Darwish · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:89–106
18:89–98Page 303
ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ٨٩
Then he followed a way
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطۡلِعَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَطۡلُعُ عَلَىٰ قَوۡمٖ لَّمۡ نَجۡعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتۡرٗا ٩٠
Until, when he came to the rising of the sun [i.e., the east], he found it rising on a people for whom We had not made against it any shield.
كَذَٰلِكَۖ وَقَدۡ أَحَطۡنَا بِمَا لَدَيۡهِ خُبۡرٗا ٩١
Thus.1 And We had encompassed [all] that he had in knowledge.
ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ٩٢
Then he followed a way
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيۡنَ ٱلسَّدَّيۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمٗا لَّا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ قَوۡلٗا ٩٣
Until, when he reached [a pass] between two mountains, he found beside them a people who could hardly understand [his] speech.
قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا ٩٤
They said, "O Dhul-Qarnayn, indeed Gog and Magog1 are [great] corrupters in the land. So may we assign for you an expenditure that you might make between us and them a barrier?"
قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا ٩٥
He said, "That in which my Lord has established me is better [than what you offer], but assist me with strength [i.e., manpower]; I will make between you and them a dam.
ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا ٩٦
Bring me bars of iron" - until, when he had leveled [them] between the two mountain walls, he said, "Blow [with bellows]," until when he had made it [like] fire, he said, "Bring me, that I may pour over it molten copper."
فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا ٩٧
So they [i.e., Gog and Magog] were unable to pass over it, nor were they able [to effect] in it any penetration.
قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا ٩٨
[Dhul-Qarnayn] said, "This is a mercy from my Lord; but when the promise of my Lord1 comes [i.e., approaches], He will make it level, and ever is the promise of my Lord true."
اللغة:
(بَيْنَ السَّدَّيْنِ) : بين الجبلين يروى أن ذا القرنين سدّ ما بينهما، وإطلاق السد على الجبل لأنه سد في الجملة، وفي القاموس: السدّ الجبل والحاجز، أو لكونه ملاصقا للسد فهو مجاز بعلاقة المجاورة والقول الثاني هو المناسب لما قبله والتفاصيل في المطولات.
(يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) : اسمان أعجميان بدليل منع الصرف فيهما للعلمية والعجمة وقيل بل هما عربيان واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجيج النار وهو التهابها وشدة توقدها وقيل من الأوجة وهي الاختلاط أو شدة الحر وقيل من الأوج وهو سرعة العدو، وإنما منعا من الصرف للعلمية والتأنيث وكلاهما من أج الظليم إذا أسرع أو من أجت النار إذا التهبت والأقوال في حقيقتهما كثيرة يمكن الرجوع إليها في المطولات.
(خَرْجاً) : جعلا من المال أو الخراج بتثليث الخاء وقد قرىء بها ومنه «الخراج بالضمان» ثم سمي ما يأخذه السلطان خراجا ويقال للجزية الخراج فيقال أدى خراج أرضه، ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجا إذا نبغ وخرّجه فلان فتخرج وهو خريج المدرسة، قال زهير يصف الخيل:
وخرّجها صوارخ كل يوم ... فقد جعلت عرائكها تلين
أي وأدبها كما يخرّج المتعلم.
(رَدْماً) : حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السدّ من قولهم ثوب مردم. ومنه قول عنترة:
هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
المتردم الموضع الذي يسترقع ويستصلح لما اعتراه من الوهن والوهي والتردم أيضا مثل الترنم وهو ترجيح الصوت مع تحزين ومعنى قول عنترة: لم يترك الأول للآخر شيئا أي سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعا أرقعه ومستصلحا أستصلحه.
(زُبَرَ الْحَدِيدِ) : جمع زبرة كغرفة أي قطعة.
(الصَّدَفَيْنِ) بفتحتين، وضمتين أيضا، وضم الأول وسكون الثاني، وقد قرىء بالثلاث جميعا مثنى صدف بفتحتين وصدف بضمتين وصدف بضم الأول وفتح الثاني وبالعكس: منقطع الجبل أو ناصيته وقد سميا بذلك لأنهما يتقابلان.
(قِطْراً) بكسر فسكون النحاس المذاب على الحديد المحمى.
(يَظْهَرُوهُ) يعلوا ظهره لارتفاعه وانملاسه.
(نَقْباً) خرقا لصلابته وثخانته.
(دَكَّاءَ) بالمد أرض مستوية من قولهم ناقة دكاء أي لا سنام لها، ذللت بالدك وقرىء دكا مصدر دك.
الإعراب:
(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) عطف على نظائرها وقد تقدم إعرابها. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومطلع بكسر اللام مكان الطلوع وسيأتي القول فيه في باب الفوائد وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة تطلع مفعول ثان لوجدها وعلى قوم متعلقان بتطلع وجملة لم نجعل صفة لقوم ولهم في موضع نصب مفعول ثان لنجعل ومن دونها حال وسترا مفعول نجعل الأول لأن أرضهم لا أبنية فيها بل فيها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوها وإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم وقيل المراد بالستر اللباس فهم عراة أبدا. (كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً) كذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقد الواو عاطفة أو حالية وقد حرف تحقيق وأحطنا فعل وفاعل وبما متعلقان بأحطنا ولديه صلة الموصول وخبرا تمييز أو مفعول به وقد تقدم. (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) تقدم إعرابه. (حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) بين السدين: انتصب بين على أنه مفعول به مبلوغ كما انجر على الاضافة في قوله تعالى «هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» وكما ارتفع في قوله «لقد تقطع بينكم» لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفا وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وجملة وجد لا محل لها لأنها جواب إذا ومن دونهما مفعول وجد الثاني وقوما مفعول وجد الأول وجملة لا يكادون صفة لقوما والواو اسم يكاد وجملة يفقهون خبرها وقولا مفعول به. (قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) يا أداة نداء وذا القرنين منادى مضاف وإن واسمها ومأجوج عطف على يأجوج ومفسدون خبر إن وفي الأرض متعلقان بمفسدون. (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) الفاء عاطفة وهل خرف استفهام ونجعل فعل مضارع وفاعل مستتر ولك مفعول نجعل الثاني وخرجا مفعول نجعل الأول وعلى ومدخولها متعلقان بمحذوف صفة لخرجا أي قائما على هذا الشرط فعلى هنا على بابها أي للاستعلاء وبيننا الظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وبينهم عطف على بيننا وسدا مفعول تجعل الأول.
(قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) ما اسم موصول في محل رفع مبتدأ وجملة مكني صلة وفيه متعلقان بمكني وربي فاعل مكني وخير خبر المبتدأ. (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) الفاء الفصيحة وأعينوني فعل أمر وفاعل ومفعول به وبقوة متعلقان بأعينوني واجعل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وبينكم الظرف مفعول اجعل الثاني وبينهم عطف عليه وردما مفعول أجعل الاول ومعنى أعينوني بقوة أي بفعلة وصنّاع يحسنون البناء وبآلة وسيأتي تفسيرها.
(آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) آتوني فعل أمر وفاعل ومفعول به أول وزبر الحديد مفعول به ثان وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وساوى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولا بد من تقدير محذوف للغاية أي فجاءوه بما طلب فبنى، وجعل بين الصدفين الفحم والحطب حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما والظرف متعلق بساوى (قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) جملة انفخوا مقول القول وجملة قال لا محل لها لأنها جواب إذا وحتى غاية للنفخ وجملة جعله نارا مضافة إلى الظرف ونارا مفعول جعل الثاني وجملة آتوني مقول القول وأفرغ مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وفاعله أنا وعليه متعلقان بأفرغ وقطرا مفعول به لأفرغ والتقدير وآتوني قطرا أفرغ عليه قطرا فحذف الأول لدلالة الثاني عليه والمسألة من باب التنازع، فقد أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقالوا آتوني أفرغه عليه قطرا إذ التقدير آتوني قطرا أفرغه عليه ومثله قوله تعالى: «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقال «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» وسيأتي القول فيه في حينه.
(فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) الفاء عاطفة على محذوف أي فجاء قوم يأجوج بعد أن أنهى بناءه وتسويته يحاولون أن يعلوه أو يثقبوه فما اسطاعوا، واسطاعوا فعل وفاعل وأن وما بعدها مصدر مؤول في محل نصب مفعول اسطاعوا، وما استطاعوا عطف على فما اسطاعوا وله متعلقان بنقبا ونقبا مفعول به. (قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) جملة هذا مقول القول وهذا مبتدأ ورحمة خبر والاشارة إلى السد لأنه مانع من خروجهم ومن ربي صفة لرحمة، فاذا الفاء استئنافية وإذا ظرف مستقبل وجملة جاء وعد ربي مضافة للظرف وجملة جعله لا محل لها ودكاء مفعول به ثان لجعل وكان الواو عاطفة أو حالية وكان وعد ربي كان واسمها وحقا خبرها.
الفوائد:
1- أسماء الزمان والمكان تفيد زمان الفعل ومكانه
وتصاغ من الثلاثي المجرد على وزن مفعل بفتح العين وعلى وزن مفعل بكسرها فوزن مفعل بفتح العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل المضموم العين أو يفعل المفتوح العين في المضارع أو من الفعل المعتل الآخر مطلقا فالأول مثل مكتب ومحضر ومحل من حل بالمكان والثاني مثل ملعب ومزرع والثالث مثل ملهى ومثوى وموقى وشذت ألفاظ جاءت بالكسر مع أنها مبنية من مضموم العين في المضارع وهي أحد عشر وهي المطلع والمنسك لمكان النسك أي العبادة والمجزر لمكان جزر الإبل وهو نحرها يقال جزرت الجزور أجزرها بالضم إذا نحرتها وجلدتها والمنبت لموضع النبات والمشرق والمغرب لمكان الشروق والغروب والمفرق لوسط الرأس لأنه موضع فرق الشعر وكذلك مفرق الطريق للموضع الذي يتشعب منه طريق آخر والمسكن موضع السكنى والمسقط موضع السقوط يقال هذا مسقط رأسي أي حيث ولدت وسقط رأسي والمرفق موضع الرفق والمسجد وهو اسم للبيت وليس المراد موضع السجود فقد كسروا هذه الألفاظ والقياس فيها الفتح.
ووزن مفعل بكسر العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل الصحيح المكسور العين أو من المثال الواوي فالأول مثل مجلس ومحبس ومضرب ومبيت ومضيف والثاني مثل مورد وموعد.
وقد تدخل تاء التأنيث على أسماء المكان كالمزلة بفتح الزاي وكسرها فالمفتوح من باب فرح والمكسور من باب ضرب وهي اسم مكان من زل إذا سقط والمظنة لموضع الظن ومألفه وهو بفتح الظاء لأنه من ظن يظن بالضم والمقبرة لموضع القبر والمعبرة لموضع الشط المهيأ للعبور والمشرقة مثلثة الراء والمدرجة الطريق من درج يدرج دروجا إذا مشى والموقعة بفتح القاف وكسرها الموضع الذي يقع عليه والمشربة بفتح الراء وضمها أي موضع الشرب وتطلق أيضا على الغرفة لأنهم كانوا يشربون فيها وهي أيضا الأرض اللينة الدائمة النبات وإذا كثر الشيء بالمكان قيل فيه مفعلة بالفتح فيبنى اسم المكان من الأسماء مثل أرض مسبعة أي كثيرة السباع ومذأبة أي كثيرة الذئاب ومأسدة أي كثيرة الأسود ومبطخة أي كثيرة البطيخ ومقثأة أي كثيرة القثاء ومحياة أي كثيرة الحيات ومفعاة أي كثيرة الأفاعي ومدرجة أي كثيرة الدراج بضم الدال وتشديد الراء وهو طائر جميل ملون الريش ويطلق على الذكر والأنثى.
أما وزنهما مما فوق الثلاثي فبكون على وزن المضارع بضم الميم المبدلة من حرف المضارعة وفتح ما قبل الآخر نحو مجتمع ومنتدى ومنتظر ومستشفى فهما يشبهان اسم المفعول والمصدر الميمي والتفرقة بينها بالذوق والقرينة.
2- الظرف:
الظرف قسمان: متصرف وغير متصرف:
فالمتصرف ما يستعمل ظرفا وغير ظرف فهو يفارق الظرفية إلى حال لا تشبهها كأن يستعمل مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا به أو نحو ذلك مثل شهر ويوم وسنة وليل. والظرف غير المتصرف ما يلازم النصب على الظرفية فلا يستعمل إلا ظرفا منصوبا مثل قط وعوض وبينا وبينما وإذا وأيان وأنى وذا صباح وذات ليلة ومنه ما ركب من الظروف مثل صباح مساء وليل ليل ومنه ما يلزم النصب على الظرفية أو الجر بمن نحو قبل وبعد والجهات الست ولدي ولدن وعند ومتى وأين وهنا وثم وحيث والآن وتفصيل ذلك في المطولات.
3- استطاع واسطاع:
قالوا: الأصل في اسطاع استطاع وان التاء حذفت تخفيفا وفتحت همزة الوصل وقطعت وهو قول الفراء وفي استطاع لغات: اسطاع يسطيع بفتح الهمزة في الماضي وضم حرف المضارعة فهو من أطاع يطيع وأصله يطوع بقلب الفتحة من الواو إلى الطاء في أطوع إعلالا له حملا على الماضي فصار أطاع ثم دخلت السين كالعوض من عين الفعل هذا مذهب سيبويه واللغة الثانية استطاع يستطيع بكسر الهمزة في الماضي ووصلها وفتح حرف المضارعة وهو استفعل نحو استقام واستعان.
18:99–106Page 304
۞ وَتَرَكۡنَا بَعۡضَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ يَمُوجُ فِي بَعۡضٖۖ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعۡنَٰهُمۡ جَمۡعٗا ٩٩
And We will leave them that day1 surging over each other, and [then] the Horn will be blown, and We will assemble them in [one] assembly.
وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضًا ١٠٠
And We will present Hell that Day to the disbelievers, on display -
ٱلَّذِينَ كَانَتۡ أَعۡيُنُهُمۡ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكۡرِي وَكَانُواْ لَا يَسۡتَطِيعُونَ سَمۡعًا ١٠١
Those whose eyes had been within a cover [removed] from My remembrance,1 and they were not able to hear.2
أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيٓ أَوۡلِيَآءَۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا ١٠٢
Then do those who disbelieve think that they can take My servants instead of Me as allies? Indeed, We have prepared Hell for the disbelievers as a lodging.
قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣
Say, [O Muḥammad], "Shall we [believers] inform you of the greatest losers as to [their] deeds?
ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤
[They are] those whose effort is lost in worldly life, while they think that they are doing well in work."
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا ١٠٥
Those are the ones who disbelieve in the verses of their Lord and in [their] meeting Him, so their deeds have become worthless; and We will not assign to them on the Day of Resurrection any weight [i.e., importance].
ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦
That is their recompense - Hell - for what they denied and [because] they took My signs and My messengers in ridicule.
اللغة:
(يَمُوجُ) : يختلط.
(الصُّورِ) : القرن ينفخ فيه والبوق.
الإعراب:
(وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) وتركنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بيموج وجملة يموج في بعض مفعول به ثان والتنوين في إذ عوض عن جملة كما تقدم، وقد جعل بعضهم ترك متعديا إلى واحد فتكون جملة يموج في محل نصب على الحال. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً) ونفخ فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر وفي الصور متعلقان بنفخ فجمعناهم الفاء عاطفة وجمعناهم فعل وفاعل ومفعول به وجمعا مفعول مطلق.
(وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً) وعرضنا عطف على ما تقدم وجهنم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بعرضنا وللكافرين متعلقان بعرضنا أيضا وعرضا مفعول مطلق. (الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) الذين صفة للكافرين أو بدل منهم وجملة كانت صلة وأعينهم اسم كانت وفي غطاء خبر كانت وعن ذكري صفة لغطاء وكانوا كان واسمها وجملة لا يستطيعون سمعا خبرها. (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب ومن دوني مفعول ثان ليتخذوا وأولياء مفعول به أول. (إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا) إنا إن واسمها وجملة أعتدنا خبر وجهنم مفعول به وللكافرين حال لأنه كان صفة لنزلا ونزلا حال أي مغدة لهم كالنزل يعد للضيف.
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا) جملة هل ننبئكم مقول القول وبالأخسرين دخلت الباء على مضمون المفعولين الثاني والثالث وأعمالا تمييز وجمع التمييز وهو أصيل في الافراد لمشاكلة المميز وللايذان بأن خسرانهم إنما كان من جهات شتى لا من جهة واحدة. (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) الذين صفة للأخسرين أو بدل ويرجح أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف كأنه جواب لسؤال سائل ومن هم الأخسرون أعمالا وجملة ضل صلة وسعيهم فاعل وفي الحياة متعلقان بضل والواو حالية وهم مبتدأ وجملة يحسبون خبر وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يحسبون وجملة يحسنون خبر أنهم وصنعا مفعول ويجوز أن يعرب تمييزا وجملة وهم يحسبون حال من فاعل ضل. (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) أولئك اسم اشارة مبتدأ والذين خبره وجملة كفروا صلة وبآيات ربهم جار ومجرور متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات فحبطت عطف على كفروا وأعمالهم فاعل حبطت. (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) فلا نقيم عطف على ما تقدم والفاعل مستتر تقديره نحن ولهم متعلقان بنقيم ويوم القيامة متعلق بنقيم أيضا ووزنا مفعول به أي فلا يكون لهم عندنا وزن أو مقدار. (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً) ذلك مبتدأ وجزاؤهم خبر وجهنم بدل أو عطف بيان لقوله جزاؤهم ويجوز أن يعرب ذلك خبرا لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وجزاؤهم جهنم مبتدأ وخبر فتكون كل من الجملتين جملة برأسها ويجوز أن يعرب ذلك مبتدأ وجزاؤهم مبتدأ ثان وجهنم خبر جزاؤهم والجملة خبر المبتدأ الأول وهو ذلك وهذه الاوجه متساوية الرجحان، وبما كفروا يجوز أن يتعلق بمحذوف خبر ذلك في أحد وجوهه أو بمحذوف حال أي بسبب كفرهم وما مصدرية واتخذوا عطف على كفروا وآياتي مفعول به أول ورسلي عطف على آياتي وهزوا مفعول به ثان.
البلاغة:
1- الاستعارة المكنية:
في قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» استعارة محسوس لمحسوس كما قسمنا أنواع الاستعارة فإن أصل الموج تحريك المياه فاستعير لحركة يأجوج ومأجوج لاشتراك المستعار والمستعار له في الحركة وهي استعارة مكنية تبعية أوهم الخلق يموجون.
2- جناس التصحيف:
وفي قوله تعالى «وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» جناس التصحيف وهو أن يكون النقط فيه فارقا بين الكلمتين على حد قول البحتري:
ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه الجناس وأقسامه:
الجناس ويقال له التجنيس والمجانسة والتجانس وكلها ألفاظ مشتقة من الجنس، وحدّه في الاصطلاح تشابه الكلمتين في اللفظ واختلافهما في المعنى وفائدته أن يميل بالسامع إلى الإصغاء فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلا وإصغاء إليها ولأن اللفظ المذكور إذا حمل على معنى ثم جاء والمراد به معنى آخر كان للنفس تشوق إليه.
وفيما يلي أقسام الجناس باختصار:
1- الجناس المركب: وهو أن يتألف من ركنين وهو قسمان:
آ- أن يتشابه ركناه لفظا لا خطأ كقول العماد الاصفهاني وكان يسير مع القاضي الفاضل في موكب السلطان وقد ثار الغبار:
أما الغبار فإنه ... مما أثارته السنابك
والجوّ منه مظلم ... لكن أنار به السنابك
يا دهر لي عبد الرحي ... م فلست أخشى مسّ نابك
ويحكى أنه لما كان المعتمد بن عباد في سجن أغمات وطال عليه الحال قالت له جاريته لقد هنّا هنا فأنشد على قولها:
قالت لقد هنّا هنا ... مولاي أين جاهنا
قلت لها: إلهنا ... صيرنا إلى هنا
ب- أن يتشابه ركناه لفظا وخطا ومن أمثلته:
عضنا الدهر بنابه ... ليت ما حل بنابه ولأبي الفتح البستي:
إذا لم يكن ملك ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه
2- الجناس الملفق:
وحدّه أن يكون كل من الركنين مركبا من كلمتين كقول بعضهم:
رعى الله دهرا بكم قد مضى ... بلغت الأماني به في أمان
وأيام أنس تولت لنا ... بأحلام عان بأحلى معان
3- الجناس المعنوي:
وهو مجرد صناعة مضنية وقد يأتي حسنا، وهو أن يضمر المتكلم ركني التجنيس ويذكر ألفاظا مرادفة لأحدهما فيدل المظهر على المضمر وأحسن ما سمعناه منه قول أبي بكر بن عبدون وقد اصطبح بخمرة وترك بعضها إلى الليل فصارت خلا:
ألا في سبيل الله كأس مدامة ... أتتنا بطعم عهده غير ثابت
حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة ... وأضحت كجسم الشنفري بعد ثابت
فصح معه جناسان مضمران في صدر البيت وعجزه لأن بنت بسطام بن قيس كان اسمها الصهباء والشنفري اسمه ثابت وجعل جسمه خلا في مرثية خاله تأبط شرا حيث قال:
فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خالي لخل والخل المهزول، وأما الجناس المضمر فهو بنت بسطام التي هي الصهباء وأما الذي في العجز فهو جسم ثابت الشنفري الذي هو الخل والمعنى أن الخمر التي حكت سميتها بنت بسطام صباحا وحكت جسم الشنفري مساء أي كانت صهباء فصارت خلا فظهر من كناية اللفظ جناسان مضمران الصهباء وهي الخمرة والصهباء وهي بنت بسطام وخل وهو المهزول وخل وهو ما يؤتدم به.
4- الجناس المطرف:
وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفا في طرفه الأول كقول عبد الله بن المعتز:
زارني والدجى أحمّ الحواشي ... والثريا في الغرب كالعقود
وكأن الهلال طوق عروس ... بات يجلى على غلائل سود
ليلة الوصل ساعدينا بطول ... طول الله فيك غيظ الحسود
فإن قوله الحسود زاد حرفا على سود.
5- الجناس المحرف:
وهو ما اتفق ركناه في أعداد الحروف وترتيبها واختلفا في هيئة الحروف فقط، سمي بذلك لانحراف هيئة عن هيئة الآخر قال أبو العلاء:
والحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر
6- الجناس اللفظي:
وهو ما تماثل ركناه لفظا واختلف أحد ركنيه عن الآخر خطا، قال أبو تمام:
يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب
وقال البحتري:
من كل ساجي الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور
7- الجناس المطلق:
وهو ما اختلف ركناه في الحركات والحروف فاشتبه بالمشتق الراجع معناه إلى أصل واحد وليس كذلك وهو جميل غير متكلف، ومنه قول أبي فراس:
سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله
فما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول ازدهتني بل شمايله
ألوى بعزمي أصداغا لوين له ... وغال صبري بما تحوي غلايله
وقد ولع أبو فراس بهذا اللون من الجناس فقال:
عذيري من طوالع في عذاري ... ومن برد الشباب المستعار وثوب كنت ألبسه أنيق ... أجرّر ذيله بين الج
واري وما زادت على العشرين سني ... فما عذر المشيب إلى عذاري
ومنه الحديث النبوي وهو «الظلم ظلمات يوم القيامة» .
8- الجناس المذيل:
وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر بحرف أو أكثر في طرفه الأخير فكان له بمثابة الذيل اللاحق بالثوب، ومنه قول أبي تمام:
يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب
ولحسان بن ثابت منه:
وكنا متى يغز النبي قبيلة ... نصل جانبيها بالقنا والقنابل
9- الجناس اللاحق:
وهو ما أبدل من أحد ركنيه حرف واحد بغيره من غير مخرجه سواء كان الابدال في الأول أو الوسط أو الآخر، قال البحتري:
عجب الناس لاغترابي وفي الأط ... ... ... راف تلقى منازل الأشراف وقعودي عن التقلب والأر ... ض لمثلي رحيبة الأ
كناف ليس عن ثروة بلغت مداها ... غير أني امرؤ كفاني كفافي
ولأبي فراس الحمداني:
تعس الحريص وقلّ ما يأتي به ... عوضا عن الإلحاح والإلحاف
إن الغني هو الغني بنفسه ... ولو انه عاري المناكب حافي
ما كلّ ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا قنعت فكل شيء كافي
10- الجناس المصحف:
وقد تقدم عند الكلام على الآية، ولأبي فراس فيه روائع، استمع إلى هذه المقطوعة:
ما كنت مذ كنت إلا طوع خلاني ... ليست مؤاخذة الاخوان من شاني
يجني الخليل فأستحلي جنايته ... حتى أدل على عفوي واحساني إذا خليلي لم تكثر إساءته ... فأين موقع إحساني وغف
راني يجني عليّ وأحنو صافحا أبدا ... لا شيء أحسن من حان على جاني
11- الجناس التام:
وهو أن يتفق اللفظان في أنواع الحروف وأعدادها وهيئاتها وترتيبها وهو قسمان:
آ- الجناس التام المتماثل: وهو أن يكون اللفظان من نوع واحد كاسمين أو فعلين أو حرفين كقوله تعالى «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ» .
وقول أبي تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحد بين الجد واللعب
فجانس بين حد السيف والحد الفاصل بين الشيئين وهما اسمان، وقد تفنن الشعراء فيه ولا سيما في عصور الانحطاط كقول الملك الصالح داود:
عيون من السحر المبين تبين ... لها عند تحريك الجفون سكون تصول ببيض وهي سود فرندها ... ذبول فتور والجفون
جفون إذا أبصرت قلبا خليا من الهوى ... تقول له: كن مغرما فيكون
ب- وان كانا من نوعين كاسم وفعل أو اسم وحرف أو فعل وحرف سمي الجناس المستوفى كقول أبي الفضل الميكالي:
يا من يضيع عمره في اللهو أمسك ... واعلم بأنك ذاهب كذهاب أمسك
فجانس بين أمسك وهو فعل أمر وأمسك وهو اليوم الذي قبل يومك.
أبو تمام والتجنيس:
وقد بالغ أبو تمام في استعمال التجنيس وفيما يلي طائفة منها:
قال:
فأصبحت غرر الأيام مشرقة ... بالنصر تضحك عن أيامك الغرر
فالغرر الأولى استعارة من غرر الوجه والغرر الثانية مأخوذة من غرة الشيء أكرمه. وقال في قصيدته فتح عمورية:
عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الخصب فالثغور جمع ثغر وهو واحد الأسنان، وهو أيضا البلد الذي على تخوم العدو، ثم قال فيها:
كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز في كثب
بيض إذا انتفيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانا من الحجب
فالقضب السيوف، والقضب القدود على حكم الاستعارة وكذلك البيض السيوف والبيض النساء وهذا من نادر أبي تمام الذي لا يتعلق به أحد.
وقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره فمنه ما أغرب فيه وأحسن ومنه ما أتى مستثقلا نابيا كقوله:
قرّت بقرّان عين الدين واشتترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما
فجانس بين قرت من قرت العين أي بردت سرورا وقران اسم مكان واشتترت: انشقت والأشترين اسم مكان أيضا واصطلم: قطع من أصله.
وأقبح من ذلك قوله:
فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى ومهما أورق السلم جناس البحتري: أما البحتري فلم يسف إلى الحضيض الذي أسف إليه أبو تمام ولم يأت بالتجنيس إلا جميلا مطبوعا غير متكلف كقوله:
إذا العين راحت وهي عين على الهوى ... فليس بسرّ ما تسر الأضالع
فالعين الجاسوس والعين معروفة.
وما أجمل قول أبي العلاء المعري:
لم يبق غيرك إنسانا يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا
ولأبي تمام تجنيس متكرر في البيت الواحد قال:
ليالينا بالرقمتين وأهلنا ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد
فالعهد الأول المسقى هو الوقت والعهد الثاني هو الحفاظ من قولهم فلان ما له عهد، والعهد الثالث الوصية من قولهم عهد فلان إلى فلان وعهدت اليه أي وصاني وصيته، والعهد الرابع: المطر وجمعه عهاد، قال ابن رشيق: «استثقل قوم هذا التجنيس وحق لهم» .
الفوائد:
1- أفعال التصيير هي التي تدل على التحويل والانتقال من حالة إلى أخرى وهي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر هكذا قال النحاة واعترض بعضهم ذلك بقوله ان معمولي هذه الأفعال متغايران مفهوما وخارجا فلا يصح أن يدعى كونهما مبتدأ وخبرا لوجود اتحادهما خارجا يبين لك ذلك انك تقول صيرت الفقير غنيا والمعدوم موجودا ولا يخفى أن صدق أحدهما على الآخر ممتنع ويجاب بأن نحو الفقير غني صحيح أي الفقير فيما مضى تجدد له الغنى وكذا المعدوم موجود إذ الوصف العنواني لا يشترط وجوده دائما بل يكفي وجوده في بعض الأوقات. وقال الشهابي القاسمي: ويمكن أن يجاب عن البحث بأن أريد أن أفعال التصيير لا يكون معمولاها متغايرين مفهوما وخارجا فهو ممنوع نحو قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» فإن ترك هنا من أفعال التصيير مع صدق أحد مفعوليها على الآخر وإيجاده معه خارجا فإن المائج يصدق على بعضهم ويتحد معه خارجا وان أريد انه قد يكون معمولاها كذلك فمسلم ولا يضير لأن أفعال الباب لا يجب أن تدخل على المبتدأ والخبر بل قد تدخل على غيرهما.
2- اعلم أن المميز يكون واحدا ويكون جمعا فإذا وقع بعد عدد نحو عشرين وثلاثين ونحوهما لم يكن المميز إلا واحدا نحو قولك:
عندي عشرون ثوبا وثلاثون عمامة لأن العدد قد دل على الكمية ولم يبق بنا حاجة إلا إلى بيان نوع ذلك المبلغ وكان ذلك مما يحصل بالواحد وهو أخف وأما إذا وقع مفسرا لغير عدد نحو: هذا أفره منك عبدا وخير منك عملا جاز الافراد والجمع لاحتمال أن يكون له عبد واحد وعبيد فاذا قلت: هو أفره منك عبيدا أو خير منك أعمالا دللت بلفظ الجمع على معنيين: النوع وانهم جماعة. قال الله تعالى:
«قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا» ، فهم من ذلك النوع وانه كان من جهات شتى لا من جهة واحدة وإذا أفردت فهم منه النوع لا غير.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences