DarwishAl‑Isra · 17:26–39

Darwish · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:26–39

17:26–31Page 284

وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا ٢٦

And give the relative his right, and [also] the poor and the traveler, and do not spend wastefully.1

إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا ٢٧

Indeed, the wasteful are brothers of the devils, and ever has Satan been to his Lord ungrateful.

وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا ٢٨

And if you [must] turn away from them [i.e., the needy] awaiting mercy from your Lord which you expect,1 then speak to them a gentle word.

وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا ٢٩

And do not make your hand [as] chained to your neck1 or extend it completely2 and [thereby] become blamed and insolvent.

إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٣٠

Indeed, your Lord extends provision for whom He wills and restricts [it]. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing.

وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا ٣١

And do not kill your children for fear of poverty. We provide for them and for you. Indeed, their killing is ever a great sin.

اللغة:

(فَتَقْعُدَ) : فتصير وهو من المجاز قال في الأساس: «ومن المجاز فعد عن الأمر تركه وقعد له اهتم به وقعد يشتمني أقبل، وأرهف شفرته حتى قعدت كأنها حربة: صارت، وقال الدّيان الحارثي:

لأصبحن ظالما حربا رباعية ... فاقعد لها ودعن عنك الأظانينا

وتقاعد عن الأمر وتقعّد وما قعد به عن نيل المساعي وما تقعده وما أقعده إلا لؤم عنصره وقال:

بنو المجد لم تقعد بهم أمهاتهم ... وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا

(مَحْسُوراً) : منقطعا لا شيء عندك من حسره السفر إذا بلغ منه وفي المختار: والحسرة شدة التلهف على الشيء الفائت تقول حسر على الشيء من باب طرب وحسرة أيضا فهو حسير وحسّره غيره تحسيرا.

(وَيَقْدِرُ) : يقال قدر عليه رزقه وقدّر قتر وضيق.

(إِمْلاقٍ) : فقر وفاقة يقال أملق الرجل: أنفق ماله حتى افتقر ورجل مملق وقال أعرابي: قاتل الله النساء كم يتملقن العلل لكأنها تخرج من تحت أقدامهن أي يستخرجنها.

(خِطْأً) : مصدر خطىء من باب علم.

الإعراب:

(وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً) وآت ذا القربى حقه: آت فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت وذا القربى مفعول به وحقه مفعول به ثان والمسكين وابن السبيل عطف على ذا القربى ولا ناهية وتبذر مضارع مجزوم بلا وتبذيرا مفعول مطلق. (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وإخوان الشياطين خبر كان أي أمثالهم والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم هو أخوهم والملازم للشيء هو أخ له فيقولون: فلان أخو الجود وأخو الكرم وأخو الشعر. (وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) الواو عاطفة أو حالية وكان واسمها ولربه متعلقان بكفورا، وكفورا خبر كان ولا بد من تقدير مضاف أي لنعم ربه وآلائه. (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً)

وإما: إن شرطية وما زائدة وتعرضن فعل الشرط وهو في محل جزم والفاعل مستتر تقديره أنت وعنهم متعلقان بتعرضن وابتغاء رحمة مفعول من أجله ولك في ناصبه وجهان فإما أن تجعله فعل الشرط من وضع المسبب مكان السبب أي وان أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك فسمى الرزق رحمة فردهم ردا جميلا وإما أن تجعله جواب الشرط وقد تقدم عليه أي فقل لهم قولا كريما لينا وعدهم وعدا جميلا تطييبا لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك. ومن ربك صفة لرحمة وجملة ترجوها حال من رحمة أو صفة ثانية، فقل الفاء رابطة وقل فعل أمر ولهم متعلقان بقل وقولا مفعول مطلق وميسورا صفة. (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتجعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت ويدك مفعول تجعل الأول ومغلولة مفعول تجعل الثاني والى عنقك جار ومجرور متعلقان بمغلولة. (وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) ولا تبسطها عطف على لا تجعل وكل البسط مفعول مطلق فتقعد الفاء فاء السببية وتقعد مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء المسبوقة بالنهي وستأتي الشروط التي يجب أن تسبق هذه الفاء في باب الفوائد وفاعل تقعد مستتر تقديره أنت وملوما محسورا حالين أو تجعلهما خبرين لتقعد إذا ضمنتها معنى تصير.

(إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) ان واسمها وجملة يبسط خبرها والرزق مفعول به ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ويقدر عطف على يبسط وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وبعباده متعلقان بخبيرا بصيرا وهما خبر ان لكان. (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) لا ناهية وتقتلوا مجزوم بها وأولادكم مفعول به وخشية مفعول لأجله وإملاق مضاف إليه. (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً) نحن مبتدأ وجملة نرزقهم خبر وإياكم عطف على الهاء وإن واسمها وجملة كان خبر إن وخطئا خبر كان واسمها مستتر تقديره هو وكبيرا صفة لخطئا.

البلاغة:

اشتملت هذه الآيات على طائفة من الحكم والأمثال وعلى أنواع من البلاغة نوجزها فيما يلي:

1- الاستعارة التمثيلية:

في قوله تعالى «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط» استعارة تمثيلية لمنع الشحيح وإعطاء المسرف فقد شبه حال البخيل في امتناعه من الانفاق بحال من يده مغلولة إلى عنقه فهو لا يقدر على التصرف في شيء وشبه حال المسرف المبذر المتلاف بحال من يبسط يده كل البسط فلا يبقي على شيء في كفه ولا يدخر شيئا ينفعه في حال الحاجة ليخلص إلى نتيجة مجدية وهي التوسط بين الأمرين والاقتصاد الذي هو وسط بين الإسراف والتقتير، وقد طابق في الاستعارة بين بسط اليد وقبضها من حيث المعنى لأن جعل اليد مغلولة هو قبضها وغلّها أبلغ في القبض وقد رمق أبو تمام سماء هذا المعنى فقال في المعتصم:

تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله

2- التغاير:

في قوله تعالى «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم» وقد تقدم بحثه في سورة الانعام وفيه سر خفي بين ما جاء في سورة الاسراء وما جاء في سورة الانعام وهو قوله «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم» فجدد به عهدا ونضيف اليه الآن ان قتل الأولاد إن كان مبعثه خوف الفقر فهو من سوء الظن بالله واليأس من رحمته وإن كان مبعثه الغيرة على البنات فهو تدبير أرعن لا ينجم عنه إلا هدم المجتمع وتعطيل معالم الحياة.

الفوائد:

شروط النصب بأن بعد فاء السببية وواو المعية:

لا تضمر أن بعد فاء السببية وواو المعية أيضا إلا بشرطين أساسيين وهما أن يسبقهما نفي أو طلب محضين ولا فرق في النفي بين أن يكون حرفا أو فعلا أو اسما أو تقليلا مرادا به النفي ومثال التقليل: قلما تأتينا فتحدثنا وأما الطلب فيشمل سبعة أمور وهي الأمر والنهي والدعاء والعرض والتحضيض والاستفهام والتمني فهذه سبعة مع النفي تصير ثمانية وزاد بعضهم الترجي وقد جمع هذه التسعة بقوله:

مروانه وادع وسل عرض لحضّهم ... تمن وارج كذاك النفي قد كملا

واحترزنا بقولنا «نفي أو طلب محضين» من النفي التالي تقريرا بالهمزة لأن التقرير اثبات ومن النفي المتلو بالنفي لأن نفي النفي اثبات ومن النفي المنتقض بإلا ومما يجب مراعاته قول جميل بن معمر العذري:

ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق

فينطق مرفوع وهو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي فهو ينطق والفاء استئنافية وليست للسببية كما أنها ليست للعطف إذ العطف يقتضي الجزم، ورجح ابن هشام في المغني أن تكون الفاء للعطف وان المعتمد بالعطف الجملة لا الفعل وحده وانما يقدر النحويون كلمة هو ليبينوا أن الفعل ليس المعتمد بالعطف قال «ومثله فإنما يقول له كن فيكون» أي فهو يكون حينئذ وقوله:

الشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه

زلت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه

أي فهو يعجمه» .

ونعود إلى بيت جميل فنقول: أورده سيبويه في كتابه وقال ما نصه: «لم يجعل الأول سبب الآخر ولكنه جعله ينطق على كل حال كأنه قال وهو مما ينطق كما يقال ائتني وأحدثك فجعل نفسه ممن يحدثه على كل حال وزعم يونس أنه سمع هذا البيت وانما كتبت ذلك لئلا يقول انسان فلعل الشاعر قال: إلا اهـ» وقال ابن النحاس:

«تقرير معناه انك سألته فيقبح النصب لأن المعنى يكون انك ان تسأله ينطق» وقال الأعلم: الشاهد فيه رفع ينطق على الاستئناف والقطع على معنى فهو ينطق وإيجاب ذلك ولو أمكنه النصب على الجواب لكان أحسن.

وقال الفراء: أي قد سألته فنطق ولو جعلته استفهاما وجعلت الفاء شرطا لنصبت كما قال آخر:

ألم تسأل فتخبرك الديارا ... عن الحي المضلّل حيث سارا

والجزم في هذا البيت جائز كما قال:

فقلت له صوب ولا تجهدنه ... فيدرك من أخرى القطاة فتزلق

فجعل الجواب بالفاء كالمنسوق على ما قبله.

هذا ولأهمية هذا البيت وعناية العلماء به نقول انه مطلع قصيدة لجميل بن معمر العذري صاحب بثينة المشهور وبعده وهو من جيد الشعر:

بمختلف الأرواح بين سويقة ... وأحدب كادت بعد عهدك تخلق

أضرت بها النكباء كل عشية ... ونفح الصبا والوابل المتعبق وقفت بها حتى تجلت عمايتي ... ومل الوقوف الأرحبيّ الم

نوّق وقال صديقي: إن ذا لصبابة ... ألا تزجر القلب اللجوج في

لحق؟ تعزّ وإن كانت عليك كريمة ... لعلك من أسباب بثنة

تعتق فقلت له: إن البعاد يشوقني ... وبعض بعاد البين والنأي أشوق

والربع: المنزل، والقواء: القفر وجعله ناطقا للاعتبار بدروسه وتغيره ثم حقق وأخبر أنه لا يجيب ولا يخبر سائله لعدم وجود القاطنين به، البيداء القفر، والسملق: الأرض التي لا شيء فيها.

ومما اختلف فيه وكان موضع الدقة قول عروة العذري صاحب عفراء:

وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب

قال سيبويه: «وسألت الخليل عن قول الشاعر: وما هو إلا أن أراها إلخ فقال: أنت في «فأبهت» بالخيار إن شئت حملتها على أن وإن شئت لم تحملها عليها فرفعت كأنك قلت ما هو إلا الرؤي فابهت» ومعنى ما أراده سيبويه أن النصب بالعطف على أن المراد المصدر والتقدير فما هو إلا الرؤية فأبهت والرفع على القطع والاستئناف والمعنى فاذا أنا مبهوت. وإنما أطلنا في هذا لأنه من الدقة بمكان فاعرفه وقس عليه.

17:32–39Page 285

وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا ٣٢

And do not approach unlawful sexual intercourse.1 Indeed, it is ever an immorality and is evil as a way.

وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا ٣٣

And do not kill the soul [i.e., person] which Allāh has forbidden, except by right.1 And whoever is killed unjustly - We have given his heir authority,2 but let him not exceed limits in [the matter of] taking life. Indeed, he has been supported [by the law].

وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا ٣٤

And do not approach the property of an orphan, except in the way that is best,1 until he reaches maturity. And fulfill [every] commitment. Indeed, the commitment is ever [that about which one will be] questioned.

وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا ٣٥

And give full measure when you measure, and weigh with an even [i.e., honest] balance. That is the best [way] and best in result.

وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا ٣٦

And do not pursue1 that of which you have no knowledge. Indeed, the hearing, the sight and the heart - about all those [one] will be questioned.

وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا ٣٧

And do not walk upon the earth exultantly. Indeed, you will never tear the earth [apart], and you will never reach the mountains in height.1

كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا ٣٨

All that [i.e., the aforementioned] - its evil is ever, in the sight of your Lord, detested.

ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا ٣٩

That is from what your Lord has revealed to you, [O Muḥammad], of wisdom. And, [O mankind], do not make [as equal] with Allāh another deity, lest you be thrown into Hell, blamed and banished.

اللغة:

(الزِّنى) : يكتب بالياء لأنه مصدر زنى يزني ويكتب بالألف على أنه مقصور من الزناء بالمد، ويقولون: هو زان بين الزنى والزناء بالمد والقصر قال الفرزدق:

أبا خالد من يزن يعلم زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا

وقال الفراء: المقصور من زنى والممدود من زانى يقال زاناها مزاناة وزناء وخرجت فلانة تزاني وتباغي وقد زّني بها وهو ولد زنية وانه لزنية بالفتح والكسر.

(القسطاس) هو رومي عرّب كما تقدم وقد ذكرنا من قبل أن ذلك لا يقدح في عربية القرآن لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الاعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيا وسيأتي المزيد من هذا البحث المفيد، والقسطاس بالضم والكسر وهو القرسطون أي القبان وقيل كل ميزان صغر أو كبر.

(وَلا تَقْفُ) ولا تتبع يقال فقا أثره وقافه قيل هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور يتبعها ويتعرفها وقيل القفو شبيه بالعضيهة ومنه الحديث: «من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي المخرج» وأنشدوا لبعضهم:

ومثل الدمى شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا يصف نساء بأنهن جميلات مثل الدمى ويشبههن بالبيوت ويشبه الحياء بقوم يسكنونها على طريق الاستعارة المكنية والسكنى تخييل لذلك ويقول انهن لا يشعن أي لا يظهرن التقافي أي المتابعة بالقذف من قفوته إذا اتبعته بالغيبة.

وقال الكميت:

ولا أرمي البريء بغير ذنب ... ولا أقفو الحواصن إن قفينا

يقول لا أتهم البريء بشيء زور بل بذنب محقق ولا أتبع العفائف وأتكلم فيهن بفحش ما دمن عفائف إن قفاهنّ الناس فتكلموا فيهن فكيف إذا لم يتكلم فيهنّ أحد.

الإعراب:

(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) الواو عاطفة ولا ناهية وتقربوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والزنا مفعول به وجملة إنه تعليلية لا محل لها وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وفاحشة خبرها وساء فعل ماض للذم والفاعل مستتر وسبيلا تمييز والمخصوص بالذم محذوف أي هو. (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ولا تقتلوا عطف على ما تقدم والنفس مفعول به والتي صفة وجملة حرم الله صلة وإلا أداة حصر وبالحق متعلقان بتقتلوا والباء للسببية أو بمحذوف حال من فاعل تقتلوا فهي للملابسة أي ملتبسين بالحق (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ وقتل فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط ونائب الفاعل مستتر تقديره هو ومظلوما حال، فقد الفاء رابطة وقد حرف تحقيق وجعلنا فعل وفاعل ولوليه مفعول جعلنا الثاني وسلطانا مفعول جعلنا الأول أي حجة يثب بها عليه.

(فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) الفاء عاطفة ولا ناهية ويسرف مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر يعود على الولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كديدن الجاهلية على حد قول مهلهل ابن ربيعة:

كل قتيل في كليب غره ... حتى ينال القتل آل مرة

وفي القتل متعلقان بيسرف وجملة إنه تعليلية وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر ومنصورا خبرها. (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ولا تقربوا عطف أيضا ومال اليتيم مفعول به وإلا أداة حصر وبالتي استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقربوه بحال من الأحوال إلا بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن وهي حفظه وصيانته واستغلاله لمصلحة اليتيم وهي مبتدأ وأحسن خبر والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول. (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) حتى حرف غاية وجر ويبلغ منصوب بأن مضمرة بعد حتى والمراد بالأشد بلوغه مرتبة يحسن فيها التصرف وقد تقدم معنى الأشد وانه مفرد بمعنى القوة أو جمع لا واحد له من لفظه. وقيل جمع شدة أو شد. وفي كتاب معاني القرآن للفراء ان الأربعين أشبه بالصواب. (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) أوفوا فعل أمر والواو فاعل وبالعهد متعلقان بأوفوا وان واسمها وجملة كان خبرها ومسئولا خبر كان ومعنى مسئولا مطلوبا كأنه يطلب من المعاهد أن يفي به وحذف الجار والمجرور تخفيفا أي عنه وقد ذكر في بقية الآي كما سيأتي ويجوز وجه آخر سيأتي في باب البلاغة. (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) وأوفوا فعل أمر والواو فاعل والكيل مفعول أوفوا وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة كلتم مضافة إلى الظرف وجوابه محذوف دل عليه قوله أوفوا الكيل. وزنوا بالقسطاس المستقيم عطف على أوفوا بالكيل. (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ذلك مبتدأ وخير خبر وأحسن عطف على خير وتأويلا تمييز أي أحسن عاقبة فالتأويل تفصيل من آل إذا رجع وهو ما يئول اليه في الآخرة. (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) لا ناهية وتقف مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الواو وفاعله مستتر تقديره أنت وما مفعول به وجملة ليس صلة ولك خبر ليس المقدم وبه متعلقان بمحذوف حال ولا يجوز تعلقها بعلم لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه وقال بعضهم متعلقان بما تعلق به لك وهو الاستقرار وفيه بعد، ومعنى الآية النهي عن أن يقول الإنسان مالا يعلم أو يعمل بما لا علم له به وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور إلا أن الشيوع أولى، وعلم اسم ليس المؤخر.

(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) ان واسمها والبصر والفؤاد عطف على السمع وكل مبتدأ وأولئك مضاف وجملة كان خبر وعنه متعلقان بمسئولا، ومسئولا خبر كان وسيأتي مزيد من التفصيل حول هذه الآية في بابي البلاغة والفوائد. (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) لا ناهية وتمش مجزوم بها وفاعله مستتر تقديره أنت وفي الأرض متعلقان بتمش ومرحا حال على تقدير مضاف أي ذا مرح أي ولا تمش في الأرض حال كونك ذا مرح أي مارحا ملتبسا بالكبر والخيلاء وقد أحسن الأخفش إذ فضل المصدر على اسم الفاعل كأنه نفس المرح ويجوز أن يعرب مفعولا لأجله كما قال أبو البقاء. (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا) جملة تعليلية لا محل لها كأنها تعليل للنهي أي لن تجعل فيها صدوعا وخروقا بدوسك لها وإن واسمها وجملة لن تخرق الأرض خبرها ولن تبلغ الجبال عطف على لن تخرق وطولا تمييز محول عن الفاعل أي ولن يبلغ طولك الجبال وقيل مصدر في موقع الحال أو مفعول له، وسيأتي مزيد من البحث في باب البلاغة. (كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) كل مبتدأ وذلك مضاف اليه والاشارة إلى ما تقدم من الخصال الخمس والعشرين الآنفة من قوله تعالى لا تجعل مع الله إلها آخر وسيأتي تفصيل عدها في باب الفوائد وكان فعل ماض ناقص وسيئه اسمها وعند ربك ظرف متعلق بمكروها، ومكروها خبر كان. (ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) ذلك مبتدأ أي ما تقدم من خصال ومما خبر وجملة أوحى صلة وإليك متعلقان بأوحى وربك فاعل ومن الحكمة حال من عائد الموصول المحذوف أي من الذي أوحاه إليك حال كونه من الحكمة التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به أو حال من نفس الموصول وقد استهلت هذه الخصال وختمت بالنهي عن الشرك. (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) ولا تجعل عطف على ما تقدم ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لتجعل وإلها هو المفعول الأول وآخر صفة فتلقى الفاء فاء السببية ونائب الفاعل مستتر تقديره أنت وفي جهنم متعلقان بتلقى وملوما ومدحورا حالان.

البلاغة:

انطوت هذه الآية على فنون كثيرة من البلاغة نثبتها فيما يلي:

1- الاطناب:

في قوله تعالى: «ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا» فإن معنى هذه الآية جاء موجزا في قوله تعالى «ولكم في القصاص حياة» لكن الأول إطناب والثاني إيجاز وكلاهما موصوف بالمساواة وقد تحدثنا عن الإيجاز فلنتحدث الآن عن الاطناب والمساواة فالاطناب مأخوذ في الأصل من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه يقال أطنبت الريح إذا اشتدت في هبوبها وأطنب في السير إذا اشتد فيه وفي اصطلاح البيانيين هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة فإذا لم تكن في الزيادة فائدة سمي تطويلا إن كانت الزيادة غير متعينة وحشوا إن كانت متعينة فالتطويل كقول عنترة بن شداد:

حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم

والحشو كقول زهير بن أبي سلمى:

وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم

والإطناب يكون بأمور عدة نوجزها فيما يلي:

آ- التأكيد والتقرير وهو يكون حقيقة ومجازا فالحقيقة كقولهم رأيته بعيني وقبضته بيدي ووطئته بقدمي وذقته بفمي وكل هذا يظن الظان أنه لا حاجة إليه فالرؤية لا تكون إلا بالعين والقبض لا يكون إلا باليد والوطء لا يكون إلا بالقدم والذوق لا يكون إلا بالفم وليس الأمر كما توهم بل يطرد في كل ما يعزّ مناله ويعظم الوصول إليه ومن أمثلته البديعة في الشعر قول البحتري:

تأمل من خلال السجف وانظر ... بعينك ما شربت ومن سقاني

تجد شمس الضحى تدنو بشمس ... إليّ من الرحيق الخسرواني ولما كان الحضور في هذا المجلس مما يعز وجوده ومناله وكان الساقي بهذه المثابة من الحسن قال انظر بعينك. وعلى هذا ورد الكثير منه في القرآن الكريم فقال تعالى: «ذلك قولكم بأفواهكم» والمجاز كقوله تعالى: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» ففائدة ذكر الصدور هنا انه قد تعورف وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب تشبيه وتمثيل فلما أريد إثبات ما هو خلاف ما تعورف وعلم من نسبة العمى إلى القلوب احتاج الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف ليقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الصدور.

ب- ذكر الخاص بعد العام: كقوله تعالى «تنزل الملائكة والروح فيها» فقد خص الله سبحانه الروح بالذكر وهو جبريل مع انه داخل في عموم الملائكة تكريما له وتعظيما لشأنه وكأنه من جنس آخر ففائدة الزيادة هنا التنويه الخاص.

ج- ذكر العام بعد الخاص: كقوله تعالى: «ربي اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات» فقد ذكر الله سبحانه المؤمنين والمؤمنات وهما لفظان عامان يدخل في عمومهما من ذكر قبل ذلك والغرض من هذه الزيادة إفادة الشمول مع العناية بالخاص ذكره مرة وحده ومرة مندرجا تحت العام.

د- الإيضاح بعد الإبهام: كقوله تعالى: «وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين» فقوله ذلك الأمر إبهام وقوله أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين إيضاح للإبهام الذي تضمنه لفظ الأمر لزيادة تقرير المعنى في ذهن السامع مرة على طريق الإجمال والإبهام، ومرة على طريق التفصيل والإيضاح.

هـ- التكرار لتقرير المعنى: وهذا موضوع جم الشعاب متعدد المسالك نحتاج إلى مجلدات لإحصائه ولكننا نذكر ما هو بمثابة الدليل والرائد لغيره كقول عنترة بن شداد في بعض روايات معلقته:

يدعون عنتر والسيوف كأنها ... لمع البوارق في سحاب مظلم

يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم

فالتكرار في بيتي عنترة تقرير المعنى في نفس السامع وترسيخه في ذهنه وهو هنا لداعي الفخر ويطرد في الخطابة وفي مواطن الفخر والمدح والإرشاد والانذار وقد يكون للتحسر كقول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة:

فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة موضعا

ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مرتعا

ومنها طول الفصل كقول الشاعر:

لقد علم الحيّ اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد اني خطيبها

والاعتراض: وهو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لغرض يقصد إليه البليغ وقد تقدم ذكره ومنه قول النابغة الجعدي:

ألا زعمت بنو سعد بأني- ألا كذبوا- كبير السن فان فقد جاءت جملة «ألا كذبوا» معترضة بين اسم ان وخبرها للاسراع إلى التنبيه على كذب من رماه بالكبر.

ز- التذييل: وهو تعقيب الجمل بجملة أخرى تشتمل على معناها توكيدا لها كقول الحطيئة:

تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد

فإن المعنى تم في الشطر الأول ثم ذيل بالشطر الثاني للتوكيد.

ح- الاحتراس: وقد تقدم بحثه ومنه قول ابن المعتز:

صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل

فلو أسقطنا كلمة «ظالمين» لتوهم السامع أن فرس ابن المعتز كانت بليدة تستحق الضرب وهذا خلاف المقصود.

هذا وستأتي أمثلة من الاطناب في مواضعها من هذا الكتاب.

أما المساواة فهي أن تكون المعاني بقدر الألفاظ والألفاظ بقدر المعاني لا يزيد بعضها على بعض ولا ينقص عنه وقد تقدم التمثيل لها بقوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» إلخ ومن أمثلتها في الشعر قول النابغة الذبياني:

فانك كالليل الذي هو مدركي ... وان خلت أن المنتأى عنك واسع وقول طرفة:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود

والقرآن حافل بأمثلة المساواة وستأتي في مواضعها إن شاء الله.

2- الاستعارة:

في قوله تعالى: «إن العهد كان مسئولا» وقد قدمنا انه جار على الحقيقة بحذف الجار والمجرور ويجوز أن يكون الكلام جاريا على طريق الاستعارة المكنية بأن يشبه العهد بمن نكث عهده ونسبته السؤال إليه تخييل.

3- التهكم:

وقد سبق ذكره لأن مشية المرح مشتملة على شدة الوطء والتباهي على الأرض بمشيه عليها والتطاول على الآخر ولو كان المتكبر خفيف الوطأة قميء النظرة، شخت الخلقة، على حد قول المتنبي:

أفي كل يوم تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول

الفوائد:

في هذه الآيات الجامعة فوائد كثيرة تتناول المهم منها جريا على أسلوبنا في هذا الكتاب فمنها تعليق الجار والمجرور في قوله تعالى:

«كل أولئك كان عنه مسئولا» فقد علقناه في باب الإعراب بمسئولا وجعلنا نائب الفاعل ضميرا يعود على كل أي كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه يعني عما فعل به صاحبه وقد أسند الزمخشري مسئولا إلى الجار والمجرور وجعله بمثابة نائب الفاعل وهذا سهو من الزمخشري يجل عنه لأن الجار والمجرور يقام مقام الفاعل أو نائبه إذا تقدم الفعل أو ما يقوم مقامه وأما إذا تأخر فلا يصح ذلك لأن الاسم إذا تقدم على الفعل صار مبتدأ وحرف الجر إذا كان لازما لا يكون مبتدأ ف «عنه» ليس هو النائب عن الفاعل خلافا لصاحب الكشاف ولا ضمير المصدر كما قال بعضهم وإنما النائب في هذه الآية ضمير راجع إلى ما رجع اليه اسم كان وهو المكلف المدلول عليه بالمعنى والتقدير مسئولا هو أي المكلف وإنما لم يقدر ضمير كان راجعا لكل لئلا يخلو مسئولا عن ضمير فيكون مسندا إلى عنه وذلك لا يجوز.

وعبارة ابن هشام «وقول بعضهم في قوله تعالى: «إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا» إن عنه مرفوع المحل بمسئولا والصواب ان اسم كان ضمير المكلف وإن لم يجد له ذكر وان المرفوع بمسئولا مستقر فيه راجع اليه أيضا وان عنه في موضع نصب» .

أي على انه مفعول ثان لمسئولا لأنه يعتدى لمفعولين ثانيهما بعن.

الخصال الخمس والعشرون:

وعدناك بإحصاء الخصال الخمس والعشرين التي وردت الاشارة إليها بقوله تعالى: «كل ذلك» وهذا احصاؤها بالترتيب:

1- لا تجعل مع الله إلها آخر.

2 و3- قوله تعالى وقضى ربك إلى آخر الآية لاشتماله على تكليفين وهما عبادة الله والنهي عن عبادة غيره.

4- وبالوالدين إحسانا.

5- فلا تقل لهما أف.

6- ولا تنهرهما.

7- وقل لهما قولا كريما.

8- واخفض لهما جناح الذل.

9- وقل رب ارحمهما.

10- وآت ذا القربى حقه.

11- والمسكين.

12- وابن السبيل.

13- ولا تبذر تبذيرا.

14- فقل لهم قولا ميسورا.

15- ولا تجعل يدك مغلولة.

16- ولا تبسطها كل البسط.

17- ولا تقتلوا أولادكم.

18- ولا تقربوا الزنا.

19- ولا تقتلوا النفس.

20- فلا يسرف في القتل.

21- وأوفوا بالعهد.

22- وأوفوا الكيل.

23- وزنوا بالقسطاس.

24- ولا تقف ما ليس لك به علم.

25- ولا تمش في الأرض مرحا.

الاشارة بأولئك:

الاشارة في قوله تعالى «كل أولئك كان عنه مسئولا» إلى السمع والبصر والفؤاد وقد أشير إليها بأولئك وهي في الأكثر لمن يعقل لأنه جمع ذا، وذا لمن يعقل ولما لا يعقل وأولاء ممدود عند الحجازيين مقصور عند أهل نجد وتميم والأكثر مجيئه للعقلاء ويقل مجيئه لغير العقلاء كقول جرير بن عطية:

ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام

وهو من قصيدة مستجادة له مطلعها:

سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كل مرام

وفيها يقول بعد البيت المتقدم:

وإذا وقفت على المنازل باللوى ... فاضت دموعي غير ذات نظام

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدّر من متون

غمام لو كان عهدك كالذي حدثتنا ... لوصلت ذاك فكان غير

رمام إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوام

ومنها في هجاء الفرزدق:

خلق الفرزدق سوءة في مالك ... ولخلف ضبة كان شر غلام

مهلا فرزدق إن قومك فيهم ... خور القلوب وخفّة الأحلام

الظاعنون على العمي بجميعهم ... والنّازلون بشرّ دار مقام

واللوى بكسر اللام وفتح الواو مقصورا في الأصل منقطع الرمل وقد ورد في مطلع معلقة امرئ القيس وهو:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدخول فحومل وهو أيضا موضع بعينه قال ياقوت: «وقد أكثرت الشعراء من ذكره وخلطت بين ذلك اللوى والرمل فعز الفصل بينهما وهو واد من أودية بني سليم» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском