Darwish · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:14–29
22:14–17Page 333
إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ١٤
Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. Indeed, Allāh does what He intends.
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لۡيَقۡطَعۡ فَلۡيَنظُرۡ هَلۡ يُذۡهِبَنَّ كَيۡدُهُۥ مَا يَغِيظُ ١٥
Whoever should think that Allāh will not support him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] in this world and the Hereafter - let him extend a rope to the ceiling, then cut off [his breath],1 and let him see: will his effort remove that which enrages [him]?
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يُرِيدُ ١٦
And thus have We sent it [i.e., the Qur’ān] down as verses of clear evidence and because Allāh guides whom He intends.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١٧
Indeed, those who have believed and those who were Jews and the Sabeans and the Christians and the Magians and those who associated with Allāh - Allāh will judge between them on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, over all things, Witness.1
اللغة:
(الْمَجُوسَ) : أطلق المجوس على فئة من الكهّان كان لهم الدور الخطير في الديانة الايرانية القديمة ولا سيما في العهد الساساني وقد أطلق الاسم على فئات من المنجمين والعلماء، وجاء ذكر المجوس في إنجيل متى، كانوا من رجال علم الفلك وقد استناروا بوحي خاص عن مجيء المسيح أتوا من منطقة لم تبعد عن فلسطين شرفا على ما يظن يهديهم نجم في السماء إلى أن وصلوا إلى بيت لحم وقدموا للمسيح الطفل هداياهم وقد ذكر التقليد الشعبي أنهم كانوا ثلاثة ومن سلالة ملوكية، وأطلق العرب المجوس على قرصان النورمان والسكندينافيين الذين حاولوا في القرون الوسطى اقتحام السواحل والحدود في بلاد الغرب الاسلامي، هذا وقد اختلف أهل العلم في المجوس فقيل هم قوم يعبدون النار وقيل الشمس وقيل هم القائلون بأن للعالم أصلين النور والظلمة، وقيل: هم قوم يستعملون النجاسات والأصل نجوس فأبدلت الميم نونا، هذا وقد تقدم تفسير ألفاظ هذه الآية إلا المجوس.
الإعراب:
(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) ان واسمها وجملة يدخل خبر والذين مفعول به وجملة عملوا الصالحات عطف على آمنوا والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير مصير المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وجنات مفعول به ثان على السعة أو نصب بنزع الخافض وجملة تجري من تحتها الأنهار صفة لجنات وجملة إن الله يفعل ما يريد مستأنفة لتعليل ما تقدم وان واسمها وجملة يفعل خبر وفاعل يفعل مستتر تقديره هو وما مفعول به وجملة يريد صلة. (مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) من شرطية مبتدأ أو موصولة فتكون الفاء فيما بعد رابطة للتشبيه بالشرط والأول أرجح، وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر يعود على من وجملة يظن خبر وفاعل يظن مستتر يعود على من وأن مخففة من الثقيلة واسمها محذوف ضمير الشأن وجملة لن ينصره الله خبرها وان وما بعدها سدت مسد مفعولي يظن وفي الدنيا متعلقان بينصره والآخرة عطف على الدنيا.
(فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ) الفاء رابطة لجواب الشرط واللام لام الأمر ويمدد فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والفاعل مستتر تقديره هو وبسبب متعلقان بيمدد والى السماء صفة لسبب والمراد بالسماء سقف البيت، ثم ليقطع عطف على فليمدد وهل حرف استفهام ويذهبن فعل مضارع مبني على الفتح وكيده مفعول به وما يغيظ فاعل يذهبن وجملة يغيظ صلة وجملة هل يذهبن في موضع نصب بينظر وسيأتي تفصيل واف لهذه الآية في باب البلاغة.
(وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ) الواو عاطفة وكذلك نعت لمصدر محذوف وأنزلناه فعل وفاعل ومفعول به وآيات حال من الهاء وبينات صفة وأن الله عطف على هاء أنزلناه والمعنى وأنزلنا أن الله يهدي من يريد هدايته ولك أن تجعل الواو للحال وأن وما في حيزها في محل رفع لمبتدأ مضمر أي والأمر أن الله يهدي من يريد وأن واسمها وجملة يهدي خبرها ومن مفعول يهدي وجملة يريد صلة من.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) ان واسمها وجملة آمنوا صلة وما بعده عطف على الذين والجملة ابتدائية. (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) إن الثانية واسمها وخبرها في محل رفع خبر ان الاولى وسيأتي السر في تصدير الجملتين بإن أو تجعل الثانية تأكيدا للأولى، ويكون قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) هو الخبر، وإن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بشهيد وشهيد خبر إن وقيل الخبر محذوف تقديره معترفون أو نحو ذلك وما ذكر تفسير له.
البلاغة:
1- الإيجاز والتمثيل:
في قوله تعالى «مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ» إلى قوله «ما يغيظ» الإيجاز والتمثيل فأما الإيجاز فلأن معناه من كان يظن من حاسدي محمد ومبغضيه أن الله لن ينصره وانه يفعل شيئا مغايرا للنصر ومن كان يغيظه أن محمدا يظفر بمطلوبه ويبلغ ما هدف اليه من المثل العليا التي رسمناها له فليستقص وسعه وليستفرع جهده، فلن يكون مثله إلا مثل من يأخذ حبلا يمده إلى سماء بيته فيخنق نفسه به ثم بعد ذلك كله ليعد النظر والتأمل مجددا ليرى هل ذهب نصر الله الذي يغيظه ويقض مضجعه، وهل ذهب عنه ما كان يساوره من حرقة وارتماض؟
وسمي الاختناق قطعا لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه ومنه قيل للبهر القطع والبهر تتابع النفس، وقال الجوهري في الصحاح: «وقوله تعالى: ثم ليقطع قالوا ليختنق لأن المختنق يمد السبب إلى السقف ثم يقطع نفسه من الأرض حتى يختنق تقول منه: قطع الرجل أي اختنق ولبن قاطع أي حامض» قلت والعامة تستعمل هذا التعبير فيما يذهب خيره ويبلى وهو عربي فصيح. وسمي هذا الفعل كيدا لأنه وضعه موضعه إما لأنه لا يستطيع سواه ولا يملك غيره وإما على سبيل الاستهزاء وقد توسع المفسرون في هذه الآية وذهبوا بها مذاهب شتى فقالوا: «ويجوز أن يراد فليمد حبلا إلى السماء المظلة وليصعد عليه ثم ليقطع الوحي» وقال آخرون «النصر هو الرزق وأن الأرزاق بيد الله لا تنال إلا بمشيئته ولا بد للعبد من الرضا بقسمته فمن ظن أن الله غير رازقه وليس به صبر ولا استسلام فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق فإن ذلك لا يقلب القسمة ولا يرده مرزوقا» وقيل غير ذلك وما ذكرناه أولى وأوفى بالمراد وهو ما يخالج كل حاسد وما يقال لكل من يعترض على ما ليس في طوقه ولا داخل في نطاق إرادته تقول له اشرب البحر، أو اقتل نفسك فليس لك حيلة في تبديل ما هو واقع راهن وارادة الله أقوى.
2- تصدير الجملتين بان:
وفي تصدير الجملتين بإن زيادة في تأكيد الكلام وقد رمقه الشعراء في أشعارهم، قال جرير:
إن الخليفة إن الله سربله ... سربال ملك به تزجى الخواتيم
فقوله إن الله سربله خبر ان الاولى وكررها لتوكيد التوكيد وسربله كساه بالملك الشبيه بالسربال ويروى لباس ملك وقوله به أي بذلك اللباس أو الملك تزجى أي تساق الخواتيم جمع خاتم بالفتح والكسر والأصل خواتم فزيدت الباء والمراد بها عواقب الأمور الحميدة ومغابها وقال أبو حيان: «يحتمل أن خبر إن قوله به تزجى الخواتيم وجملة إن الله سربله اعتراضية» ويروى ترجى بالراء المهملة.
22:18–22Page 334
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩ ١٨
Do you not see [i.e., know] that to Allāh prostrates whoever is in the heavens and whoever is on the earth and the sun, the moon, the stars, the mountains, the trees, the moving creatures and many of the people? But upon many the punishment has been justified.1 And he whom Allāh humiliates - for him there is no bestower of honor. Indeed, Allāh does what He wills.
۞ هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ ١٩
These1 are two adversaries who have disputed over their Lord. But those who disbelieved will have cut out for them garments of fire. Poured upon their heads will be scalding water
يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ ٢٠
By which is melted that within their bellies and [their] skins.
وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ ٢١
And for [striking] them are maces of iron.
كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٢٢
Every time they want to get out of it [i.e., Hellfire] from anguish, they will be returned to it, and [it will be said], "Taste the punishment of the Burning Fire!"
اللغة:
(الدَّوَابُّ) : جمع دابة بتشديد الباء لأنه مشتق من الدبيب فأما من قرأ بتخفيف الباء فقد حذفها كراهية التضعيف والدابة مؤنث الدابّ ما دبّ من الحيوان أي مشى كالحية أو على اليدين والرجلين كالطفل وغلبت الدابة على ما يركب ويحمل عليه وتقع على المذكر والمؤنث والتاء فيه للوحدة وتصغير الدابة دويّبة والدباب الشديد الدبيب، والضعيف الذي يدب في المشي قال: زعمتني شيخا ولست بشيخ ... إنما الشيخ من يدبّ دبيبا
والدبابة مؤنث الدباب وسميت بها آلة كانت في الماضي تتخذ في الحصار وكانوا يدخلون في جوفها ثم تدفع في أصل الحصن فينقبونه وهم في أجوافها ثم أطلقت في العصر الحديث على سيارة مصفحة تهجم على صفوف الأعداء وترمى منها القذائف.
(الْحَمِيمُ) : الماء البالغ نهاية الحرارة واستحمّ الرجل: اغتسل واستحمّ دخل الحمام وبض حميمه أي عرقه ويقال للمستحم طابت حمّتك وحميمك وانما يطيب الغرق على المعافى ويخبث على المبتلى، فمعناه أصح الله جسمك وهو من باب الكناية وسخن الماء بالمحمّ وهو القمقم أو الرجل ومثل العالم كمثل الحمّة وهي العين الحارّة وذابوا ذوب الحمّ وهو ما اصطهرت إهالته من الألية وحمى الرجل حمّى شديدة وهو محموم، وهو حميمي وهي حميمتي أي وديدي ووديدتي وهم أحمّائي وتقول المرأة: هم أحمائي وليسوا بأحمّائي، وعرف ذلك العامة والحامّة أي الخاصة وهو مولاي الأحم أي الأخص والأحب قال:
وكفيت مولاي الأحم جريرتي ... وحبست سائمتي على ذي الخلّة
وحمّ الأمر قضي وحمّ حمامه ونزل به القدر المحموم والقضاء المحتوم.
(يُصْهَرُ) : يذاب يقال صهرت الشحم من باب قطع إذا أذبته والصهارة الألية المذابة وصهرته الشمس أذابته وفي الحديث «إن الحميم ليصب من فوق رؤوسهم فينفذ من جمجمة أحدهم حتى يخلص إلى جوفه فيسلب ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان» .
(مَقامِعُ) : جمع مقمعة بكسر الميم لأنها آلة القمع يقال قمعه يقمعه من باب قطع إذا ضربه بشيء يزجره به ويذله والميقعة المطرقة وقيل: السوط وفي الأساس: «قمع خصمه قهره وأذله فاقمع وتقمع والناس على باب القاضي متقمّعون وانقمع في بيته وتقمع: جلس وحده وقمعته بالمقمع والمقمعة وبالمقامع وهي الجرزة، وتقمّعت الدواب ذبّبت عن رءوسها القمع وهي ذبّان كبار زرق من ذبان الكلأ التي تغنى الواحدة قمعة، وأنشد الجاحظ:
كأنّ مشافر النجدات منها ... إذا ما مسّها قمع الذباب
بأيدي مأتم متساعدات ... نعال السبت أو عذب الثياب
من النجد: العرق، وقال أوس:
ألم تر أن الله أرسل مزنة ... وعفر الظّباء في الكناس تقمّع
وهم يكللون الجفان بالقمع جمع قمعة وهي أعلى السنام، ومن المجاز «ويل لأقماع القول» وهم الذين يسمعون ولا يعون وفلان قمع الأخبار يتتبّعها ويتحدّث بها وتقول: ما لكم أسماع، إنما هي أقماع» وفي القاموس وشرحه «والقمع أيضا بتثليث القاف آلة توضع فوق الإناء فتصبّ فيه السوائل وجمعه أقماع» .
وللقاف مع الميم خاصة عجيبة وهي أنهما إذا اجتمعتا فاء وعينا للكلمة دلت على القهر والاذلال والغلبة تقول: قمؤ الرجل قماءة وقمأ قمأ إذا ذل وصغر في الأعين وهو صاغر قميء وأقمأ الرجل أذله، وقمحت السويق وغيره بكسر الميم واقتحمته إذا أخذته في راحتك إلى فيك ومنه القمح وهو الحب الذي يطحن ويتخذ منه الخبز وشهر أقماح أشد أشهر الشتاء بردا، قال الهذلي:
فتى ما ابن الأغر إذا شتونا ... وحبّ الزاد في شهري قماح
ومن المجاز: أقمح المغلول فهو مقمح إذا لم يتركه عمود الغل الذي ينخس ذقنه أن يطأطىء رأسه «فهم مقمحون» وقمر الرجل غلبه وسلبه ماله وقمر الرجل بكسر الميم تحير بصره من الثلج وكأن القمر سمي بذلك لأنه متحير في سمائه، وقمز الشيء جمعه وأخذه بأطراف أصابعه، وقمسه في الماء غمسه وغرق في قاموس البحر: في قعره الأقصى وشبه القاموس بأعماق البحار لاشتماله على الكثير من مفردات اللغة وهو اسم لكتاب الفيروزبادي في اللغة ويطلق في زماننا على كل كتاب في اللغة فهو يرادف كلمة معجم وليس ذلك بعيدا، وقمص يقمص بكسر الميم وضمها في المضارع قماصا بالكسر كالنفار والشراد وتقامص الصبيان وبينهم مقامصة وقمص الفرس رفع يديه معا وطرحهما معا وعجن برجليه وتقمص مطاوع قمص لبس القميص ويقال على الاستعارة تقمص الولاية والإمارة وتقمصت الروح انتقلت من جسد إلى جسد آخر على زعم بعضهم ومنه القميص وهو ما يلبس، وقمط الأسير جمع بين يديه ورجليه بالحبل وهو القماط وقمط الصبي بقماطة وهي الخرقة التي تلف عليه في المهد والعامة تستعمله كثيرا وهو عربي فصيح والقمّاط اللص وقمط الطائر انثاه والرجل امرأته فعل بها، وقمقم ما على المائدة تتبع ما عليها وجمعه، وقمل رأسه صار ذا قمل يفلّيه، وقمّ الشيء يقمه بضم القاف استأصله وقممه جففه، والقمن بفتحتين الجدير بالأمر كأنه يغلبه ويتحكم به ويكون بلفظ واحد مع المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع ويقال: هذا المنزل لك موطن قمن أي جدير بأن تسكنه، وقمه البعير يقمه قموها رفع رأسه فلم يشرب الماء كأن شيئا غلبه وهذا من الغريب بمكان.
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) : الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم والفاعل مستتر تقديره أنت والرؤية هنا علمية وذلك لأن رؤية سجود هذه الأمور إنما تتأتى عن طريق العقل لا عن طريق البصر وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي تر وأن واسمها وجملة يسجد خبرها وله متعلقان بيسجد ومن فاعل وفي السموات ومن في الأرض متعلقان بمحذوف صلة الموصول والشمس وما بعدها عطف خاص على قوله من في السموات ومن في الأرض ونص على هذه الأمور لما ورد من أن بعضهم كان يعبدها، والسجود يشمل الملائكة والآدميين والجبال والشجر والدواب وغيرها وأفرد الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب بالذكر لشهرتها واستبعاد السجود منها.
(وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ) شغلت هذه الآية المفسرين والمعربين كثيرا فمن منع استعمال المشترك في معنييه الحقيقي والمجازي لم ينظم كثيرا في المفردات المتناسقة الداخلة تحت حكم الفعل وجعله مرفوعا بفعل مضمر يدل عليه قوله يسجد أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة وذلك أن السجود المسند لغير العقلاء غير السجود المسند للعقلاء فلا يسوغ عطفه عندهم على ما قبله لاختلاف الفعل المسند إليهما في المعنى فسجود العقلاء هو الكيفية المخصوصة المعرفة وسجود غير العقلاء هو الإذعان والطاعة وأما الذين أجازوا استعمال المشترك في معنييه الحقيقي والمجازي فهم ينسقونه على ما تقدم ولهم في تبرير ذلك تأويلات ثلاثة وهي:
آ- ان المراد بالسجود هو المعنى العام المشترك بين العقلاء وغيرهم وهو الخضوع والإذعان فيكون الاشتراك معنويا.
ب- انه لا يمنع الاشتراك اللفظي وقد يشترك المجاز والحقيقة.
ج- انه يجوز الجمع بين المجاز والحقيقة وسيأتي مزيد بسط لهذا الموضوع في باب البلاغة.
ووقف فريق من المعربين موقفا ثالثا فلم يرفعوه بفعل مضمر لأن حذف فعل الفاعل غير وارد عندهم ولم ينسقوه على ما تقدم بل أعربوه مبتدأ وخبره محذوف تقديره مطيعون أو مجزيون أو مثابون أو نحو ذلك، ومن الناس صفة كثير وكثير حق عليه العذاب عطف على سابقه.
(وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ) الواو استئنافية أو عاطفة ومن شرطية في محل نصب مفعول به مقدم ليهن والله فاعل وما نافية وله خبر مقدم ومن حرف جر زائد ومكرم مجرور بمن لفظا مبتدأ مرفوع محلا وإن واسمها وجملة يفعل خبرها والجملة تعليلية.
(هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لسرد قصة المتبارزين يوم بدر وهم حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وقيل هم المختصمون من أهل الكتاب والمسلمين في دين الله وهذان مبتدأ وخصمان خبره وجملة اختصموا صفة لخصمان ولك أن تجعل الجملة خبرا وخصمان بدل من هذان وفي ربهم متعلقان باختصموا وهو على حذف مضاف أي في دينه وقال خصمان ثم جمع الفعل لأن الخصم في الأصل مصدر ولذلك يوحّد ويذكر غالبا ويجوز أن يثنى ويجمع أو الجمع مراعاة للمعنى لأن المتخاصمين كانوا فرقا شتى وطوائف كثيرة. (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ) الفاء عاطفة والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة وجملة قطعت خبر ولهم متعلقان بقطعت وثياب نائب فاعل ومن نار صفة لثياب وسيأتي تفصيل معنى الثياب هنا في باب البلاغة وجملة يصب خبر ثان لاسم الموصول أو حالية من الضمير في لهم أو تجعلها مستأنفة ويصب فعل مضارع مبني للمجهول ومن فوق رءوسهم متعلقان بيصب والحميم نائب فاعل. (يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) جملة يصهر حالية من الحميم وهو بالبناء للمجهول وبه متعلقان به وما نائب فاعل وفي بطونهم متعلقان بمحذوف صلة ما والجلود عطف على ما واختار بعضهم أن يكون الجلود مرفوعا بفعل مضمر أي وتحرق الجلود قالوا لأن الجلود لا تذاب وانما تنقبض إذا صليت بالنار فهو من باب: علفتها تبنا وماء باردا أي وسقيتها ماء لأن الماء لا يكون علفا. (وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) الواو عاطفة ولهم خبر مقدم ومقامع مبتدأ مؤخر ومن حديد صفة لمقامع واختلف في عودة الضمير في لهم فقيل يعود على الذين كفروا واللام للاستحقاق، وقيل يعود على أعوان جهنم أي الزبانية ولم يتقدم لهم ذكر ولكن سياق الكلام يدل عليه. (كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) كلما ظرف متضمن معنى الشرط وقد تقدم كثيرا وأرادوا فعل وفاعل وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول به لأرادوا ومنها متعلقان بيخرجوا ومن غم بدل من الجار والمجرور قبله بدل اشتمال لأنها تشمل عليه ويجوز أن تكون من للتعليل فتتعلق بيخرجوا أيضا أي يخرجوا من النار من أجل الغم الذي لحق بهم وجملة أعيدوا لا محل لها لأنها جواب كلما وفيها متعلقان بأعيدوا والواو حرف عطف والمعطوف محذوف تقديره وقيل لهم وجملة ذوقوا عذاب الحريق مقول القول المحذوف.
البلاغة:
1- الحقيقة والمجاز:
الحقيقة هي اللفظ الدال على موضعه الأصلي وأما المجاز فهو ما أريد به غير المعنى الموضوع في أصل اللغة كما تقدم وقد وعدناك أن نقول قولا شافيا في جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز فالواقع أن كل مجاز له حقيقة لأنه لم يصح أن يطلق عليه اسم المجاز إلا لنقله عن حقيقة موضوعة له، وبديه أن المخلوقات كلها تفتقر إلى أسماء يستدل بها عليها ليعرف كل منها باسمه من أجل التفاهم الذي لا بد منه فالاسم الموضوع بإزاء المسمى هو حقيقة له فاذا نقل إلى غيره صار مجازا والفرق الدقيق بينهما هو أن الحقيقة جارية على العموم في نظائر ألا ترى أنا إذا قلنا فلان «عالم» صدق على كل ذي علم بخلاف «واسأل القرية» لأنه لا يصح إلا في بعض الجمادات دون بعض إذ المراد أهل القرية لأنهم ممن يصح السؤال لهم ولا يجوز أن يقال واسأل الحجر والتراب وقد يحسن أن يقال واسأل الربع والطلل قال الأعشى:
ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل تخبرنك اليوم بيداء سماق
2- الاستعارة التمثيلية في قطعت لهم ثياب:
في قوله تعالى: «قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ» استعارة تمثيلية جعل تقطيع الثياب وتفصيلها على قدود الكفار بمثابة الإحاطة بهم مع التهكم الذي ينطوي عليه أي أنها تشتملهم وتحتويهم كما تشتمل الثياب لابسها وتحتويه أما الروعة فهي كامنة في قوله «يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ» وهو ما يسمى بالارداف فإن الثياب تشمل جميع الجسد غير الرأس، أفرد الرؤوس بالذكر بقوله: يصب.
22:23–25Page 334
إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٢٣
Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearl, and their garments therein will be silk.
وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ ٢٤
And they had been guided [in worldly life] to good speech, and they were guided to the path of the Praiseworthy.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٥
Indeed, those who have disbelieved and avert [people] from the way of Allāh and [from] al-Masjid al-Ḥarām, which We made for the people - equal are the resident therein and one from outside - and [also] whoever intends [a deed] therein1 of deviation [in religion] by wrongdoing - We will make him taste of a painful punishment.
الإعراب:
(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) تقدم إعراب نظيرها فجدد به عهدا. (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ) يحلون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفيها متعلقان بيحلون ومن أساور اضطربت أقوال المعربين فيها كما استشهد بها جميع النحويين على مجيء من لبيان الجنس وهي قوله من ذهب وعلامتها أن يصح الإخبار بما بعدها عما قبلها فتقول الأساور هي من ذهب، ومن البيانية ومجرورها في موضع نصب على الحال مما قبلها إن كان معرفة كقوله تعالى «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ» وفي موضع النعت كقوله من ذهب، ولم أر بينهم جميعا من تعرض لإعراب من أساور إلا بقول مبهم لا يبل أواما ولا يشفي غليلا ولعل أقرب ما أراه فيها أن تكون نعتا لمفعول محذوف أي حليا ناشئا من أساور كائنة من ذهب، واكتفى ابن هشام بقوله هي للابتداء وقال أبو البقاء مثل قولنا ولم يتعرض الزمخشري لها وقال شهاب الدين الحلي «وقوله من أساور من ذهب، في من الأولى ثلاثة أوجه أحدها أنها زائدة والثاني أنها للتبعيض أي بعض أساور والثالث أنها لبيان الجنس ومن في من ذهب لابتداء الغاية وهي نعت لأساور» وقوله متهافت متدافع كما ترى.
ولؤلؤا عطف على محل من أساور لأن محلها النصب، كذا قال المعربون ولكن الزمخشري لم يرتض هذا القول فجعلها منصوبة بفعل محذوف تقديره ويؤتون لؤلؤا، وجملة يحلون حالية أو خبر ثان لإن ولباسهم الواو عاطفة ولباسهم مبتدأ وفيها حال وحرير خبر.
وفي هذا العدول عن الفعلية إلى الاسمية دلالة على الديمومة حيث لم يقل ويلبسون حريرا فقد دل على أن الحرير ثيابهم المعتادة والدائمة في الجنة كما أن فيه رعاية للمحافظة على الفواصل لأنه لو قال ويلبسون حريرا لكان في آخر الفاصلة الألف في الكتابة والوقف بخلاف البقية (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ) الواو عاطفة وهدوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل والى الطيب متعلقان بهدوا ومن القول متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستكن في الطيب وهدوا إلى صراط الحميد عطف على الجملة السابقة أي إلى طريق الله المحمود ودينه القويم. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) إن واسمها وجملة كفروا صلة والجملة مستأنفة ويصدون الواو حرف عطف ويصدون عطف على كفروا وفي عطفه على الماضي تأويلات أولها أن لا يقصد بالمضارع الدلالة على زمن معين من حال أو استقبال وإنما يراد به مجرد الاستمرار ومثله «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ» أو انه مؤول بالماضي لعطفه على الماضي أو انه على بابه وان الماضي قبله مؤول بالمستقبل وقد أجاز أبو البقاء وغيره أن تكون الواو حالية والجملة في محل نصب على الحال من فاعل كفروا وهو قول متهافت لأنه مضارع مثبت وما كان كذلك لا تدخل عليه الواو وما ورد منه على قلته مؤول فلا يسوغ حمل القرآن عليه وعن سبيل الله متعلقان بيصدون والمسجد الحرام عطف على سبيل الله والذي صفة ثانية للمسجد وجملة جعلناه صلة ونا فاعل والهاء مفعول به أول وللناس حال لأنه كان صفة وتقدم، وسواء مفعول به ثان ان كانت جعل متعدية لاثنين وان كانت متعدية لواحد أعربت سواء حالا من هاء جعلناه والعاكف فاعل سواء لأنه مصدر وصف فهو في قوة اسم الفاعل المشتق أي بمعنى مستو أي جعلناه مستويا فيه العاكف أي المقيم، والباد بحذف الياء تبعا لرسم المصحف معطوف على العاكف ومعناه الطارئ، وقد انفرد حفص بقراءة النصب في سواء والجمهور على رفعها على انه خبر مقدم والعاكف والباد مبتدأ مؤخر والجملة في محل نصب مفعول به ثان أو حال وخبر إن محذوف تقديره خسروا أو هلكوا أو نحو ذلك وقدره الزمخشري نذيقهم من عذاب أليم واعترض عليه بأنه يكون بعد المسجد الحرام وفيه فصل بين الصفة والموصوف. (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) الواو عاطفة ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويرد فعل الشرط وفيه متعلقان بيرد ومفعول يرد محذوف ليتناول كل ما يمكن تناوله وبإلحاد حال وبظلم حال أيضا فهما حالان مترادفتان كأنه قال ومن يرد فيه مرادا عادلا عن القصد ظالما وهذا أولى من تقدير زيادة الباء في إلحاد وجعله هو المفعول، قال أبو عبيدة: «مفعول يرد هو بإلحاد والباء زائدة في المفعول قال الأعشى: ضمنت برزق عيالنا أرماحنا أي رزق» وقال أبو حيان: «والأحسن أن يضمن معنى يرد يلتبس فيتعدى بالباء» ونذقه جواب الشرط والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به ومن عذاب متعلقان بنذقه وأليم صفة وقدر أبو حيان الخبر مستنتجا من قوله نذقه، وهو إعراب تفسيري لا صناعي فالأولى أن يقدر تقديرا أي نذيقهم عذابا أليما.
22:26–29Page 335
وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦
And [mention, O Muḥammad], when We designated for Abraham the site of the House, [saying], "Do not associate anything with Me and purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who stand [in prayer] and those who bow and prostrate.
وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧
And proclaim to the people the ḥajj [pilgrimage]; they will come to you on foot and on every lean camel; they will come from every distant pass -
لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ٢٨
That they may witness [i.e., attend] benefits for themselves and mention the name of Allāh on known [i.e., specific] days over what He has provided for them of [sacrificial] animals.1 So eat of them and feed the miserable and poor.
ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٢٩
Then let them end their untidiness and fulfill their vows and perform ṭawāf around the ancient House."
اللغة:
(رِجالًا) : مشاة جمع راجل كقائم وقيام يقال رجل يرجل بفتح الجيم رجلا بفتحتين: سار على رجليه لا راكبا، ويقال هذا رجل أي كامل في الرجال بين الرّجولية والرّجولية وهذا أرجل الرجلين وهو راجل ورجل بين الرّجلة وحملك الله عن الرّجلة ومن الرّجلة وقوم رجّال ورجال ورجّالة ورجل ورجلى ورجالى وأراجيل وترجلوا في القتال نزلوا عن دوابهم للمنازلة ورآه فترجل له ورجل أرجل عظيم الرجل ورجل رجيل وذو رجلة مشّاء.
(ضامِرٍ) : في المختار ضمر الفرس من باب دخل وضمر أيضا بالضم ضمرا بوزن فقل فهو ضامر، وناقة ضامر وضامرة وتضمير الفرس أيضا أن تعلفه حتى يسمن ثم ترده إلى القوت وذلك في أربعين يوما. والبعير يطلق على الجمل والناقة.
(فَجٍّ) : الفج بفتح الفاء ويجمع على فجاج بكسر الفاء والفجاج بضم الفاء: الطريق الواسع الواضح بين الجبلين.
(تَفَثَهُمْ) : أوساخهم وقضاء التفث المراد به قص الأظافر ونتف الإبط وفي المصباح: تفث تفثا فهو تفث مثل تعب تعبا فهو تعب إذا ترك الأدهان والاستحداد فعلاه الوسخ وقوله تعالى: «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ» قيل هو استباحة ما حرم عليهم بالإحرام بعد التحلل» وقال غيره: «التفث قيل أصله من التف وهو وسخ الأظفار قلبت الفاء كمعثور في معفور وقيل هو الوسخ والعذر يقال: ما نفثك؟ وحكى قطرب: تفث الرجل إذا كثر وسخه في سفره ومعنى ليقضوا ليصنعوا ما يصنعه المحرم من ازالة شعر وشعث ونحوهما عند حله» .
الإعراب:
(وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً) الواو استئنافية والظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر وجملة بوأنا مضافة إليها الظرف وبوأنا فعل وفاعل ولابراهيم متعلقان ببوأنا ومكان البيت مفعول بوأنا واختار أبو البقاء وغيره أن تكون اللام زائدة أي أنزلناه مكان البيت والدليل عليه قوله تعالى «وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ» اما على الاول فيكون معنى بوأنا هيأنا وان هي المفسرة لأنها واقعة بعد قول مقدر أي قائلين له لا تشرك ولا ناهية وتشرك فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وقيل هي مصدرية فعلنا ذلك لئلا تشرك وجعل النهي صلة لها وبي متعلقان بتشرك وشيئا مفعول تشرك، وعبارة أبي حيان: وأن مخففة من الثقيلة قاله ابن عطية والأصل أن يليها فعل تحقيق أو ترجيح كحالها إذا كانت مشددة أو حرف تفسير قاله الزمخشري وابن عطية وشرطها أن يتقدمها جملة في معنى القول وبوأنا ليس فيه معنى القول والأولى عندي أن تكون أن الناصبة للمضارع إذ يليها الفعل المتصرف من ماض ومضارع وأمر والنهي كالأمر. (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) وطهر الواو عاطفة وطهر فعل أمر فاعله مستتر تقديره أنت وبيتي مفعول طهر وللطائفين متعلق بطهر والقائمين والركع عطف على ما تقدم والسجود صفة للركع والأولى أن تجعل الكلمتين بمثابة الكلمة الواحدة لأنهما عملان في عمل واحد وهو الصلاة. (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) وأذن فعل أمر أي ناد بدعوة الحج والأمر به والخطاب لابراهيم كما يقتضيه السياق وعليه المفسرون جميعا وعن الحسن انه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع وهو أقوى من جهة التشريع، وفي الناس متعلقان بأذن وبالحج متعلقان بمحذوف حال أي معلنا ويأتوك مضارع مجزوم لأنه وقع جوابا للطلب والواو فاعل والكاف مفعول به ورجالا حال وعلى كل ضامر عطف على رجالا أي مشاة وركبانا ويأتين فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة والنون فاعل وجملة يأتين صفة لكل ضامر لأنه في معنى الجمع وقرىء يأتون صفة للرجال والركبان ومن كل فج متعلقان بيأتين وعميق صفة لفج. (لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ) اللام للتعليل ويشهدوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعدها وهي متعلقة مع مجرورها بيأتوك أو بأذّن ومنافع مفعول به ولهم صفة لمنافع ويذكروا عطف على يشهدوا والواو فاعل واسم الله مفعول به وفي أيام متعلقان بيذكروا ومعلومات صفة لأيام وسيأتي ذكر هذه الأيام في باب الفوائد. (عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ) على ما رزقهم متعلقان بيذكروا أيضا ومعنى على هنا التعليل ومثله قوله تعالى «وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ» وقول الشاعر:
علام تقول الرمح يثقل عاتقي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
ومن بهيمة الأنعام متعلقان برزقهم، فكلوا الفاء الفصيحة وكلوا فعل أمر وفاعل ومنها متعلقان بكلوا وأطعموا عطف على كلوا والبائس مفعول به والفقير صفة. (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) ثم حرف عطف واللام لام الأمر وسيأتي بحث مفيد عنها في باب الفوائد ويقضوا مضارع مجزوم بلام الأمر وتفثهم مفعول به وليوفوا نذورهم عطف على يقضوا تفثهم وليطوفوا بالبيت العتيق عطف أيضا وبالبيت متعلقان بيطوفوا والعتيق صفة للبيت وسيأتي السر في تسميته بالعتيق في باب الفوائد.
الفوائد:
1- لام الأمر:
لام الأمر ويسميها النجاة اللام الطلبية سواء أكانت أمر أم دعاء فالأول نحو «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ» والثاني نحو «لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ» وتكون للالتماس، فالأمر من الأعلى والدعاء من الأدنى والالتماس من المساوي، ولام الأمر مكسورة إلا إذا وقعت بعد الواو والفاء فالاكثر تسكينها نحو «فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي» وقد تسكن بعد ثم، وتدخل لام الأمر على فعل الغائب معلوما ومجهولا وعلى المخاطب والمتكلم المجهولين.
2-لماذا سمي البيت العتيق:
اختلف المفسرون في هذه التسمية فرجح الزمخشري انه القديم لأنه أول بيت وضع للناس، وقال ابن عباس: سمي عتيقا لأن الله أعتقه من تسلط الجبابرة عليه فكم من جبار سار اليه ليهدمه فمنعه الله، وقال الزمخشري في تأييد هذا الوجه «فإن قلت: قد تسلط عليه الحجاج فلم يمنع؟ قلت: ما قصد التسلّط على البيت وانما تحصن به ابن الزبير فاحتال لاخراجه ثم بناه ولما قصد التسلط عليه أبرهة فعل به ما فعل» كما سيأتي، وقيل بيت كريم من قولهم عتاق الخيل والطير.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences