Darwish · Tafsir · in Arabic
Hud 11:44–49
11:44Page 226
وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤
And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and it [i.e., the ship] came to rest on the [mountain of] Jūdiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."
اللغة:
(البلع) معروف والفعل منه مكسور العين ومفتوحها بلع وبلع حكاهما الكسائي والفراء وفي المصباح: بلعت الطعام بلعا من باب تعب والماء والريق بلعا ساكن اللام وبلعته بلعا من باب نفع لغة وابتلعته، ومن مجاز هذا الفعل: أبلعني ريقي أي أمهلني حتى أقول أو أفعل.
قال الزمخشري في أساس البلاغة: وقلت لبعض شيوخي: ابلعني ريقي فقال: قد أبلعتك الرافدين.
(الاقلاع) إذهاب الشيء من أصله حتى لا يرى له أثر يقال:
أقلعت السماء إذا ذهب مطرها حتى لا يبقى منه شيء وأقلع عن الأمر إذا تركه رأسا.
(غِيضَ) مبني للمجهول إذ يستعمل لازما ومتعديا والغيض النقصان وفعله لازم ومتعد فمن اللازم قوله تعالى «وما تغيض الأرحام» أي تنقص ومن المتعدي الآية التي نحن بصددها لأنه لا يبنى للمجهول من غير واسطة حرف جر إلا المتعدي بنفسه وفي المختار: غاض الماء: قلّ ونضب وبابه باع وانغاض مثله وغيض الماء فعل به ذلك وغاضه الله يتعدى ويلزم، وأغاضه الله أيضا، وغيّض الدمع تغييضا نقصه وحبسه ويقال: غاض الكرام أي قلّوا وفاض اللئام أي كثروا.
(الْجُودِيِّ) : جبل بأرض الجزيرة استوت عليه السفينة عند انتهاء الطوفان.
الإعراب:
(وَقِيلَ: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي) الواو عاطفة وقيل فعل ماض مبني للمجهول ويا حرف نداء وأرض منادى نكرة مقصودة مبني على الضم وابلعي فعل أمر والياء فاعل وماءك مفعول به ويا سماء أقلعي عطف على يا أرض ابلعي. (وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) جمل معطوفة بعضها على بعضها الآخر وسيأتي في البلاغة من أسرارها ما يدهش العقول. (وَقِيلَ: بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) بعدا منصوب على المصدر بفعل مقدر أي وقيل بعدوا بعدا فهو مصدر بمعنى الدعاء عليهم وللقوم جار ومجرور متعلقان بمحذوف والتقدير إرادتي ونحوه أو بقيل أي قيل لأجهلم هذا القول والظالمين صفة للقوم.
البلاغة:
في هذه الآية من أفانين البلاغة وبدائع الفصاحة ما يذهل اللب ويشده العقول وسنورد أهم الفنون التي تلفت النظر وتستهوي الموهوب ليحذو حذوها وينسج على منوالها.
1- المساواة:
ونبدأ بالفن الذي يتناول الآية عموما وقد عرفوه بأن يكون اللفظ مساويا للمعنى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه وهو من أعظم أبواب البلاغة بل هو البلاغة عينها كما وصف بعض الوصاف بعض البلغاء فقال: كانت أوصافه قوالب لمعانيه وكما قال العتابي: «الألفاظ أجساد والمعاني أرواح» وهو ميزة كل لغة، قال إميل فاكيه في وصف فيكتور هيغو «هيغو من الخالدين لأن الذي يخلد هو جمال الأسلوب» وجمال الأسلوب هو الملاءمة بين اللفظ والمعنى والآية التي نحن بصددها خير مثال لهذه المساواة فإنه سبحانه أراد اقتصاص من هذه القصة بأوجز لفظ وأبلغه فجاء بها مرتبة الألفاظ والجمل على حسب ما وقع في صور لا تفصل عن معانيها لا وتقصر عنها فإن قيل: لفظة «القوم» زائدة تمنع الآية من أن توصف بالمساواة لأنها إذا طرحت استقلّ الكلام بدونها بحيث يقال: «وقيل بعدا للظالمين» قلت:
لا يستغني الكلام عنها وذلك انه لما قال في أول القصة «وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه» وقال بعد ذلك «ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون» جاءت لفظة القوم في آخر القصة، ووصفهم بالظلم ليرتد عجز الكلام على صدره.
2- رد العجز على الصدر:
وهو الفن الثاني من فنون هذه الآية، وليعلم أن القوم الذين هلكوا بالطوفان هم الذين كانوا يسخرون من نوح فهم مستحقون للعقاب لئلا يتوهم ضعيف أن الطوفان لعمومه ربما أهلك من لا يستحق الهلاك فأخبر الله سبحانه أن الهالكين هم الذين تقدم ذكرهم وما كانوا يفعلونه مع نبيه من السخرية التي استحقوا بها الهلاك، وانهم الذين وصفهم بالظلم ووعد نبيه باغراقهم ونهاه عن مخاطبته فيهم ليرفع ذلك الاحتمال فيعلم أن الله سبحانه قد أنجز نبيه ما وعده وأهلك القوم الظالمين الذين قدم ذكرهم ووصفهم ووعد باغراقهم.
3- الاشارة:
الفن الثالث من فنون هذه الآية فن الاشارة وقد تقدم بحثه وعرفه قدامة فقال: هو أن يكون اللفظ القليل دالا على الكثير من المعاني حتى تكون دلالة اللفظ بمثابة الإشارة باليد أو الايماءة بالحاجب والعين فانها تشير بحركة واحدة سريعة إلى أشياء كثيرة تستوعب العبارات الطويلة ومن أمثلتها في الآية التي نحن بصددها قوله «وغيض الماء» فإن غيض الماء يشير إلى انقطاع مادة الماء من نبع الأرض ومطر السماء ولولا ذلك لما غاض الماء.
4- الارداف:
أما الفن الرابع فهو فن عجب في بابه، وهو أن يريد المتكلم معنى فلا يعبر عنه بلفظه الموضوع له، ولا بلفظ الاشارة الدال على المعاني الكثيرة بل بلفظ هو ردف المعنى الخاص وتابعه قريب من لفظ المعنى قرب الرديف من الردف وهو هنا في قوله تعالى «وقضي الأمر» وحقيقة ذلك: وهلك من قضى الله هلاكه ونجا من قضى نجاته وانما عدل عن هذه الحقيقة إلى لفظ الارداف من الإيجاز والتنبيه على أن هلاك الهالك ونجاة الناجي كان بأمر آمر مطاع، وقضاء من لا يرد قضاؤه، والأمر يستلزم آمرا وقضاؤه يدل على قدرة الآمر به وطاعة المأمور تدل على قدرة الآمر وقهره، وان الخوف من عقابه ورجاء ثوابه يحضّان على طاعة الآمر، ولا يحصل ذلك كله من اللفظ الخاص.
هذا ومن أمثلة الارداف في الشعر قول أبي الطيب المتنبي:
لو كنت حشو قميصي فوق نمرقها ... سمعت للجن في غيطانها زجلا
ومراده نفسه بقوله «حشو قميصي» ، يقول: لو كنت بدلي تحت ثيابي وفوق نمرق ناقتي وهو الذي يلقي عليه الراكب فخذه للاستراحة، لسمعت جلبة الجن وأصواتهم في منخفض هذه المفاوز البعيدة لأنها مأوى الجن لبعدها عن الإنس، والعرب تجعل المكان البعيد مسكنا للجن تهويلا له واستيحاشا منه.
5- الاحتراس:
والفن الخامس في هذه الآية هو الاحتراس وتعريفه أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه فيه دخل فيفطن لذلك حال العمل فيأتي في أصل الكلام بما يخلصه من ذلك، ومن أمثلته قوله تعالى فيها: «وقيل بعدا للقوم الظالمين» فإنه سبحانه لما أخبر بهلاك من هلك بالطوفان أعقبه بالدعاء على الهالكين ووصفهم بالظلم ليعلم أن جميع من هلك كان مستحقا للعذاب مستأهلا له احتراسا من ضعيف يتوهم أن الهلاك بعمومه قد شمل من لا يستحق العذاب فلما دعا على الهالكين علم أن كل من هلك كان مستحقا للهلاك لأنه قد ثبت بالبرهان أنه عادل فلا يدعو إلا على من يستحق الدعاء ووصفهم بعد الدعاء عليهم بالظلم فإن لم يكونوا ظالمين فقد دخل خبره الخلف وخبره منزه عن ذلك فوقع هذا الدعاء وهذا الوصف احتراسا من ذلك الذي قدر توهمه والاحتراس يبدو جملا في الشعر ومنه قول طرفة المشهور:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
فقوله «غير مفسدها» احتراس من محو معالمها وطمس آثارها وقد جنح أبو الطيب اليه كثيرا فقال:
ويحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها، وحاشاك، فانيا
فقوله «وحاشاك» احتراس من دخوله في كل من فيها.
وقوله أيضا:
إذا خلت منك حمص لا خلت أبدا ... فلا سقاها من الوسمي باكره
فقوله «لا خلت أبدا» احتراس من توهم الدعاء عليه.
6- حسن النسق:
والفن السادس من فنون هذه الآية العجيبة هو فن النسق وهو عبارة عن أن يأتي المتكلم بالكلمات من النثر والأبيات من الشعر متتاليات متلاحمات تلاحما سليما مستحسنا لا معيبا مستهجنا، والآية من أولها إلى آخرها من شواهد هذا الفن فقد ترادفت الجمل منسوقة بعضها على بعض بواو النسق على الترتيب الذي تقتضيه البلاغة لأنه سبحانه بدأ بالأهم إذ كان المراد اطلاق أهل السفينة من سجنها ولا يحصل ذلك ولا يتأتى إلا بانحسار الماء عن الأرض فلذلك بدأ بالأرض فأمرها بالابتلاع وثنى بالسماء فأمرها بالإقلاع لئلا يتأذى بذلك أهل السفينة ثم أخبر بغيض الماء عند ما ذهب ماء الأرض وانقطع ماء السماء ثم قال «وقضي الأمر» أي هلك من جفّ القلم بهلاكه، ونجا من سبق العلم بنجاته وهذه حقيقة المعجزة وكنه الآية ولا بد أن تكون معلومة لأهل السفينة ولا يتسنى علمهم بها إلا بعد خروجهم منها وخروجهم موقوف على ما تقدم فلذلك اقتضت البلاغة أن تأتي هذه الجملة رابعة الجمل وكذلك استقرار السفينة على الجودي أي استقرارها على المكان الذي استقرت عليه استقرارا لا حركة معه لتبقى آثارها آية لمن يأتي بعد أهلها وعدل عن لفظة استقرت إلى لفظة استوت لما يحتمله الاستقرار من الزيغ والميل ويدل عليه الاستواء من استقامة وعدم انحراف وفي هذا طمأنينة أهل السفينة وأمنهم بعد المخافة وأفراخ روعهم إذا كان استقرارها استقرارا فقط بحيث لا تؤمن معه الحركة لكانت حالهم في مكابدة الحركة واضطراب القلوب ووجيفها واحدة في حال سيرها ووقوفها ثم قال أخيرا «وبعدا للقوم الظالمين» وهذا دعاء أوجبه الاحتراس ممن يظن أن الغرق لشموله الأرض ربما أودى بمن لا يستحق العذاب فدعا على الهالكين ووصفهم بالظلم ليعلم أن الهلاك إنما شمل من يستحق العذاب دون سواهم احتراسا من هذا الاحتمال.
7- التنظير:
والفن السابع فيها هو فن التنظير وقد تكلم عنه ابن الأثير في كتابه الاستدراك تحت اسم المفاضلة بين الشعراء ليظهر الأفضل منهما وهو إلى النقد أقرب منه إلى فنون البديع، وحدّه أن ينظر الإنسان بين كلامين إما متفقي المعاني أو مختلفي المعاني ليظهر الأفضل منهما، والآية التي نحن بصددها تناولت قصة الطوفان التي انطوت على الكثير من العقد والحلول والعبر فإذا نظرتها بغيرها من القصص وجدتها سامية عليها جميعا باستقصاء جميع ما اتفق فيها وما سنح.
8- المناسبة اللفظية:
بين ابلعي واقلعي وهي تشبه المناسبة التي مرت في قوله «لهم شراب من حميم وعذاب أليم» بسورة يونس.
9- الجناس الناقص:
بين ابلعي واقلعي ويسميه بعضهم المضارعة ويكون أنواعا منها أن يختلف حرف في الكلمتين بعد أن تتفق بقية الأحرف ومثله قوله تعالى «وهم ينهون عنه وينأون عنه» وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل سمعه وهو ينشد على سبيل الافتخار وقيل بل سأله عن نسبه فقال:
إني امرؤ حميري حين تنسبني ... لا من ربيعة آبائي ولا مضر
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذلك والله ألأم لجدك، وأضرع لخدك، وأقل لعدك، وأبعد لك عن الله ورسوله» .
10- الطباق:
والفن العاشر هو الطباق فقد طابق بين السماء والأرض.
11- الاستعارة:
والفن الحادي عشر هو الاستعارة المكنية الكائنة في نداء الأرض والسماء بما ينادى به الحيوان المميز على لفظ التحضيض والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات وهو قوله يا أرض ويا سماء ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من قوله ابلعي ماءك واقلعي من الدلالة على الاقتدار العظيم والبلغ عبارة عن تغدير الماء وشربه في بطنها مستعار لهذا المعنى من بلع الحيوان أي ازدراده لطعامه وشرابه والبلع هو أثر القوة الجاذبة في المطعوم لكمال الشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي ومع هذا فهي قرينة للاستعارة المكنية التي في الماء أي استعارة الماء للغذاء لجامع تقوي الأرض بالماء في الإنبات تقوي الآكل بالطعام.
12- المجاز المرسل:
وذلك في قوله «يا سماء» فان الحقيقة: ويا مطر السماء اقلعي، والعلاقة في هذا المجاز السببية لأن الماء سبب المطر أو المحلية لأنها محلها بما يتجمع فيها من سحب واضافة الماء إلى الأرض مجاز أيضا تشبيها لاتصاله بها باتصال الملك بالمالك، وفيها نكتة أخرى وهي التنبيه على حدوث هذا الماء من الأرض أيضا لا من السماء فقط كما يدل عليه قوله تعالى «وفار التنور» .
13- التمثيل:
وهو أن يريد المتكلم معنى فلا يعبر عنه بلفظه الخاص ولا بلفظي الاشارة والارداف بل بلفظ هو أبعد من لفظ الارداف قليلا يصلح أن يكون مثلا للفظ الخاص لأن المثل لا يشبه المثل من جميع الوجوه ولو تماثل المثلان من كل الوجوه لاتحدا، وقد تقدم تفصيل هذا الفن في قوله «واستوت على الجودي» فإن حقيقة ذلك: وجلست على ذلك المكان فعدل عن الحقيقة إلى التمثيل لما في الاستواء من الاشعار بجلوس متمكن لا زيغ فيه ولا ميل ولا حركة معه ولا اضطراب.
14- الإيجاز:
فقد اقتص سبحانه القصة بلفظها مستوعبة بحيث لم يخلّ منها بشيء في أخصر عبارة وبألفاظ غير مطولة.
15- التسهيم:
وهو أن يكون ما تقدم من الكلام دليلا على ما يتأخر منه أو بالعكس والتسهيم في الآية هو أن أول الآية يقتضي آخرها.
16- التهذيب:
لأن مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن، وكل لفظة سهلة مخارج الحروف، سلمت من التنافر والغرابة ومخالفة القياس.
17- التمكين:
لأن الفاصلة مستقرة في قرارها مطمئنة في مكانها غير قلقة ولا ناشزة.
18- الانسجام:
وهو تحديد الكلمات بسهولة وعذوبة مع الجزالة التي يقتضيها المقام ويتطلبها مقتضى الحال.
19- الارصاد:
وهو أن يحدس القارئ بالفاصلة قبل أن يتلفظ بها.
20- ائتلاف اللفظ مع المعنى:
وهو ما يسميه أهل الفن المزاوجة بين الألفاظ حتى لقد قال أناتول فرانس الكاتب الفرنسي: «ان بين الألفاظ زواجا كاثوليكيا» وكل لفظة لا يصلح في موضعها غيرها، وقد كان أبو تمام يحرص في شعره على هذا الفن فاستمع إلى قوله:
وفي الكلمة الوردية اللون جؤذر ... من الانس يمشي في رقاق المجاسد
رمته بخلف بعد أن عاش حقبة ... له رسفان في قيود المواعد
وفاعل رمته في أبيات سبقت، وهذا أمر تعجز الألفاظ عن إيجاد حدود له وانما هو مما يستشعره الذوق وحده على حد قول فولتير:
«ذوقك أستاذك» .
21- الاستعارة المتكررة:
فاذا أضفت إلى ما تقدم أن الاستعارة وقعت فيها في موقعين وهما استعارة الابتلاع والإقلاع حصل لك واحد وعشرون فنا.
هذا وقد أضاف بعض البلاغيين إلى هذه الفنون ما يلي:
1- ومنها انه تعالى لم يصرح بفاعل غيض وقضي وقيل، كما لم يصرح في صدر الآية بقائل قيل وكذا لم يصرح بمن سوى السفينة تنبيها على أن تلك الأمور العظام لا يتصور وقوعها إلا من قادر لا يكتنه وقهار لا يغالب فلا يذهب الوهم إلى فاعل غيره ولا ينشط الخيال إلى مدى أبعد من هذا المدى وقيل في وجه العدول عن تصريح الفاعل اشارة إلى أن هذه الأمور أهون عند الله تعالى من أن ينسبها إلى قدرته صراحة.
2- ومنها إفراد الماء إشعارا بأن هذا الماء لم يحصل من اجتماع المياه وتكاثرها بل هو نوع واحد حصل بقدرته تعالى دفعة واحدة.
3- ومنها افراد «أرض» إشارة إلى شمول هذا الماء الكل بحيث صار الكل بمثابة شيء واحد باعتبار هذا الشمول، وأيضا افراد «سماء» إشارة إلى أن المراد بها هاهنا جهة العلو الذي لا يكتنه مداه لا الاجرام العلوية.
4- ومنها التعريض الذي اختتم به الكلام تنبيها لسالكي مسلكهم والجانحين جنوحهم في تكذيب الرسل إلى أن ما حل بهم من إغراق شمل العالم بأسره لم يكن إلا لظلمهم وإمعانهم في اللجاج والتمادي في الإنكار.
5- ومنها ذكر مفعول ابلعي لئلا يعم بالحذف ابتلاع البحار وسواكن الماء كما يقتضيه مقام الكبرياء.
6- ومنها تقديم أمر الأرض على السماء لابتداء الطوفان منها.
هذا وقد ذكر السكاكي أسرارا أخرى أضربنا عنها لما فيها من تكلف قد يحيل الأمر إلى العكس.
الفوائد:
1- قد يقام المصدر المؤكد مقام فعله المستعمل أو المهمل فيمتنع ذكره معه وهو نوعان: أ- ما لا فعل له أصلا من لفظه نحو ويلك وويحك وبله الأكف وسبحان الله.
ب- ما له فعل مستعمل من لفظه وهو نوعان: نوع واقع في الطلب وهو الوارد في دعاء بخير أو ضده فالأول كسقيا ورعيا والأصل سقاك الله سقيا ورعاك الله رعيا أو الوارد نهيا أو أمرا نحو قياما لا قعودا وكذلك النوعي نحو «فضرب الرقاب» أي فاضربوا ضرب الرقاب ونوع واقع في الخبر نحو حمدا وشكرا لا كفرا، ولها أنواع مذكورة في المطولات والجار والمجرور الواقعان بعد نحو سقيا لك وبعدا للقوم الظالمين متعلق بمحذوف خرج مخرج البيان التقدير إرادتي لهم ولا تتعلق بالمصدر فنحو سقيا لك على هذا جملتان.
2- لام التبيين
ويجدر بنا هنا أن نورد خلاصة وجيزة لهذه اللام التي شغلت النحاة كثيرا ولم يوفوها حقها من الشرح وهي ثلاثة أنواع:
أ- ما تبين المفعول من الفاعل وضابطها أن تقع بعد فعل تعجب أو اسم تفضيل مفهمين حبا أو بغضا تقول: ما أحبني وما أبغضني فإن قلت: لفلان، فأنت فاعل الحب والبغض وهو مفعولهما وإن قلت:
إلى فلان، فالأمر بالعكس.
ب وج: ما يبين فاعلية غير ملتبسة بمفعولية وما يبين مفعولية غير ملتبسة بفاعلية ومصحوب كل منهما إما غير معلوم مما قبلها أو معلوم لكن استؤنف بيانه تقوية للبيان وتوكيدا له واللام في ذلك كله متعلقه بمحذوف. مثال المبينة للمفعولية: سقيا لك وجدعا لك فهذه اللام ليست متعلقة بالمصدرين ولا بفعليهما المقدرين لأنهما متعديان بنفسيهما كالمصدرين و «لا» هي ومجرورها صفة للمصدر فتتعلق بالاستقرار لأن الفعل لا يوصف فكذا ما أقيم مقامه وإنما هي لام مبينة للمدعو له أو عليه والتقدير إرادتي لك، ومثال المبينة للفاعلية:
تبا لزيد وويحا له، فإنه في معنى خسر وهلك وحينئذ فزيد هو الفاعل واللام متعلقة بمحذوف إرادتي كائنة لزيد.
11:45–49Page 226
وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٤٥
And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"
قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٤٦
He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."
قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٤٧
[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."
قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٨
It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."
تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ ٤٩
That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.
الإعراب:
(وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) الواو استئنافية والنداء على ما يبدو كان قبل سير السفينة لأنه سؤال في نجاة ابنه ولا معنى للسؤال إلا عند إمكان النجاة، ونادى نوح فعل وفاعل وربه مفعول به، فقال الفاء حرف عطف وقال فعل ماض معطوف على نادى عطف تفسير لأن القول المذكور هو عين النداء ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وإن واسمها ومن أهلي خبرها وإنما أورد ذلك لأن الله تعالى وعده بنجاة أهله. وللمفسرين كلام طويل حول بنوة هذا الابن يخرج عن نطاق هذا الكتاب. (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ) الواو عاطفة وان واسمها وخبرها وأنت أحكم الحاكمين مبتدأ وخبر والجملة معطوفة أيضا. (قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) قال فعل ماض وضمير الله فاعله المستتر وان واسمها وجملة ليس من أهلك خبر إن ومن أهلك خبر ليس. (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) ان واسمها والضمير يعود إلى ابنه ولا مبرر لقول من قال إن الضمير يعود إلى سؤاله كما ذهب الجلال وغيره لأن بلاغة الكلام تستبعده وعمل خبر إن وهو من باب إقامة الصفة مقام الموصوف عند ظهور المعنى وقد تقدمت الاشارة إليه ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
أيها القائل في غير الصواب ... أخّر النصح وأقلل من عتابي
وقوله أيضا:
وكم من قتيل لا يباء به دم ... ومن غلق رهنا إذا ضمّه منى ومن مالىء عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى
أراد أيها الإنسان القاتل وكم من إنسان قتيل. وقول الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
وغير صالح صفة لعمل والجملة تعليل لانتفاء كونه من أهله الناجين. (فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) الفاء الفصيحة ولا ناهية وتسأل فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية وياء المتكلم المحذوفة للتخفيف مفعول به وما مفعول به ثان وجملة ليس صلة واسم ليس علم ولك خبرها المقدم وبه جار ومجرور متعلقان بعلم. (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) إن واسمها وجملة أعظك خبرها وان وما في حيزها في محل نصب بنزع الخافض أي أخوفك من أن تكون، والجار والمجرور متعلقان بأعظك واسم تكون مستتر تقديره أنت ومن الجاهلين خبر تكون وسيأتي في باب الفوائد معنى تسمية سؤال نوح جهلا (قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) إن واسمها وجملة أعوذ خبرها وبك متعلقان بأعوذ وأن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض وما ليس لي به علم تقدم إعرابها. (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ) الواو عاطفة وإن شرطية ولا نافية وتغفر فعل الشرط ولي جار ومجرور متعلقان به وترحمني عطف على تغفر وأكن جواب الشرط واسمها مستتر تقديره أنا ومن الخاسرين خبرها. (قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ) اهبط فعل أمر وبسلام جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل اهبط أي متلبسا بسلام ومنّا صفة لسلام أو بنفس سلام وبركات عطف على سلام وعليك صفة. (وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) وعلى أمم عطف على عليك وممن صفة لأمم ومعك ظرف مكان صلة الموصول. (وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ) الواو استئنافية وأمم مبتدأ وساغ الابتداء به لأنه موصوف تقديره أي وأمم ممن معك وجملة سنمتعهم خبرها أو تجعل سنمتعهم صفة والمحذوف هو الخبر وإنما حذف لأن قوله ممن معك يدل عليه، ثم حرف عطف للتراخي ويمسهم فعل مضارع ومفعول به ومنا حال لأنه كان صفة لعذاب وعذاب فاعل وأليم صفة ثانية. (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ) تلك مبتدأ ومن أنباء الغيب خبر أول وجملة نوحيها إليك خبر ثان وإن شئت كان في موضع الحال أي تلك كائنة من أنباء الغيب موحاة إليك. (ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا) خبر ثالث وهذا أولى الأعاريب وكان واسمها وجملة تعلمها خبر كنت و «ها» مفعول به وأنت تأكيد لفاعل تعلمها المستتر ولا قومك عطف على أنت ومن قبل هذا حال من الهاء في نوحيها أو الكاف في إليك أي جاهلا أنت وقومك بها. (فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) الفاء الفصيحة أي ان عرفت هذه القصة ومنطوياتها وما آلت إليه حادثة الطوفان فاصبر وجملة إن العاقبة للمتقين من إن واسمها وخبرها تعليلية وهذا هو المقصود من قصة نوح والقصص التي ستتلوها.
الفوائد:
للمفسرين كلام طويل في هذه الآية وتعليل وصف سؤال نوح بالجهل وهو يدل على عدم العصمة حتى لقد ذهب الزمخشري إلى أن نوحا عليه السلام صدر عنه ما يوجب نسبة الجهل اليه ومعاتبته على ذلك ويطول بنا القول إن أردنا أن ننقل ما أوردوه أو نلخصه على الأقل وأقرب ما يقال في ذلك انه لما صدر الوعد إلى نوح بنجاة أهله إلا من سبق عليه القول منهم ولم يكن كاشفا لحال ابنه المذكور ولا مطلعا على دخيلة نفسه وحقيقة أمره بل معتقدا بظاهر الحال أنه مؤمن بقي على التمسك بصيغة العموم للأهلية الثابتة ولم يعارضها يقين في كفر ابنه حتى يخرج من الأهل ويدخل في المستثنين فسأل الله فيه بناء على ذلك فتبين له أنه في علمه من المستثنين وانه هو لا علم له بذلك فلذلك سأل فيه وهذا بأن يكون ابانة عذر أولى منه أن يكون عتبا وأما قوله:
«إني أعظك أن تكون من الجاهلين» فالمراد منه النهي عن وقوع السؤال في المستقبل بعد أن أعلمه الله باطن أمره وأنه إن وقع في المستقبل السؤال كان من الجاهلين والغرض من ذلك تقديم ما يبقيه على سمة العصمة، والموعظة لا تستدعي وقوع ذنب وقد أشفق نوح من اقدامه على سؤال ربه فيما لم يؤذن له فخاف من ذلك الهلاك فلجأ إلى ربه وخشع له ودعاه وسأله المغفرة والرحمة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences