Darwish · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:61–77
17:61–65Page 288
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا ٦١
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees.1 He said, "Should I prostrate to one You created from clay?"
قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٢
[Iblees] said, "Do You see this one whom You have honored above me? If You delay me [i.e., my death] until the Day of Resurrection, I will surely destroy1 his descendants, except for a few."
قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا ٦٣
[Allāh] said, "Go, for whoever of them follows you, indeed Hell will be the recompense of [all of] you - an ample recompense.
وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤
And incite [to senselessness] whoever you can among them with your voice and assault them with your horses and foot soldiers and become a partner in their wealth and their children and promise them." But Satan does not promise them except delusion.
إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا ٦٥
Indeed, over My [believing] servants there is for you no authority. And sufficient is your Lord as Disposer of affairs.1
اللغة:
(لَأَحْتَنِكَنَّ) لأستأصلن ذريته بالإغواء من احتنك الجراد الأرض إذا جرّد ما عليها أكلا مأخوذ من الحنك ومنه ما ذكر سيبويه من قولهم أحنك الشاتين أي آكلهما، وقيل معنى لأحتنكن لأسوقنهم وأقودنهم حيث شئت من حنك الدابة إذا جعل الرسن في حنكها، وفي المختار: «حنك الفرس جعل في فيه الرسن وبابه نصر وضرب وكذا احتنكه واحتنك الجراد الأرض أكل ما عليها وأتى على نبتها وقوله تعالى:
حاكيا عن إبليس: «لأحتنكن ذريته» قال الفراء: لأستولين عليهم، والحنك المنقار يقال أسود مثل حنك الغراب وأسود حانك مثل حالك والحنك ما تحت الذقن من الإنسان وغيره» ولهذه المادة شعاب يضيق عن استيعابها الحصر ففي القاموس وتاج العروس واللسان ما خلاصته:
حنك يحنك ويحنك بالضم والكسر حنكا الشيء فهمه وأحكمه، واحتنك الفرس جعل في فيه الرسن وحنك وحنّك: مضغ فدلك بحنكة وحنك يحنك ويحنك بالضم والكسر أيضا حنكا وحنكا وحنّك وأحنك واحتنك الدهر الرجل: جعلته التجارب والأمور وتقلبات الدهر حكيما فهو حنيك وتحنّك أدار العمامة من تحت حنكه واحتنك أيضا الجراد الأرض أكل ما عليها واحتنكه استولى عليه، واستحنك اشتد أكله بعد قلته والحنك والحنك والحنكة: الاسم من حنّكه الدهر والحنك: أعلى باطن الفم والأسفل من طرف مقدّم اللحيين.
(وَاسْتَفْزِزْ) : استفزه: استخفه والفزّ الخفيف وفي القاموس والتاج: «فزّ يفزّ فزّا انفرد وفز عنه تنحى وعدل وفزّ الظبي فزع وفزه عزه وغلبه وطير فؤاده وأفزعه وأزعجه وأزاله عن مكانه وفز يفزّ فزيزا الجرح سال بما فيه وفز فزازة وفزوزة: اضطرب وتوقد وافتزّ عليه غلب وتفازّ الرجلان: تبارزا واستفزه: استخفّه واستدعاه وجعله يضطرب وأزعجه وأخرجه من داره وقتله والفزّ الرجل الخفيف وولد البقرة الوحشية والفزة الوثبة بانزعاج.
(وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ) صح عليهم وتصرف فيهم بكل ما تقدر وفي المختار: «وجلب على فرسه يجلب جلبا بوزن طلب يطلب طلبا صاح به من خلفه واستحثه للسبق وكذا أجلب عليه» وفي القاموس والتاج:
جلبه يجلبه بالضم والكسر جلبا وجلبا بالسكون والفتح ساقه وجاء به وجلب الرجل انساق وجلب الجرح برىء وأجلب القوم: جمعهم وجلبه وأجلبه توعده بالسر وجلب واجلب لأهله كسب وجلب وأجلب على الفرس: صاح به واستحثه للسبق وجلب وأجلب القوم: ضجوا واختلطت أصواتهم والجلبة: اختلاط الأصوات والصياح والجلب بفتحتين ما يجلبه من بلد إلى بلد وجمعه أجلاب فما يقوله العامة عن المتاع هو جلب بفتحتين صحيح لا غبار عليه.
(وَرَجِلِكَ) بفتح فكسر الركاب والمشاة وفي القاموس: الرجل:
الراجل ومن يمشي على رجليه والراجل: من يمشي على رجليه لا راكبا وجمعه رجل ورجّالة ورجّال ورجال ورجالى ورجالى ورجلان ويقال: جاءت الخيالة والرجالة وأغار عليهم بخيله ورجله والخيل الخيالة ومنه الحديث: يا خيل الله اركبي.
الإعراب:
(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) الواو استئنافية والظرف متعلق بمحذوف أي اذكر وقد تقدم اعراب هذه الآية المكررة كثيرا. (قالَ: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً) الهمزة للاستفهام الانكاري الصادر عن تعنت وسوء تقدير وجهل وغباء ولمن متعلقان بأسجد وجملة خلقت صلة وطينا حال من الموصول والعامل فيه أأسجد، أو من عائد هذا الموصول أي خلقته طينا فالعامل فيها خلقته، وجاز وقوع طينا حال وإن كان جامدا لدلالته على الأصالة كأنه قال متأصلا من طين وأعربه بعضهم منصوبا بنزع الخافض أي من طين بدلالة آية أخرى صرح فيها بالجار. قال «وخلقته من طين» وقال الزجاج وغيره هو تمييز وفيه بعد (قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) تقدم القول مفصلا في أرأيتك وانها بمعنى أخبرني والكاف لتأكيد الخطاب لا محل لها من الإعراب وهذا مفعول أول والموصول صفة أو بدل عنه والثاني محذوف لدلالة الصلة عليه أي أخبرني عن هذا الذي كرمته عليّ بأن أمرتني بالسجود له لم كرمته علي، ولم يجبه الله تعالى عن هذا السؤال استصغار لأمره واحتقارا لشأنه فاختصر الكلام بحذف ذلك ثم ابتدأ بالقسم فقال:
(لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) اللام موطئة للقسم وان شرطية وأخرتني فعل وفاعل ومفعول به والنون للوقاية وهو فعل الشرط والى يوم القيامة متعلقان بأخرتني ولأحتنكن اللام واقعة في جواب القسم وأحتنكن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره أنا وذريته مفعول به وإلا أداة استثناء وقليلا مستثنى من ذريته منصوب وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه وسيأتي مزيد بحث عنه في باب البلاغة.
(قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً) اذهب فعل أمر وفاعل مستتر والجملة مقول القول وليس المراد بالذهاب نقيض المجيء وانما معناه امض لشأنك الذي اخترته بمحض مشيئتك وسيأتي أنه أمره بأمور أربعة أخرى فيكون المجموع خمسة وكلها تهدف إلى التنديد به وتهديده واستدراجه، فمن الفاء استئنافية ومن شرطية مبتدأ وتبعك فعل ماض والفاعل مستتر والكاف مفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط ومنهم حال، فإن الفاء رابطة لجواب الشرط وان واسمها وخبرها وجزاء مفعول مطلق لفعل دل عليه جزاؤكم أي تجزون جزاء، ولا مانع عندي من أن يكون مصدرا انتصب بمثله وسيأتي مزيد بحث عنه في باب الفوائد، وقيل هو حال موطئة وقيل تمييز وليس ذلك ببعيد وسيأتي القول في هذا الالتفات في باب البلاغة وموفورا صفة (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) واستفزز أمر ثان للشيطان، من استطعت: من اسم موصول مفعول استفزز وجملة استطعت صلة ومفعول استطعت محذوف تقديره من استطعت أن تستفزه، ومنهم متعلقان بمحذوف حال وبصوتك متعلقان باستفزز وأجلب أمر ثالث وعليهم متعلقان بمحذوف حال وبخيلك متعلقان بأجلب ورجلك عطف على بخيلك أي استخف منهم من استطعت بصوتك وصح عليهم وسقهم حال كونك مصحوبا بخيلك ورجلك. (وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً) وشاركهم أمر رابع والهاء مفعول به وفي الأموال متعلقان بشاركهم والمشاركة في الأموال أي حملهم على جمعها بالطرق الحرام غير المشروعة كالربا والميسر وإنفاقها في الأمور المحرمة والفسوق والعصيان وعدهم هذا هو الأمر الخامس والهاء مفعول به ولم يذكر الموعود اختصارا والمراد المواعيد الكاذبة الباطلة، وما الواو للحال أو اعتراضية وما نافية ويعدهم الشيطان فعل مضارع ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر وفي الكلام التفات سيأتي الكلام عنه وإلا أداة حصر وغرورا يجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي إلا وعدا غرورا ونسبة الغرور للمصدر سيأتي في باب البلاغة ولك أن تعربه مفعولا من أجله أي ما يعدهم ويمنيهم من الوعود الكاذبة والأماني المعسولة إلا لأجل الغرور والجملة حالية أو معترضة. (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) جملة تعليلية للأمر بالوعد أي إنما نأمرك بذلك لأننا نعلم أنه ليس لك سلطان على عبادنا الصالحين، وان واسمها وجملة ليس خبرها ولك خبر مقدم لليس وعليهم حال لأنه كان في الأصل صفة لسلطان وسلطان اسم ليس مؤخر وكفى فعل ماض والباء زائدة في الفاعل ووكيلا تمييز.
البلاغة:
اشتملت هذه الآيات على فنون شتى منها:
1- المجاز المرسل في استعمال الرؤية بمعنى الأخبار في قوله «أرأيتك» لأنها سببه فالعلاقة فيها السببية وقد تقدم بحث ذلك.
2- الالتفات عن الخطاب إلى الغيبة وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وما تعدهم إلا غرورا ولكنه عدل عن ذلك تهوينا لأمره واستصغارا لأمر الغرور الذي يعدهم به من جهة وليتولى الكلام على طريق الغيبة متحدثا إلى الناس جميعا ليعلم الجاهل، ويخلد المبطل إلى الصواب.
3- المجاز العقلي في نسبة الغرور إلى الوعد على حد قوله:
نهاره صائم وليله قائم وقد تقدم تفصيل ذلك في مواضعه.
الفوائد:
1- عامل المفعول المطلق:
عامل المفعول المطلق إما مصدر مثله لفظا ومعنى مثل «فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا» فجزاء مفعول مطلق وعامله جزاؤكم وهو مصدر مثله أو معنى لا لفظا نحو أعجبني إيمانك تصديقا، أو ما اشتق منه من فعل نحو «وكلم الله موسى تكليما» أو من وصف أي اسم فاعل أو اسم مفعول أو للمبالغة دون التفضيل والصفة المشبهة فاسم الفاعل نحو «والصافات صفا» واسم المفعول نحو: الخبز مأكول أكلا، وأمثلة المبالغة نحو: زيد ضرّاب ضربا ولا يجوز زيد حسن وجهه حسنا ولا أقوم منك قياما، وأما قول الشاعر: أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم ... لؤما وأبيضهم سربال طباخ
فلؤما منصوب بمحذوف. ونعود إلى الآية فقد اعترض بعضهم على انتصاب جزاء بالمصدر وهو جزاؤكم قال: إنه وإن كان لفظه مصدرا معناه المجزي به لحمله على جهنم فمعنى الآية ان جهنم هي الشيء الذي أنتم مجزيون به. ولو جاهة هذا الاعتراض قلنا انه يجوز أن ينتصب بفعل محذوف دل عليه جزاؤكم والمعنى تجازون، أو على الحال الموطئة.
2- الحال الموطئة:
والحال الموطئة بكسر الطاء أو بفتحها هي الجامدة الموصوفة لأنها ذكرت توطئة للنعت بالمشتق أو شبهه نحو «فتمثل لها بشرا سويا» فإنما ذكر بشرا توطئة لذكر سويا ومعنى هذا الكلام ان الاسم الجامد لما وصف بما يجوز أن يكون حالا صح أن يكون حالا والموطئة لغة هي المهيئة وسيأتي المزيد منها أثناء الكلام على هذه الآية في سورة مريم.
17:66–69Page 288
رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦
It is your Lord who drives the ship for you through the sea that you may seek of His bounty. Indeed, He is ever, to you, Merciful.
وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧
And when adversity touches you at sea, lost are [all] those you invoke except for Him. But when He delivers you to the land, you turn away [from Him]. And ever is man ungrateful.
أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨
Then do you feel secure that [instead] He will not cause a part of the land to swallow you or send against you a storm of stones? Then you would not find for yourselves an advocate.
أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩
Or do you feel secure that He will not send you back into it [i.e., the sea] another time and send upon you a hurricane of wind and drown you for what you denied?1 Then you would not find for yourselves against Us an avenger.2
اللغة:
(يُزْجِي) : يجري ويسير وفي القاموس: «زجاه ساقه ودفعه كزجّاه وأزجاه ومنه قول الشاعر:
يا أيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت
(حاصِباً) الحاصب: الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء، والحصباء الحجارة الصغيرة واحدتها حصبة كقصبة وفي المصباح:
«وحصبته حصبا من باب ضرب وفي لغة من باب قتل رميته بالحصاء» .
قال أبو عبيدة والقيتبي: الحصب الرمي: أي ريحا شديدة حاصبة وهي التي ترمي بالحصى الصغار، وقال الزجاج: الحاصب التراب الذي فيه حصباء فالحاصب ذو الحصباء والحصباء كاللابن والتامر ويقال للسحابة التي ترمي بالبرد حاصب ومنه قول الفرزدق:
مستقبلين جبال الشام تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور
(قاصِفاً) القاصف: الريح التي لها قصيف وهو الصوت الشديد كأنها تتقصف أي تتكسر وقيل: التي لا تمر بشيء إلا قصفته.
(تَبِيعاً) التبيع المطالب. قال الشماخ يصف عقابا:
تلوذ ثعالب الشرقين منها ... كما لاذ الغريم من التبيع
أي تهرب منها ثعالب الشرقين بمعنى المشرقين كما هرب والتجأ الغريم أي المدين من التبيع أي الدائن المطالب.
الإعراب:
(رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) الجملة تعليل لبيان قدرته تعالى وربكم مبتدأ والذي خبره وجملة يزجي صلة ولكم متعلقان بيزجي والفلك مفعول به وفي البحر متعلقان بمحذوف حال ولتبتغوا اللام للتعليل وتبتغوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بتبتغوا أي تبتغوا الربح من فضله (إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً) ان واسمها وجملة كان خبرها وبكم متعلقان برحيما، ورحيما خبر كان. (وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة مسكم مضافة للظرف والكاف مفعول به والضر فاعل وفي البحر متعلقان بمحذوف حال أي حالة كونكم في البحر وجملة ضل لا محل لأنها جواب شرط غير جازم ومن فاعل ضل وجملة تدعون صلة وإلا إياه استثناء أي ذهب عن خواطركم كل من تدعونه إلا إياه فانكم عندئذ وفي ذلك الوقت بالذات تذكرونه فهو استثناء متصل لأنه اندرج مع من ذكروه ويجوز أن يكون منقطعا أي ضل من تدعونه من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله وحده وهو الذي ترجونه وحده. (فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً) لما أداة شرط غير جازمة ونجاكم فعل ماض ومفعول به وهو فعل الشرط وفاعله هو، والى البر متعلقان بنجاكم وأعرضتم جواب الشرط وكان واسمها وخبرها. (أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف تقديره أنجوتم فأمنتم فحملتكم نجاتكم على الإعراض. وأمنتم فعل وفاعل وأن يخسف مصدر مؤول في محل نصب بنزع الخافض أن من أن يخسف والجار والمجرور متعلقان بأمنتم وبكم حال أي مصحوبا بكم فالباء للمصاحبة، ويجوز أن يتعلق بيخسف وتكون الباء للسببية. وجانب البر مفعول يخسف وأو حرف عطف ويرسل عطف على يخسف وعليكم متعلقان بيرسل وحاصبا مفعول به. (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا) ثم حرف عطف للتراخي ولا نافية وتجدوا عطف على يرسل أيضا ولكم متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لوكيلا وتقدمت عليه ووكيلا مفعول به. (أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى) أم حرف عطف وهي متصلة أي أي الأمرين كائن وأمنتم فعل وفاعل وأن يعيدكم مصدر مؤول في محل نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بأمنتم وفيه متعلقان بيعيدكم وتارة ظرف متعلق بيعيدكم أيضا وأخرى صفة. (فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ) الفاء عاطفة ويرسل عطف على أن يعيدكم وعليكم متعلقان بيرسل وقاصفا مفعول به ومن الريح صفة والفاء حرف عطف ويغرقكم عطف على يرسل وبما متعلقان بيغرقكم وما مصدرية أي بسبب كفركم.
(ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً) ثم حرف عطف ولا تجدوا عطف على يغرقكم ولكم متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لتبيعا وتقدمت عليه فهو على حد قول أبي الطيب المتنبي:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
فقوله لها متعلق بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لسبلا ولا يجوز تعليقه بوجدت لأن وجد لا يتعدى باللام وانما يتعدى بنفسه.
وعلينا متعلقان بمحذوف حال أيضا وبه متعلق بتبيعا ويجوز أن يتضمن تبيعا معنى ناصرا لأن المطالب بحق الملازم للطلب فيكون علينا متعلقا به أي ناصرا علينا.
17:70–72Page 289
۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠
And We have certainly honored the children of Adam and carried them on the land and sea and provided for them of the good things and preferred them over much of what We have created, with [definite] preference.
يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١
[Mention, O Muḥammad], the Day We will call forth every people with their record [of deeds].1 Then whoever is given his record in his right hand - those will read their records, and injustice will not be done to them, [even] as much as a thread [inside the date seed].
وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٧٢
And whoever is blind1 in this [life] will be blind in the Hereafter and more astray in way.
اللغة:
(فَتِيلًا) : تقدم القول في النقير والقطمير فالفتيل هو الخيط الذي في نقرة النواة طولا وأما القشرة فهي القطمير وأما الخيط الذي في ظهرها فهو النقير ففي النواة أمور ثلاثة: فتيل وقطمير ونقير وفي القاموس: الفتيل: السحاة في شق النواة والقطمير والقطمار بكسر القاف فيهما: القشرة الرقيقة بين النواة والثمرة، والنقير: النكتة في ظهر النواة.
الإعراب:
(وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) الواو استئنافية واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وكرمنا فعل وفاعل وبني آدم مفعول به وحملناهم عطف على كرمنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وفي البر والبحر متعلقان بحملناهم. (وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا)
ورزقناهم فعل وفاعل ومفعول به أيضا ومن الطيبات متعلقان برزقناهم وفضلناهم عطف أيضا وعلى كثير متعلقان بفضلناهم وممن خلقنا صفة لكثير وجملة خلقنا صلة وتفضيلا مفعول مطلق. (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ) الظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر وندعو فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره نحن وكل أناس مفعول به وجملة ندعو مضافة للظرف وبإمامهم يجوز أن يتعلق بندعو وأن يتعلق بمحذوف حال أي موسومين ومعروفين والمراد بالإمام من ائتموا به في دنياهم وفوضوا اليه أمورهم وأحكام معايشهم، وقلدوه في شؤون دنياهم وأخراهم. (فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) الفاء عاطفة ومن شرطية أو موصولة وهي في محل رفع مبتدأ وأوتي فعل ماض مبنى للمجهول ونائب الفاعل مستتر وكتابه مفعول به ثان وبيمينه متعلقان بأوتي والفاء رابطة وجملة أولئك جواب الشرط أو خبر الموصول وأولئك مبتدأ وجملة يقرءون خبر وكتابهم مفعول به، ولا: الواو حرف عطف ولا نافية ويظلمون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفتيلا نائب مفعول مطلق أي ظلما قدر الفتيل وقد تقدمت له نظائر. (وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى) الواو عاطفة ومن شرطية أو موصولة وكان فعل ماض ناقض وفي هذا خبر مقدم والاشارة للدنيا وأعمى اسم كان مؤخر وهي بمعنى فاعل. (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا) الفاء رابطة وهو مبتدأ وفي الآخرة حال وأعمى خبر وهي إما بمعنى فاعل كالأولى أي من كان في هذه الدنيا عميا عن حجته فهو في الآخرة كذلك وإما بمعنى أفعل التفضيل التي تقتضي من، والمعنى: من كان في هذه الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى أيضا والمراد العمى القلبي الذي لا يبصر الهداية. وأضل عطف على أعمى وسبيلا تمييز.
17:73–77Page 289
وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا ٧٣
And indeed, they were about to tempt you away from that which We revealed to you in order to [make] you invent about Us something else; and then they would have taken you as a friend.
وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ٧٤
And if We had not strengthened you, you would have almost inclined to them a little.
إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ٧٥
Then [if you had], We would have made you taste double [punishment in] life and double [after] death. Then you would not find for yourself against Us a helper.
وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا ٧٦
And indeed, they were about to provoke [i.e., drive] you from the land [i.e., Makkah] to evict you therefrom. And then [when they do], they will not remain [there] after you, except for a little.1
سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧
[That is Our] established way for those We had sent before you of Our messengers; and you will not find in Our way any alteration.
الإعراب:
(وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ) الواو استئنافية وإن مخففة من الثقيلة مهملة ويجوز إعمالها قليلا كما تقدم وكادوا فعل ماض ناقص من أفعال المقاربة والواو اسمها واللام الفارقة وجملة يفتنونك خبر كادوا وعن الذي متعلقان بيفتنونك وقد ضمّن يفتنونك معنى يصرفونك فلذلك عدي بعن وجملة أوحينا صلة وإليك متعلقان بأوحينا، لتفتري: اللام لام التعليل وتفتري مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلينا متعلقان بتفتري والفاعل مستتر تقديره أنت وغيره مفعول به (وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا) الواو عاطفة وإذن حرف جزاء وجواب يقدر بلو الشرطية أي ولو اتبعت مرادهم وحققت مقترحاتهم التي حاولوا أن يستنزلوك لتحقيقها، واللام موطئة للقسم والتقدير والله لا تخذوك والكاف مفعول به أول وخليلا مفعول به ثان. (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا) لولا حرف امتناع لوجود وان وما في حيزها مبتدأ محذوف الخبر أي ولولا تثبيتا لك وعصمتنا إياك واللام جواب لولا وقد حرف تحقيق وكاد واسمها وجملة تركن خبرها وإليهم متعلقان بتركن وشيئا مفعول مطلق فهو بمعنى الركون أي وشيئا قليلا من الركون. (إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً) إذن حرف جواب وجزاء يقدر بلو الشرطية أيضا أي ولو اتبعت مرادهم وحققت مقترحاتهم التي حاولوا أن يستنزلوك لتحقيقها، اللام موطئة للقسم وأذقناك فعل وفاعل ومفعول به وضعف مفعول ثان والحياة مضاف ولا بد من تقدير محذوف أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات وثم حرف عطف وتراخ ولا نافية وتجد فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت، ولك متعلقان بتجد وعلينا متعلقان بنصيرا، ونصيرا مفعول به. (وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها) الواو عاطفة وان مخففة يجوز إهمالها وإعمالها وكادوا من أفعال المقاربة والواو اسمها واللام الفارقة وجملة يستفزونك خبر كادوا، ومن الأرض متعلقان بيستفزونك وليخرجوك متعلقان بيستفزونك ومنها متعلقان بيخرجوك والضمير يعود إلى الأرض وهي أرض المدينة.
(وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا) الواو عاطفة واذن حرف جواب وجزاء مهمل ولا نافية ويلبثون فعل مضارع مرفوع وخلافك أي خلفك ظرف متعلق بيلبثون وعليه قول الشاعر:
عفت الديار خلافهم فكأنما ... بسط الشواطب بينهن حصيرا
يصف الشاعر ديارهم بعدهم بدروسها وكثرة قمامتها لعدم كنسها ووجود من يتعهدها والشواطب النساء يشققن شطب النخل أي سعفه الأخضر يعملنه حصيرا. وإلا أداة حصر وقليلا صفة لظرف محذوف أي زمانا قليلا أو صفة لمصدر محذوف أي لبثا قليلا فهي ظرف أو مفعول مطلق. (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا) نصبت سنة نصب المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة واختيار الفراء نصبها على نزع الخافض أي كسنة الله وإذن ينبغي على هذا الإعراب أن لا يوقف على قليلا واختار آخرون أن تنصب بفعل محذوف أي اتبع سنة ولا مانع من ذلك فالاوجه كلها متساوية.
البلاغة:
- قصة ثقيف واقتراحاتها:
في هذه الآيات ضروب من البلاغة ولا بد لتقريرها من إيراد قصة تنزيلها فقد روي أن ثقيفا قالت للنبي صلى الله عليه وسلم لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر ولا نحشر ولا نجبّي في صلاتنا وكل ربا لنا فهو لنا وكل ربا علينا فهو موضوع عنا وأن تمتعنا باللات سنة حتى نأخذ ما يهدى لها فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة فإن قالت العرب لم فعلت ذلك؟ فقل إن الله أمرني به، وجاءوا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف: لا يعشرون ولا يحشرون فقالوا: ولا يجبون فسكت رسول الله ثم قالوا للكاتب اكتب ولا يجبون والكاتب ينظر إلى رسول الله فقام عمر بن الخطاب فسلّ سيفه فقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم نارا فقالوا لسنا نكلم إياك وإنما نكلم محمدا فنزلت، ولا بد من شرح بعض المفردات فقولهم لا نعشر بالبناء للمجهول أي لا يؤخذ منا عشر أموالنا ولا نحشر بالبناء للمجهول أيضا أي لا نساق للجهاد ولا نجبي في صلاتنا بالبناء للمجهول أيضا من التجبية وهي- كما في الصحاح- أن يقوم الإنسان قيام الراكع وقال أبو عبيدة تكون في حالين أحدهما أن يضع يديه على ركبتيه والآخر أن ينكب على وجهه باركا وهو السجود والمراد لا نركع ولا نسجد والقصة طريفة تمثل أمورا هامة.
أ- إصرار القوم وعتوهم وتماديهم في الكبرياء والعنفوان.
ب- حلم النبي صلى الله عليه وسلم وأخذه القوم باللين والاستمالة وفي ذلك منتهى الكياسة والسياسة.
ح- صلابة عمر وجرأته ولأمر ما سمي الفاروق أما أوجه البلاغة في الآية فهي:
1- الاطناب في ذكر هذا الموقف الذي يثبت لك دهاء السياسي وأحوذيته، يأخذ قومه بالملاينة والصبر ولا تذهب نفسه شعاعا وهو يرى التمادي في الغي والإصرار على الخطل.
2- المبالغة في تقليل الكيدودة لأن مجرد الملاينة التي تقتضيها السياسة واستمالة القوم أخذت على النبي لأن الذنب يعظم بحسب فاعله على ما ورد من أن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
3- الاستعارة المكنية في أذقناك ضعف الحياة وقد تقدمت أمثالها كثيرا.
4- الحذف فقد حذف العذاب تكريما لمقام النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الأصل موصوف أي عذابا ضعفا في الحياة وعذابا ضعفا في الممات ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وهو الضعف ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف فقيل ضعف الحياة وضعف الممات كما لو قيل أذقناك أليم الحياة وأليم الممات.
- ولابن هشام فصل ممتع عن كاد أورده في الباب السادس من كتابه المغني في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها:
«الثامن عشر قولهم إن كاد إثباتها نفي ونفيها إثبات فإذا قيل «كاد يفعل» فمعناه أنه لم يفعل وإذا قيل «لم يكد يفعل» فمعناه أنه فعله، دليل الأول «وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك» وقوله:
«كادت النفس أن تفيض عليه» ودليل الثاني «وما كادوا يفعلون» .
وقد اشتهر ذلك بينهم حتى جعله المعري لغزا فقال:
أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة ... جرت في لسائي جرهم وثمود
إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود
والصواب أن حكمها حكم سائر الأفعال في أن نفيها نفي وإثباتها إثبات، وبيانه: أن معناها المقاربة ولا شك أن معنى «كاد يفعل» قارب الفعل وأن معنى «ما كاد يفعل» ما قارب الفعل فخبرها منفي دائما أما إذا كانت منفية فواضح لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى عقلا حصول ذلك الفعل ودليله «إذا أخرج يده لم يكد يراها» ولهذا كان أبلغ من أن يقال «لم يرها» لأن من لم ير قد يقارب الرؤية وأما إذا كانت المقاربة المثبتة فلأن الإخبار بقرب الشيء يقتضي عرفا عدم حصوله وإلا لكان الإخبار حينئذ بحصوله لا بمقاربة حصوله إذ لا يحسن في العرف أن يقال لمن صلى قارب الصلاة، وإن كان ما صلى حتى قارب الصلاة ولا فرق فيما ذكرنا بين كاد ويكاد فإن أورد على ذلك «وما كادوا يفعلون» مع أنهم قد فعلوا إذ المراد بالفعل الذبح وقد قال تعالى «فذبحوها» فالجواب أنه إخبار عن حالهم في أول الأمر فانهم كانوا أولا بعداء من ذبحها بدليل ما يتلى علينا من تعنتهم وتكرر سؤالهم ولما كثر استعمال مثل هذا فيمن انتفت عنه مقاربة الفعل أولا ثم فعله بعد ذلك توهم من توهم ان هذا الفعل بعينه هو الدال على حصول ذلك الفعل بعينه وليس كذلك وانما فهم حصول الفعل من دليل آخر كما فهم في الآية من قوله تعالى فذبحوها» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences