Darwish · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:14–33
21:14–23Page 323
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ١٤
They said, "O woe to us! Indeed, we were wrongdoers."
فَمَا زَالَت تِّلۡكَ دَعۡوَىٰهُمۡ حَتَّىٰ جَعَلۡنَٰهُمۡ حَصِيدًا خَٰمِدِينَ ١٥
And that declaration of theirs did not cease until We made them [as] a harvest [mowed down], extinguished [like a fire].
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ١٦
And We did not create the heaven and earth and that between them in play.
لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٧
Had We intended to take a diversion,1 We could have taken it from [what is] with Us - if [indeed] We were to do so.
بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ ١٨
Rather, We dash the truth upon falsehood, and it destroys it,1 and thereupon it departs. And for you is destruction from that which you describe.2
وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ ١٩
To Him belongs whoever is in the heavens and the earth. And those near Him [i.e., the angels] are not prevented by arrogance from His worship, nor do they tire.
يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ ٢٠
They exalt [Him] night and day [and] do not slacken.
أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ ٢١
Or have they [i.e., men] taken for themselves gods from the earth who resurrect [the dead]?
لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢
Had there been within them [i.e., the heavens and earth] gods besides Allāh, they both would have been ruined. So exalted is Allāh, Lord of the Throne, above what they describe.
لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣
He is not questioned about what He does, but they will be questioned.
اللغة:
(حَصِيداً) : فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد وغيره وستأتي قاعدته في باب الفوائد وهو الزرع المحصود.
(خامِدِينَ) : يقال خمدت النار وهمدت كل منهما من باب دخل لكن الاول عبارة عن سكون لهبها مع بقاء الجمر والثاني عبارة عن ذهابها بالكلية.
(لَهْواً) : في المصباح: «اللهو معروف، تقول أهل نجد: لهوت عنه ألهو لهيّا والأصل على فعول من باب قعد، وأهل العالية لهيت عنه ألهى من باب تعب ومعناه السلوان والترك ولهوت به لهوا من باب قتل أولعت به أيضا، قال الطرطوشي: وأصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقضيه الحكمة وألهاني الشيء بالألف شغلني» اهـ.
وفي القاموس والتاج: «لهى لهوا لعب كالتهى وألهاه ذلك والملاهي آلاته وتلاهى بذاك والألهوة والألهية والتلهية ما يتلاهى به ولهت المرأة إلى حديثه لهوا ولهوّا: أنست به وأعجبها واللهوة المرأة الملهو بها كاللهو وبالضم والفتح ما ألقيته في فم الرحى والعطية أو أفضل العطايا وأجزلها كاللهية والحفنة من المال أو الألف من الدنانير والدراهم لا غير ولهي به كرضي أحبه وعنه سلا وغفل وترك ذكره كلها كدعا لهيا ولهيانا، وقال شارح القاموس قوله: لها لهوا لعب قضية اتحادهما وقد فرق بينهما جماعة فقيل يشتركان في أنهما اشتغال بما لا يعني حراما أو لا قيل واللهو أعم مطلقا فاستماع الملاهي لهو لا لعب وقال الجوهري: قد يكنى باللهو عن الجماع ويدل على ما قاله امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وان لا يحسن اللهو أمثالي
(فَيَدْمَغُهُ) : فيذهبه وبابه قطع وفي القاموس: دمغة قهره ودمغ الحق بالباطل: أبطله ومحقه وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة.
(يَسْتَحْسِرُونَ) يكلون ويتعبون يقال: استحسر البعير أي كلّ وتعب ويقال حسر البعير وحسرته أنا فيكون لازما ومتعديا وأحسرته أيضا فيكون فعل وأفعل بمعنى واحد وسيأتي مزيد بيان عن الاستحسار في باب البلاغة.
الإعراب:
(قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) يا أداة نداء وويلنا منادى مضاف يدعون الويل والثبور لأن هذا وقته ويجوز أن تكون يا للتنبيه وويلنا مصدر لفعل محذوف والجملة مقول قولهم وإن واسمها وجملة كنا ظالمين خبرها وكان واسمها وظالمين خبرها. (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ) الفاء عاطفة وما زالت فعل ماض ناقص والتاء علامة التأنيث وتلك اسم اشارة اسمها في محل رفع ودعواهم خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الألف والهاء مضاف اليه والميم حرف دال على جمع الذكور والمراد بالدعوى تلك الكلمات وهي «يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» وحتى حرف غاية وجر وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وحصيدا خامدين مفعول به ثان لأن حكمهما حكم الواحد. إذ أن معنى جعلناهم حصيدا خامدين: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود ومثال ذلك قولك جعلته حلوا حامضا أي جامعا للطعين أي مزا، ولك أن تجعل خامدين صفة لحصيدا. (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) الواو حرف عطف أو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لعرض البدائع والعجائب التي انطوى عليها خلق السموات والأرض وما فيهما للعظة ولتكون مطارح اعتبار وحافزا للتفكير والاستدلال وما نافية وخلقنا فعل وفاعل والسماء مفعول به والأرض عطف على السماء وما عطف على السماء والأرض وبينهما ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول ولاعبين حال من فاعل خلقنا. (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) لو شرطية امتناعية وأردنا فعل وفاعل وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول أردنا وفاعل نتخذ ضمير مستتر تقديره نحن ولهوا مفعول به ولاتخذناه اللام واقعة في جواب لو واتخذناه فعل وفاعل ومفعول به من لدنا متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لاتخذ وإن يجوز أن تكون نافية بمعنى ما وكنا فاعلين كان واسمها وخبرها والجملة حالية من فاعل اتخذناه أي حال كوننا غير فاعلين ويجوز أن تكون إن شرطية وجوابها محذوف يدل عليه جواب لو ولعل هذا أولى وأشبه الوجهين بمذهب العربية. (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) بل إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه تعالى لذاته ونقذف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وبالحق جار ومجرور متعلقان بنقذف وعلى الباطل متعلقان بمحذوف حال أي مستعليا على الباطل، فيدمغه عطف على نقذف فإذا الفاء عاطفة وإذا فجائية وقد تقدم ذكرها وهو مبتدأ وزاهق خبرها ولكم الواو استئنافية ولكم خبر مقدم والويل مبتدأ مؤخر ومما متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به الخبر وهو مما، أي استقر لكم الويل من كل ما تصفون ومما يجوز أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية وعلى كل جملة تصفون لا محل لها. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة وله خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وفي السموات والأرض صلة. (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) الواو عاطفة ومن معطوفة على من الأولى وعنده ظرف متعلق بمحذوف صلة وجملة لا يستكبرون حالية من من الأولى وعن عبادته متعلقان بيستكبرون وجملة لا يستحسرون عطف على جملة لا يستكبرون ويجوز أن تكون الواو للاستئناف ومن عنده أي الملائكة مبتدأ خبره جملة لا يستكبرون والجملة مستأنفة. (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما يصنعه من عند الله في عبادتهم ويسبحون فعل مضارع وفاعل ويجوز أن تكون الجملة حالية والليل والنهار ظرفان متعلقان بيسبحون وجملة لا يفترون حال من فاعل يسبحون. (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) أم المنقطعة عاطفة وتفيد الإنكار واتخذوا فعل وفاعل وآلهة مفعول به ومن الأرض صفة وهم مبتدأ وجملة ينشرون خبر وجملة هم ينشرون صفة لآلهة ومفعول ينشرون محذوف أي يحيون الموتى ويجوز جعلها جملة مستأنفة لم يدعوا لآلهتهم انها تنشر الموتى ولكنهم بمجرد دعواهم ألوهيتها يترتب عليهم أن يدعوا ضمنا انها تنشر الموتى وسيأتي مزيد بحث حول الضمير الذي هو «هم» في باب البلاغة. (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) لو
شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وفيهما خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وإلا بمعنى غير صفة لآلهة ظهر اعرابها على ما بعدها ولا يصح أن تكون استثنائية لأن مفهوم الاستثناء فاسد هنا إذ حاصله انه لو كان فيهما آلهة لم يستثن الله منهم لم تفسدا وليس كذلك فإن مجرد تعدد الآلهة يوجب لزوم الفساد مطلقا وسيأتي مزيد بسط لهذا المبحث الهام، ولفسدتا اللام واقعة في جواب لو وجملة فسدتا لا محل لها من الإعراب فسبحان الله الفاء عاطفة لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان وسبحان مفعول مطلق لفعل محذوف ولفظ الجلالة مضاف اليه ورب العرش بدل أو صفة للفظ الجلالة وعما متعلقان بسبحان وجملة يصفون لا محل لها لأنها صلة ما ويجوز أن تكون ما مصدرية. (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تفرده سبحانه بالسلطان، بحيث لا يسأله أحد عما يفعله ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وعما متعلقان بيسأل وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ وجملة يسألون خبر.
البلاغة:
في هذه الآيات فنون عديدة أولها:
1- الاستعارة في قولهم «يا ويلنا» فقد خاطبوا الويل وهو الهلاك كأنه شخص حي يدعونه لينقذهم مما هم فيه.
2- التشبيه البليغ في قوله «جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ» .
فقد شبههم بعد حلول العذاب بهم بالحصيد أولا وهو الزرع المحصود ووجه الشبه بين المشبه والمشبه به هو الاستئصال من المنابت ثم شبههم ثانيا بالنار المنطفئة ولم يبق منها إلا جمر منطفىء لا نفع فيه ولا قابلية لشيء من النفع منه فلا ترى إلا أشلاء متناثرة وأجزاء متفرقة قد تمددت وقدران عليها البلى.
3- الاستعارة المكنية في قوله «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» فقد شبه الحق والباطل وهما معنويان بشيئين ماديين محسوسين يقذفان ويدفعان ثم حذف هذين الشيئين واستعار ما هو من لوازمهما وهما القذف والدمغ لتجسيد الاطاحة بالباطل واعتلاء الحق عليه وتصوير إبطاله وإهداره ومحقه كأنه جرم صلب كصخرة أو ما يماثلها في القوة والصلابة قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه وهي من استعارة المحسوس للمعقول وقد تقدم بحث ذلك مفصلا مع استيفاء أقسام الاستعارة بالنسبة لطرفي التشبيه.
4- قوة اللفظ لقوة المعنى: وقد تقدم الكلام عن هذا الفن ونعني به نقل اللفظ من وزن إلى وزن آخر أكثر منه ليتضمن من المعنى الدال عليه أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني وأمثلة للابانة عنها فاذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني وهذا الضرب من الزيادة لا يستعمل إلا في مقام المبالغة وهو هنا في قوله تعالى «وَلا يَسْتَحْسِرُونَ» فقد عدل عن الثلاثي وهو حسر إلى السداسي وهو استحسر وقد كان ظاهر الكلام أن يقال يحسرون أي يكلون ويتعبون، لأن أقل ملل منهم أو كلال إزاء الملائكة وإزاء عبادتهم لله سبحانه لا يتصور منهم ولكنه عدل عن ذلك لسرّ يخفى على النظرة السطحية الأولى وهو أن ما هم فيه من انهماك بالعبادة وانصراف بالكلية لها يوجب غاية الحسور وأقصاه.
5- التصريح بالضمير: وذلك في قوله: «هم ينشرون» وقد كان يكفي أن يقول ينشرون ولكنه عدل عن ذلك إلى التصريح بالضمير لإفادة معنى الخصوصية أولا كأنهم قالوا ليس هنا من يقدر على الإنشار غيرهم وثانيا لتسجيل إلزامهم ادعاء صفات الألوهية لآلهتهم وهذا الادعاء قد أبطله الله في الآية التالية لهذه الآية بدليل التمانع المغترف من بحر هذه الآية وهي «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» كما سيوضح في الاعراب، وهذا من جوهر الكلام وخالصه.
6- المذهب الكلامي: وذلك في قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» وذكر ابن المعتز أن الذي سماه هذه التسمية هو الجاحظ والكتاب الكريم مشحون به وتعريفه هو انه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام وله طرق متعددة وقد أوصلها الرماني في تفسيره المسمى بالنكت في اعجاز القرآن إلى خمسة ضروب ومنها إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل فملزوم قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» انهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله، وإيضاح ذلك إن دليل التمانع هو انه لو وجد مع الله إله آخر ربما قالوا لو فرضنا وجود إلهين فإما أن يكونا جميعا موصوفين بصفات الكمال اللاتي يندرج فيها القدرة على احياء الموتى وانشارهم وغير ذلك من الممكنات أو لا يتصف بها واحد منهما أو أحدهما دون الآخر وعندئذ تفسد الرعية بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق: «كان والله أعز علي من دم ناظري ولكن لا يجتمع فحلان في شول» وللمتكلمين في طريقة التمانع جولات واسعة تؤخذ في مظانها، وسيرد إيضاحها في باب الفوائد.
الفوائد:
«إلا» بمعنى «غير» :
الأصل في «إلا» أن تكون للاستثناء وفي «غير» أن تكون وصفا ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى فيوصف بإلا ويستثنى بغير فإن كانت إلا بمعنى غير وقعت هي وما بعدها صفة لما قبلها وذلك حيث لا يراد بها الاستثناء وانما يراد بها وصف ما قبلها بما يغاير ما بعدها كقوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فإلا وما بعدها صفة لآلهة لأن المراد نفي الآلهة المتعددة واثبات الإله الواحد الفرد ولا يصح الاستثناء بالنصب لأن المعنى يكون حينئذ: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وهذا ظاهر الفساد، وسامح الله ابن يعيش شارح مفصل الزمخشري حيث أجاز النصب على الاستثناء في الآية الكريمة غير مقدر ما يترتب على النصب من فساد وعبارة ابن يعيش «قال الله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا والمراد غير الله فهذا لا يكون إلا وصفا ولا يجوز أن يكون بدلا يراد به الاستثناء لأنه يصير في تقدير لو كان فيهما إلا الله لفسدتا وذلك فاسد لأن لو شرط فيما مضى فهي بمنزلة إن في المستقبل وأنت لو قلت إن أتاني إلا زيد لم يصح لأن الشرط في حكم الموجب فكما لا يصح أتاني إلا زيد كذلك لا يصح إن أتاني إلا زيد فلو نصب على الاستثناء فقلت لو كان فيهما إلا الله لجاز» . ثم لا يصح أيضا أن يعرب لفظ الجلالة بدلا من آلهة لأنه حيث لا يصح الاستثناء لا تصح البدلية ثم إن الكلام موجب فلا تجوز البدلية ولو صح الاستثناء لأن النصب واجب في الكلام الموجب التام وأيضا لو جعلته بدلا لكان التقدير: لو كان فيهما إلا الله لفسدتا لأن البدل على نية طرح المبدل منه كما هو معلوم ولعدم صحة الاستثناء هنا وعدم جواز البدلية تعين أن تكون إلا بمعنى غير.
ولتتمة هذا المبحث الدقيق ننقل الفصل الممتع الذي أورده العلامة ابن هشام في مغني اللبيب ورده على المبرد مع تعليقات مناسبة ليستوفي الموضوع حقه قال ابن هشام بعد أن ذكر أن لإلا أربعة أوجه:
«والثاني أن تكون صفة بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه فمثال الجمع المنكر: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فلا يجوز في إلا هذه أن تكون للاستثناء من جهة المعنى إذ التقدير حينئذ لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وليس ذلك المراد، ولا من جهة اللفظ لأن آلهة جمع منكر في الإثبات فلا عموم له فلا يصح الاستثناء منه فلو قلت قام رجال إلا زيدا لم يصح اتفاقا، وزعم المبرد أن «إلا» في الآية للاستثناء وان ما بعدها بدل محتجا بأن «لو» تدل على الامتناع وامتناع الشيء انتفاؤه وزعم أن التفريغ بعدها جائز وان نحو «لو كان معنا إلا زيد» أجود كلام ويرده انهم لا يقولون «لو جاءني ديّار أكرمته» ولا «لو جاءني من أحد أكرمته» ولو كانت بمنزلة النافي لجاز ذلك كما يجوز ما فيها ديار وما جاءني من أحد ولما لم يجز ذلك دل على أن الصواب قول سيبويه إن إلا وما بعدها صفة» . إلى أن يقول:
«وشرط ابن الحاجب في وقوع إلا صفة تعذر الاستثناء وجعل من الشاذ قول حضرمي بن عامر الصحابي وقيل عمرو بن معدى كرب:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ومعنى الشذوذ فيه انه ليس استثناء إذ لم ينصب بعد الكلام التام الموجب فتعين انه صفة ولم يتعذر الاستثناء فهو شاذ إذ كان يمكنه أن يقول إلا الفرقدين، ونحسب أن البحث طال فحسبنا ما تقدم.
21:24–29Page 323
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤
Or have they taken gods besides Him? Say, [O Muḥammad], "Produce your proof. This [Qur’ān] is the message for those with me and the message of those before me."1 But most of them do not know the truth, so they are turning away.
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥
And We sent not before you any messenger except We revealed to him that, "There is no deity except Me, so worship Me."
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦
And they say, "The Most Merciful has taken a son." Exalted is He! Rather, they1 are [but] honored servants.
لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ ٢٧
They cannot precede Him in word, and they act by His command.
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ ٢٨
He knows what is [presently] before them and what will be after them,1 and they cannot intercede except on behalf of one whom He approves. And they, from fear of Him, are apprehensive.
۞ وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩
And whoever of them should say, "Indeed, I am a god besides Him" - that one We would recompense with Hell. Thus do We recompense the wrongdoers.
الإعراب:
(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً» أم حرف عطف للاضراب والانتقال إلى إظهار بطلان ما اتخذوه آلهة مع خلوها من خصائص الألوهية، واتخذوا فعل ماض وفاعل ومن دونه في محل نصب مفعول به ثان لاتخذوا وآلهة هو المفعول الأول. (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ) هاتوا فعل أمر مبني على الكسر دائما إلا مع واو الجماعة فيضم وواو الجماعة فاعل وبرهانكم مفعول به. (هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) هذا مبتدأ والاشارة للقرآن وجميع الكتب السماوية وذكر خبر ومن مضاف اليه ومعي ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول وذكر عطف على ذكر الأولى ومن مضاف اليه والظرف صلة والجملة مستأنفة.
(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وأكثرهم مبتدأ وجملة لا يعلمون خبر والواو فاعل والحق مفعول به، فهم الفاء للتعليل وهم مبتدأ ومعرضون خبر. (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الواو استئنافية وما نافية وأرسلنا فعل وفاعل ومن قبلك حال ومن حرف جر زائد ورسول مجرور لفظا منصوب محلا على انه مفعول به وإلا أداة حصر ونوحي فعل وفاعل واليه متعلقان بنوحي ولا إله إلا أنا تقدم اعرابها كثيرا والفاء الفصيحة واعبدوني فعل أمر والواو فاعل والياء المحذوفة تبعا لرسم المصحف مفعول به والجملة مستأنفة مقررة لما سبق اجماله من توحيد الله كما نطقت بذلك الكتب السماوية استدلالا بمقتضيات العقل والمنطق. (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، سُبْحانَهُ، بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) استئناف آخر مسوق لحكاية أقوال بعض القبائل العربية الذين قالوا:
الملائكة بنات الله ويقال انهم بنو خزاعة وبنو جهينة وبنو سلمة وبنو مليح وجملة اتخذ الرحمن ولدا مقول القول وسبحانه مصدر لفعل محذوف وقد مر والجملة معترضة وبل حرف إضراب وعباد خبر لمبتدأ محذوف ومكرمون صفة وقد وصف الملائكة بسبع صفات تقدمت الأولى. (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) وهاتان صفتان ثانيتان الأولى جملة لا يسبقونه بالقول والثانية جملة هم بأمره يعملون، وبأمره متعلقان بيعملون وجملة يعملون خبرهم.
(يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) وهذه هي الصفة الرابعة وما موصول مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضاف اليه وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم. (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) وهاتان صفتان أخريان ويشفعون فعل مضارع وفاعل وإلا أداة حصر ولمن متعلقان بيشفعون وارتضى صلة الموصول وهم مبتدأ ومن خشيته جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم. (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) وهذه هي الصفة السابعة والأخيرة ومن شرطية مبتدأ ويقل فعل الشرط مجزوم ومنهم حال وان واسمها وإله خبرها والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه وقع جملة اسمية وذلك اسم اشارة مبتدأ وجملة نجزيه خبر والهاء مفعول نجزي وجهنم مفعول نجزي الثاني والجملة جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر ذلك وكذلك نجزي الظالمين الكاف نعت لمصدر محذوف أي نجزي الظالمين جزاء مثل ذلك.
21:30–33Page 324
أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ٣٠
Have those who disbelieved not considered that the heavens and the earth were a joined entity, and then We separated them and made from water every living thing? Then will they not believe?
وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣١
And We placed within the earth firmly set mountains, lest it should shift with them, and We made therein [mountain] passes [as] roads that they might be guided.
وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ ٣٢
And We made the sky a protected ceiling, but they, from its signs,1 are turning away.
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٣٣
And it is He who created the night and the day and the sun and the moon; all [heavenly bodies] in an orbit are swimming.
اللغة:
(رَتْقاً) : في المختار: «الرتق: ضد الفتق وقد رتقت الفتق من باب نصر سددته فارتتق أي التأم ومنه قوله تعالى: كانتا رتقا ففتقناهما، والرتق بفتحتين مصدر قولك امرأة رتقاء أي لا يستطاع جماعها لارتتاق ذلك الموضع منها» وفي الأساس: «رتق الفتق حتى ارتتق وقرئ كانتا رتقا ورتقا وعن ابن الكلبي كانتا رتقاوين ففتق الله السماء بالماء وفتق الأرض بالنبات وامرأة رتقاء بينة الرّتق إذا لم يكن لها خرق إلا المبال» .
(رَواسِيَ) : جمع راسية من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ وفي المختار: «والرواسي من الجبال الرواسخ واحدتها راسية» وفي المصباح: «رسا الشيء يرسو رسوا ورسوّا ثبت فهو راس وجبال راسية وراسيات ورواس» .
(تَمِيدَ) : في المصباح: «ماد يميد ميدا من باب باع وميدانا بفتح الياء تحرك» وفي الأساس: «غصن مائد مائل وماد يميد ميدانا ومن المجاز مادت المرأة وماست وتميّدت وتميّست ومادت به الأرض دارت، ورجل مائد: يدار به والمطعون يميد في الرمح» .
(فِجاجاً) : في المختار: «الفج بالفتح: الطريق الواسع بين الجبلين والجمع فجاج بالكسر مثل سهم وسهام والفج بالكسر البطيخ الشامي وكل شيء من البطيخ والفواكه لم ينضج فهو فج بالكسر» وفي القاموس: الفج وجمعه فجاج، والفجاج: الطريق الواسع بين جبلين.
الإعراب:
(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو حرف عطف على مقدر ولم حرف نفي وقلب وجزم والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما بعدها سدت مسد مفعولي رأى لأن الرؤية قلبية وان واسمها وجملة كانتا خبرها والالف اسم كان ورتقا خبرها وفي الاخبار به ما تقدم في زيد عدل أي كانت الشمس والأرض نفس الرتق، ففتقناهما الفاء عاطفة وفتقناهما فعل وفاعل ومفعول به والجملة معطوفة على كانتا والميم والالف حرفان دالان على التثنية، قال الأخفش: إنما قال كانتا لأنهما صنفان أي جماعتا السموات والأرضين كما قال سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا» وقال الزجاج: انما قال كانتا لأنه يعبر عن السموات بلفظ الواحد لأن السموات كانت سماء واحدة وكذلك الأرضون. (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) وجعلنا عطف على ما تقدم وجعلنا فعل وفاعل بمعنى خلق ومن الماء متعلقان بجعلنا لأنها بمعنى خلقنا أو بمحذوف حال من كل شيء لأنه كان في الأصل وصفا له فلما قدم عليه نصب على الحال ولك أن تجعل وجعلنا بمعنى صير متعديا لاثنين فيكون من الماء في محل نصب على أنه مفعول ثان وكل شيء مفعول أول، أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية ويؤمنون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل.
(وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) وجعلنا عطف على جعلنا وفي الأرض إما مفعول ثان ورواسي هو المفعول الاول وإما متعلقان بجعلنا أو بمحذوف حال ورواسي مفعول به وان وما في حيزها في محل نصب مفعول لأجله أي كراهة أن تميد أو لئلا تميد وبهم متعلقان بتميد.
(وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) وجعلنا عطف على ما تقدم وفيها هو المفعول الثاني أو متعلق بجعلنا وفجاجا حال لأنه كان صفة لسبلا وتقدم عليه وسبلا مفعول به ولعل واسمها وجملة يهتدون خبرها.
(وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ) وجعلنا السماء فعل وفاعل ومفعول به أول وسقفا مفعول به ثان وهم مبتدأ وعن آياتها متعلقان بمعرضون ومعرضون خبرهم والجملة حالية أو استئنافية.
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) الواو عاطفة وهو مبتدأ والذي خبر وجملة خلق صلة وفاعل خلق ضمير مستتر تقديره هو والليل مفعول به وما بعده عطف عليه وكل مبتدأ وساغ الابتداء لما فيه من معنى العموم وفي فلك متعلقان بيسبحون وجملة يسبحون خبر كل وجملة كل في فلك يسبحون محلها النصب على الحال من الشمس والقمر، وانما جعل الضمير واو العقلاء للوصف بفعل هو من خصائص العقلاء هو السباحة وتقدم نظيره في قوله «رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ» .
الفوائد:
1- بحث شيق في المفعول لأجله:
هذا بحث طريف أفرد له سيبويه فصلا خاصا في كتابه وهو بتعلق بالمفعول لأجله المؤول وهو هنا في قوله «وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ» قال ما خلاصته: هو من وادي قولهم: أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه قال ومعناه «ان ادعم الحائط إذا مال» وانما قدم ذكر الميل اهتماما بشأنه ولأنه أيضا هو السبب في الإدغام، وادعام سبب في إعداد الخشبة فعامل سبب السبب معاملة السبب وعليه حمل قوله تعالى «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» كذلك ما نحن بصدده يكون الأصل وجعلنا في الأرض رواسي لأجل أن تثبتها إذا مادت بهم فجعل الميد هو السبب كما جعل الميل في المثل المذكور سببا وصار الكلام وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد فتثبتها ثم حذف فتثبتها لأمن الإلباس إيجازا واختصارا» وهذا لعمري أولى مما درجنا عليه في الاعراب لأن مقتضى ما ذكرناه وذكره أكثر المعربين والمفسرين يقتضي أن لا تميد الأرض بأهلها لأن الله كره ذلك ومكروه الله تعالى محال أن يقع كما أن مراده واجب أن يقع والمشاهد خلاف ذلك فكم من زلزلة مادت لها الأرض وكادت تقلب عاليها سافلها واما على تقرير سيبويه فالمراد أن الله تعالى يثبت الأرض بالجبال إذا مادت وهذا لا يأبى وقوع الميد، وهذا بحث جليل قلّ من ينتبه له إلا بعد هذا التفصيل فتأمله تر السحر الحلال وان من البيان لسحرا.
2- ذهب سيبويه والجمهور إلى القول بأن لفظي كل وبعض معرفتان بنية الاضافة ولذلك يأتي الحال منهما كقولهم مررت بكل قائما وببعض جالسا، وأصل صاحب الحال التعريف وذهب الفارسي إلى أنهما نكرتان وألزم من قال بتعريفهما أن يقول إن نصفا وسدسا وثلثا وربعا ونحوها معارف لأنها في المعنى مضافات وهي نكرات بإجماع، ورد بأن العرب تحذف المضاف وتريده وقد لا تريده ودلّ مجيء الحال بعد كل وبعض على إرادته، بقي هنا سؤال واحد وهو لم أتى بصيغة الجمع وهما اثنان؟ والجواب ان الضمير عائد عليهما مع الليل والنهار وذلك لأن الليل والنهار يسبحان أيضا لأن الليل ظل الأرض وهو يدور على محيط كرة الأرض على حسب دوران الأرض وكذلك النهار يدور أيضا لأنه يخلف الليل في المحيط.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences