظَمَةِ؛ لِأنَّ الإقْسامَ بِالشَّيْءِ إعْظامٌ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ولا أُقْسِمُ بِعَظَمَةِ اللَّيْلِ زَمانَ عَسْعَسَ وبِعَظَمَةِ النَّهارِ زَمانَ تَنَفَّسَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: عَجَبًا مِنَ اللَّيْثِ إذا سَطا؛ فَإنَّهُ لَيْسَ المَعْنى عَلى تَقْيِيدِ التَّعَجُّبِ مِن هَوْلِهِ وعَظَمَتِهِ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وقالَ عِصامُ الدِّينِ: يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ تَقْيِيدًا لِلْمُقْسَمِ بِهِ؛ أيْ: أُقْسِمُ بِاللَّيْلِ كائِنًا إذا عَسْعَسَ، والحالُ مُقَدَّرَةٌ؛ أيْ: مُقَدَّرًا كَوْنُهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وصَرَّحَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ في التَّلْوِيحِ في مِثْلِهِ أنَّ «إذا» بَدَلٌ مِنَ «اللَّيْلِ» إذْ لَيْسَ المُرادُ تَعْلِيقَ القَسَمِ وتَقْيِيدَهُ بِذَلِكَ الوَقْتِ، ولِهَذا مَنَعَ المُحَقِّقُونَ كَوْنَهُ حالًا مِنَ اللَّيْلِ؛ لِأنَّهُ أيْضًا يُفِيدُ تَقْيِيدَ القَسَمِ بِذَلِكَ الوَقْتِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ سُورَةِ الشَّمْسِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ أيْضًا.

81:19Страница 586

إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ١٩

Это - слова благородного посланца,

﴿إنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ الجَلِيلَ النّاطِقَ بِما ذُكِرَ مِنَ الدَّواهِي الهائِلَةِ، وجَعْلَ الضَّمِيرِ لِلْإخْبارِ عَنِ الحَشْرِ والنَّشْرِ تَعَسُّفٌ.

﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ هو كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والجُمْهُورُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ونِسْبَتُهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ واسِطَةٌ فِيهِ وناقِلٌ لَهُ عَنْ مُرْسِلِهِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿كَرِيمٍ﴾ أيْ: عَزِيزٍ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وقِيلَ: مُتَعَطِّفٍ عَلى المُؤْمِنِينَ.

﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ أيْ: شَدِيدٍ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ وجاءَ في قُوَّتِهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى مَدائِنِ لُوطٍ وهي أرْبَعُ مَدائِنَ وفي كُلِّ مَدِينَةٍ أرْبَعُمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ سِوى الذَّرارِيِّ فَحَمَلَها بِمَن فِيها مِنَ الأرْضِ السُّفْلى حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ أصْواتَ الدَّجاجِ ونُباحَ الكِلابِ ثُمَّ هَوى بِها فَأهْلَكَها.

وقِيلَ: المُرادُ القُوَّةُ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وتَرْكِ الإخْلالِ

صفحة 60

بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ. وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قُوَّةَ الحِفْظِ والبُعْدَ عَنِ النِّسْيانِ والخَلْطِ.

81:20Страница 586

ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ ٢٠

обладателя силы при Владыке Трона, почитаемого,

﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ أيْ: ذِي مَكانَةٍ رَفِيعَةٍ وشَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ العَظِيمِ جَلَّ جَلالُهُ عِنْدِيَّةَ إكْرامٍ وتَشْرِيفٍ لا عِنْدِيَّةَ مَكانٍ، فالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَكِينٍ، وهو فَعِيلٌ مِنَ المَكانَةِ وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُها كَما في الصِّحاحِ حَتّى ظُنَّ أنَّ المِيمَ مِن أصْلِ الكَلِمَةِ، واشْتُقَّ مِنهُ تَمَكَّنَ كَما اشْتُقَّ مِنَ المَسْكَنَةِ تَمَسْكَنَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا مِنَ الكَوْنِ وأصْلُهُ مَكْوِنٌ بِكَسْرِ الواوِ فَصارَ بِالنَّقْلِ والقَلْبِ مَكِينًا وأُرِيدَ بِالكَوْنِ الوُجُودُ كَأنَّهُ مِن كَمالِ الوُجُودِ صارَ عَيْنَ الوُجُودِ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: إنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً أُخْرى لِرَسُولٍ؛ أيْ: كائِنٌ عِنْدَ ذِي العَرْشِ الكَيْنُونَةَ اللّائِقَةَ، وهو كَما تَرى.

81:21Страница 586

مُّطَاعٖ ثَمَّ أَمِينٖ ٢١

которому там (на небесах) повинуются, доверенного.

﴿مُطاعٍ﴾ فِيما بَيْنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَصْدُرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ.

﴿ثَمَّ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما قَبْلَهُ، وجُعِلَ إشارَةً إلى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمُرادُ بِكَوْنِهِ مُطاعًا هُناكَ كَوْنُهُ مُطاعًا في مَلائِكَتِهِ تَعالى المُقَرَّبِينَ كَما سَمِعْتَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما بَعْدَهُ، أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أمِينٍ﴾ والإشارَةُ بِحالِها، وأمانَتُهُ عَلى الوَحْيِ.

وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ««أمانَتِي أنِّي لَمْ أُومَرْ بِشَيْءٍ فَعَدَوْتُهُ إلى غَيْرِهِ»».

ولِأمانَتِهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدْخُلُ الحُجُبَ كَما في بَعْضِ الآثارِ بِغَيْرِ إذْنٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو البَرَهْسَمِ وابْنُ مِقْسَمٍ: «ثُمَّ» بِضَمِّ الثّاءِ حَرْفَ عَطْفٍ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هي بِمَعْنى الواوِ؛ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِالصِّفَتَيْنِ مَعًا في حالٍ واحِدَةٍ، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى التَّرْتِيبِ والمُهْلَةِ في هَذا العَطْفِ بِمَعْنى مُطاعٍ في المَلَأِ الأعْلى عَلى «ثَمَّ أمِينٍ» عِنْدَ انْفِصالِهِ عَنْهم حالَ وحْيِهِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَجازَ أنْ ورَدَ بِهِ أثَرٌ. انْتَهى. والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما سَمِعْتَ، والمَقامُ يَقْتَضِي تَعْظِيمَ الأمانَةِ؛ لِأنَّ دَفْعَ كَوْنِ القُرْآنِ افْتِراءً مَنُوطٌ بِأمانَةِ الرَّسُولِ.

81:22Страница 586

وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجۡنُونٖ ٢٢

Ваш товарищ (Мухаммад) не является одержимым.

﴿وما صاحِبُكُمْ﴾ هو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ كَما تَبْهَتُهُ الكَفَرَةُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الصُّحْبَةِ مُضافَةً إلى ضَمِيرِهِمْ عَلى ما هو الحَقُّ تَكْذِيبٌ لَهم بِألْطَفِ وجْهٍ؛ إذْ هو إيماءٌ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَشَأ بَيْنَ أظْهُرِكم مِنَ ابْتِداءِ أمْرِهِ إلى الآنِ فَأنْتُمْ أعْرَفُ بِهِ وبِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتَمُّ الخَلْقِ عَقْلًا وأرْجَحُهم قِيلًا، وأكْمَلُهم وصْفًا وأصْفاهم ذِهْنًا، فَلا يَسْنِدُ إلَيْهِ الجُنُونَ إلّا مَن هو مُرَكَّبٌ مِنَ الحُمْقِ والجُنُونِ، واسْتَدَلَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالمُبالَغَةِ في ذِكْرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَرْكِها في شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أفْضَلِيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأجابُوا بِما بُحِثَ فِيهِ والوَجْهُ في الجَوابِ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِحَقِّيَّةِ المَنزِلِ دَلالَةً عَلى صِدْقِ ما ذُكِرَ فِيهِ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ مِن شَأْنِ البَلِيغِ أنْ يُجَرِّدَ الكَلامَ لِما ساقَ لَهُ لِئَلّا يَعُدَّ الزِّيادَةَ لُكْنَةً وفُضُولًا ولا خَفاءَ أنَّ وصْفَ الآتِي بِالقَوْلِ يَشُدُّ مِن عَضُدِ ذَلِكَ أبْلَغَ شَدٍّ، وأمّا وصْفُ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَلا مَدْخَلَ لَهُ في البَيْنِ إلّا إذا كانَ الغَرَضُ الحَثَّ عَلى اتِّباعِهِ؛ فَلِهَذا لَمْ تَدُلَّ المُبالَغَةُ في شَأْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدِّ صِفاتِهِ الكَوامِلِ وتُرِكَ ذَلِكَ في شَأْنِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلَواتِ والتَّسْلِيماتِ عَلى تَفْضِيلِهِ بِوَجْهٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المُبالَغَةَ في وصْفِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَدْحٌ بَلِيغٌ في حَقِّ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا أرْسَلَ لِأحَدِ مَن هو مُعَزَّزٌ مُعَظَّمٌ مُقَرَّبٌ لَدَيْهِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرْسَلَ إلَيْهِ بِمَكانِهِ عِنْدَهُ لَيْسَ فَوْقَها مَكانَةٌ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ المَقامَ لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ في مَدْحِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّسُولِ هو نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالمُرادِ بِالصّاحِبِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ.

81:23Страница 586

وَلَقَدۡ رَءَاهُ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡمُبِينِ ٢٣

Он видел его (Джибрила) на ясном горизонте

﴿ولَقَدْ رَآهُ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ تَعالى لَقَدْ رَأى صاحِبُكم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الرَّسُولَ الكَرِيمَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِالصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهُ

صفحة 61

اللَّهُ تَعالى عَلَيْها، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ ﴿بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ وهو الأُفُقُ الأعْلى مِن ناحِيَةِ المَشْرِقِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وسُفْيانَ، وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَآهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَحْوَ جِيادٍ وهو مَشْرِقُ مَكَّةَ.

وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ مَطْلَعُ رَأْسِ السَّرَطانِ؛ فَإنَّهُ أعْلى المَطالِعِ لِأهْلِ مَكَّةَ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ كانَتْ فِيها بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ. وحَكى ابْنُ شَجَرَةَ أنَّهُ أُفُقُ السَّماءِ الغَرْبِيُّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: رَآهُ في صُورَتِهِ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى.

والأُفُقُ عَلى هَذا قِيلَ بِمَعْنى النّاحِيَةِ، وقِيلَ: سُمِّيَ ذَلِكَ أُفُقًا مَجازًا.

81:24Страница 586

وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ بِضَنِينٖ ٢٤

и не скупится передать сокровенное.

﴿وما هُوَ﴾ أيْ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ عَلى ما يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الوَحْيِ إلَيْهِ وغَيْرِهِ مِنَ الغُيُوبِ ﴿بِضَنِينٍ﴾ مِنَ الضِّنِّ بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها بِمَعْنى البُخْلِ؛ أيْ: بِبَخِيلٍ لا يَبْخَلُ بِالوَحْيِ ولا يُقَصِّرُ في التَّبْلِيغِ والتَّعْلِيمِ ومَنحِ كُلِّ ما هو مُسْتَعِدٌّ لَهُ مِنَ العُلُومِ عَلى خِلافِ الكَهَنَةِ؛ فَإنَّهم لا يُطْلِعُونَ عَلى ما يَزْعُمُونَ مَعْرِفَتَهُ إلّا بِإعْطاءِ حُلْوانٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ الزُّبَيْرِ وعائِشَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وابْنُ جُبَيْرٍ وعُرْوَةُ وهِشامُ بْنُ جُنْدُبٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم ومِنَ السَّبْعَةِ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: «بِظَنِينٍ» بِالظّاءِ؛ أيْ: بِمُتَّهَمٍ مِن الظِّنَّةِ بِالكَسْرِ بِمَعْنى التُّهْمَةِ؛ وهو نَظِيرُ الوَصْفِ السّابِقِ بِ ( أمِينٍ ) .

وقِيلَ: مَعْناهُ بِضَعِيفِ القُوَّةِ عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٌ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، والأوَّلُ أشْهَرُ، ورُجِّحَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلَيْهِ بِأنَّها أنْسَبُ بِالمَقامِ لِاتِّهامِ الكَفَرَةِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَفْيِ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ، وبِأنَّ التُّهْمَةَ تَتَعَدّى بِعَلى دُونَ البُخْلِ؛ فَإنَّهُ لا يَتَعَدّى بِها إلّا بِاعْتِبارِ تَضْمِينِهِ مَعْنى الحِرْصِ ونَحْوِهِ، لَكِنْ قالَ الطَّبَرِيُّ بِالضّادِ خُطُوطُ المَصاحِفِ كُلِّها، ولَعَلَّهُ أرادَ المَصاحِفَ المُتَداوَلَةَ فَإنَّهم قالُوا بِالظّاءِ خَطُّ مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ إنَّ هَذا لا يُنافِي قَوْلَ أبِي عُبَيْدَةَ: إنَّ الظّاءَ والضّادَ في الخَطِّ القَدِيمِ لا يَخْتَلِفانِ إلّا بِزِيادَةِ رَأْسِ إحْداهُما عَلى الأُخْرى زِيادَةً يَسِيرَةً قَدْ تَشْتَبِهُ كَما لا يَخْفى. والفَرْقُ بَيْنَ الضّادِ والظّاءِ مَخْرَجًا أنَّ الضّادَ مَخْرَجُها مِن أصْلِ حافَّةِ اللِّسانِ وما يَلِيها مِنَ الأضْراسِ مِن يَمِينِ اللِّسانِ أوْ يَسارِهِ، ومِنهم مَن يَتَمَكَّنُ مِن إخْراجِها مِنهُما، والظّاءُ مَخْرَجُها مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا العُلْيا. واخْتَلَفُوا في إبْدالِ إحْداهُما بِالأُخْرى: هَلْ يَمْتَنِعُ وتَفْسُدُ بِهِ الصَّلاةُ أمْ لا؟ فَقِيلَ: تَفْسُدُ قِياسًا، ونَقَلَهُ في المُحِيطِ البُرْهانِيِّ عَنْ عامَّةِ المَشايِخِ، ونَقَلَهُ في الخُلاصَةِ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ، وقِيلَ: لا اسْتِحْسانًا، ونَقَلَهُ فِيها عَنْ عامَّةِ المَشايِخِ كَأبِي مُطِيعٍ البَلْخِيِّ، ومُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، وقالَ جَمْعٌ: إنَّهُ إذا أمْكَنَ الفَرْقُ بَيْنَهُما فَتَعَمَّدَ ذَلِكَ وكانَ مِمّا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ كَما هُنا وغَيَّرَ المَعْنى فَسَدَتْ صَلاتُهُ وإلّا فَلا لِعُسْرِ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُما خُصُوصًا عَلى العَجَمِ، وقَدْ أسْلَمَ كَثِيرٌ مِنهم في الصَّدْرِ الأوَّلِ ولَمْ يُنْقَلْ حَثُّهم عَلى الفَرْقِ وتَعْلِيمِهِ مِنَ الصَّحابَةِ ولَوْ كانَ لازِمًا لَفَعَلُوهُ ونُقِلَ، وهَذا هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّدَ عَلَيْهِ ويُفْتى بِهِ وقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمُ الألْفاظَ الَّتِي لا يَخْتَلِفُ مَعْناها ضادًا وظاءً في رِسالَةٍ صَغِيرَةٍ، ولَقَدْ أحْسَنَ بِذَلِكَ فَلْيُراجِعْ فَإنَّهُ مُهِمٌّ.

81:25–26Страница 586

وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٖ ٢٥

Это - не речи дьявола изгнанного, побиваемого.

فَأَيۡنَ تَذۡهَبُونَ ٢٦

Куда же вы направляетесь?

﴿وما هُوَ﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ أيْ: بِقَوْلِ بَعْضِ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ لِأنَّها هي الَّتِي تَرْجَمُ وهو نَفْيٌ لِقَوْلِهِمْ إنَّهُ كِهانَةٌ.

﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ اسْتِضْلالٌ لَهم فِيما يَسْلُكُونَهُ في أمْرِ القُرْآنِ العَظِيمِ كَقَوْلِكَ لِتارِكِ الجادَّةِ الذّاهِبِ في بُنَيّاتِ الطَّرِيقِ: أيْنَ تَذْهَبُ؟ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن ظُهُورِ أنَّهُ وحْيٌ.

81:27Страница 586

إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٢٧

Это - лишь Напоминание мирам,

﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هو ﴿إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ مَوْعِظَةٌ وتَذْكِيرٌ عَظِيمٌ لِمَن يَعْلَمُ وضَمِيرُ «هُو» لِلْقُرْآنِ أيْضًا، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرَيْنِ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ أيْ: وما هو مُلْتَبِسٌ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ كَما هو شَأْنُ الكَهَنَةِ، إنْ هو إلّا مُذَكِّرٌ لِلْعالَمِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيْنَ﴾ إلَخِ اسْتِضْلالٌ لَهم فِيما يَسْلُكُونَهُ في أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو كَما تَرى.

81:28–29Страница 586

لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ٢٨

тем из вас, кто желает следовать прямым путем.

وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٩

Но вы не пожелаете этого, если этого не пожелает Аллах, Господь миров.

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ العالَمِينَ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، والبَدَلُ هو المَجْرُورُ وأُعِيدَ مَعَهُ العامِلُ عَلى

صفحة 62

المَشْهُورِ، وقِيلَ: هو الجارُّ والمَجْرُورُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ مِن كَلٍّ لِإلْحاقِ مَن لَمْ يَشَأْ بِالبَهائِمِ ادِّعاءً وهو تَكَلُّفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ مَفْعُولُ ( شاءَ ) أيْ: لِمَن شاءَ مِنكُمُ الِاسْتِقامَةَ بِتَحَرِّي الحَقِّ ومُلازِمَةِ الصَّوابِ، وإبْدالُهُ مِنَ العالَمِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتَّذْكِيرِ ﴿وما تَشاءُونَ﴾ أيِ الِاسْتِقامَةَ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلّا بِأنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى مَشِيئَتَكم فَمَشِيئَتُكم بِسَبَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مَلِكُ الخَلْقِ ومُرَبِّيهِمْ أجْمَعِينَ أوْ ما تَشاؤُونَ الِاسْتِقامَةَ مَشِيئَةً نافِعَةً مُسْتَتْبِعَةً لَها إلّا بِأنْ يَشاءَها اللَّهُ تَعالى، فَلَهُ سُبْحانُهُ الفَضْلُ والحَقُّ عَلِيمٌ بِاسْتِقامَتِكم إنِ اسْتَقَمْتُمْ. رُوِيَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى والقاسِمِ بْنِ مُخَيْمَرَةَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ: جُعِلَ الأمْرُ إلَيْنا إنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ شِئْنا لَمْ نَسْتَقِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما تَشاءُونَ﴾ الآيَةَ. وأنْ وما مَعَها هُنا عَلى ما ذَكَرْنا في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضْمارِ باءِ السَّبَبِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمُصاحَبَةِ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ؛ أيْ: وما تَشاءُونَ الِاسْتِقامَةَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ اسْتِقامَتَكُمْ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ مِن جَوازِ نِيابَةِ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ مِن «أنْ والفِعْلِ» عَنِ الظَّرْفِ وفي البابِ الثّامِنِ مِنَ المَعْنى أنَّ «أنْ وصِلَتَها» لا يُعْطِيانِ حُكْمَ المَصْدَرِ في النِّيابَةِ عَنْ ظَرْفِ الزَّمانِ تَقُولُ: جِئْتُكَ صَلاةَ العَصْرِ، ولا يَجُوزُ جِئْتُكَ أنْ تُصَلِّيَ العَصْرَ، فالأوْلى ما ذَكَرْنا أوَّلًا وإلَيْهِ ذَهَبَ مَكِّيٌّ وذَهَبَ القاضِي إلى الثّانِي.

وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ أيْضًا بِأنَّ ما لِنَفْيِ الحالِ و«أنْ» خاصَّةٌ لِلِاسْتِقْبالِ؛ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ وقْتُ مَشِيئَتِهِ تَعالى المُسْتَقْبَلُ ظَرْفًا لِمَشِيئَةِ العَبْدِ الحالِيَّةِ، وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ ما مُخْتَصَّةٌ بِنَفْيِ الحالِ، ومَنِ ادَّعى اخْتِصاصَها بِذَلِكَ اشْتَرَطَ انْتِفاءَ القَرِينَةِ عَلى خِلافِهِ ولَمْ تَنْتِفْ هاهُنا لِمَكانِ «أنْ» في حَيِّزِها أوْ بِأنَّ كَوْنَ «أنْ» لِلِاسْتِقْبالِ مَشْرُوطٌ بِانْتِفاءِ قَرِينَةٍ خِلافُهُ، وهاهُنا قَدْ وُجِدَتْ لِمَكانِ ما قَبْلَها فَهي لِمُجَرَّدِ المَصْدَرِيَّةِ. وقِيلَ: يَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ بِجَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَلْيُجْعَلْ كَذَلِكَ، وإنْ كانَ الأصْلُ فِيهِ الِاتِّصالَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وقَدْ أُورِدَ عَلى وجْهِ السَّبَبِيَّةِ الَّذِي ذَكَرْناهُ نَحْوُ ذَلِكَ؛ وهو أنَّهُ يَلْزَمُ مِن كَوْنِ ما لِنَفْيِ الحالِ ولِلِاسْتِقْبالِ سَبَبِيَّةُ المُتَأخِّرِ لِلْمُتَقَدِّمِ ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ الجَوابُ كَما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى الهادِي لِأوْضَحِ المَسالِكِ.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ: الشَّمْسُ شَمْسُ الرُّوحِ، والنُّجُومُ نُجُومُ الحَواسِّ، والجِبالُ جِبالُ القَوالِبِ؛ وهي تَسِيرُ كُلَّ وقْتٍ إلّا أنَّهُ يَظْهَرُ ذَلِكَ لِلْمَحْجُوبِ إذا كُشِفَ لَهُ الغِطاءُ، والعِشارُ عِشارُ القُوى القالَبِيَّةِ، والوُحُوشُ وُحُوشُ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ النَّفْسانِيَّةِ، والبِحارُ بِحارُ العَناصِرِ الطَّبِيعِيَّةِ، والنُّفُوسُ القُوى النَّفْسانِيَّةِ وتَزْوِيجُها قَرْنُ كُلِّ قُوَّةٍ بِعَمَلِها، والمَوْءُودَةُ الخَواطِرُ الإلْهامِيَّةُ الَّتِي تَرِدُ عَلى السّالِكِ فَيَئِدُها في قَبْرِ القالَبِ ويُظْلِمُها، والصُّحُفُ عَلى ظاهِرِها، والسَّماءُ سَماءُ الصَّدْرِ، والجَحِيمُ جَحِيمُ النَّفْسِ وتَسْعِيرُها بِنِيرانِ الهَوى، والجَنَّةُ جَنَّةُ القَلْبِ، والخُنَّسُ الأنْوارُ المُودَعَةُ في القُوى القَلْبِيَّةِ، واللَّيْلُ الأنْوارُ الجَلالِيَّةُ، والصُّبْحُ الأنْوارُ الجَمالِيَّةُ إلى آخِرِ ما قالَ، ويُسْتَدَلُّ بِحالِ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، وقَدْ حَكى أبُو حَيّانَ شَيْئًا مِن نَحْوِ ذَلِكَ وعَقَّبَهُ بِتَشْنِيعٍ فَظِيعٍ وهو لا يَتِمُّ إلّا إذا أُنْكِرَ إرادَةُ الظّاهِرِ، وأمّا إذا لَمْ تُنْكَرْ وجُعِلَ ما ذَكَرَهُ ونَحْوَهُ مِن بابِ الإشارَةِ فَلا يَتِمُّ أمْرُ التَّشْنِيعِ كَما حُقِّقَ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English