DarwishAn‑Nahl · 16:61–76

Darwish · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:61–76

16:61–64Page 273

وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٦١

And if Allāh were to impose blame on the people for their wrongdoing, He would not have left upon it [i.e., the earth] any creature, but He defers them for a specified term. And when their term has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ ٦٢

And they attribute to Allāh that which they dislike [i.e., daughters], and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.1

تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦٣

By Allāh, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is their [i.e., the disbelievers] ally today [as well], and they will have a painful punishment.

وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٦٤

And We have not revealed to you the Book, [O Muḥammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.

اللغة:

(مُفْرَطُونَ) : اسم مفعول من أفرط أي أعجل يقال: أفرطت فلانا وفرطته في طلب الماء إذا قدمته وقيل منسيون متروكون من أفرطت فلانا خلفي إذا خلفته ونسيته وفي المختار: «وفرط القوم سبقهم إلى الماء فهو فارط والجمع فراط بوزن كتاب وبابه نصر وأفرطه تركه ومنه قوله تعالى «وانهم مفرطون» أي متروكون في النار منسيون وأفرط في الأمر جاوز الحدّ فيه» وفي القاموس: «وأفرط فلانا: تركه وتقدمه وجاوز الحد وأعجل بالأمر وانهم مفرطون أي منسيون متروكون في النار أو مقدمون معجلون إليها.

وفي الحديث: عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني فرطكم على الحوض من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم» وقال القطامي:

فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا ... كما تعجل فراط لورّاد

الإعراب:

(وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ) الواو استئنافية ولو شرطية ويؤاخذ الله الناس فعل مضارع وفاعل ومفعول به وبظلمهم الباء حرف جر للسببية أي بسبب ظلمهم متعلقان بيؤاخذ وجملة ما ترك لا محل لها وترك فعل وفاعل مستتر وعليها متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لدابة ومن حرف جر زائد ودابة مجرور لفظا مفعول به محلا والضمير يعود على الأرض وان لم تذكر فقد دلّ عليها ذكر الناس وذكر الدابة فإن الجميع مستقرون على الأرض.

(وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) الواو عاطفة ولكن حرف استدراك مهمل لأنها مخففة ويؤخرهم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلى أجل متعلقان بيؤخرهم ومسمى صفة أي معين. (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) الفاء عاطفة أو استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاء أجلهم مضافة للظرف وجملة لا يستأخرون لا محل لها وساعة ظرف متعلق بيستأخرون ولا يستقدمون عطف على لا يستأخرون وقد تقدمت الاشارة في آية مماثلة لها إلى معنى لا يستأخرون ولا يستقدمون. (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ) ويجعلون فعل مضارع وفاعل ولله متعلقان بيجعلون وما مفعول يجعلون وجملة يكرهون صلة وتصف ألسنتهم الكذب فعل مضارع وفاعل ومفعول به وقد فسر الكذب بقوله: (أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى) فأن وما في حيزها بدل من الكذب بدل الكل من الكل ولهم خبر أن المقدم والحسني اسمها المؤخر. (لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ) تقدم القول في لا جرم، وأن وخبرها المقدم واسمها المؤخر وإنهم مفرطون عطف على أن لهم النار. (تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ) التاء تاء القسم والجر والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المقدر واللام واقعة في جواب القسم وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل والى أمم متعلقان بأرسلنا ومن قبلك صفة. (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) الفاء عاطفة وزين فعل ماض ولهم متعلقان بزين والشيطان فاعل وأعمالهم مفعول به. (فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) الفاء عاطفة وهو مبتدأ ووليهم خبر واليوم ظرف متعلق بمحذوف حال إذا أردت حكاية الحال الآتية أو في الدنيا أو متعلق بوليهم إذا أردت حكاية انحال الماضية التي كان الشيطان يزين لهم أعمالهم فيها بمعنى ناصرهم ومعينهم، ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم صفة. (وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) الواو عاطفة وما نافية وأنزلنا فعل وفاعل وعليك متعلقان بأنزلنا والكتاب مفعول به وإلا أداة حصر ولتبين لام التعليل ومدخولها متعلقة بأنزلنا على معنى التعليل وإنما جر المفعول لأجله باللام لاختلاف فاعله مع فاعل الفعل فإن المنزل هو الله والمبين هو النبي. (وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) هدى ورحمة عطف على محل لتبين وقد انتصبا نصب المفعول لأجله لاتحاد فاعلهما مع فاعل الفعل لأن الهادي والرحم هو الله كما هو المنزل ولقوم صفة أو متعلقان بالمصدر وجملة يؤمنون صفة لقوم.

الفوائد:

بحث مهم عن فاء التعقيب:

المعروف عن الفاء العاطفة أنها للعطف مع التعقيب ولكنه ليس التعقيب الفوري بل هي للتعقيب حسب ما يصح إما عقلا وإما عادة ولهذا صح أن يقال دخلت البصرة فبغداد وإن كان بينهما زمان كثير لكن يعقب دخول هذه دخول تلك على ما يمكن بمعنى انه لم يمكث بواسط مثلا سنة أو مدة طويلة بل طوى المنازل بعد البصرة ولم يقم بواحد منها إقامة يخرج بها عن حد السفر إلى أن دخل بغداد، هذا الذي يقوله أهل اللغة وأهل الأصول وليست الفاء للفور الحقيقي الذي معناه حصول هذا بعد هذا بغير فصل ولا زمان، ألا ترى إلى قوله تعالى «فإذا جاء أجلهم» فإن مجيء الأجل متراخ عن التأخير وسيأتي لهذا نظائر.

16:65–69Page 274

وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٥

And Allāh has sent down rain from the sky and given life thereby to the earth after its lifelessness. Indeed in that is a sign for a people who listen.

وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ ٦٦

And indeed, for you in grazing livestock is a lesson. We give you drink from what is in their bellies - between excretion and blood - pure milk, palatable to drinkers.

وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٦٧

And from the fruits of the palm trees and grapevines you take intoxicant and good provision.1 Indeed in that is a sign for a people who reason.

وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ ٦٨

And your Lord inspired to the bee, "Take for yourself among the mountains, houses [i.e., hives], and among the trees and [in] that which they construct.

ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٦٩

Then eat from all the fruits1 and follow the ways of your Lord laid down [for you]." There emerges from their bellies a drink, varying in colors, in which there is healing for people. Indeed in that is a sign for a people who give thought.

اللغة:

(الْأَنْعامِ) : تقدم شرحها في سورة الانعام وقد ذكر سيبويه الانعام في باب مالا ينصرف في الأسماء الواردة على أفعال ولذلك رجع الضمير اليه مفردا وقد رجع الضمير إليها مؤنثا في سورة المؤمنون لأن معناها الجمع ويجوز أن يقال في الأنعام وجهان أحدهما أن يكون تكسير نعم كأجبال في جبل وأن يكون اسما مفردا مقتضيا لمعنى الجمع فاذا ذكر فكما يذكر نعم في قوله:

في كل عام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه

وإذا أنث ففيه وجهان انه تكسير نعم وانه في معنى الجمع، ولسيبويه بحث طريف كما قلنا فقد عدّ المفردات المبنية على أفعال كأخلاق وأمشاج فيعامل بالتذكير تارة باعتبار لفظه وبالتأنيث أخرى اعتبارا بمعناه وقيل هو جمع نعم كأسباب وسبب.

وقال ابن يعيش: «واعلم أن أبنية القلة أقرب إلى الواحد من أبنية الكثرة ولذلك يجري عليها كثير من أحكام المفرد ومن ذلك جواز تصغيره على لفظه خلافا للجمع الكثير ومنها جواز وصف المفرد بها:

غرب ثوب أسمال وبرمة اكسار ومنها جواز عود الضمير إليها بلفظ الإفراد نحو قوله تعالى: «وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه» .

(عبرة) : عظة أي دلالة يعبر عليها من الجهل إلى العلم فهي مصدر بمعنى العبور أطلق على ما يعبر به إلى العلم مبالغة في كونه سببا إلى العبور.

(فَرْثٍ) : الفرث الروث والأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش.

قال الحريري في درة الغواص: «ويقولون: فرث لما يخرج من الكرش وهو وهم لأنه إنما يسسى به مادام فيها فإذا خرج سمي سرجينا ومن أمثال العرب فيمن يحفظ الحقير ويضع الجليل: «فلان يحفظ الفرث ويفسد الحرث» وأجيب عن هذا بأن ذلك القول باعتبار ما كان ومثله كثير مطرد.

(سائِغاً) : سهل المرور في الحلق لا يغص به.

(سَكَراً) : السكر بفتحتين الخمر سميت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا نحو رشد رشدا ورشدا، قال:

فجاءونا لهم سكر علينا ... فأجلى اليوم والسكران صاح

وفي القاموس والتاج: سكر يسكر من باب تعب سكرا بفتحتين وسكرا بضم فسكون وسكرا بضمتين وسكرا بفتح فسكون وسكرانا بفتحتين من الشراب نقيض صحا فهو سكر وسكران وهي سكرة وسكرى وسكرانة والجمع سكرى وسكارى بفتح السين وسكارى بضمها وجاء في غيره: «في السكر أربعة أقوال: الأول أنه من أسماء الخمر والثاني أنه مصدر في الأصل ثم سمي به الخمر والثالث أنه اسم للخل بلغة الحبشة والرابع أنه اسم للعصير ما دام حلوا كأنه سمي مجازا لمآله لذلك لو ترك» .

(يَعْرِشُونَ) : يبنون وبابه ضرب ونصر كما في المختار وفي القاموس: وعرش يعرش بنى عريشا كأعرش وعرش بالتثقيل.

الإعراب:

(وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) الله مبتدأ وجملة أنزل خبر ومن السماء متعلقان بأنزل وماء مفعول به فأحيا عطف على أنزل وبه متعلقان بأحيا والأرض مفعول وبعد موتها الظرف متعلق بمحذوف حال. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسم ان ولقوم صفة لآية وجملة يسمعون صفة لقوم. (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً) الواو عاطفة وإن حرف مشبه بالفعل ولكم خبرها المقدم وفي الأنعام حال لأنه كان صفة لعبرة واللام المزحلقة وعبرة اسمها المؤخر. (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ) نسقيكم فعل وفاعل مستتر ومفعول به ومما متعلقان بنسقيكم وفي بطونه صلة ما وجملة نسقيكم مفسرة لعبرة أو خبر لمبتدأ محذوف على حد قوله «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» كأنه قيل: العبرة هي نسقيكم ومن بين فرث ودم حال لأنه كان في الأصل صفة لقوله لبنا وقدم عليه ولك أن تجعله حالا من ما التي قبله ومعنى من الأولى للتبعيض لأن اللبن بعض ما في بطونها والثانية ابتدائية لأن بين الفرث والدم مكان الاسقاء الذي منه يبتدأ ولبنا مفعول ثان لنسقيكم وسائغا صفة وللشاربين متعلقان بسائغا. (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً) ومن ثمرات النخيل خبر مقدم وجملة تتخذون صفة لموصوف محذوف هو المبتدأ المؤخر أي ثمر كانوا يتخذون منه سكرا ورزقا حسنا لأنهم كانوا يأكلون منه بعضا ويتخذون السكر من بعضه الآخر ولك أن تعلقه بمحذوف دل عليه نسقيكم أي نسقيكم من عصير النخيل والأعناب وعندئذ تكون جملة تتخذون حالا وقال أبو حيان: «والظاهر تعلق من ثمرات بتتخذون وكررت من للتوكيد وكان الضمير مفردا راعيا لمحذوف أي ومن عصير ثمرات أو على معنى الثمرات وهو الثمر وقيل تتعلق بنسقيكم فيكون معطوفا على مما في بطونه أو بنسقيكم محذوفة دل عليها نسقيكم المتقدمة فيكون من عطف الجمل والذي قبله من عطف المفردات إذا اشتركا في العامل وقيل معطوف على الأنعام أي ومن ثمرات النخيل والأعناب عبرة ثم بيّن العبرة بقوله تتخذون» وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون تتخذون صفة موصوف محذوف كقوله «بكفي كان من أرمى البشر» تقديره ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه. والضمير في منه يعود على العصير المقدر والأول أضبط وسكرا مفعول تتخذون ورزقا عطف على سكرا وحسنا صفة ولا يخفى ما يتولد عن العنب والتمر من خل وزبيب ودبس وفي المختار: الدبس ما يسيل من الرطب. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)

إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر وجملة يعقلون صفة لقوم. (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) الواو عاطفة على ما قبلها لتتساوق الدلائل على عجائب صنعته تعالى وبدائع قدرته ولك أن تجعلها مستأنفة مسوقة لما ذكر وأوحى ربك فعل وفاعل والى النحل متعلقان بأوحى وأن هي المفسرة لأن في الإيحاء معنى القول دون حروفه وهو الشرط المعقود لأن التفسيرية، ولك أن تجعلها مصدرية وهي مع مدخولها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بأوحينا أي بأن اتخذي وسيأتي مزيد بيان لذلك في باب الفوائد فتنبّه له ومن الجبال متعلقان باتخذي فمن للتبعيض لأنها لا تبني بيوتها في كل جبل وشجر وكل ما يعرش وسيأتي مزيد بيان لذلك في باب البلاغة وبيوتا مفعول اتخذي ومن الشجر عطف على من الجبال وكذلك مما يعرشون.

(ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا) ثم حرف عطف للتراخي والسرّ فيه أن سعيها لطلب الرزق بعد اتخاذها البيوت نسكناها لتطلب بعد ذلك الرزق في مظانه، وكلّيّ فعل أمر وفاعل ومن كل الثمرات متعلقان بكلّيّ فاسلكي الفاء عاطفة واسلكي عطف على كلّيّ وسبل ربك مفعول به وذللا حال من السبل لأن الله ذللها لها ووطأ لها مهادها ومسالكها أو من فاعل اسلكي أي وأنت منقادة لما أمرت به وهيئت له. (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ) في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة سيأتي الكلام عنه في باب البلاغة ويخرج فعل مضارع ومن بطونها متعلقان بيخرج وشراب فاعل يخرج ومختلف صفة لشراب وألوانه فاعل مختلف لأنه اسم فاعل وفيه خبر مقدم وشفاء مبتدأ مؤخر وللناس جار ومجرور متعلقان بشفاء والجملة صفة ثانية لشراب. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) تقدم إعراب نظيرتها قريبا فجدد به عهدا.

البلاغة:

1- الالتفات:

في قوله تعالى «يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه» إلى آخر الآية، التفات من الخطاب إلى الغيبة ولو جاء الكلام على النسق الأول لقيل من بطونك، وإنما صرف الكلام هاهنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدة وهي انه ذكر للبشر العسل وأوصافه وألوانه المختلفة وأخبرهم أن فيه فوائد شتى لهم ليلفت انتباههم اليه ولو قال من بطونك لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة وليس ذلك بخاف عن نقدة الكلام.

2- التنكير:

ونكر قوله «فيه شفاء» ولم يقل فيه الشفاء لكل الناس فاندفع الاعتراض بأن كثيرين يأكلون العسل ولا يشفون مما ألم بهم. فيلاحظ أن النكرة في سياق الإثبات لا تفيد العموم وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أخي استطلق بطنه فقال: اسقه عسلا فسقاه عسلا ثم جاء فقال سقيته عسلا فما زاد إلا استطلاقا، قال اذهب فاسقه عسلا فذهب فسقاه، ثم جاء فقال ما زاده إلا استطلاقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك اذهب فاسقه عسلا فذهب فسقاه عسلا فبرىء.

3- التنكيت:

في قوله تعالى: «أن اتخذي من الجبال بيوتا» وقد تقدمت الاشارة إليه وهو هنا في قوله من الجبال إذ معنى من هنا للتبعيض ولم يقل في الجبال لأنها لا تبني بيوتها في كل جبل وفي كل شجر وكل ما يعرش فلم يترك لها الحرية في بناء البيوت ولم يكل الأمر إلى شهواتها كما وكله إليها في قوله ثم كلّيّ من الثمرات وإنما خولف ذلك وحجر عليها في المسكن ولم يحجر عليها في المأكل لأن مصلحة الآكل حاصلة على الإطلاق لاستمراء مشتهاها منه وأما البيوت فلا تحصل مصلحتها في كل موضع ولهذا المعنى بالذات دخلت ثم لتفاوت الأمر وتباعده بين الحجر عليها في اتخاذ البيوت والإطلاق لها في تناول الثمرات.

الفوائد:

أن التفسيرية:

تقدم القول في «أن التفسيرية» وانها الواقعة بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه وقد وقعت هنا بعد الإيحاء لما فيه من معنى القول فما بعدها لا محل له من الإعراب ومن طريف المناقشات أن أبا عبد الله الرازي وهو الفخر المشهور منع ذلك وقال إننا لا نسلم أنها مفسرة كيف وقد انتفى شرط التفسير لأن الوحي هنا إلهام باتفاق وليس في الإلهام معنى القول قال: وإنما هي مصدرية أي باتخاذ الجبال بيوتا ولكن الفخر الرازي جنح به الخيال هذه المرة فلم يقع على الصواب إذ المقصود من القول الإعلام والإلهام فعل من أفعال الله يتضمن الإعلام بحيث يكون الملهم عالما بما ألهم به وإلهام الله النحل من هذا القبيل.

16:70–72Page 274

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٧٠

And Allāh created you; then He will take you in death. And among you is he who is reversed to the most decrepit [old] age so that he will not know, after [having had] knowledge, a thing. Indeed, Allāh is Knowing and Competent.

وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ فِيهِ سَوَآءٌۚ أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٧١

And Allāh has favored some of you over others in provision. But those who were favored [i.e., given more] would not hand over their provision to those whom their right hands possess [i.e., slaves] so they would be equal to them therein.1 Then is it the favor of Allāh they reject?

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ ٧٢

And Allāh has made for you from yourselves mates and has made for you from your mates sons and grandchildren and has provided for you from the good things. Then in falsehood do they believe and in the favor of Allāh they disbelieve?

اللغة:

(حَفَدَةً) : الحفدة: جمع حافد وهو الذي يحفد أي يسرع في الطاعة والخدمة، قال:

حفد الولائد بينهن وأسلمت ... بأكفهنّ أزمة الأجمال وفي الصحاح: «الحفدة الأعوان والخدم أيضا» وفي المختار:

«الحفد السرعة وبابه ضرب وحفدا أيضا بفتح الفاء ومنه قولهم في الدعاء وإليك نسعى ونحفد، وأحفده حمله على الحفد وبعضهم يجعل أحفد لازما والحفد بفتحتين الأعوان والخدم وقيل ولد الولد واحدهم حافد» وفي القاموس والتاج: «حفد يحفد من باب ضرب حفدا بسكون الفاء وحفودا وحفدانا واحتفد في العمل أسرع وحفده خدمه وأحفد الظلم أسرع وأحفده حمله على الحفد أي الإسراع والحفيد ولد الولد وجمعه حفداء والحافد: الخادم والتابع والناصر وولد الولد وجمعه حفدة وحفد والحفدة أيضا: صناع الوشي» وللمفسرين كلام طويل حول المراد بهم واللفظ يحتمل الجميع لاشتمال الحفدة على الكثير من المعاني كما تقدم.

الإعراب:

(وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) الله مبتدأ وجملة خلقكم خبر ثم حرف عطف للتراخي كما تقدم ومنكم الواو حرف عطف ومنكم خبر مقدم وهو معطوف على مقدر أي فمنكم من يبقى محتفظا بقوة جسمه وعقله ومنكم، ومن مبتدأ مؤخر وجملة يرد صلة ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وإلى أرذل العمر متعلقان بيرد وأرذل العمر هو الهرم حيث تغور الأعين وتضعف الحركات وترتعش المفاصل ويدب الوهن إلى جميع أنحاء الجسم ويستولي الخرف عليه.

(لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) اللام لام التعليل وكي حرف مصدري ونصب ولا نافية ويعلم منصوب بكي واللام ومدخولها متعلقة بيرد ويجوز أن تكون اللام للصيرورة أي فكانت عاقبته أنه رجع إلى حال الطفولة في النسيان وعدم الإدراك، وبعد علم ظرف متعلق بيعلم وشيئا مفعول به ليعلم ولك أن تجعل المسألة من باب التنازع فتنصب شيئا بالعلم وهو مصدر وإن واسمها وعليم خبرها الأول وقدير خبرها الثاني. (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) الله مبتدأ وجملة فضل خبر وبعضكم مفعول به وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بفضل وفي الرزق حال أي حالة كونكم مرزوقين فمنكم غني ومنكم فقير. (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) الفاء عاطفة وما نافية حجازية والذين اسمها وجملة فضلوا صلة والباء حرف جر زائد ورادي مجرور لفظا خبر ما محلا ورزقهم مضاف اليه من إضافة المصدر إلى مفعوله وعلى ما متعلقان برادي وملكت أيمانهم صلة.

(فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ) الفاء عاطفة للدلالة على أن التساوي مترتب على التراد أي لا يردون عليهم ردا مستتبعا للتساوي وإنما يردون عليهم شيئا يسيرا وهم مبتدأ وفيه متعلقان بسواء وسواء خبر هم وسيأتي بحث هذا الإيجاز البليغ في باب البلاغة. (أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) استفهام إنكار وتوبيخ والفاء عاطفة على مقدر أي يشركون به فيجحدون نعمته وبنعمة الله متعلقان بيجحدون لأنه متضمن معنى الكفران. (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً) الله مبتدأ وجملة جعل خبر ولكم متعلقان بجعل ومن أنفسكم حال لأنه كان في الأصل صفة لأزواجا وأزواجا مفعول جعل (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً) عطف على ما تقدم والاعراب مماثل لها (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) ورزقكم فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به ومن الطيبات متعلقان برزقكم والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على مقدر أي يكفرون بالله فيؤمنون بالباطل وبنعمة الله متعلقان يكفرون وهم مبتدأ وجملة يكفرون خبر.

البلاغة:

الإيجاز:

في قوله تعالى «فهم فيه سواء» إيجاز بليغ، وإشارة إلى أرفع النظم التي يتحتم على البشر سلكوكها في دنياهم لتستقيم أمورهم، وتزول أسباب العداوة والخصام من قلوبهم وليسود السلام بينهم فقد أخبر تعالى أنه جعلهم متفاوتين في الرزق ولكن هذا التفاوت لا يعني تفضيلهم عليهم في الانسانية أو كأنه يشير إلى أن الواجب يحتم عليكم أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم حتى تتساووا في الملابس والمطاعم روي عن أبي ذر الغفاري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون» ويزداد هذا المعنى رسوخا بما تلاه من توبيخ لهم وتقريع لأنهم فرقوا بين الناس وما يزوا بين الطبقات. وفي قوله تعالى «إلى أرذل العمر» إيجاز آخر، إلى الهرم وما يستوجبه من حالات الضعف والخرف التي تدنو بالعاجز والهرم إلى عالم الطفولة الأول مع الفارق البيّن بين الأمل المترتب على الطفولة ومخايلها المبشرة بالفوز في المستقبل والأمل بالحياة الراغد في الآتي أما الآن فليس أمامه إلا مكابدة الحالات التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ منها وهي قوله: «اللهم إني أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات» .

16:73–76Page 275

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٧٣

And they worship besides Allāh that which does not possess for them [the power of] provision from the heavens and the earth at all, and [in fact], they are unable.

فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧٤

So do not assert similarities to Allāh.1 Indeed, Allāh knows and you do not know.

۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٧٥

Allāh presents an example: a slave [who is] owned and unable to do a thing and he to whom We have provided from Us good provision, so he spends from it secretly and publicly. Can they be equal? Praise to Allāh! But most of them do not know.

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٦

And Allāh presents an example of two men, one of them dumb and unable to do a thing, while he is a burden to his guardian. Wherever he directs him, he brings no good. Is he equal to one who commands justice, while he is on a straight path?

اللغة:

(أَبْكَمُ) : الأبكم الذي ولد أخرس فهو أخص من مطلق الأخرس وفي القاموس: «البكم محرك الخرس كالبكامة أو مع عيّ وبله أو أن يولد ولا ينطق ولا يسمع ولا يبصر وبكم كفرح فهو أبكم وبكيم والجمع بكم، وبكم ككرم امتنع عن الكلام تعمدا» وروى ثعلب عن ابن الاعرابي: الأبكم الذي لا يسمع ولا يبصر وعلى هذا يتميز عن الأخرس بأنه لا يفهم ولا يفهم أما الأخرس فيفهم بالسماع أو بالاشارة ويفهم بالاشارة.

(كَلٌّ) : ثقيل على من يلي أمره ويعوله وفي القاموس وغيره:

«مصدر كل يكل من باب تعب كلّا وكلة وكلالة وكلولا وكلالة وكلولة تعب وأعيا والضعيف والذي لا ولد له ولا والد وقفا السكين أو السيف والوكيل والصنم والمصيبة تحدث والعيّل والعيال والثقل ويطلق الكلّ على الواحد وغيره وبعضهم يجمع المذكر والمؤنث على كلول» .

الإعراب:

(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة ويعبدون فعل مضارع وفاعل ومن دون الله حال وما مفعول به وجملة لا يملك صلة ورزقا مفعول به ومن السموات والأرض صفة لرزقا أو متعلقان برزقا. (شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ) شيئا مفعول به لرزقا إذا أردت به المصدر أو اسم المصدر كقوله تعالى: «أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ... » ، وان أردت به المرزوق كان شيئا بدلا منه بمعنى قليلا وسيأتي في باب الفوائد تفصيل حول إعراب شيئا لا بد من معرفته، ولا يستطيعون يجوز في هذه الجملة العطف على صلة ما والاخبار عنهم بعدم الاستطاعة باعتبار معناها لأن ما هنا مفردة لفظا جمع معنى ويجوز أن تكون مستأنفة وعلى كل حال الواو عائدة على ما والمراد بها آلهتهم (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ) الفاء استئنافية ولا ناهية وتضربوا فعل مضارع مجزوم والواو فاعل ولله متعلقان بتضربوا والأمثال مفعول به لأن ضرب المثل تشبيه حال بحال وذلك يتنافى مع الذات الإلهية. (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) إن واسمها وجملة يعلم خبر والجملة تعليلية وأنتم الواو حالية وأنتم مبتدأ وجملة لا تعلمون خبر. (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) جملة مستأنفة لتعليمهم كيف يضرب الله المثل، وضرب الله مثلا فعل وفاعل ومفعول به وعبدا بدل من مثلا ومملوكا صفة وجملة لا يقدر على شيء صفة ثانية وعلى شيء متعلقان بيقدر أي من التصرفات (وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً) الواو عاطفة ومن عطف على عبدا مملوكا ومن اسم موصول أو نكرة موصوفة كأنه قيل وحرا رزقناه ليطابق عبدا وجملة رزقناه صلة على الأول وصفة على الثاني ونا فاعل والها مفعول به ومنا متعلقان برزقناه ورزقا مفعول به ثان إن أردت به الحال أو مفعول مطلق إن أردت به المصدر وحسنا صفة لرزقا. (فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ) الفاء عاطفة وهو مبتدأ وجملة ينفق خبر ومنه متعلقان بينفق وسرا وجهرا مصدران منصوبان على المفعولية المطلقة أي انفاق سر وجهر أو منصوبان على الحال أي مسرا ومجاهرا وتقديم السر على الجهر مشعر بفضيلته عليه وأن الثواب فيه أكثر، وهل حرف استفهام للنفي وجمع الضمير في يستوون وان تقدمه اثنان لأن المراد جنس الأحرار والعبيد المدلول عليهما والمعنى لا يستوي الأحرار والعبيد. (الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) الحمد مبتدأ ولله خبر وبل حرف إضراب وأكثرهم مبتدأ وجملة لا يعلمون خبر وأتى بالجملة الاخبارية إرشادا للعبد إلى وجوب شكر المنعم على ما أسبغ من العوارف والآلاء. (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ) الواو عاطفة وضرب الله مثلا فعل وفاعل ومفعول به ورجلين بدل من مثلا. (أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) أحدهما مبتدأ وأبكم خبره وجملة لا يقدر على شيء صفة أبكم (وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ) الواو حالية وهو مبتدأ وكل خبره وعلى مولاه متعلقان بكل (أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ) أينما اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية المكانية، وهو متعلق بفعل الشرط كما هي القاعدة وقيل بجوابه ولكل وجه وقال الرضي: «العامل في متى وكل ظرف فيه معنى الشرط شرطه على ما قاله الأكثرون» غير إذا والصحيح ان العامل فيها الجواب ووجهه ابن الحاجب فقال: ان الشرط والجزاء جملتان ولا يستقيم عمل الجواب في اسم الشرط لأنه يؤدي إلى أنه يصير جملة واحدة لأنه إذا كان ظرفا له كان من تتمته ولا يكون جملة ثانية أما إذا فالعامل فيها هو الجزاء ووجه ذلك قوة توهم الاضافة في إذا وضعفه في متى، وفصل بعضهم فقال: والأولى أن نفصل ونقول إن تضمن إذا معنى الشرط فحكمه حكم أخواته من متى ونحوه وإن لم يتضمن نحو إذا غربت الشمس جئتك بمعنى أجيئك وقت غروب الشمس فالعامل هو الفعل الذي في محل الجزاء وإن لم يكن جزاء في الحقيقة دون الذي في محل الشرط إذ هو مخصص للظرف وتخصيصه له إما لكونه صفة له أو لكونه مضافا اليه ولا ثالث بالاستقراء. ويوجهه فعل الشرط ولا نافية

ويأت جواب الشرط وبخير متعلقان بيأت. (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) هل حرف استفهام معناه النفي ويستوي فعل مضارع وهو تأكيد للفاعل المستتر ومن عطف على الفاعل المستتر في يستوي والشرط موجود وهو العطف بالضمير المنفصل وهو لفظ هو وهو مبتدأ وعلى صراط مستقيم خبره والجملة الاسمية صلة من وحذف مقابل أحدهما أبكم للدلالة عليه بقوله ومن يأمر أي والآخر ناطق قادر خفيف على مولاه أينما يوجهه يأت بخير.

الفوائد:

الفرق بين المصدر واسم المصدر:

كثر الاختلاف في إعراب شيئا ولهذا كان لا بد من التبسّط في إعمال المصدر، والفرق بينهما: ان المصدر هو الذي له فعل يجري عليه كالانطلاق في انطلق واسم المصدر هو اسم المعنى وليس له فعل يجري عليه كالقهقرى فإنه لنوع من الرجوع ولا فعل له يجري عليه من لفظه وقد يقولون مصدر واسم مصدر في الشيئين المتغايرين لفظا أحدهما للفعل والآخر للدلالة التي يستعمل بها الفعل كالطهور والطهور والأكل والأكل فالطهور المصدر والطهور اسم ما يتطهر به والأكل المصدر والأكل ما يؤكل.

ويعمل المصدر عمل فعله إن كان يحل محله فعل إما مع أن المصدرية والزمان ماض أو مستقبل نحو عجبت من ضربك زيدا أمس، ونحو يعجبني ضربك زيدا غدا وإما مع ما المصدرية والزمان حال فقط كيعجبني ضربك زيدا الآن أي ما تضربه الآن وعمل المصدر مضافا أكثر من عمله غير مضاف نحو: «ولولا دفع الله الناس» وعمله منونا هو القياس لأنه أقرب إلى الشبه بالفعل لتنكيره نحو: «أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما» فإطعام مصدر وفاعله مستتر ويتيما مفعوله وعمله معرفا بأل قليل في السماع ضعيف في القياس لبعده من مشابهة الفعل كقوله:

ضعيف النكاية أعداءه ... يخال الفرار يراخي الأجل

فالنكاية مصدر مقرون بأل وأعداءه مفعوله والمعنى ضعيف نكايته أعداءه يظن أن الفرار من الموت يباعد الأجل.

أما اسم المصدر فيعمل أيضا كالمصدر إذا كان ميميا كقول العرجي وقيل الحارث بن خالد المخزومي:

أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم

فمصاب مصدر ميمي مضاف إلى فاعله ورجلا مفعوله وجملة أهدى السلام نعت رجلا وتحية مفعول مطلق وستأتي قصة هذا البيت، وإن كان غير ميمي لم يعمل عند البصريين لأن أصل وضعه لغير المصدر فالغسل موضوع لما يغتسل به والوضوء لما يتوضأ به ويعمل عند الكوفيين وجماعة من البصريين وعليه قول القطامي:

أكفرا بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا

فعطاء اسم مصدر مضاف إلى فاعله والمائة مفعوله الثاني أما الأول فهو محذوف أي عطائك إياي المائة الرتاع أي الراتعة وهي الإبل التي ترتعي والواقع أن البصريين اضطربت أقوالهم فقال بعضهم بالجواز وقال بعضهم بالمنع.

قصة بيت العرجي:

غنت جارية بحضرة الواثق من شعر العرجي:

أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم

فاختلف من بالحضرة في إعراب رجلا فمنهم من نصبه وجعله اسم ان ومنهم من رفعه على انه خبرها والجارية مصرة على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها إياه بالنصب فأمر الواثق بأشخاصه قال أبو عثمان: فلما مثلت بين يديه قال: ممن الرجل؟ قلت من مازن، قال: من أي الموازن؟

قلت: من مازن ربيعة فكلمني بكلام قومي وقال با اسمك؟ لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما إذا كانت في أول الأسماء فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلا أواجهه بالمكر فقلت: بكر يا أمير المؤمنين ففطن لما قصدته وأعجبه مني ذلك ثم قال: ما تقول في قول الشاعر:

أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم أترفع رجلا أم تنصبه فقلت الوجه النصب قال ولم ذلك؟ فقلت:

لأن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم وهو بمنزلة قولك: إن ضربك زيدا ظلم فالرجل مفعول مصاب ومنصوب به والدليل عليه ان الكلام متعلق إلى أن تقول ظلم فيتم فاستحسنه الواثق وأمر له بألف دينار.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском