DarwishAl‑Baqarah · 2:255–260

Darwish · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:255–260

2:255Page 42

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ ٢٥٥

Allāh - there is no deity except Him, the Ever-Living,1 the Self-Sustaining.2 Neither drowsiness overtakes Him nor sleep. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Who is it that can intercede with Him except by His permission? He knows what is [presently] before them and what will be after them,3 and they encompass not a thing of His knowledge except for what He wills. His Kursī4 extends over the heavens and the earth, and their preservation tires Him not. And He is the Most High,5 the Most Great.6

اللغة:

(الْقَيُّومُ) فيعول: من قام بالأمر إذا دبّره أحسن تدبير، وأصله «قيووم» اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء فيها فصار «قيوما» . قال أميّة ابن أبي الصلت:

لم تخلق السماء والنجوم ... والشمس معها قمر يعوم

قدّره المهيمن القيوم ... والحشر والجنة والجحيم

إلّا لأمر شأنه عظيم (السنة) بكسر السين: ما يتقدم النوم من الفتور والاسترخاء مع بقاء الشعور. وهو المسمى بالنعاس، قال عدي بن الرقاع وأبدع:

وسنان أقصده النعاس فرنّقت ... في عينه سنة وليس بنائم

فلذلك نفى النوم لأنه سلب للحواس وأثبت السّنة في البيت.

(الكرسي) معروف. والياء ليست للنسبة ولو كانت للنسبة لخرج إلى حيز الصفة وأصله من تركب الشيء بعضه على بعض ومنه الكرّاسة. سميت بذلك لتركب بعض أوراقها على بعض.

وفي العرف الدارج ما يجلس عليه. وتكرس فلان الحطب وغيره إذا جمعه. وكرّس البناء إذا أسسه.

(يَؤُدُهُ) يثقله ويشق عليه.

الإعراب:

(اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) كلام مستأنف فخم مسوق لجمع أحكام الألوهية وصفات الإله الثبوتية والسلبية. والله مبتدأ ولا نافية للجنس وإله اسمها المبني على الفتح وإلا أداة حصر و «هو» بدل من محل لا واسمها. وقد تقدم إعراب الشهادة مفصلا. والجملة الاسمية «لا إله إلا هو» خبر الله والحي خبر ثان والقيوم خبر ثالث.

ولك أن تعربهما صفتين لله (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) الجملة خبر رابع للمبتدأ ولا نافية وتأخذه فعل مضارع ومفعول به وسنة فاعل تأخذه ولا نوم عطف على سنة (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) الجملة خبر خامس وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وما اسم موصول في محل رفع مبتدأ مؤخر وفي السموات الجار والمجرور متعلقان بمحذوف لا محل له لأنه صلة الموصول، وما في الأرض: معطوف على ما في السموات (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على المشركين الذين زعموا أن الأصنام تشفع لهم.

ومن اسم استفهام معناه النفي في محل رفع مبتدأ وذا اسم إشارة في محل رفع خبر «من» . والذي اسم موصول بدل أو «من ذا» كلها اسم استفهام مبتدأ «والذي» هو الخبر. واعلم أن «ذا» الواقعة بعد «ما» الاستفهامية يجوز جعلها اسم موصول اتفاقا، وأما الواقعة بعد «ما» الاستفهامية يجوز جعلها اسم موصول اتفاقا، وأما الواقعة بعد «ما» الاستفهامية يجوز يجعلها اسم موصول اتفاقا، وأما الواقعة بعد «من» فالأكثر أنها اسم إشارة. ويشفع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو، والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول (عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الظرف متعلق بيشفع أو بمحذوف حال من الضمير في يشفع، وإلا أداة حصر وبإذنه الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) الجملة خبر سادس ويعلم فعل مضارع وفاعله مستتر يعود على الله تعالى وما اسم موصول مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول، وأيديهم مضاف إليه والواو حرف عطف وما عطف على «ما» الأولى والظرف متعلق بالصلة المحذوفة (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ) الجملة معطوفة على ما تقدم ولا نافية ويحيطون فعل مضارع والواو فاعل وبشيء جار ومجرور متعلقان بيحيطون، من علمه: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لشيء (إِلَّا بِما شاءَ) إلا أداة حصر، بما: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف بدل من شيء بإعادة الجار، وجملة شاء لا محل لها لأنها صلة ما ومفعول المشيئة محذوف تقديره: أن يعلمهم به (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) الجملة خبر سابع ولك أن تنصبها على الحال ووسع كرسيه فعل ماض وفاعل والسموات مفعول به، والأرض عطف على السموات (وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما) الواو عاطفة ولا نافية ويئوده فعل مضارع ومفعول به حفظهما: فاعل والهاء مضاف إليه، والميم والألف حرفان دالّان على التثنية (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) الواو عاطفة وهو مبتدأ والعليّ خبره والعظيم خبر ثان.

البلاغة:

انطوت هذه الآية على أهم المسائل المتعلقة بالذات الإلهية.

روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لكل شيء سنام وإن سنام القرآن البقرة. وفيها آية هي سيدة آي القرآن وهي آية الكرسي.

ونلخص فيما يلي فنون البلاغة المنطوية فيها:

1- الاستعارة التصريحية في قوله: «وسع كرسيه السموات والأرض» فالكلمة مجاز عن علمه تعالى أو ملكه وتصوير صحيح لعظمته، حذف المشبه وهو العلم والقدرة والعظمة وما يترتب على الجلوس فوق كرسي الملك من معاني الأبهة والإحاطة الجامعة.

ملاحظة ابن قتيبة:

على أن ابن قتيبة لاحظ في كتابه «مشكل القرآن» أن هذا يخالف نصوص اللغة. ورد على المعتزلة في آرائهم، قال ما نصه:

«وفسروا القرآن بأعجب تفسير يريدون أن يردّوه إلى مذاهبهم، ويحملوا التأويل على نحلهم، فقال فريق منهم في «وسع كرسيه السموات والأرض» أي علمه. وجاءوا على ذلك بشاهد لا يعرف وهو قول الشاعر: «ولا يكرسىء علم الله مخلوق» كأنه عندهم:

ولا يعلم علم الله مخلوق. والكرسي غير مهموز، ويكرسىء مهموز، يستوحشون أن يجعلوا لله كرسيا» ولكننا لا نوافق ابن قتيبة على رأيه فإن كثيرين من أهل السنة ذهبوا إلى ذلك.

رأي التّفتازانيّ:

قال التفتازاني: إنه من باب إطلاق المركّب الحسيّ المتوهم على المعنى العقلي المحقق.

رأي القرطبيّ:

وفي تفسير القرطبي: «وقال ابن عباس: كرسيّه: علمه، ورجحه الطبري. وقيل كرسيه قدرته التي يمسك بها السموات والأرض، كما تقول: اجعل لهذا الحائط كرسيا، أي ما يعمده» .

وهذا قريب من قول ابن عباس. وهذا بحث طويل يتشعب فيه الجدال، بين أهل السنة والاعتزال، فليرجع فيه إلى المطولات.

2- الإيجاز: فقد تضمنت آية الكرسي من الإيجاز ما لا مطمح فيه لتقليد أو محاكاة ويمكن القول: إن البيان اتحد بالمبين في تصوير الملك الحقيقي الذي لا ينازع فيه بأرشق عبارة وأدق وصف، وفيها ما يسمى بالفصل في علم المعاني، وهو حذف العاطف للدلالة على أن كل صفة من صفات هذا الملك العظيم مستقلة بنفسها، وذلك على النحو التالي:

آ- الجملة الأولى: «الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم» وقد بيّن فيها قيامه سبحانه بتدبير الخلق وتنسيق شئونهم، وإحكام معايشتهم وهمينته عليه دون أن يكون ساهيا عنه طرفة عين.

ب- الجملة الثانية: «له ما في السموات وما في الأرض» وقد بيّن فيها أنه مالك لما يدبره غير منازع في ملكه.

ج- الجملة الثالثة: «من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه» وقد بين فيها كبرياء شأنه وتضاؤل الجميع أمام قدرته التي لا تحدّ.

د- الجملة الرابعة: «ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء» وقد صور فيها إحاطته بأمور الخلق وأحوالهم بحيث لا يغرب عنه شيء.

هـ- الجملة الخامسة: «وسع كرسيه السموات والأرض» إلى آخر الآية، وقد نوّه فيها بتعلقه بالمعلومات كلها وكل شيء عنده بمقدار.

3- إيجاز الإيجاز: فقد اشتملت آية الكرسي على ما لم تشتمل عليه آية من آيات الله سبحانه، وذلك أنها مشتملة على سبعة عشر موضعا فيها اسم الله تعالى ظاهرا في بعضها ومستكنّا في بعضها الآخر، وذلك على الترتيب التالي:

1- الله، 2- هو، 3- الحي، 4- القيوم، 5- ضمير لا تأخذه، 6- ضمير له، 7- ضمير عنده، 8- ضمير بإذنه، 9- ضمير يعلم، 10- ضمير علمه، 11- ضمير شاء، 12- ضمير كرسيه، 13- ضمير يئوده، 14- وهو، 15- العلي، 16- العظيم، 17- الضمير المستكنّ الذي اشتمل عليه المصدر وهو «حفظهما» فإنه مصدر مضاف إلى المفعول وهو الضمير البارز ولا بد له من فاعل وهو الله، ويظهر ذلك عند فكّ المصدر فيقول:

ولا يئوده أن يحفظهما هو. وقد حاول أحد الأعلام أن يوصلها إلى واحد وعشرين موضعا، ويعتبر الأسماء المشتقة الواردة فيها تحتاج إلى ضمير كالحي والقيوم والعلي والعظيم، فيكون كل واحد باثنين وبذلك تضاف أربعة مواضع إلى المواضع السبعة عشر، فيكون المجموع واحدا وعشرين موضعا. وقد نازعه علم آخر فقال: هذا لطيف جدا ولكن المشتق لا يقع على موصوفه إلا باعتباره محتملا لضمير، فلا يمكن أن يتميز بحكم الانفراد عن الضمير، ولهذا فالاسم المشتق لا يحتمّل الضمير بعد صيرورته بالتسمية علما، ألا تراك إذا قلت:

زيد كريم فإن «كريم» لم يقع على زيد إلا لأنه يتحمل ضميره، حتى إذا جرّدت النظر اليه لم تجده مختصا بزيد بل لك أن توقعه على كل موصوف بالكرم من الناس. وهذا من أدق مباحث علم المعاني، فتدبره والله يعصمك.

2:256–257Page 42

لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦

There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become distinct from the wrong. So whoever disbelieves in ṭāghūt1 and believes in Allāh has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allāh is Hearing and Knowing.

ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥٧

Allāh is the Ally1 of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are ṭāghūt. They take them out of the light into darknesses.2 Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

اللغة:

(الطَّاغُوتُ) : كل معبود من دون الله، والجمع طواغ وطواغيت والخلاف حول هذا اللفظ كثير، وهو يكون واحدا وجمعا، ومذكرا ومؤنثا، قال تعالى في الزمر: «والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها» .

وسيأتي مزيد من البحث عنه.

(العروة الوثقى) العروة في الأصل: موضع شد اليد، وأصل المادة تدل على التعلق. والعروة من الدلو والكوز: المقبض، ومن الثوب: أخت زرّه، واعتراه الهمّ: تعلق به، قال:

وإني لتعروني لذكراك هزّة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر

(الْوُثْقى) : فعلى للتفضيل، مؤنث الأوثق، كفضلى تأنيث الأفضل. وجمعها على وثق، وهي ما يوثق به ويستعصم.

(انْفِصامَ) انقطاع، وأصل الفصم الكسر.

الإعراب:

(لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) جملة مستأنفة مسوقة لبيان أن العاقل لا يحتاج للإكراه على الدين، بل يختار تلقائية الدين الحق. ولا نافية للجنس وإكراه اسمها وفي الدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) الجملة تعليلية لا محل لها وقد حرف تحقيق وتبين فعل ماض والرشد فاعله ومن الغي جار ومجرور متعلقان بتبين (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) الفاء الفصيحة ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويكفر فعل الشرط المجزوم وفاعله ضمير مستتر يعود على «من» وبالطاغوت جار ومجرور متعلقان بيكفر (وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ) الواو عاطفة ويؤمن عطف على يكفر والجار والمجرور متعلقان بيؤمن (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى) الفاء رابطة لجواب الشرط لأنه مقترن بقد، واستمسك فعل ماض وفاعله مستتر يعود على من، وبالعروة متعلقان باستمسك والوثقى صفة للعروة. والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من، وجملة من يكفر لا محل لها لأنها جواب شرط غير حازم (لَا انْفِصامَ لَها) الجملة في محل نصب حال من العروة ولا نافية للجنس وانفصام اسمها المبني على الفتح ولها جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لا (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الجملة إما أن تكون مستأنفة مسوقة لحمل الناس على الإيمان والردع عن الكفر، وإما أن تكون اعتراضا تذييليا للغاية نفسها والله مبتدأ وسميع عليم خبراه (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) الجملة مستأنفة لبيان ما في الإخراج من فضل، والله مبتدأ وولي خبر والذين مضاف اليه وجملة آمنوا صلة الموصول (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) الجملة إما حال من الضمير المستكن في «ولي» أو خبر ثان للمبتدأ «الله» ومن الظلمات متعلقان بيخرجهم والى النور متعلقان بيخرجهم لاختلاف المعنيين، أي بدءا من الظلمات وانتهاء إلى النور أو حال من الموصول (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) الواو عاطفة والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة الموصول (أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) مبتدأ وخبر والجملة الاسمية خبر الذين والرابط الضمير (يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ) تقدم إعراب شبيهها (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ) مبتدأ وخبر والنار مضاف اليه والجملة حالية (هُمْ فِيها خالِدُونَ) مبتدأ وخبر وفيها متعلقان بخالدون والجملة حال ثانية.

البلاغة:

1- العروة الوثقى: استعارة تصريحية تمثيلية، فقد شبّه من يسلك سبيل الله بمن أخذ بحبل وثيق مأمون لا ينقطع، فهو آمن من الانزلاق، والتردّي في مهاوي الخطل والضلال.

2- الاستعارة التصريحية في استعارة الظلمات والنور للضلال والهدى.

3- في قوله تعالى: «يخرجونهم من النور إلى الظلمات» فن نفي الشيء بايجابه وهو فن عجيب فحواه أن المتكلم يثبت شيئا في كلامه وينفي ما هو من سببه مجازا، والمنفي في باطن الكلام حقيقة هو الذي أثبته. وحاصل ما ذكرناه أن الذين كفروا لم يسبق لهم نور حتى يخرجوا منه، فقد يوهم ظاهر الكلام أنه كان لهم نور في الأصل، ثم أخرجوا منه، والمراد نفي النور عنهم أصلا. ومثله قول مسلم بن الوليد المعروف بصريع الغواني: لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ... ولا يمسح عينيه من الكحل

ومثله قول أبي الطيب المتنبي:

أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب

ولا برزن من الحمّام ماثلة ... أوراكهنّ صقيلات العراقيب

فظاهر الكلام عدم بروزهن من الحمام على تلك الحالة، والمراد في باطنه عدم الحمام مطلقا، وسيأتي المزيد من بحثه في هذا الكتاب.

وقد يجوز أن يكون من باب المشاكلة، وقد تقدمت. وحاصلها أن ذكر الإخراج الثاني مشاكله للأول على حد قوله: «قلت اطبخوا لي جبة وقميصا» مع التسليم بأن المراد بالذين كفروا الذين لم يسبق لهم إيمان أصلا، فتأمل.

4- جمع الظلمات وأفرد النور لسر بلاغي عجيب. وهو ينطوي على الإشارة إلى وحدة الحق وتعدد أنواع الظلمات التي هي الضلالات وما أكثرها، ولأن طريق الحق واضحة المعالم لا لبس فيها، ولا تشعّب في مسالكها أما طريق الضلال فهي ملتبسة على من يسلكها.

2:258–259Page 43

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥٨

Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allāh had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allāh brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allāh does not guide the wrongdoing people.

أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٥٩

Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allāh bring this to life after its death?" So Allāh caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" He [the man] said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allāh is over all things competent."

اللغة:

(حَاجَّ) غالب خصمه بالحجة ومن أقوالهم: كانت بينهما محاجّة وملاجّة.

(خاوِيَةٌ) : ساقطة أو خالية من أهلها.

(يَتَسَنَّهْ) : الهاء أصلية أو للسكت. أي لم تمرّ السنة عليها، والشيء عادة يتغير بمرور الزمان. فلام السنة واو أو هاء. وقيل:

أصلها يتسنّن، من الحمأ المسنون. وسيرد في الإعراب تفصيل واف عن هذه اللفظة.

(نُنْشِزُها) نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب.

الإعراب:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ) كلام مستأنف مسوق للتعجب من قصة أحد الطواغيت، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد العموم. فالهمزة للاستفهام التعجبي ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والى الذي جار ومجرور متعلقان ب «تر» ولا بد من حذف مضاف، أي إلى قصة الذي حاجّ، وحاجّ فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وابراهيم مفعول به وفي ربّه جار ومجرور متعلقان بحاجّ (أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) أن حرف مصدري ونصب، آتاه فعل ماض في محل نصب بأن والهاء مفعول به والمصدر المنسبك من أن والفعل بعدها في محل نصب مفعول لأجله بتقدير اللام، لأن شرطا من شروط المفعول لأجله قد فقد وهو اتحاد الفاعل وحذف اللام قياسي قبل أن وأنّ. والمراد أقدم على محاجّة إبراهيم وملاحاته لبطره وصلفه، وكان الأجدر به أن يشكر على النعمة، ويتواضع عند الرفعة. وهذا أولى من جملة ظرفا بمعنى وقت إيتاء النعمة. والمصادر قد تقع ظروفا مثل خفوق النجم ومقدم الحاجّ (إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بحاج وأجاز الزمخشري والجلال أن يكون بدلا من «أن آتاه» إذا جعل بمعنى الوقت، ولكن النحاة نصّوا على أنه لا يقوم مقام ظرف الزمان إلا المصدر المصرح بلفظه، فلا يجوز: أجيء أن يصيح الديك، ولا: جئت أن صاح الديك، وقال ابراهيم فعل وفاعل والجملة في محل جر بالاضافة (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) ربي مبتدأ والذي خبره وجملة يحيي صلة الموصول لا محل لها ويميت عطف على يحيي وجملة ربي إلخ مقول القول (قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) الجملة مستأنفة وقال فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وأنا مبتدأ وأحيي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والجملة خبر أنا وجملة أنا أحيي جملة اسمية في محل نصب مقول القول، وأميت عطف على أحيي (قالَ إِبْراهِيمُ) فعل وفاعل والجملة مستأنفة مسوقة للانتقال من حجة إلى حجة أظهر (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ) الفاء الفصيحة وهي الواقعة في جواب شرط مقدر. أي إذا كنت قادرا كما تدعي كذبا وافتئاتا. فإن الله يأتي بالشمس من المشرق ... ، وإن واسمها، وجملة يأتي خبرها والجملة بعد الفاء لا محل لها لأنها جواب شرط مقدر غير جازم والجار والمجرور «بالشمس» متعلقان بيأتي ومن المشرق جار ومجرور متعلقان بيأتي أيضا (فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ) كرر الفاء الفصيحة للتأكيد وإرهاصا بالحجة وأت فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل أنت، بها متعلقان بأت، من المغرب متعلقان به أيضا (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) الفاء عاطفة وبهت من الأفعال التي أتت مبنية للمجهول والذي نائب فاعل أي على اللفظ ويجوز أن يكون فاعلا باعتبار المعنى، ولعله أولى.

وكفر فعل ماض وفاعل مستتر والجملة صلة الذي (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) الواو استئنافية، الله مبتدأ وجملة لا يهدي خبره والقوم مفعول به الظالمين صفة (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ) تقدير الكلام: أو أرأيت مثل الذي، فأو حرف عطف والكاف اسم بمعنى مثل، فحذف لدلالة «ألم تر» عليه، ومثل هذا النظم يحذف منه فعل الرؤية كثيرا، والغرض من ذلك التعجب، فيقال: ألم تر إلى الذي صنع كذا، بمعنى انظر اليه. وعلى كل حال فالكاف الاسمية معطوفة على «الذي حاج ابراهيم» والذي مضاف اليه وجملة «مر على قرية» صلة الموصول، والقرية قيل: أراد بها بيت المقدس حين خربها بختنصّر (وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) الواو للحال وهي مبتدأ وخاوية خبر وعلى عروشها جار ومجرور متعلقان بخاوية. والمعنى سقطت السقوف أولا ثم تلتها الأبنية.

وهذا التصوير تجسيد شعري لفناء المحدثات، يبدأ الفناء بالعوالم والكائنات الحية ثم تتلوها الجمادات، وقد رمق من طرف خفي أبو الطيب المتنبي سماء هذا المعنى البديع فنقله نقلا دقيقا أسرع من تنقّل الطيوف في الأجفان فقال يرثي:

أين الذي الهرمان من بنيانه؟ ... ما قومه؟ ما يومه؟ ما المصرع؟

تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع

والبيت الثاني هو المقصود، ومعناه أن الآثار وهي المباني تبقى بعد أربابها لتدلّ على تمكنهم وقوتهم، ثم ينالها بعدهم ما نالهم من الفناء، وسيدركها الخراب فتسقط متداعية ثم تسقط فوقها العروش، والسقوف المشيدة، فتذهب الآثار، وقد ذهب المفسرون في قصة هذا المارّ مذاهب طريفة يحلو الرجوع إليها في المطولات، وهل قال ما قال بمعرض الإنكار للبعث؟ وهل كان كافرا؟ هذه كلها حدوس تتألف منها قصة مجنحة، فمن لنا بالكاتب المبدع؟ (قالَ: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها) قال: فعل وفاعله هو، وأنى فيها وجهان: أحدهما أن تكون بمعنى متى فتكون ظرفا متعلقا بيحيي. وثانيهما أن تكون بمعنى كيف فتكون حالا من هذه، والعامل فيها يحيي. وجملة يحيي في محل جر بالاضافة إذا كانت «أنى» ظرفا. أو مقولا للقول إذا كانت بمعنى كيف. ويحيي فعل مضارع وهذه مفعول مقدم والله فاعل مؤخر وبعد موتها ظرف زمان متعلق بيحيي أيضا. وجملة قال مستأنفة مسوقة للتّلهّف عليها، والتشوق إلى عمارتها مع استشعار اليأس منها (فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ) الفاء عاطفة وأماته الله فعل ومفعول به وفاعل ومائة ظرف زمان متعلق بأماته وعام مضاف اليه (ثُمَّ بَعَثَهُ) عطف على أماته، وعطف بثم للإشعار بالتراخي وطول المدة (قالَ: كَمْ لَبِثْتَ) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على سؤال قد يساور الخاطر كأنه قيل:

فماذا قال الله تعالى له حين بعثه بعد الموت؟ وكم اسم استفهام في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بلبثت ومميزها محذوف كأنه قيل:

كم وقتا لبثت؟ ولبثت فعل وفاعل والجملة في محل نصب مقول القول (قالَ: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) جملة القول مستأنفة لتكون بمثابة الرد على السؤال وجملة لبثت في محل نصب مقول القول ويوما ظرف زمان متعلق بلبثت وأو حرف عطف وبعض يوم عطف على يوما، منتظم في سلك الظرف الزمني (قالَ: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ) جملة قال استئنافية، بل حرف عطف عاطفة على جملة محذوفة، لا بد من تقديرها، والتقدير:

ما لبثت؟ يوما أو بعض يوم؟ بل لبثت مائة عام ومائة عام ظرف.

والجملة مقول القول (فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) الفاء الفصيحة، وهي هنا جواب لشرط مقدر تقديره: إذا حصل لك ارتياب وعدم طمأنينة في أمر البعث فانظر. وانظر فعل أمر وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والى طعامك جار ومجرور متعلقان بانظر وشرابك عطف على طعامك ولم حرف نفي وقلب وجزم ويتسنه فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون إذا كانت الهاء أصلية، وإذا كانت الهاء للسكت كان الفعل مجزوما بحذف حرف العلة، وعندئذ تثبت هاء السكت في الوقف لا في الوصل وسيأتي حكمها. وإذا كان الفعل من التّسنّن الذي هو التغير كان مجزوما بالسكون المقدر على حرف العلة المحذوف الذي أبدلت النون الثانية منه وجملة لم يتسنه حال.

(وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ) عطف على ما تقدم، وإنما خصه بالذكر لأن المارّ كان يركبه، ولأن العبرة بالكائنات الحية أشد تأثيرا وقد تقدم إعراب مثلها (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) الواو عاطفة واللام للتعليل ونجعلك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، واللام والمصدر المجرور بها متعلقان بفعل محذوف، أي: فعلنا ذلك كله لنجعلك آية والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به أول، وآية مفعول به ثان وللناس جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لآية (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها) الواو عاطفة وانظر فعل أمر والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت والى العظام جار ومجرور متعلقان بانظر، وكيف اسم استفهام في محل نصب حال وصاحب الحال الضمير المنصوب في ننشزها والجملة بدل من العظام وهي في محل جر أو نصب لأن نظر البصرية تتعدى بإلى وهي معلقة عن العمل بسبب الاستفهام فتكون في محل نصب، أي إلى حال العظام وننشزها فعل مضارع مرفوع والهاء مفعول به والفاعل مستتر تقديره نحن (ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ونكسوها فعل مضارع ينصب مفعولين أولهما الهاء ولحما وهو المفعول الثاني (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ) الفاء عاطفة على مقدر يستوجبه السياق كأنه قال: فأنشزها الله وكساها لحما، فنظر إليها فتبين له كيف يتم الإحياء والبعث. ولما ظرفية غير جازمة متعلقة بالجواب، وتبين فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، وفاعل تبين ضمير مستكن يعود على كيفية الإحياء، وقدّره الزمخشري تقديرا طريفا، قال: «فلما تبين له ما أشكل عليه» وقدره الجلال: فلما تبين له ذلك بالمشاهدة. والجار والمجرور متعلقان بتبين وجملة تبين في محل جر بالإضافة (قالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال فعل وفاعله مستتر، وجملة أعلم مقول القول وجملة القول لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وأن واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي أعلم.

الفوائد:

1- ينوب عن الظرف المصدر إذا كان مضافا اليه وأن يكون معينا لوقت أو مقدار نحو جئتك صلاة العصر ومقدم الحاج.

2- هاء السكت: سميت بذلك لأنه يسكت عليها دون آخر الكلمة، ولها ثلاثة مواضع:

آ- الفعل المعتلّ بحذف آخره لجزم أو سكون مثل: لم يتسنه ولم يغزه ولم يخشه ولم يرمه واغزه واخشه وارمه ومنه قوله تعالى: «فبهداهم اقتده» وهي في كل هذا جائزة لا واجبة، إلا في مسألة واحدة، وهي أن يكون الفعل قد دخله الحذف وبقي على حرف واحد، كالأمر من وعى يعي، فإنك تقول: عه، بحذف فائه ولامه.

ب- ما الاستفهامية المجرورة بالحرف، وذلك أنه يجب حذف ألفها إذا جرت، نحو عمّ ومم وبم وفيم. فإذا وقفت عليها ألحقتها الهاء حفظا للفتحة الدالة على الألف.

ج- كل مبني على حركة بناء ولم يشبه المعرب، وذلك كياء المتكلم وهو وهي، فإنك تقف عليها بهاء السكت محافظة على الفتحة، وفي القرآن: «ماهيه» و «ماليه» و «سلطانيه» ، وقال حسان:

إذا ما ترعرع منا الغلام ... فما إن يقال له: ما هوه؟

وحق هاء السكت أن تكون ساكنة وتحريكها لحن عند البصريين. وكان أبو الطيب المتنبي يراغم النحاة فقال: وأحرّ قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم

وهو- كما تعلم- كوفي، والكوفيون يجيزون ذلك، والواقع أن علماء النحو اضطربوا كثيرا في هذه المسألة، ووفقوا حائرين أمام قول عروة في حبيبته عفراء:

يا مرحباه بحمار عفرا ... ويا مرحباه بحمار ناجيه

وقد دافع أبو البقاء العكبري عن أبي الطيب المتنبي في شرحه لديوانه في بحث شيق حبذا لو رجعت اليه.

3- الاستفهام في هذه الآية خرج عن معناه الأصلي، فالأول «ألم تر» معناه التعجب، أي: أعجب يا محمد من هذه القصة، والاستفهام الثاني للاستعظام، وهو «أنى يحيي هذه الله بعد موتها» .

لمحة تاريخية لا بدّ منها:

كان عزيز بن شرخيا من سكان بيت المقدس، وقد كان في جملة من سباهم بختنصّر، فلما خلص من السبي وجاء ورآها على تلك الحالة، وكان راكبا على حمار، دخلها وطاف فيها، فلم ير أحدا فيها.

وكان أغلب أشجارها حاملا، فأكل من الفاكهة، واعتصر من العنب، ثم ربط حماره بحبل، وجعل فضل الفاكهة في سلة، وفضل العصير في زق أو ركوة، ثم ألقى الله عليه النوم فنام، ولما نام نزع الله منه الروح، وأمات حماره، وبقي عصيره وتينه عنده، فلما مضى من وقت موته سبعون سنة سلط الله ملكا من ملوك فارس، فسار بجنوده حتى أتى بيت المقدس فعمره، وصار أحسن مما كان، وعاد أهلها إليها وأعمى الله العيون عن عزير هذه المدة. فلما مضت المائة أحياه الله ثم أخذ ينظر إلى حماره تدب فيه الروح وتتلملم الأوصال، إلى آخر تلك القصة التي نتمنى أن يعمد إليها كاتب قصصي بارع فيجعل منها قصة فنية. وهي تشجب أقوال اليهود في عزير أنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك.

ملاحظات هامة:

1- تحدثنا عن قوله تعالى: «ألم تر» في باب الإعراب، وقد عثرنا على تقرير هام للتفتازاني خلاصته: تقرير هذا أن كلا من لفظ «ألم تر» و «أرأيت» مستعمل لقصد التعجب، إلا أن الأول تعلق با لمتعجّب منه فيقال: ألم تر إلى الذي صنع كذا بمعنى انظر اليه، فتعجب من حاله. والثاني تعلق بمثل المتعجب منه فيقال: أرأيت مثل الذي صنع كذا؟ بمعنى أنه من الغرابة بحيث لا يرى له مثل. ولا يصح:

ألم تر إلى مثله، إذ يصير التقدير: انظر إلى المثل وتعجب من الذي صنع. فلذا لم يستقم عطف «كالذي مرّ» على «الذي حاج» واحتيج إلى التأويل في المعطوف بجعله متعلقا بمحذوف، أي أرأيت إلى، أو في المعطوف عليه، نظرا إلى أنه في معنى: أرأيت كالذي حاج، فيصح العطف عليه حينئذ.

قلت: وهذه دقة نظر وبعد غور لا حدّ لهما، واستقصاء علمي منقطع النظير، ولم نصحح إعرابنا كما ارتآه، واكتفينا بإثبات هذه الملاحظة.

2- قال أبو السعود العماري مفتي التخت العثماني الذي تقلد الإفتاء الإسلامي مدة ثلاثين سنة، وصاحب التفسير المسمى «إرشاد السليم إلى مزايا الكتاب الكريم» والمتوفى سنة ألف وخمسمائة وأربع وسبعين للميلاد في صدد بحثه عن الكاف في قوله «أو كالذي» :

والكاف إما اسمية كما اختاره قوم، جيء بها للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر، كقولك: الفعل الماضي مثل نصر، وإما زائدة كما ارتضاه آخرون والمعنى: أولم تر إلى الذي مر على قرية كيف هداه الله وأخرجه من ظلمة الاشتباه إلى نور العيان والشهود، أي قد رأيت ذلك وشاهدته.

3- قال ابن هشام في المغني: «ومن الوهم في هذا الباب قول بعضهم في قوله تعالى «وانظر إلى العظام كيف ننشزها» أن جملة الاستفهام حالية، والصواب أن «كيف» وحدها حال من مفعول ننشزها، وأن الجملة بدل من العظام» .

وأورد الدسوقي في حاشيته على ابن هشام أن هذه الجملة لا تحلّ محل المبدل منه، وهو شرط في صحة البدل. وفات الدسوقي أن الالتفات للمعنى أي إلى العظام وكيفية نشوزها، على أن هذه القاعدة أغلبية.

2:260Page 44

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٦٠

And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allāh] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allāh] said, "Take four birds and commit them to yourself.1 Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allāh is Exalted in Might and Wise."

اللغة:

(فَصُرْهُنَّ) : بضم الصاد ويجوز كسرها، فعل أمر من صار يصور أو من صار يصير بمعنى ضمّ أو مال، قال:

وفرع يصير الجيد وحف كأنه ... على الليت قنوان الكروم الدّوالح

يصف شعر محبوبته بأنه يميل عنقها لنقله عليه ويشبهه بعناقيد الكروم المثقلات بالحمل. وقال في مختار الصحاح: «وصاره أماله، من باب قال وباع، وقرىء فصرهن إليك بضم الصاد وكسرها، وصار الشيء أيضا من البابين قطعه وفصله، فمن فسره بهذا جعل في الآية تقديما وتأخيرا، أي فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن» .

الإعراب:

(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لإيراد دليل آخر على رعاية الله للمؤمنين، وفيه تنويه بأن الرؤية والعيان لا بد منهما لتدعيم الاعتقاد وترسيخه، إذ لم يكن إبراهيم شاكا في إحياء الله للموتى، وإذ ظرف متعلق بما ذكر مقدرا وقال ابراهيم فعل وفاعل والجملة في محل جر بالإضافة (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة، والجملة في محل نصب مقول القول. وأرني فعل أمر من الإراءة البصرية المتعدية لواحد، وبدخول الهمزة صارت متعدية لاثنين. وأصل أرني أرئيني، فحذفت الياء الأولى فصار أرئني، ثم نقلت حركة الهمزة إلى الراء وحذفت الهمزة، وأرني فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول به أول، وكيف استفهام حال وتحيي فعل مضارع وفاعله مستتر والموتى مفعول به وجملة كيف تحيي الموتى في محل نصب مفعول أرني الثاني (قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) قال فعل ماض والفاعل هو والجملة مستأنفة بمثابة التقرير للواقع، أي: أتسأل ولم تؤمن، والهمزة للاستفهام التقريري، لأن الاستفهام إنما هو عن أمر متقرر الوجود عند السائل والمسئول على السواء. والواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم وتؤمن فعل مضارع مجزوم بلم والجملة الاستفهامية في محل نصب مقول القول (قالَ بَلى) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير الإيمان، وأتى ب «بلى» التي هي حرف جواب لتثبت الإيمان المنفي، ولو كان الجواب بنعم لكان كفرا (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) الواو عاطفة على جملة محذوفة تقديرها: «سألتك» ، ولكن حرف استدراك مهمل وليطمئن اللام للتعليل ويطمئن فعل مضارع منصوب بأن مضمرة ولا بد من تقدير محذوف ليصح تعليق اللام، أي ولكن سألتك كيفية الإحياء ليطمئن قلبي، وقلبي فاعل مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف اليه (قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ) جملة مستأنفة مسوفة للتدليل على ولاية الله تعالى للمؤمنين والسير بهم في آماد الطريق المستقيم، والفاء هي الفصيحة أي إذا أردت معرفة ذلك عيانا فخذ، وخذ فعل أمر والفاعل أنت وأربعة مفعول به ومن الطير جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لأربعة (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) الفاء عاطفة وصرهنّ فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به والنون علامة النسوة لا محل لها من الإعراب وإليك جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي مضمومات إليك (ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً) ثم حرف عطف للترتيب والتراخي واجعل فعل أمر والفاعل أنت وعلى كل جار ومجرور متعلقان باجعل على أنه مفعول ثان ل «اجعل» وجبل مضاف اليه ومنهن جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة ل «جزءا» فلما تقدمت على الموصوف أعربت حالا وجزءا هو المفعول الأول (ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً) عطف أيضا وادعهن فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل أنت والهاء مفعول به والنون علامة التأنيث لا محل لها ويأتينك فعل مضارع مبني على السكون في محل جزم جواب الطلب والنون فاعل والكاف مفعول به والجملة جواب الطلب لا محل لها وسعيا مفعول مطلق أي مشيا سريعا. ولك أن تعربها حالا، أي مسرعات (وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الواو عاطفة واعلم فعل أمر والفاعل أنت وان واسمها وخبراها سدت مسد مفعولي اعلم.

البلاغة:

في هذه الآية إيجاز بالحذف وقد حذف تتمة القصة، إذ حكى سبحانه أوامره، ولم يتعرض لامتثال إبراهيم عليه السلام لها، لأن ذلك مدرك بالبداهة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском